أرشيف الوسم: النازية

كتب غيّرت العالم

frenchlibrary3-1024x768

روبرت داونز مؤلف أمريكي غزير الإنتاج. كان مدافعاً عن الحرية الفكرية و له مؤلفات و منشورات تتعلق بموضوعات الرقابة على الأعمال الأدبية.

في كتابه المُعنوَن بـ(كتب غيّرت العالم)، وصف ستة عشر كتاباً عظيماً غيّرت مجرى التاريخ.
و قسّمه لقسمين:
١/ عالم الإنسان و الكتب التي تناولها هي:
٢/ دنيا العلوم دنيا العلوم و الكتب التي تناولها هي:
يُبيّن داونز الغرض من مؤلفه في مقدمته بقوله: 
الغرض من هذا المؤلف هو توضيح القوة العاتية للكتب، عن طريق مناقشة أمثلة معيّنة. فأولاً، يجب التركيز على أنه ليس في نيتنا تقديم قائمة بأحسن الكتب أو أعظم الكتب، فإن عمل مثل هذه القوائم هواية محبوبة لتمضية الوقت انقاد الأدب و المؤلفين و الناشرين و رجال التعليم و أمناء المكتبات، الذين تنحصر توصياتهم في العلوم الأدبية. أما الهدف منه فهو اكتشاف الكتب التي كان لها أعظم أثر عميق على التاريخ و الاقتصاد و الثقافة و الفكر العلمي منذ عصر النهضة تقريباً إلى منتصف القرن العشرين.
و يقول :
” هناك خصائص معينة يشترك فيها معظم المؤلفين، تبدو واضحة. و باستثناء علماء الطبيعة الذين تضمهم القائمة. و الذين يكون التعليق أقل مناسبة لهم. فالكتب التي تضمها القائمة كتبها أشخاص غير تابعين للكنيسة و أشخاص متطرفون و متعصبون لدينهم، و ثوريّون و مثيرين للاضطرابات. و غالباً ماتكون كتب رديئة التأليف تعوزها المسحة الأدبية. “
أما عن سر نجاح هذه الكتب دون غيرها فيعزُوه إلى :
” … الزمن كان ملائماً و على استعداد تام لهم. حملت كتبهم رسالات، كانت في أغلب الأحوال عاطفيّة، يتوسّلون فيها إلى ملايين البشر. و في بعض الأحيان كان النفوذ للخير، كما كان أحياناً أخرى للشّر. و من الجليّ أن الكتب يمكن أن تكون قوى لكل من الخير و الشر. و على أية حال، ليس الغرض هنا قياس القيم الأخلاقية، بل لتوضيح أن الكتب أدوات أو أسلحة حركيّة و قوية.”

الوجه البشع للموسيقى عند إدوارد سعيد

إدوارد سعيد

كان إدوارد سعيد (1 نوفمبر 1935- 25 سبتمبر 2003) شغوفًا بالموسيقى إلى حد كبير. فقد كان مستمعا جيدا مخلِصًا للموسيقى الكلاسيكية ذوقيا ، فقد تعود و تدرب على سماعها منذ صِغره و تعلم العزف على البيانو في عمر مبكرة – حتى اقتنع انه سيكون مستقبلا عازفا كبيرا لآلة البيانو – كنوع من الدخول في أسلوب الحياة البرجوازية الذي حاول والده آنذاك يعوّده عليه بزعمه. و بالفعل كان له ما توقع و لو قليلا على الأقل فقد عزف البيانو في بعض الحفلات التي حضرها قبل أن يتغير مستقبله كليا و يصير المفكر و الناقد الثقافي الذي نعرفه. رغم ما صار إليه إدوارد سعيد من موضع آخر بعيد عن الموسيقى إلا أنه كتب ماهو ليس بالقليل عنها فقد ألف كتابين هما ” توضيحات موسيقية ” و ” موسيقى بلا حدود ” و العديد من المقالات مثل مقالاته في مجلة الأمة الأمريكية الشهيرة.

