أرشيف الوسم: المنفى

المنفى الثقافي عند إدوارد سعيد

408195b

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

أما عن كتاب (الآلهة تفشل) فهو مجموعة من المحاضرات التي ألقاها (إدوارد سعيد) في برنامج ريث في الولايات المتحدة عام 1993م، نُشِرت في هذا الكتاب واقتبست منها بعض ماجاء في الفصل الثالث بعنوان: المنفى الثقافي – مُبعدون ومهمّشون. وقال في مقدمته للمنفى:

النفي واحد من المصائر الأكثر حزناً. قبل الأزمنة الحديثة كان النفي على وجه الخصوص عقوبة فضيعة نظراً لأنها لم تكن تعني سنوات من التجوال بلا هدف بعيداً عن الأهل و الأمكنة المألوفة فقط. بل عنت أيضاً نوعاً من منبوذ باستمرار ؛ شخصاً لم يشعر بالألفة و دائماً في نزاع مع البيئة، لا عزاء له حول الماضي. ويشعر بالمرارة حول الحاضر والمستقبل. كان ثمة ربط دائم بين فكرة النفي ومظاهر الذعر من أن يكون المرء مصاباً بالجذام، منبوذاً اجتماعياً وأخلاقياً.

خلال القرن العشرين، تحوّل النفي من عقوبة مختارة بعناية، و أحياناً حصرية لأفراد محددين – مثل الشاعر اللاتيني العظيم أوفيد، الذي نفي من روما إلى بلدة نائية على البحر الأسود – إلى عقاب وحشي لجماعات و شعوب بكاملها، وفي أحوال كثيرة نتيجة غير متعمدة لقوى غير شخصية كالحرب والمجاعة والمرض.

أما عن الرؤية السائدة للمنفى فقال فيها:

ثمة فرضية شعبية لكنها خاطئة بالكامل أن المنفي مجتث تماماً، منعزل، منفصل عن موطنه الأصلي على نحو ميؤوس منه. لو أنه فصل حراحي تام لكان ذلك صحيحاً، لأنك عندئذٍ على الأقل تستطيع أن تحصل على عزاء معرفة أن ماتركته وراءك، في معنى مّا، لا يمكن التفكير به و لايمكن شفاؤه أبداً. أما الواقع بالنسبة لمعظم المنفيّين هو أن الصعوبة لاتكمن ببساطة في الإجبار على العيش بعيداً عن الوطن، بل الأصح مفترضاً عالم اليوم، العيش مع أشياء كثيرة تذكرك أنك منفي، و أن وطنك في الواقع ليس بعيداً جداً، وأن الحركة العادية للحياة اليومية المعاصرة تبقيك في اتصال دائم مع المكان القديم لكنه اتصال معذب لأنه يقرب أشياء لا سبيل إلى تحقيقها. لذلك فإن المنفي يحيا في حالة وسط، ليس وحيداً تماماً مع البيئة الجديدة ولا هو تخلّص بالكامل من القديمة، محاصراً بنصف ارتباط ونصف انفصال، مشتاقاً إلى الماضي وعاطفياً من جهة ومقلداً بارعاً أو منبوذاً غامضاً من جهة أخرى.

فتصبح براعة البقاء المطلب الرئيسي ومعها يشكل الرخاء والأمان خطرًا يجب الاحتراس منه باستمرار.

و يطرح نقطتين عن المثقف الذي لا يستطيع بسبب المنفى أو الأقرب إلى القصد لن يخلق تكيفاً مفضلاً بدلاً من ذلك البقاء خارج الاتجاه السائد، غير متكيف، غير مستوعب، مقاوماً، فيقول:

الأولى ؛ هي بينما المنفى حالة واقعية، هو أيضاً بالنسبة لأهدافي حالة مجازية بذلك أعني أن تشخيصي للمثقف في المنفى ينشأ من التاريخ الاجتماعي والسياسي للتشريد والهجرة الذي بدأت به هذه المحاضرة، لكنه غير محدود به. فحتى المثقفون الذين هم أعضاء مجتمع طوال عمرهم يمكن، لنقل أن ينقسموا إلى مندمجين ودخلاء: من جهة هؤلاء الذين ينتمون بالكامل إلى المجتمع كما هو، الذين ازدهروا فيه دون حس غامر بالتنافر أو الخلاف، هؤلاء الذين يمكن أن نسميهم القائلين نعم، و هناك من جهة أخرة القائلين لا، الأفراد الذين هم على خلاف مع مجتمعهم و لذلك دخلاء و منفيون طالما كانت الامتيازات و السلطة و الألقاب هي الشاغل. النموذج الذي يشرع الطريق للمثقف كدخيل تمثله حالة المنفى جيداً، حالة عدم التكيف على نحو تام أبداً، شاعراً دائماً أنه خارج العالم المهذار، المألوف والمسكون بالأصليين، لنقل هكذا , ميّالاً إلى تفادي وحتى كره زخارف التكيف والرفاهية القومية.

المنفى للمثقف في هذا المعنى الميتافيزيقي هو القلق، و الحركة، وعدم الاستقرار بشكل متواصل، وإقلاق الآخرين. لا تستطيع أن تعود إلى حالة مّا مضت وربما مستفرة أكثر من الوجود في البيت، وللأسف لا يمكنك أبداً أن تنجح على نحو كامل، و تنسجم مع ملجئك أو وضعك الجديد.

ثانياً ؛ و أجدني بطريقة مّا مندهشاً بهذه الملاحظة حتى عندما أقدّمها أنا – يميل المثقف كمنفي لأن يكون سعيداً بفكرة التعاسة، وبالتالي ذلك الاستياء المتاخم لسوء الهضم، ضرب من سوء الطبع على نحوٍ نزِق، يمكن أن يصبح ليس أسلوب تفكير فقط، بل أيضاً سكنى جديدة ولو مؤقتة.

 و من ناحية إيجابية للمنفى والهامشية يقول إدوارد سعيد:

 أحد – الإيجابيات- طبعاً هو فرح الاندهاش، وعدم قبول أي شيء كبديهي، و تعلم البديل المؤقت في ظروف عدم الاستقرار المتزعزع التي تربك وتروع معظم الناس. إن المثقف يبحث عن المعرفة والحرية بشكل أساسي، بيد أن ذلك يتطلب معنى ليس كأشياء مطلقة – كما في التعبير المبتذل ” يجب أن تحصل تعليماً جيداً كي تستطيع أن تستمتع بحياة هانئة ” – بل كتجربتين معاشتين. فالمثقف يشبه شخصاً غرقت سفينته يتعلم كيف يعيش بمعنى محدد مع الأرض، ليس عليها، لا (كروبنسون كروزو) الذي كان هدفه أن يعمر جزيرته الصغيرة بل أشبه بـ(ماركو بولو) الذي لم يخذله إحساسه بالرائع أبداً وهو المسافر دوماً، والضيف العابر، لا طفيلي ولا فاتح أو قرصان.

و لأن المنفي يرى الأشياء في شرط ماتركه خلفه وماهو واقع له فعلاً، فثمة منظور مزدوج لا يرى الأشياء في العزلة أبداً. كل مشهد أو وضع في البلد الجديد يستحضر بالضرورة نظيره في البلد القديم. ثقافياً هذا يعني أن فكرة ما أو تجربة مّا توازن دائماً بأخرى و ذلك يجعلهما تظهران في صورة جديدة لا يمكن التنبّؤ بها أحياناً.

الفائدة الثانية لما في الواقع هي أن وجهة نظر المنفى بالنسبة للمثقف هي أنك تميل إلى رؤية الأشياء، ليس ببساطة كما هي، بل كيف تطورت لتكون كذلك.

و في ختام محاضرته يقول:

إن كون المثقف هامشياً و غير مدجّن مثل شخص ما في منفى حقيقي عليه أن يكون مستجيباً على نحو غير عادي للخبير بالسفر لا لصاحب السلطة، للمؤقت والمنذر بالخطر لا للمعتاد، للابتكار والتجربة لا لشرط الوضع القائم بقوة السلطة. إن المثقف المنفي لا يستجيب لمنطق التقاليد بل لجرأة المغامرة، وتمثيل التغيير والسير قدماً، لا للسكون الراكد.

