أرشيف الوسم: النفس البشرية

ألبير كامو، وحديثه عن الشر والجهل

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”.

في روايته الشهيرة، والتي حملت عنوان (الطاعون)، تحدث في أحد الصفحات عن الخير والشر، فيقول مبتدئًا حديثه:

أميل إلى الاعتقاد بأن المبالغة في وصف أهمية الأعمال الجليلة تنتهي آخر الأمر بتكريم غير مباشر للشر. لأن في ذلك افتراضًا أنه ليس للأعمال الجليلة هذه القيمة العظيمة إلا لأنها نادرة، وأن السوء واللامبالاة أشد وأوفر تحريكًا لتصرفات الناس.

ثم يتحدث عن ارتباط الشر بالجهل، فيقول:

إن الشر القائم في الدنيا يصدر غالبًا عن الجهل، وبوسع النية الصادقة إن لم تكن نيّرة متبصّرة أن تحدِث من الأضرار مثلما يُحدِث الخبث وسوء النية. إن الناس أميَل إلى الخير منهم إلى الشراب، وليست هذه هي القضية في الحقيقة. وإنما هم يجهلون أكثر أو أقل، ومن هنا يكون ما يسمّونه فضيلة أو نقيصة، ويكون أسوأ النقائص الجهل الذي يحسب أنه يعرف كل شيء، والذي يسمح لنفسه إذ ذاك بأن يقتل. إن روح القاتل عمياء.

ويختتم حديثه المستطرد في الرواية بقوله:

وليست هناك طيبة حقيقية، ولا حب جميل، من غير أكبر حظ ممكن من التبصّر.

الإضراب عن الطعام، وإرادة الموت

أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة، في كتابه (بدايات الذي يسرد فيه تاريخ أهله، واستحضار ذاكرتهم، وإحياء مصير (عشيرة بني معلوف) التي سوف تنتشر من لبنان إلى كافة أرجاء المعمورة، وصولاً إلى الأمريكيتين وكوبا. يروى في صفحات هذا التاريخ حادثة وقعت في عام 1923، حيث أعلن أسد ابن أخت من أخوات بطرس (جد أمين معلوف)، ومن ألمع تلاميذه في المدرسة العمومية، أعلن لأهله، أنه لا ينوي العمل في المؤسسة العائلية، وسوف ينتسب إلى الجامعة لدراسة الأدب. وتكريس حياته للشعر. وكان هذا التمرد على تقاليد العائلة يقوده إلى مأساة ظلت عالقة في الأذهان لفترة طويلة.

يروي (أمين معلوف):

لم ترق هذه المشاريع لأمه التي أكانت أخت بطرس، أو لأبيه، فكلاهما كان يفضل أن يتوجه نحو طموحات أقل غرابة. ولكانا رضخا للأمر الواقع، كما قيل لي، لو وافق الأخ البكر للوالد الذي كان يمارس، حسب التقاليد والأعراف، السلطة الحقيقية في هذا الفرع من الأسرة. ولكن العم رفض رفضاً قاطعاً، وأعلن لابن أخيه الذي تجرأ على مناقشته: “لن تذهب إلى أي مكان! سوف تعمل هنا، ومعنا، ومثلنا! أصبحت رجلاً الآن، وآن الأوان لتكسب خبزك كفاف يومك”. فأجاب الشاب: “لن آكل الخبز بعد اليوم!”.

مات ذلك شاب في  28تموز/يوليو 1923. عندما بدأ الإضراب عن الطعام، لم يذعن أهله، مقتنعين أنه سوف يستسلم في نهاية المطاف. ثم بدلوا رأيهم، إذ أيقنوا أنه كف بالفعل عن تناول الطعام، وراح ينحل ويهزل، ووعدوه بعدم معارضة مشاريعه. ولكنه كان قد تخطى الخط الخفي الفاصل بين الرغبة بالعيش والرغبة بالموت.

يقول (أمين معلوف):

روى لي أبي الذي ولد في تشرين الأول / أوكتوبر 1914، وكان في التاسعة أو أقل حينها، تلك المأساة في بعض الأحيان:

–  أذكر ما حصل كما لو كان بالأمس. كان كل أفراد الأسرة يزورون ابن عمتي ويتوسلون إليه أن يتقوت. ويناولونه أطعمة يحبها، كأنما سوف يستعيد الشهية. ويقسمون له، ويقطعون له الوعود .. تجمعوا حول فراشه، وكانت أمه تبكي. ولكنه لم يعد يصغي لأحدهم.