و قد تأثر إدوارد سعيد في تحليله الموسيقي و آثار الموسيقى الإجتماعية تأثرًا جليا بالفيلسوف الكبير ثيودور أدورنو الذي اختص بمجال الجماليات و علمها في مدرسة فرانكفورت الفلسفية ولا يكاد يخلو كتاب ولا مقال لإدوارد عن الموسيقى ولا يأتي ذكر أدورنو كأب روحي لسعيد في هذا الجانب. يلتقي إدوارد سعيد بأدورنو في كون أن الموسيقى لا تنفصل عن النشاط الإجتماعي ، خاصة المفارقة غير الإنسانية التي ما ربطت كثير بين الموسيقى كونها في جوهرها فن نبيل و بين ممارسات بشعة مثل سوق المعتقلين في السجون النازية على موسيقى الموسيقار الشهير فاغنر. و كان أدورنو أول من بدأ هذه الإشارة إلى الربط بين الموسيقى و الإعتقال و التعذيب و سوْق المعتلقين إلى غرف الإعدام على أنغام الموسيقى الكلاسيكية. و لم يلبث طويلا حتى سار إدوارد على نفس النهج و الأخذ بالمقارنة ذاتها و إنزالها على أفعال إحتلال الإسرائيلي في سجونها تجاه الفلسطينيين ، حيث تُمارِس نفس الأسلوب فيذكر سعيد استخدامها موسيقى الميتال ” روك ميتال ميوزك ” لإزعاج المحاصرين في كنيسة المهد في بيت لحم عام 2002 في الإجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية آنذاك.

يذكر سعيد في أحد المقالات:

إنني مهتم جدا بالأثر و المكون الإجتماعي للموسيقى. وما تصنعه من إشكاليات أخلاقية ربما بحسب أدورنو ، الذي استفزه عزف الموسيقى الكلاسيكية في معسكرات أوشفيتز الشهيرة ، فالضابط كان يقتل الناس نهارا ليعزف باخ ليلا !

و يكمل سعيد عن الممارسات الإسرائيلية في سجونها ذاكراً أن القوات الإسرائيلية و منها المخابرات كانت تبث موسيقى بيتهوفن أثناء تعذيب المعتقلين الفلسطينيين كنوع من ” الضغط البدني المعتدل ” كما يصفه الإسرائيليون. و يذكر أيضا أن صديق ابنه و الذي كان عضوا في حركة المقاومة الإسلامية ” حماس ” لم يكن يحتمل موسيقى بيتهوفن التي كانت تدوي في منزل إدوارد. فعندما سأله لماذا ؟ قال له بأن الإسرائيليين كان يضعونه في زنزانة مجهزة بمكبرات الصوت و يعزفون الموسيقى الكلاسيكية بأعلى صوت ممكن كنوع من أنواع الضغط.

إن جوهر القضية بالنسبة لإدوارد سعيد يتلخص ربما في قوله :

إن استخدام الموسيقى الكلاسيكية من جانب أناس لديهم ثقافة موسيقية رفيعة المستوى – حيث أن فرقة الأوركسترا الإسرائيلية كانت تعزف أعمال بيتهوفن و موتسارت و آخرين مثل أي فرقة بالعالم – في مراكز الإستجواب ضد الفلسطينيين هو ، ببساطة أمر لا يمكن الدفاع ولا السكوت عنه.

شباب النازية: بين شباب هتلر و الوردة البيضاء

tumblr_inline_mrm93zOm111rm06gd

قائدي، قائدي الذي منحني إياه الرب. احم و احفظ حياتي مطولاً. لقد خلصت ألمانيا في وقت الشدة. أشكرك على خبزي اليومي. كن معي لوقت طويل، لا تتخل عني. قائدي.. يا قائدي، إيماني، نوري، فليحيا قائدي !

