أرشيف الوسم: المنفلوطي

عن حياة النضال: رسالة من المنفلوطي إلى تولستوي

 

MustafaLutfial-Manfaluti

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

في مطلع القرن العشرين اهتم الكُتاب العرب بتولستوي ومؤلفاته الأدبية، وتابعوا أهم تطورات حياته و مؤلفاته الفلسفية، وبوجه خاص تحدث الأدباء العرب عن نضال تولستوي ضد الأغنياء والملكية الخاصة.
ومن ضمن أولئك الأدباء، مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) وهو أديب وشاعر مصري، ولديه مؤلفات أدبية كثيرة  أشهرها كتابي (النظرات والعبرات ) أبلغ ما كُتب في العصر الحديث. وترجم عدة روايات فرنسية شهيرة، صاغها بأسلوبه الخاص صياغة عربية في غاية الروعة.
في كتاب النظرات  كتب المنفلوطي مقالة بعنوان ( إلى تولستوي) وهي رسالة مفتوحة كتبها عندما عَلِم بأمر عزلة تولستوي، فبعد معاناته من التهاب رئوي حاد وقبل وفاته بتسعة أيام ترك تولستوي بيته سرًا بصحبة سكرتيره، لينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم.

854

ليو تولستوي (1827-1910)  مؤلف وأديب ويُعدّ من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، ذاع صيته في روسيا والعالم؛ نظرًا لإبداعاته الأدبية التي تعدُّ الأعظم على مرِّ التاريخ، لاسيما روايتي (الحرب والسلم) و(آنا كارنينا). ويعدّ تولستوي روائي ومصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي.

ابتدأ المنفلوطي مقالته بتعزية لتولستوي بسبب حالة الضيق واليأس التي كان يعيشها من أقرب الناس له، ومن المجتمع الذي لطالما كرَّس قلمه لإصلاح أخلاقه وقيمه.

حدثنا الناس عنك، أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعًا بعد أن أعجزك إصلاحه وتقويمه، فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيءٍ حتى زوجك وولدك، ففررت بنفسك منه إلى غاب تسمع زئير سباعه؛ أو دير تأنس برنة ناقوسه وأسجلت أن لا تعود إليه، فعذرناك، ولم نعتب عليك؛ لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبقَ في غمدك سيف، والعدو كثيرٌ عدده صعب مراسه، والشجاعة في غير موطنها جنون، والوقوف أكثر من ثمانين عامًا أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في زياله عناد. وهل كان يكون مصيرك إلا مصير الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قُتلوا قبل أن يروا منظرًا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزّون به أنفسهم عن أنفسهم.

تحدث المنفلوطي عن الصراع بين تولستوي والقيصر، فتولستوي لم تعجبه حياة الشقاء والفقر التي يعيشها معظم الناس؛ بسبب قوة الإقطاع التي تضطهد الشعب، فطلب من القيصر المساواة بين الناس عندها غَضِب القيصر منه وأدى ذلك إلى ملاحقة تولستوي بدلاً من الإصغاء إلى نصائحه.

قلتَ للقيصر:

أيها الملك إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكّار في المزرعة، وذلك العامل في المصنع، كلاكما مأجور على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلَـلِه  وسقطه، فكما أن صاحب المصنع يسأل العامل هل وفّى عمله ليمنحه أجره، كذلك يسألك الشعب هل قمت بحماية القانون الذي وَكل إليك حراسته فأنفذته كما هو من غير تبديل ولا تأويل؟ وهل عدلت بين الناس، فآسيت بين قويّهم وضعيفهم، وغنيّهم وفقيرهم، وقريبهم وبعيدهم؟ وهل استطعت أن تستخلص عقلك من يدي هواك فلم تدع للحب ولا للبغض سلطانًا على نفسك يعدل بك عن منهج العدل ومحجته؟ ..
فما سمع منك هذه الكلمات حتى أكبرها وأعظمها؛ لأنه لم يجد بين الكثير الذي يعاشره من يُسمعه مثلها، فحقد عليك ونقم منك وأزعجك من مكانك واستعان على مطاردتك بأولئك الذي أذل نفوسهم، وأفسد ضمائرهم بظلمه وجوره من قبل؛ ليعدهم لمقاتلة الحق ومصارعته في أيام خوفهِ وقلقه.