ـ هل أضرب عن الطعام حتى الموت؟

ـ لم ينطفئ ببطء  كالشمعة. ففي أحد الأيام، وكان الجميع يأملون إقناعه، توقف قلبه عن الخفقان.

كان بطرس في بيروت حين نشبت الأزمة. في بادىء الأمر لم يشأ أهل الفتى إخطاره، إذ اعتبرا أنه يتحمل شيئاَ من المسؤولية عن نزوات ولدهما، وخشيا أن يدعمه في عناده، وهو المشهور بمواقفه العنيدة التي أصبحت مضرب مثل في الأسرة. ولما تدهورت الحالة، طلبا مساعدته. بعد فوات الأوان. فالصائم ما عاد يريد الإصغاء إلى أحدهم.

فجعت الاسرة بأكملها بهذه المأساة التي أرخت بظلها القاتم على الأذهان لفترة طويلة. كانت هذه المجاعة المقبولة بملء حرية، والمرفوضة بملء حرية على الذات، ولأسباب مبدئية صرف، تتسم بنبل مقلق، لا سيما بعد حدوثها بعيد انتهاء المجاعة الكبرى التي تسببت لكل أبناء الجبل بصدمة مستديمة. لقد هاجر ابن أخت بطرس نحو الموت كما يهاجر آخرون إلى أمريكا، لأسباب نفسها؛ فقد أضحى محيطهم ضيقاُ، وضيقة أمست طوائفهم، وأفكارهم، ومعتقداتهم، ومؤامراتهم، وانهماكهم الخنوع، وضيقة كذلك عائلاتهم، ضيقة وخانقة. ولابد من الفرار!

دون جدي في أحد دفاتره المرثية التي ألقاها في هذه المناسبة، بعضها نثراً، وبعضها الآخر شعراً، في السطور الافتتاحية، لا يذكر الإضراب عن الطعام بل “الموت المباغت” فقط..

تظهر كل كلمة من كلماته عميق تأثره وغضبه، وفي الوقت نفسه، لم يستطع التحامل على شقيقته المفجوعة ولا على صهره، أو أفراد أسرته، مهما كان ذنبهم. فالمأتم لا يصلح للسجال، وتصفية الحسابات، وإدانة العقلية الضيقة لبعض الأشخاص، وبعضهم الآخر. ولا تصلح المناسبة لقول الحقيقة، كل الحقيقة. بل تصلح للعزاء وتهدئة الخواطر، وبلسمة الجراح.

لم تتجاوز الكلمات الأولى لبطرس هذا الإطار. فبعد الإعلان عن كون بعض الأشخاص يخلفون، إثر مرورهم العابر بيننا، أثراً لا يخلفه الكثيرون غيرهم ممن كتب لهم العيش المديد، خاطب نفسه، بأسلوب المرثيات القديمة:

أمخضب الأجفان وكل ما جرى

ما كان قبل اليوم دمعك أحمرا…

ثم يعدد صفات الفقيد, ببعض الصور البلاغية المألوفة, ” قد عاش كعمر الورد” , وصور أخرى أكثر فرادة… قبل التقدم بخطى وئيدة , نحو الموضوع الذي يقف أمامه اللسان عاجزاً:

“بل جوهر جادت به الدنيا وقد

ندمت فقامت تسترد الجوهرا

إلى أن أعلن, قبل الختام:

أكرهت يا أسد متاعب عيشنا

فتركته وتركتنا متخيراً…

قيلت الكلمة. وأزيح قناع اللياقات: فالفتى  رحل بملء إرادته و” بسببنا ” .

فْليهنك العيش الذي حاولته

في قصر ذي الملكوت من أعلى الذرى

وعلى ضريحك للمدامع صبب

يسقى به أبداً ويبقى أخضرا.”