معنى الهوية بعيون أمين معلوف

Amin-Maalouf

يتحدث الروائي اللبناني أمين معلوف في كتابه “الهويات القاتلة” عن معنى الهويّة وكيف أن معناها يتحوّل وسط الظروف.

يوجد في كل العصور أناس يعتبرون أن هناك انتماءً واحداً مسيطراً ، يفوق كل الإنتماءات الأخرى وفي كل الظروف إلى درجة أنه يحق لنا أن ندعوه ( هوية ) . هذا الإنتماء هو الوطن بالنسبة لبعضهم أوالدين بالنسبة لبعضهم الآخر ، ولكن يكفي أنْ نجول بنظرنا على مختلف الصراعات التي تدور حول العالم لننتبه إلى أن أي انتماءٍ ، لا يسود بشكل مطلق .فحين يشعر الناس أنهم مهددون في عقيدتهم يبدو أن الإنتماء الديني هو الذي يختزل هويتهم كلها . لكن لو كانت لغتهم الأم ومجموعتهم الإثنية هي المهددة لقاتلوا بعنف ضد أخوتهم في الدين ، فالأتراك والأكراد كلاهما مسلم ولكنهما يختلفان في اللغة . ألا يدور بينهما صراع دموي ؟ والهوتو كالتوتسي كلاهما كاثوليكي ، ويتكلمان اللغة ذاتها ، هل منهما ذلك من التذابح ؟ وكذلك التشيكيون واليوغسلافيون كاثوليكيون أيضاً ، فهل سهل ذلك العيش المشترك ؟

أسوق كل هذه الأمثلة لأشدد على حقيقة أنه في حال وجود نوع من التراتبية بين العناصر التلي تشكل هوية كل فرد ، فهي ليست ثابتة ، بل تتغير مع الزمن وتُغيِّر التصرفات بعمق.

إن الإنتماءات المهمة في حياة كل فرد ليست دائماً تلك التي تعرف بأنها مسيطرة والتي تتعلق باللغة والبشرة والجنسية والطبقة والدين ، فلنأخذ مثالاً : شاذاً إيطالياً أثناء زمن الفاشية . أتخيل أن أهمية هذا المظهر الخاص بشخصيته ، بالنسبة إليه ، لا تزيد إلى نشاطه المهني وخياراته السياسية أو معتقداته الدينية من أهمية. وفجأة يحل به قمع السلطة ويشعر أنه مهدد بالإهانة والنفي والموت. باختيار هذا المثال أشير بالطبع إلى بعض التَذَكُّرَاتِ الأدبية والسينمائية. إذاً فهذا الرجل الذي كان لسنوات خَلَتْ وطنياً ، وربما قومياً ، لم يعد يستطيع أن يبتهج وهو يرى عرض الفرق العسكرية الإيطالية ومن المؤكد أنَّ الأمر قد وصل به إلى حد تمني هزيمتها.

وبسبب الإضطهاد ستتقدم ميوله الجنسية على ميوله الأخرى حاجبةً حتى الإنتماء الوطني الذي بلغ في ذلك الوقت أوجه ، ولم يشعر رجلنا أنه إيطالي بحق إلا بعد الحرب ، في إيطاليا الأكثر تسامحاً.

علاقة الإنسان بوطنه عند فيكتور هوغو

729

في كتابه “تأملات حول المنفى” ينقل إدوارد سعيد نصاً بديعاً لفيكتور هوغو يصف علاقة الإنسان بالمكان.

إنه لمصدر عظيم من مصادر الفضيلة لدى العقل المتمرس أن يتعلم في البداية شيئا فشيئا تغيير نظرته إلى الأشياء الظاهرية والعابرة ، كما يتمكن بعدئذ من تركها وراءه إلى الأبد.. فمن يجد وطنه عزيزاً وأثيراً لا يزال غراً طرياً، أما الذي يجد موطنه في كل أرض فقد بلغ القوة، غير أن المرء لايبلغ الكمال قبل أن يعتبر العالم أجمع أرضا غريبة. فالنفس الغضة تركز حبها على بقعة واحدة من العالم ، والرجل القوي يشمل بحبه كل الأماكن، أما الرجل الكامل فهو الذي يطفئ جذوة الحب لديه.