من مواقف تولستوي الجريئة، معارضته للكنيسة، وهي إحدى القوى التي تعتمد عليها الدولة في اضطهاد الشعب وسلبه حقوقه، وما كان من الكنيسة إلا أن تُعلن إبعاده نظرًا لآرائه المتعارضة معها، فكفّرته.

وقلتَ للكاهن:

إن المسيح عاش معذّبا مضطهدا لأنه لم يرضَ أن يقر الظالمين على ظلمهم، وأبى أن يخفي ذلك المصباح الذي في يده تحت ثوبهِ، بل رفعهُ فوق رأسه غير مبالٍ بنقمة الملوك على ذلك النور الذي يكشف سوءتهم، ويهتك سترهم، وأنت تزعم أنك خليفته وحامل أمانته والقائم بنشر آياته وكلماته، فما هذه الجلسة الذليلة التي أراك تجلسها تحت عروش الظالمين، وماهذه اليد التي تضعها في أيديهم؛ كأنك تأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يقتلوا ويسلبوا باسمك، وفي حمايتك وحماية الكتاب المقدس!
ذلك ماقلت للكاهن؛ فكان جوابه أن أرسل إليك كتاب الحرمان، وهو يعلم أنك لا تعترف له بالقدرة على إعطاء أو منع، ولكنه أراد تشويه سمعتك والغضّ منك وإغراء العامة بك وصرف القلوب عنك، فكان ذلك كل ما استفدتَ من نصيحتك وعظتك.

اختتم المنفلوطي رسالته بإن ليس بوسع أي أحد إصلاح المجتمع، مادام ذاك المجتمع راضيًا بجهله وفساده وعبوديته.وهكذا انتهى الحال بـ تولستوي ولم يستجب لندائه أحد.


فهنيئًا لك أيها الرجل العظيم ما اخترتَ لنفسك من تلك العزلة المطمئنة، فقد نجوتَ بها من حياة لا سبيل للعاقل فيها إلا أن يسكت؛ فيهلك غيظًا أو ينطق؛ فيموت كيدًا.
إن الحكيم يستطيع أن يحيل الجهل علمًا والظلمة نورًا والسواد بياضًا والبحر برًا والبر بحرًا، وأن يتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء، ولكنه لا يستطيع أن يحيل رذيلة المجتمع الإنسانيّ فضيلة وفساده صلاحًا.

من نظرات المنفلوطي عن العام الجديد!

MustafaLutfial-Manfaluti

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

يتحدث لطفي المنفلوطي في أحد مقالاته التي نشرها في كتابه النظرات عن العام الجديد، قائلاً:

علام يهنئ الناس بعضهم بعضاً؟ وماذا لقوا من الدنيا فحرضوا على البقاء فيها؟ ويغتبطوا المراحل التي يقطعونها منها؟ وهل يوجد بينهم شخص واحد يستطيع أن يزعم أنه أصبح سعيداً كما أمسى؟ أو أمسى سعيداً كما أصبح؟ أو أنه رأى بروق السعادة قد لمع في إحدى لياليه ولم ير بجانبه مايرى في الليلة البارقة من رعود قاصفة، وصواعق محرقة، وشهب متطايرة؟