نظرة د. مصطفى حجازي للإنسان المهدور

د.مصطفى حجازي

الدكتور مصطفى حجازي، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا، شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة. تعد أبرز كتاباته كتابي (الإنسان المهدور)، والجزء الثاني بعنوان (التخلف الاجتماعي). يتكلم الدكتور في كتابه (الإنسان المهدور) عن الهدر الإنساني، فيبتدئ حديثه بأن يقول :

يجب الاعتراف بإنسانية الإنسان قبل الديموقراطية، ولابدَّ من تسمية الأشياء بمسمّياتها حتى يصبح الحديث في الديموقراطية والحرية فاعلاً ومؤثراً.

وقبل الخوض في تفاصيل الهدر لابدّ من تعريفه يرد في قاموس لسان العرب أن الهدر هو: مايُستباح ويمكن سفحه في حالة من زوال حرمته التي تُحصِّنه ضد التعدي عليه”. إلا أن الموضوع الذي يعنينا في هذا المقام هو هدر الإنسان تحديداً بمعنى التنكر لإنسانيته وعدم الاعتراف بقيمته وحصانته وكيانه وحقوقهويسرد أكثر بقوله:

إن الهدر الإنساني حالة ليست نادرة ،ويتخذ الهدر شكل عدم الاعتراف بالطاقات والكفاءات أو الحق في تقرير المصير والإرادة الحرة وحتى الحق بالوعي بالذات والوجود، وقد يكون الهدر مادياً أو معنوياً أو على مستوى الحقوقومن هنا يتجلى الهدر الإنساني باعتباره أكثر جذرية من القهر

ويوضح هنا الفرق بين الهدر والقهر، فهو يرى “أن القهر يبقى حالة خارجية يمكن الاحتماء إزاءها من خلال الحفاظ على الرفض أو الثورة والتمرد الداخلي (كما هو شأن رفض الاستغلال ورفض الاستعمار). قد لايتمكن القهر الخارجي من النيل من الحرية الداخلية، ومن اعتراف الإنسان بكيانه الذاتي ولو بشكل خفي. أما في الهدر فإن هناك سحباً للاعتراف أصلاً لقيمته الكيان أو الطاقات أو الوعي أو المكانة”. ويختم فكرته حول علاقة غياب الديموقراطية بالهدر الإنساني بأنها:

حالة منقطعة الصلة، وأن الاستبداد ليس مجرد حجب للديموقراطية أو منع للحقوق، بل هو علاقة مختلفة نوعياً تقوم على أختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى «الرعيّة».

وتحدث ايضاً عن ألوان الهدر ومستوياته ويوضح هذا التعدد بأنه انعدام الاعتراف بإنسانية الإنسان وتتخذ أشكالاً ومستويات متفاوته. ويرى أن للهدر نوعين رئيسين هما الهدر العام والهدر الخاص، أما الهدر العام فوصفه بأنه:

يطال شرائح كبرى من الناس ، أو حتى مجتمعات بأكملها. يدخل هذا ضمن حالات الطغيان والاستبداد، ومن حالات الهدر العام، هدر الطاقات وهدر الوعي وهدر الفكرذلك أن الوجود الإنساني محكوم بالقيمة وباعتراف الآخر بقيمتنا الذاتية في تذبذباتها مابين الاكتئاب والمرارة والتبلد، وبين التمردات الداخلية والحرب على الذات المعاقة في كينونتها .

ومع هدر الوعي يهدر العقل ذاته باعتبار أن الوعي هو المدخل إلى التفكير والعطاء الفكريولابدَّ هنا من إشارة إلى الهدر الذي تفرضه نُظُم التحريم، وهو الحب المهدور وملفه الكياني الممنوع. العاطفة بما هي أشد وأسمى محركات الوجود الإنساني تُصادر وتُمنع .وبذلك الهدر العاطفي يكمل ثلاثي هدر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي وبالتالي نكون بصدد كيان سلبت منه حيويته وحياته .

ولخص الهدر الخاص في ثلاث فئات من المجتمع وهم المرأة والشباب والطفولة فهي أكثر الشرائح السكانية تعرضاً للهدر، سواء على المستوى الكياني أم على مستوى  الطاقات والوعي أم على مستوى الدور والمكانة . بداية يوصف هدر المرأة بقوله:

يختزل دور كيان المرأة كملكية عصبية وأداة إنجاب ومصاهرة، كما يُهدر كيانها من خلال جعلها ملكية العشيرة والأسرة (من خلال ملكية الأب والأخ للبنت ومن بعده الزوج لزوجته) كما يهدر كيانها من خلال تحويلها إلى أسطورة الضعف والعار، حيث يستخدم كموضوع لإسقاط ضعف الرجل وهدره عليها، كي يعود فيكتسب شيئاً من التوازن والقيمة التعويضية من خلال هذا الإسقاط.