بهذه الصلاة – و المَـصُوغة على غرار صلوات الشكر المسيحية- يبدأ الشاب الألماني وجبته في منظمة ( شباب هتلر)..

شباب هتلر ، رابطة الفتيات الألمانيات و غيرها من المنظمات أنشأت بواسطة النظام النازي منذ العشرينات الميلادية بهدف تجهيز الفتيان للالتحاق بالخدمة العسكرية و تحضير الفتيات لدورهن المستقبلي في الأمة الألمانية. يمكننا فهم المزيد من أدوار هذا التنظيم من رئيسه حينها و الذي يقول: “نحن لا نحتاج قادة فكر يبتكرون أفكار جديدة، لأن أدولف هتلر هو القائد المستعلي فوق كل رغبات الشباب ” ، أو من مبتكر التنظيم – هتلر- و الذي يتحدث عنه قائلا:

هؤلاء الفتيان و الفتيات يلتحقون بتنظيماتنا في سن العاشرة، و بعد أربع سنين يذهبون إلى منظمة شباب هتلر حيث نحظى بهم لأربع سنين أخرى.. و حتى لو لم يكونوا اشتراكيين قوميين تماما بعد، فسيصقلون لستة أشهر بعدها مع خدمات العمال. أي وعي باقٍ بعدها بالطبقة أو المنزلة الاجتماعية فستتكفل به القوات المسلحة الألمانية.

هناك ما يدعو للتفاؤل بشأن محاولات المسخ هذه، فمن شبابها ولدت حركة معارضة يافعة: الوردة البيضاء. الوردة البيضاء حركة معارضة للحرب و للنازية قادها عدد صغير جدا – حوالي ستة أفراد- من شباب جامعة ميونيخ مع أستاذهم. عمل الأعضاء بتخفٍّ لتوزيع منشوراتهم المعارضة، و هذه ترجمات متواضعة لأجزاء منها..

جاء في منشورهم الثاني:

من المستحيل أن تنخرط في حديث فكري مع الاشتراكية القومية لأنها ليست برنامجا يمكن الدفاع عنه فكريا. من الخطأ أن تتكلم عن فلسفة الاشتراكية القومية، لأنه لو كان هناك كيان مماثل لأمكن للشخص أن يحاول إثبات شرعيتها أو مقاومتها بواسطة التحليل و النقاش. لكننا نواجه حالة مختلفة تماما في الواقع. من استهلالتها الأولى؛ اعتمدت هذه الحركة على التضليل و خيانة رفاقها، و حتى في ذاك الوقت؛ كانت فاسدة داخليا و ساندت نفسها بالكذب المستمر فقط.

كانت الوردة البيضاء تفهم جيدا ما تخاطر به في سبيل إيصال رسالتها للشعب، و لهذا السبب.. أي لرفضهم وجود مخاطرةٍ من الأساس؛ كتبت الوردة البيضاء في منشورها السادس: 

الدولة التي تمنع التعبير الحر عن الرأي ، و التي تُخضع أي/ كل انتقادٍ مبرر أخلاقيا و كل مقترحات للتحسين لعقوبات مفزعة؛ بوصفها تحضيرا للخيانة العظمى.. هذه الدولة تخرق قانونا غير مدون، قانونا عاش على الدوام في غزائز الناس السليمة، و الذي يجب أن يبقى دائما.

لكن الخوف يشل، و عدم الاكتراث يقعد.. لذا كتبت الجماعة في منشورها السادس:

انبذوا عنكم عباءة اللامبالاة التي تلحفتموها. اتخذوا القرار قبل أن يصبح الوقت متأخرا جدا على اتخاذ واحدٍ. لا تصدقوا بروباجاندا الاشتراكيين القوميين التي بثت في عظامكم الخوف من البلشفيين.. لا تصدقوا أن رخاء ألمانيا مرتبطٌ بانتصار الحزب في الخير أو الشر. في عاقبة الأمر، سيخصص جزاء فظيع و لكن عادل لأولئك الذين بقوا مختبئين، الذين كانوا جبناء و مترددين.