بأية نعمة من النعم، أو صنيعة من الصنائع تمن يد الحياة على إنسان لا يفلت من ظلمة الرحم إلا إلى ظلمة العيش، ولا يفلت من ظلمة العيش إلا إلى ظلمة القبر، كأنما هو يونس، الذي التقمه الحوت فمشى في ظلمات بعضها فوق بعض! وأية يد من الأيادي أسدتها الأيام إلى رجل يظل فيها من مهده إلى لحده حائراً مضطرباً، يفتش عن ساعة راحة وسلام تهدأ فيها نفسه، ويثلج صدره، فلا يعرف لها مذهباً ولايجد لها سبيلاً، إن كان غنياً اجتمعت حوله القلوب الضاغنة، واصطلحت عليه الأيدي الناهبة، فإما قتلته وإما افقرته، وإن كان فقيراً عد الناس فقره ذنباً جنته يداه، فتتناوله الأكف بالصفع والأرجل بالركل والألسن بالقذف، حتى يموت الموتة الكبرى بعد أن مات الموتة الصغرى، وإن كان عالماً ولع الحاسدون بذمه وهجوه، وتفننوا في تشويه سمعته، وتسويد صحيفته ولا يزالون به حتى يعطيهم العهود والمواثيق التي يرضونها أن يعيش عالماً كجاهل يدركه الموت، وإن كان جاهلاً اتخذه العالمون مطية يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا يهادنونها ولا يرفقون بها حتى يعقروها. وإن كان بخيلاً ازدرته القلوب واقتحمته العيون وتقلصت له الشفاه، وبرزت له الأنياب، حتى تحرقه، وإن كان كريماً محسناً عاش مترقباً في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم إما لأنه أذاقهم جرعة باردة فاستعذبوها فاستزادوه فلم يفعل، فهم ينتقمون منه، أو لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يخيل إليهم أن المحسن يريد أن يبتاع منهم نفسه بما يسدي، وهم يأبون إلا أن يتناولوا من الإحسان بلامقابل فهم ينقمون عليه إن عرف كيف يفلت من أيديهم.

لا سعادة في الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري، ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس، واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف، فعرف كل ذي حق حقه، وقنع كل بما في يده عما في يد غيره، فلا يحسد فقير غنياً، ولا عاجز قادراً، ولا محدود محدوداً، ولا جاهل عالماً، وأشعرت القلوب الرحمة والحنان على البائسين والمنكوبين فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولا عار بين الكاسين، وامتلأت النفوس عزة وشرفاً، فلا يبقى شيء من تلك الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين مرة والإنسانية أخرى، ولا ترى طبيباً يدعي علم مالم يعلم ليسلب المريض روحه وماله، ولا محامياً يخدع موكله عن قضيته ليسلب منه فوق ماسلب منه خصمه، ولا تاجراً يشتري بعشرة ويبيع بمائة، ثم ينكر بعد ذلك أنه لص خبيث، وكاتباً يضرب الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما.

ومادامت هذه المطالب أحلاماً كاذبة وأماني باطلة، فلامطمع في سلام ولا أمان، ولا أمل في سعادة ولاهناءة، ولا فرق بين أمس الدهر ويومه ولا بين يومه وغده، ولافرق بين مغفلات أيامه غير ماعرفت وماذاق أحد من نغماته غير ماذقت، وليفرح بالعام الجديد من حمد ما مضى من أيامه وسالف أعوامه. 

المنفلوطي وقصة الغناء العربي

المنفلوطي

مصطفى لطفي المنفلوطي (1976-1924) أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته ، له شعر جيد فيه رقة، قام بالكثير من الترجمة والاقتباس من بعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية في غاية الروعة. لم يحظ بإجادة اللغة الفرنسية لذلك أستعان بأصحابه الذين كانوا يترجمون له الروايات ومن ثم يقوم هو بصيغتها وصقلها في قالب أدبي . كتاباه (النظرات) و(العبرات) يعتبران من أبلغ ما كتب في العصر الحديث. نقتبس لكم هنا من كتابه (النظرات) رأيه في الغناء الذي استفتتحه بمقولته:

الغناء بقية خواطر النفس التي عجز عن إبرازها اللسان، فأبرزتها الألحان فهو أفصح الناطقين لسانًا، وأوسعهم بيانًا، وأسرعهم نفاذًا إلى القلوب وامتزاجًا بالنفوس، واستيلاءً على العقول، وأخذًا بمجامع الأفئدة، وبيان ذلك أن النطق ثلاث طبقاتٍ تختلف درجاتها باختلاف درجات الإبلاغ والتأثير فيها، فأدناها النثر، وأوسطها الشعر، وأعلاها الغناء.

ثم يكمل بعد ذلك عن حال االبشرية مع الغناء:

والغناء فنّ من الفنون الطبيعية، تهتدي إليه الأمم بالفطرة المترنمة في هديل الحمام وخرير المياه، وحفيف الأشجار. فمن أبكاه الحمام غرّد تغريده كلما أراد البكاء، ومن أطربه صوت الناعورة رنّ رنينها ليطرب جمله أو ناقته فينشطان للمسير.

