أرشيف الوسم: النسوية

تعريف الحركة النسوية بألسن ناشطاتها

عُرف مفهوم الحركه النسوية بشكل عام بأنه كل نشاط يهدف اعطاء المرأه حقها في الحياة . لكن ذلك لم يثني عدد من الناشطات إعطاء هذا المصطلح أبعاد مختلفه تبعا لكل لنظرة كل واحده للـ(نسوية). في هذه المقالة نستعرض عددًا من تعاريف الناشطات لمفهوم الحركة النسوية.
تقول (ميليسنت غاريت) عن الحركة النسوية:
هي إعطاء كل إمرأه الفرصه لتحقيق أفضل ماتجعلها ملكاتها الطبيعيه قادره على ان تحققه.
أما (ربيكا ليون)، فهي تصف النسوية قائلة:
إنها نظريه تدعو إلى حصول النساء على حقوق اجتماعيه وسياسيه واقتصاديه ، وعلى فرص مساويه لتلك التي يمتلكها الرجال، فهي كذلك نموذج للوضع الاجتماعي المثالي المنشود من الكمال لم يتم تحقيقه في العالم بعد.
في حين أن (ساره ميثلاند) تصفها:
إنها الساحره الطيبه التي في قصة سندريلا التي تحول جميع الأشياء القديمه الباليه إلى جديده ومفيده ، إضافه الى إدخال بهجه بلا حدود إلى قلب الفتاة الصغير.
(ليز ستانلي وسو وايز) عبرت عنها بقولها:
مجموعه من المعتقدات والتفسيرات النظريه حول طبيعة اضطهاد المرأه ، والدور الذي يلعبه الاضطهاد ضمن الواقع الإجتماعي بشكل أعم.
(اليس ديوير ملير) اختارت أن تعبر عنها بشكل حوار بين أم وابنتها، فتقول:
– أمي من هي النسويه ؟
– النسويه يا ابنتي هي أية امرأه الآن تهتم بأن تفكر بمشاكلها الخاصة بحيث يعتقد الرجال بأنها لا شيء.
وأخيرًا، (المرأة الحكيمة):
شخص ما، ذكر أو أنثى، نظرته للعالم تضع الأنثى في مركز الحياة والمجتمع، و / أو غير متحيز بناء على الجنوسة (النوع الاجتماعي) أو التفضيل الجنسي، وكذلك أي شخص في مجتمع يهيمن عليه الذكور أو أبوي، ويعمل للتوجه نحو المساواة السياسيه والاجتماعيه والاقتصاديه والروحيه والجنسيه للمرأة.

أودري لورد: الشعر ليس ترفاً.

51_PORT_1

أودري جيرالدين لورد (1934-1992)، كاتبة أميريكية كاريبية، شاعرة وناشطة. معاصرة لمثيلاتها من الشاعرات النسويات (سيلفيا بلاث) و(أدريانا ريتش) اللاتي كنّ يسعين نحو تغيير تقاليد النثر والشعر لأن تكون كسيرة ذاتية أكثر، كانت (لورد) جامعةً الأنواع كلها، كانت الحياة بالنسبة لها نصاً فصار كل شيئ أشبه بالسيرة الذاتية فعلاً.

ركزت (لورد) في قضاياها على الإختلاف بين جماعات النساء وبين الأفراد كذلك، كما قالت مرة: أنا أُعرّف بكل جماعة كنت جزءًا فيها، كما عرّفت عن نفسها “سلسلة متصلة من النساء” و“مهرجانٍ من الأصوات”، قائلة: كل ماهو دخيل علينا، هو في آن الوقت نقطة ضعفٌ وقوة؛ ولكن بدون المجتمع لا تتحقق الحرية، لا مستقبل، فقط هدنة ركيكة ومؤقتة بيني وبين القمعوكما قال عنها النقاد أيضاً، بأن التعددية الثقافية في ذاتها، كانت منعكسة عليها في نصوصها. في حين ان الثقافات الفردية هي كياناتٌ لم تعد منفصلة ومستقله لكنها تنصهر في دوائر أكبر دون أن تفقد أهميتها الفردية. رفْضُ لورد لأن تصنّف إجتماعياً وأدبياً، كان بمثابةِ سمة تميزها كفرد بعيداً جداً عن الصور النمطية.

هنا في هذه المقالة تحت عنوان Poetry is not a Luxury (الشعر ليس ترفًا) التي نُشرت لأول مرة في مجلة Charysails العدد الثالث (١٩٧٧)، ثم جُمعت فيما بعد في كتاب (Sister Outsiderالذي حوى عدداً من مقالاتها وخطاباتها الخالدة. أنقلها لكم بترجمة حصرية.