أما هدر الطفولة فهو إحدى مشكلات التنشئة الكبرى في عالمنا العربيكما يبدأ الطفل حياته في سنينه الأولى وهو يعبّر عن الكثير من إمكانيات الإبداع العفويإلّا أن أسلوب التنشئة القمعية التي تقمقم الطاقات يفعل فعله في البيت، ويستكمل في المدرسة في نوع من الخطة المبرمجة لقمع العفوية والإبداع والانطلاق والحيوية. على أن هدر كيان الطفل قد يتخذ أشكالاً أخرى من خلال التعامل معه باعتباره طفل أداة لتحقيق طموحات الأهل، أوطفل عبء، أو طفل عقبة، أو الطفل أداة الصراع بين الوالدين.

في كل هذه الحالات يهدر كيان الطفل بدلاً من رعايته لذاته، وإطلاق طاقاته المعبرة عن ظفر الحياة على الموت. وأما هدرالشباب فهو استكمال لهدر الطفولة الذي يحمل نزوة الحياة التي تتمثل أولاً في الرغبة في الاعتراف والتقدير، والصراع من أجل نيلهما، فالرخاء المادي وحده ليس كافياً لملء حياة الإنسانهناك نزوة الحياة في كل إنسان تتخذ شكل الرفض والكبرياء والرغبة في إثبات الذات وإجبار الآخر على الاعتراف بها وبحقها في الوجود. فهذه النزوة تدفع الإنسان إلى خلق ذات جديدة لنفسه في حالة طموح مثالي بأخذ الخيار الصعب والقدرة عليه.

ستيوارت ميل، في حديث عن المُتع الدنيا والعليا

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في كتابه الشهير (النفعية)، والذي يُعد أساسًا لفهم النظرية الأخلاقية المعاصرة، تحدث عن الكائن الحي، والمتعة، فيقول:

لا نزاع حول الحقيقة المفيدة أن الكائن الذي قدرات تمتعه منخفضة، له الحظ الأعظم بتحقيقها وإشباعها بشكل كامل. والكائن ذو القدرات العالية سيشعر، وبشكل دائم، بأن أي سعادة يتمكن من طلبها هي ناقصة، كما هو تركيب العالم. غير أنه غير قادر على أن يتعلم وأن يتحمل عيوبه وشوائبه، إذا أمكن تحملها، وهي لن تجعله يحسد الكائن الذي ليس واعيًا بالعيوب والشوائب، فالأفضل أن يكون إنسانًا مستاءً وغير راض لا خنزيرًا راضيًا. الأفضل أن يكون سقراط المستاء ولا يكون مغفلاً راضيًا. وإذا كان للمغفل أو الخنزير رأي مختلف، فمرد ذلك أنهما لا يعرفان سوى ناحيتهم من المسألة. أما الطرف الآخر فهو، بالمقارنة معهم، يعرف الناحيتين.

وقد يُعترض بالقول، إن كثيرين قادرين على اللذات العليا وقد يؤجلونها أحيانًا من أجل الدنيا. غير أن هذا يتسق مع تقدير كامل للعلو الحقيقي للذات العليا. وغالبًا مايختار الناس، لعيب في الشخصية، الخير القريب، بالرغم من معرفتهم أنه الأقل قيمة. وهذا لا يحصل عندما يكون الخيار بين لذتي جسديتين بأقل مما يحصل عند الخيار بين لذة جسدية ولذة عقلية. فهم يسعون وراء الانغماسات الحسية لحد الأذية بصحتهم، مع وعيهم الكامل بأن الصحة هي الخير الأعظم.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