أما عن حال العرب مع هذا الفن فيقول:

وما زال هذا الفن مبتديًا ببداوة الأمة العربية لا يكاد يتخطى فيها حداء الجمال، ومناغاة الأطفال، حتى إذا انتقلت من مضيق الحاجيات إلى منفسح الكماليات، وتوسعت فيه وزادت فيه أنغامه وضروبه، وتفننت في آلاته وأدواته؛ وكذلك كان شأن العرب في جاهليتهم ، ينظمون أشعارهم على نِسب متوازية، وأنغام متوازنة. فالبيت يوازن البيت في ترتيب الحركات والسكنات وتعدادها، والشطر والتفعيلة يوازنان الشطر والتفعيلة كذلك، فكأنما كانوا يهيئون لأنفسهم بمذهبهم هذا في الشعر ألحانًا موسيقية، غير أن معارفهم لم تكن تتسع لأكثر من هذا النوع من الموسيقى، وهو نوع التناسب الشعري الذي هو قطرة من بحر هذا الفن الزاخر، ثم استمر شأنهم على هذا حتى جاء الإسلام واختلطت الأمة العربية بالأمة الفارسية التي كان لها من حضارتها وتمدينه متسع للبراعة في هذا الفن ومنتدح في مناحيه ومقاصده، ووفد الكثير من مغني الفرس والروم مَوالي في بيوت العرب وبين أيديهم العيدان والطنابير، والمعازف والمزامير، يلحنون بها أشعارهم الفارسية والرومية، فسمعها منهم العرب فاقتبسوها ولحنوا بها أشعارهم تلحينًا بزوا فيه أساتذتهم، وولدوا ألحانًا وأنغامًا لم يأتِ بها من قبلهم، شأنهم في جميع الفنون والصناعات التي كانوا يقتبسونها من الأمم المتمدنة المعاصرة لهم.

ثم يكمل بعد ذلك، فيقول بأن الغناء كان له شأنًا عظيمًا رفيعًا في الصدر الأول من الإسلام، ويكمل فيقول:

ولقد مضى الصدر الأول من الإسلام وشأن فن الغناء العربي هذا الشأن العظيم، خصوصًا في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، ثم أخذت شمسه الباهرة تنحدر إلى الغروب بانحدار اللغة العربية وشِعرها حتى أصبح في حضارة الأندلس قدودًا وموشحات، بعد أن كان قصائد ومقطعات، (…) وليت الأمر وقف عند هذه الموشحات فإنها وإن لم تكن شعرية اللفظ فهي شعرية المعنى عالية الخيال، وهي على علّاتها خير من شعر العامة الذي قضى عليهم فساد اللغة وانحطاطها بانتهاجه والتغني به كالزجل، والمواليا، والقوما، والدوبيت، وكان ويكون، غير أن ذلك ما يسمى في عهدها هذه بالأدوار والتواشيح والأغصان والمذاهب وأمثالها.