تتحدث (لورد) الشاعرة النسوية، عن بالغ أهمية الشعر في كونه الكلمة الأعلى والمسموعة للوصول إلى التغيير، في كونه لغة عميقة رقيقة تترجم مطالب حقيقية. تحدثت لورد عن قدرة القصيدة الخارقة، على تسمية أفكارنا وتصنيفها. حاثّة على أن يكون صوت الأفكار عالياً، فلطالما كان صوت (لورد) عالياً، في مواجهة الصمت السائد والقمع.

جودة الضوء الذي نستشف به حيواتنا تنعكس على ثمرة مانعيشه، وعلى جميع التغييرات التي نتمنى استمطارها، من خلال هذه الحيوات، وعبر هذا الضوء الذي نشكّل به أفكارنا، سعياً وراء هذا السحر وتحقيقه. هذا هو ضوء الشعر، الشعر الذي من خلاله نطلق التسميات على تلك الأفكار التي قبل أن تكون قصيدة، لا إسم لها ولا شكل، كانت على وشك الولادة وهاهي تتنفس الآن. استمطار الخبرات هذا الذي يولد الأفكار من ينبوع الشعر الحقيقي، كمفهوم ولادة الحلم، والشعور بولادة الفكرة، وولادة المعرفة التي تسبق الفهم. كما تُعلمنا استيعاب حميمية هذا التبصر واستقراءه، واستخدام ثمرة هذا التبصر للسيطرة على حياتنا، حتى تفقد هذه المخاوف التي تتحكم في حياتنا وتشكّل صمتنا سيطرتها علينا.

الشعر في داخل كل منّا، هنا بداخل مكامن قوتنا التي هي بداية كل التغيير، فقالت (لورد):

نحن معشر النساء، هناك بقعة داكنة تختبئ داخل كل واحدة منا وتنمو حتى تسمو بروحها، قوية جميلة في مواجهة كوابيس الضعف والوهن. هذه القدرات في دواخلنا داكنة ومختبئة، وهاهي تنجو وتكبر لتصبح أقوى عبر الظلام. هذه المكامن العميقة في كل واحدة منا هي مدخَرٌ عظيم من القوة والإبداع، مدخر عظيم من مشاعر وانطباعاتٍ لم تُختبر ولم تُسجل بعد. مكمن القوة في داخل كل واحدة منا ليس أبيضاً ولا طافياً على السطح، بل داكن وعريق وعميقٌ جداً. عندما ننظر للحياة في طابع أوروبي فقط كمشكلة يمكن حلها، فإننا نعتمد فقط على أفكارنا لتحررنا، لذا كان قيماً وثميناً جداً ماقاله لنا الآباء البيض . ولكننا حينما أصبحنا على مقربة شديدة من عراقتنا، هذا الوعي الغير أوروبي للحياة كوضعٍ مجرب تم التفاعل معه؛ فإننا نتعلم أكثر وأكثر كيف نثمّن ونقدر هذه المشاعر حق قدرها، وكيف نحترم مكامن قوانا الداخلية التي من خلالها تكون المعرفة الحقة والأفعال الرنانة. وفي هذا الوقت من الزمان، فإنني أؤمن بأننا النساء نحمل في ذواتنا القدرة على الإلتحام والربط بين هذين الأسلوبين الضروريين للنجاة، وها نحن الآن نقترب من هذا المزيج في قصائدنا.  أنا أتحدث هنا عن الشعر كاستمطارٍ إلهامي للتجارب، لا كمفردة عابثة عقيمة أحياناً، كما شوه الآباء البيض مفردة الشعر لتؤدي بمعناها إلى تغطية يائسة للخيال دون تبصر.

قيمة الشعر الحقيقية، آلية القصيدة في منح التصور الفعلي الصحيح للأشياء:

بالنسبة لنا نحن النساء، فالشعر ليس رفاهية ولا كماليّ، الشعر ضرورة محضة لوجودنا. الشعر يشكل جودة الضوء الموجه نحو آمالنا وطموحاتنا للنجاة والتغيير، لغة ثم فكرة ثم أفعال ملموسة. الشعر هو الوسيلة لتسمية اللامسمى ليكون فكرة. القصيدة هي رتق لآفاق آمالنا ومخاوفنا البعيدة التي نحتتها تجاربنا الصلدة في الحياة اليومية. ها وقد أصبح أمر الإستجلاء الصادق لمشاعرنا متعارفٌ عليه ومقبولٌ، كالأرض الخصبة المحرمة لتَوالُد أكثر الأفكار جرأة وراديكالية؛ أصبحت هذه المشاعر باختلافاتها الملاذ الآمن للتغيير وتصوّر أي عمل هادف. الآن، أستطيع على الأقل تسمية عشرة أفكار قد أجدها مبالغٌ بها أو غير قابلة للنقاش ومريبة، ولكن فقط إن ظهرت بعد حلم أو قصيدة. هذا الأمر ليس خيالاً فاسداً أو فارغاً، بل تنبؤ منضبط وواعٍ إلى المعنى الحقيقي لـنعم، هذا الأمر يناسبني. إننا نستطيع تدريب ذواتنا لتحترم مشاعرنا وتترجمها إلى لغة لتصبح في متناول العالم، وعلى اعتبار أن هذه اللغة لم توجد بعد، فإن هذا هو دور الشعر للمساهمة في رواجها. الشعر ليس فقط أحلاماً ورؤىً، إنه هيكل بناء حياتنا، هو الأساس لمستقبل التغيير، والجسر لعبور مخاوفنا التي لم توجد بعد. سواء كانت قدراتنا لحظية أو أبدية، فليس من السهل الحفاظ على الإعتقاد بفعاليتها. نستطيع أحياناً أن نعمل بجد للبدء بمَدّ جسرٍ للمقاومة الحقيقة في سبيل كل الموتات التي ظننا أننا سنعيشها يوماً. ولكن ما إن يواجه الجسر هذا تهديداً أو قمعاً من قبل فرضيات مفرطة في السخف، كنا قد عايشناها حتى الخوف، أو حتى بسبب الإنسحاب من تلك الاتفاقات التي كنا نُحذّر منها لحفظ سلامتنا.  نرى أنفسنا قلصنا وخففنا من الإتهامات زوراً، في حق الشمولية، القابلية للتغير، والشهوانية.

الاحتياج للتغيير في حياتنا هو محفز القصيدة الأول، ومطوّعٌ لطريق السعي وراء الحرية:

ومن هو صاحب السؤال: هل أراني أغير هالتك؟ أفكارك؟ أحلامك؟ أم أنني محضاً أجرك إلى تلك الأعمال الإنتقالية الفاعلة؟ وبالرغم من أن هذا الأخير لا يعني المهمة بحد ذاتها، فإنه أمر كان ولابد من ظهوره في السياق بسبب الاحتياج للتغيير الحقيقي في كل أساس من أسس حياتنا. “أنا أفكر إذن أنا موجود” كالمرأة السوداء فيما بيننا، تلك الشاعرة التي تهمس في أحلامنا أنا أشعر، إذن أنا حرة”. تجعلنا نوقن بأن الشعر يجمع اللغة للتعبير وتوثيق هذا الاحتياج الثوري، السعي الحفيف وراء الحرية.

على كلٍ، فالخبرات علمتنا بأن الأفعال الحتمية هي ضرورة دائماً. أبناؤنا لن يحلمون إلا إن عاشوا، ولن يعيشوا إلا بالغذاء، ومن يستطيع أن يغذيهم بالطعام الحقيقي الذي لا يجعل أحلامهم باختلافٍ بالغٍ عن أحلامنا؟ ويصيح طفلٌ: إن كنت تريدنا أن نغير العالم يوماً، فإننا يجب أن نعيش كفاية للننضج”.

سطوة مواصلة تخيل أفكار جديدة على الطرق التي نحددها -عبر الشعر- لتجديد أفكارنا الساكنة قديماً في رؤوسنا، تلك الأفكار التي آلمتنا يوماً وعبرتنا وكان الشعر هو بلسمها الوحيد:

أحياناً نكبل أنفسنا بإحلامٍ لأفكار جديدة، وتكون نجاتنا هنا في الرأس، العقل وحده هو من يضمن لنا الحرية، ولكن ليس هنالك أي أفكار جديدة تنتظرنا على جناحٍ من الريح لتنقذنا نحن النساء، نحن البشر. هنالك فقط، أفكار قديمة تناساها الجميع، وبتكوين جديد واستقراء وإدراك من ذواتنا جنباً إلى جنب سننجح في محاولةٍ إظهارها. ويجب علينا تشجيع أنفسنا وبعضنا الآخر في محاولة تجنب هرطقة الأفعال التي تمليها علينا أحلامنا، والكثير من وضاعة أفكارنا القديمة. وفي طليعة تحركنا نحو التغيير، لا يوجد هنالك سوى الشعر كتلميح لاحتمالٍ حقيقي. قصائدنا هي من تعيد تشكيل مضامين ذواتنا، ومانشعره ونخشى جعله حقيقة، مخاوفنا، آمالنا، ورهبتنا الأعز. لم تكن مشاعرنا تهدف للنجاة، عبر أشكال الحياة التي تحددها المعيشة من قبل قوة خفية، والتجريد المؤسسي من الإنسانية، بل تم الحفاظ عليها هنا، في حين إعتقادنا بأنه من غير الممكن تجنب تنامياتها أو نشوة عهودها السابقة، هذه المشاعر التي أعتُقِد بأنها قد تركع للأفكار كما اعتُقِد يوماً بأن تركع النساء للرجال. لكن المرأة تنجو بحياتها، والشاعرة كذلك، فلا آلام جديدة، فقد عبرتنا كلها قبلاً، خبأناها في ذات المكان الذي خبأنا بهِ قوتنا. طفت على سطح أحلامنا، وكانت أحلامنا هي من تضع النقاط على حروف الحرية، هذه الأحلام صارت مفهومة عبر قصائدنا التي تمدنا بالقوة وتشجعنا لنرى، لنشعر، لنتحدث ونتجرأ.

(لورد) تختم هنا بجعل الشعر التزاماً وليس رفاهية، التزاماً تجاه أفكارنا ومستقبل التغيير:

ما نحتاجه لنحلم هو أن نرحل بأرواحنا إلى أعمق نقطة مباشرة نحو الالتزام، الذي لم يكن يوماً رفاهية، ولو استسلمت شرارة قوتنا، فإننا نستسلم عن صنع مستقبل لعالمنا. وإن غابت الأفكار المتجددة، فهنالك طرق جديدة لجعلنا نشعر بها، باختبار هذا الفكرة كيف ستكون شعوراً يُعاش في الساعة السابعة من صباح الأحد، بعد تناول الغداء، وخلال حبٍّ غامر ، نصنع حرباً وولادة، نبعث حياةً في موتانا، بينما نعاني من أشواق قديمة، ونتعارك مع محاذير قديمة ومخاوف من الصمت والعجز والوحدة، بينما نتذوق طعم القوة والإمكانيات الجديدة.

المرنيسي: شهرزاد ليست مغربية

فاطمة المرنيسي

الدين الإسلامي وما به من سير الصحابيات وجميع المخطوطات المنقولة غيباً تؤكد أن للمرأة المسلمة الحق الكامل المشروع من التعليم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: “مَنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَسْبَغَ عَلَيْهَا مِنْ نَعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَسْبِغَ عَلَيْهِ، كَانَتْ لَهُ سِتْرًا وَحِجَابًا مِنَ النَّارِ ” [حديث مرفوع]، إلا أن الثقافة الذكورية كان لها دور كبير في تحطيم وتكسير سفينة تمكين المرأة من حق التعليم، وعند ذكر هذه المفاهيم يستوجب حضور اسم عالمة الاجتماع (فاطمة المرنيسي)، صاحبة الفكر النسوي، اهتمت في كتاباتها بالمرأة المسلمة وحقوقها، وأحد كتبها المشهورة (شهرزاد ليست مغربية) تحكي فيه عن أهمية التعليم للمرأة؛ تعبر فيها عن مسألة إتاحة التعليم للنساء في الأربعينات في المغرب العربي وأن هذه المسألة كانت الضربة القاضية لهذا المغرب التقليدي بثقافته النخبوية، ونقطة البداية في الوقت نفسه للمغرب الجديد الديمقراطي؛ لأن المرأة كانت، ولا تزال، رمز المنبوذ والسلبي والهامشي والدوني رمز من لا يشارك لا في المعرفة ولا في القرار، إلا أنه يستحيل نكران التقدم -وإن كان بسيط- الذي حازت عليه المرأة في الوقت الحالي عن سابقه.

إن الشعب القوي هو من تثقف وتدرب وفق التكنولوجيا المتطورة وليس ذلك الجالس فوق أطنان من الأسلحة واضعاً إصبعه على الزناد، أياً تكن الضحية المستهدفة سواء في الداخل أو الخارج.

من منا لا يعرف قصة (شهرزاد) ابنة وزير الملك (شهريار) التي استطاعت أن تحول مسار إجرام الملك من خلال سردها للقصص في كل ليلة، وبعد أن اكتشف الملك خيانة زوجته له مع العبيد قرر أن يقتلها، وعاهد نفسه بأنه يتزوج المرأة تلو الأخر ويقوم بقتلهن في صباح دخلته، إلى أن التقى بـ(شهرزاد) التي لم تخشى الموت لكونها متسلحة بأقوى أنواع الأسلحة، فكانت تتلو عليه القصة إلى أن يظهر الفجر دون أن يمسها ولا تنهي له القصة إلا في الليلة التالية، أي إن مأثرة (شهرزاد) ما كانت لتتم لو لم تختزن كماً هائلاً من الأخبار التي استخدمتها لتبني قصصها حيث تفاصيلها المدهشة والواقعية التي تحكي عن معرفة استثنائية وإلمام عميق بالعالم والكائنات.