و لأن القناعة لا تضمن بالضرورة فعلاً، كُتِب في المنشور الثالث:

العديد و ربما الأغلبية من قراء هذه المنشورات لا يرون بوضوح كيف يكون بإمكانهم ممارسة دور معارضةٍ فعّال. إنهم لا يرون أي سبل مفتوحةٍ أمامهم. نود أن نحاول و نريهم أن الجميع في موضعٍ يمكنه من المشاركة في إسقاط النظام. لا يمكن فعل ذلك إلا بتعاون الكثير من الأشخاص المقتنعين و المتّقدين.. أشخاصٍ متفقين بشأن الوسائل التي يتعين عليهم استخدامها. لا يوجد لدينا العديد من الخيارات فيما يخص هذه الوسائل. الوسيلة الوحيدة المتوفرة هي المعارضة السلبية. لا يمكننا أن نزود كل شخص بمسودة لأفعاله، يمكننا فقط اقتراحها في بنود عريضة.

للأسف، فضحت الشرطة السرية صوفي شول و هانس شول – إخوة من أعضاء الجماعة- و تمت محاكمتهما و إعدامهما، ثم إعدام بعض أعضاء الجماعة الآخرين. تقول صوفي صبيحة يوم إعدامها؛ نقلا عن إلسي غيبيل، رفيقة زنزانتها:

يا له من يومٍ مشرقٍ رائع، و عليّ أن أذهب. لكن كم من الأشخاص يتعين عليهم أن يموتوا في ساحات المعركة هذه الأيام؟ .. كم من الحيوات الغضة الواعدة؟ ما الذي يضير في موتي لو تنبه الآلاف بأفعالنا؟

tumblr_inline_mrm9h639T11rm06gd

في اللحظات الآخيرة، لحظات تسجيل المواقف في ظل انعدام الخوف و انعدام الحسابات، خطب كيرت هوبر؛ أستاذ الفلسفة في المحكمة قائلا:

الدولة التي تكبح التعبير الحر عن الرأي و التي تعرض أي/ كل انتقاد مبرر أخلاقيا، و كل الاقتراحات للتحسين لعقوبات فظيعةٍ بوصفها إعدادا لخيانةٍ عظمى.. هذه الدولة تخرق قانونا غير مكتوب، قانون عاش على الدوام في غرائز الناس السليمة، و الذي يجب أن يبقى دائما.

و نقلاً عن موقع بحثي عن الهولوكوست، فإن :

عددا من أعضاء الوردة البيضاء آمنوا أن إعدامهم سيؤلب طلاب الجامعات و المواطنين الآخرين المناهضين للحرب للاحتشاد ضد هتلر و ضد الحرب. لكن التقارير ترجح أن طلاب الجامعة واصلوا دراستهم كالمعتاد، و أن المواطنين لم يقولوا أي ٍ شيء بهذا الصدد، بل اعتبر العديد منهم حركة الوردة البيضاء كحركة غير وطنية. لقد غُض الطرف عن معظم أعمالهم حتى فترة ما بعد الحرب؛ حيث مجّد الضمير الألماني جهودهم حينها.

و بغض النظر عمّا إذا كنا نعتبر ذلك نهاية مجيدة أو مؤسفة أو الاثنين، فإن كلمات صوفي شول هذه ما زالت مدونةً.. أقرأها أنا و أنت و آخرين : 

كان على شخص ما أن يبدأ. ما كتبناه و قلناه يعتقده كثيرون غيرنا أيضا، لكنهم لا يجرؤون على التعبير عن أنفسهم كما فعلنا نحن.

للاستزادة: مصدر الاقتباسات / صفحة ويكيبيديا