الحياة الشخصية في أعين المنفلوطي

المنفلوطي
مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته ، له شعر جيد فيه رقة، قام بالكثير من الترجمة والاقتباس من بعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية في غاية الروعة. ويحكى بأنه لم يحظ بإجادة اللغة الفرنسية لذلك أستعان بأصحابه الذين كانوا يترجمون له الروايات ومن ثم يقوم هو بصيغتها وصقلها في قالب أدبي . يتكلم في كتابه (النظرات) عن الحياة الشخصية للفرد والحياة الاجتماعية فيقول عنها:
أكثر الناس يعيشون في نفوس الناس أكثر مما يعيشون في نفوس أنفسهم، أي أنهم لا يتحركون ولا يسكنون، ولا يأخذون ولا يدَعون إلا لأن الناس هكذا يريدون.
حياة الإنسان في هذا العالم حياة ضمنيَّة مدَّاخلة في حياة الآخرين، فلو فتَّش عنها لا يجد لها أثرًا إلا في عيون الناظرين، وآذان السامعين، وأفواه المتكلمين.
يخيَّل إليَّ أن الإنسان لو علم أنه سيصبح في يوم من أيام حياته وحيدًا في هذا العالم لا يجد بجانيه أذنًا تسمع صوته، ولا عينًا تنظر شكله، ولا لسانًا يردد ذكره، لآثر الموت على الحياة علَّه يجد في عالمِ غير هذا العالم -من آذان الملائكة أو عيون الجنة- مقاعد يقتعدها فيطيب له العيش فيها.
إذا كانت حياة كل إنسان متلاشية في حياة الآخرين، فأي مانع يمنعني من القول بأن تلك الحياة التي نحسبها متكثرة متعددة، إنما هي حياة واحدة يتفق جوهرها، وتتعدد صورها، كالبحر المائج نراه على البُعد فنحسبه طرائق قددًا، ونحسب كل موجة من أمواجه قسمًا من أقسامه، فإذا دنونا منه لا نرى غيره، ولا نجد لجزءٍ من أجزائه حيِّزًا مستقلًا، ولا وصفًا ثابتًا.
يحكي بعد ذلك عن علاقة رضى الناس بآراءهم عمن يخالفونهم أساليب الحياة فيقول:
لا يحيا في هذا العالم حياةً حقيقيةً، إلا ذلك الشاذ الغريب في شؤونه وأطواره وآرائه وأعماله، الذي كثيرًا ما نسمّيه مجنونًا، فإن رضينا عنه بعض الرضى سميناه فيلسوفًا، ونريد بذلك أنه نصف مجنون، فهو الذي يتولى شأن الإنسان، وتغيير نظاماته وقوانينه، وينتقل به من حال إلى حال بما يغير من عاداته ويحوّل من أفكاره.
أي قيمة لحياة امرئ، لا عملَ له فيها إلا معالجة نفسه على الرضى بما يرضي الناس، فيأكل ما لا يشتهي، ويصدف نفسه عما تشتهي، ويسهر حيث لا يستعذب طعم السهر، وينام حيث لا يطيب له المنام، ويلبس من اللباس ما يحرج صدره، ويقصم ظهره، ويشرب من الشراب ما يحرق أمعاءه، ويأكل أحشاءه، ويضحك لما يبكي ويبكي لما يضحك، ويبتسم لعدوه، ويقطّب في وجه صديقه، وينفق في دراسة ما يسمونه علم السلوك -أي علم المداهنة والمَلَق- زمنًا لو أنفق عُشره معشاره في دراسة علمٍ من العلوم النابغة لكانت نباغته المبرز فيه حرصًا على رضاء الناس، وازدلافًا إلى قلوبهم.
وعن علاقة الشهوات والرغبات بالمجتمع، يقول:
ليست شهوة الخمر من الشهوات الطبيعية المركّبة في غرائز الناس فلو لم يتذوقوها لما طلبوها ولا كلفوا بها، وما جناها عليهم إلا كلَفُ تاركيها برضاء شاربيها، وما كان الترف خلقًا من الأخلاق الفطرية في الإنسان ولكنه كلَفُ المتقشّفون برضاء المترفين فتترفوا، فحملوا في ذلك السبيل في شقاء العيش وبلائه وأثقال الحياة وأعبائها، وما نغّصَ عليهم عيشهم وأفسد عليهم حياتهم، وإنك لترى الرجل العاقل الذي يعرف ما يجب ويعلم ما يأخذ وما يدع، يبيع منزله في نفقة عرس ولده أو ابنته، فلا تجد لفعله تأويلًا إلا خوفَه من سخط الناس واتقاء مذمتهم، وكثيرًا ما قتل الخوف من سخط الناس والكلَف برضاء ذكاء الأذكياء، وأطفأ عقول العقلاء، وكم رأينا من ذكي يظل طول حياته خاملًا متلففًا لا يجرؤ على إظهار أثر من آثار فطنته وذكائه مخافة هزء الناس وسخريتهم، وعاقل لا يمنعه من الإقدام على إصلاح شأن أمته وتقويمها إلا سخط الساخطين ونقمة الناقمين.
يقول بعد ذلك عن علاقة الفضيلة برأي المجتمع:
نعم قد يكون الوَلَع برضاء الناس والخوف من سخطهم مذهبًا من مذاهب الخير وطريقًا من الهداية للضال عنها لو أن الفضيلة هي الخُلق المنتشر فيهم، والغالب على أمرهم، ولو كان الأمر كذلك لآثرت أن يعرض المرء نفسه على الفضيلة ذاتها من حيث هي، لا من حيث تشخيصها في أذهان الناس وقولهم، فإذا استوثق منها وعلم أنها قد خالطت قلبه وأخذت مستقرها من نفسه جعلها ميزانًا يزن به أقواله وأفعاله كما يزن به أقوال الناس وأفعالهم، ثم لا يبالي بعد ذلك أَرضَوا عنه أم سخطوا عليه، أحبوه أم أبغضوه.