قصة شهرزاد لا تزال معاصرة لأنها تطرح المسألة المعرفة كسلاح للاستمرار.

استعانة الكاتبة بالتحديد شخصية (شهرزاد) وتقديمها بكونها امرأة غير شرقية فقط من باب المجاز وليس بالحقيقة، اختارت هذه الشخصية لتبرهن على أن من أنقذ (شهرزاد) من القتل هو العلم والمعرفة والإطلاع والعلم.

إن الأربعينات كانت العقد الحاسم بالنسبة للمسألة التي تعنينا وهي تعليم النساء.

ومن هنا تذكر الكاتبة (المرنيسي) أن هذا العقد وهذه الحقبة هي مولد انطلاق ونهضة للمجتمع والأفراد؛ وهذا لأهمية مسألة تعليم النساء في المجتمع، أيضاً ذكرت بعض من المواقف الجلية لبعض من حكام المغرب العربي آنذاك التي كانت تدعو إلى تمكين المرأة من حق التعليم، ومنهم (الملك محمد الخامس)، فقام بانتداب ابنته الأميرة بقراءة خطاب سياسي أمام الجمهور في طنجة عام 1947م، حينها ظهر شيء ما كان غائباً على الساحة السياسية “المرأة” الرمز المنبوذ والمنقاد والصامت، ولم تظهر وهي تقرأ كلاماً دون معنى أو قيمة بل ظهرت وهي تقرأ خطاباً سياسياً.

وبعد هذا الخطاب لن يعود المغرب كما كان، ارتفع صوت الفتاة الناعم والطري في سماء طنجة الصافية فانكشح مغرب الأجداد ومعه سلاسل أنسابهم الذكورية والذّريات التي لا يضعها إلا الذكور.

ولعل من أحد المواقف التي قرأتها من كتاب (شهرزاد ليست مغربية) والتي أكاد لا أنسى مدى تأثري بها، وهو ما قاله أحد المشايخ لأحد الحكماء عندما رأى امرأة تتعلم؛ فقال: “أفعى تسقى سماً”، فأجابه الحاكم: “البنت ليست بأفعى أولاً، ولا يمكن أن نقبل أن تكونوا أنتم وهؤلاء ونحن أبناء أفاعي! وعلى فرض أن الفتاة كذلك فإننا نعتقد أن العلم ما كان ولا يمكن أن يكون سماً، ولكنه على العكس من ذلك ترياق يحفظ من السموم”.

وهنا يظهر لنا أن مسألة تعليم المرأة كانت مدنسة عند كثير من العلماء، ولعلهم محقين في ذلك، لأن هذه المسألة تعتبر مدمرة للهندسة الجنسية التي تقسم أماكن النساء والرجال، وهذا يعتبر انهيار للمدينة التي هندسها الأجداد حيث النساء أفاع سامة يجب وضعها بعيداَ عن ساحة الرجال والتنافس معه.

التغيير هو دائما حصيلة مبادرة يقوم بها فريق محدد، لذا فإن إغفال الدور الرائد الذي قام به فريق متيم بالأفكار الثورية ضمن النخبة الوطنية، في إطلاق مسيرة تعليم البنات في البلدان الإسلامية، وهو أشبه بوضع الستار على عامل تاريخي أساس لفهم هذه الظاهرة، ثم إنه يجب التخلي عن التحليل العنصري السخيف الذي يضع كل ما هو عصري لجهة الفرنسيين وكل ما هو رجعي حيال النساء لجهة المسلمين.

إلا أن مسألة التغيير أمر لابد منه، ولا يكفي بأن يقوم بها فريق محدد بل يجب أن تكون هناك شخصية كرزماتية قادرة على تحريك الذهنيات، أيضاً لابد من إرادة سياسية قوية من قبل النخبة الحاكمة أمثال (محمد الخامس) لكي يستطيع التأثير على معارضي تعليم المرأة، ومن أهم النقاط التي حاولت توضيحها الكاتبة هي أن تحويل وتغيير العالم من حولنا ليس حلماً مستعصياً، فلقد صنعنا هذا التحويل ونستطيع صنعه؛ يكفي فقط أن نرغب فيه.