لماذا لم يكتب المنفلوطي في السياسة ؟ المنفلوطي بنفسه يجيب

20860_1

اشتهر العديد من الكتاب والعلماء باعتزال السياسة تماماً. فالإمام محمد عبده مشهور بعبارته “لعن الله ساس ويسوس وسياسة، وما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته”. وفي كتابه القيم (النظرات) يورد الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي – الأديب والكاتب المصري- إجابة عن سؤال ورده هو

مالك لا تكثر من الكتابة في الشؤون السياسية، اكثارك منها في الشؤون الأخلاقية والاجتماعية ؟ وكيف يضيق بالسياسة قلمك، وقد وسع ما هو أدق مذهبًا منها، فاكتب لنا في السياسة، فأمتك تحب أن تراك سياسيًا.

حيث أجاب عليه قائلاً

يعلم الله أني أبغض السياسة وأهلها بغضي للكذب والغش، والخيانة والغدر.

أنا لا أحب أن أكون سياسيًا، لأني لا أحب أن أكون جلادًا، لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين، إلا أن هؤلاء يقتلون الأفراد، وأولئك يقتلون الأمم والشعوب.

هل السياسي إلا رجل قد عرفت أمته أنه لا يوجد من هو أقسى منه قلبًا، ولا أعظم كيدًا، ولا أكثرهم دهاءً ومكرًا، فنصبته للقضاء على الأمم الضعيفة، وسلبها ما وهبها الله من الحسنات، وأجزل لها من الخيرات ؟

أليس أكبر السياسيين مقامًا، وأعظمهم فخرًا، وأسيَرهم ذكرًا، ذلك الذي نقرأ صفحات تاريخه فنرى حروفها أشلاء للقتلى، ونقطها قطرات الدماء ؟

أيستطيع الرجل أن يكون سياسيًا إلا إذا كان كاذبًا في أقواله وأفعاله، يُبطن ما لا يظهر، ويظهر ما لا يظن، ويبسم في موطن البكاء، ويبكي في موطن الابتسام ؟

أيستطيع الرجل أن يكون سياسيًا .. إلا إذا عرف أن بين جنبيه قلبًا متحجرًا لا يقلقه بؤس البائسين ولا تزعجه نكبات المنكوبين ؟

كثيرًا ما يسرق السارق، فإذا قضى مأربه من عمله .. رفع يده متضرعًا إلى الله تعالى أن يرزقه المال حلالًا حتى لا يتناوله حرامًا، وكثيرًا ما يقتل القاتل ، فإذا فرغ من أمره، جلس بجانب قتيله يبكي عليه بكاء الثاكل وحيدها، ويتمنى بجَدع الأنف لو رد إليه حياته، وافتداه بنفسه. أما السياسي فلا يرى يومًا في حياته أسعد من اليوم الذي يعلم فيه أن قد تم له تدبيره في هلاك شعب، وقتل أمة، وآية ذلك أنه في يوم الانتصار – كما يسميه هو – أو في يوم جريمته – كما أسميه أنا – يسمع هتاف الهاتفين باسمه، واسم الجريمة التي ارتكبها مطمئن القلب، مُثلج الصدر، حتى ليخيل إليه أن الفضاء بأرضه وسمائه أضيق من أن يسع قلبه الطائر المحلق فرحًا وسرورًا.

(…)

هؤلاء هو السياسيون، وهذه هي أخلاقهم وغرائزهم، فهل تظن يا سيدي أن رجلًا نضب نفسه لخدمة الحقيقة، ومناصرتها على الباطل، واستنفاذ الفضيلة من مخالب الرذيلة، ووقف قلمه على تهذيب النفوس وترقية الأخلاق .. وملأ في رسائله فضاء الأرض والسماء بكاءً على الضعفاء والمساكين والمظلومين والمضطهدين، يستطيع أن يكون سياسيًا، أو محاسبًا للسياسيين ؟