وقد يُعترض باعتراض إضافي بالقول، إن الكثيرين الذين يبدأون بحماس شبابي لكل شيء نبيل، يغرقون مع تقدم الزمن في الكسل والأنانية. غير أني لا أظن أن أولائك الذين يمرون بذلك التغيير العام يختارون طوعيًا الوصف الأدنى للذات بدلاً من الوصف الأعلى لها. وأعتقد أنهم قبلوا تكريس أنفسهم، حصريًا، لإحداهما، ذلك أنهم صاروا عاجزين عن الآخر. فالقدرة على المشاعر النبيلة هي عند معظم الطبيعيات كنبته سريعة العطب، وقتلها سهل، ولا يكون ذلك مقتصرًا على المؤثرات المعادية، وإنما للحاجة إلى التغذية والإعالة وهي تموت بسرعة عند أكثرية الشبان، إذا كانت الوظائف التي وضعهم فيها مركزهم في الحياة، والمجتمع الذين رموا فيه غير صالحين للحفاظ على تلك القدرة العليا على التمرين. فالبشر يفقدون مطامحهم العليا حالما يفقدون ميولهم الفكرية، لعدم وجود وقت أو فرصة لديهم للانغماس فيها، ويكرسون نفوسهم للذات الدنيا، ولا يكون ذلك لأنهم يفضلونها عن قصد، وإنما لأنها تكون الوحيدة المتاحة لهم، أو لأنها الوحيدة التي لم يبق لهم سواها ليتمتعوا بها.

في فلسفة الحب، آلان باديو يكتب

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة. يستفتح كلماته عن الحب، فيقول:

أعتقد بأننا يجب أن نقترب من الحب من نقطتين تتوافقان مع خبرة الجميع. النقطة الأولى: يتسم الحب بالانفصال أو الانفصام، لعله الاختلاف البسيط بين الفردَين وتركيباتهما الشخصية اللانهائية. هذا الانفصام، في معظم الحالات، هو الاختلاف النوعي. ومع ذلك، عندما لا تكون هذه هي الحالة، يشترط الحب أن من يتقابلان شخصان مختلفان ؛ حظتان تأويليتان مختلفتان. بكلمات أخرى، يحتوي الحب على عنصر مبدئي هو الانفصام أو الانفصال، أو الاختلاف. لديك اثنان. فالحب، في البداية، اثنان.
النقطة الثانية: بما أنه ينطوي على انفصال تحديدًا، ففي اللحظة التي يظهر فيها الاثنان على المسرح هكذا، ويختبران العالم بطريقة جديدة، لن يتخذ إلا شكلًا خطرًا أو اتفاقيًا. هذا ما نسميه “اللقاء”. يبدأ الحب لبقاء. وسوف أعطي هذا اللقاء حالة شبه ميتافيزيقية للحدث؛ أي، شيء ما لا يندرج ضمن القانون الحالي للأشياء. لدينا أمثلة لا نهائية في الفن أو الأدب تصف نقطة البداية هذه للحب. ويركّز العديد من القصص والروايات على حالات يكون فيها الاثنان مميزان عن بعضهما البعض على الخصوص؛ حين لا ينتمي الحبيبان إلى الطبقة ذاتها أو الجماعة أو العشيرة أو البلد.
 يؤكد على هذه النقطتين في موضع آخر، فيقول:
إن الحب ليس ببساطة عن لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية: إنه بناء، حياة تُصنع، لم تعد من منظور واحد منذ تلك الأشياء، بل من منظور اثنين. وهذا ما سمّيته “مشهدًا من اثنين”. شخصيًا، كنت دائمًا مهتمًا بقضيّتي الاستمرارية والسيرورة، وليس قضايا البدايات.
 ثم يتحدث بعد ذلك عن البدايات ونشوتها:
من ناحية أخرى، لا يمكن اختصار الحب في اللقاء الأول لأن الحب عملية بناء. إن اللغز في التفكير حول الحب هو قضية المدة الزمنية الضرورية التي يحتاجها ليزدهر. في الحقيقة، إن النقطة الأهم، أساسًا، ليس قضية نشوة البدايات. بالطبع توجد نشوة في البداية، لكن الحب فوق كل شيء بناء يبقى. نستطيع أن نقول إن الحب مغامرة متماسكة. الجانب المغامر منه ضروري، لكن لا يقل عنه ضرورة الحاجة إلى التماسك. إن التخلي عنه مع أول حاجز، مع أول اختلاف جاد، مع أول شجار، يعني تشويه الحب. الحب الحقيقي هو الحب الذي ينتصر باستمرار، أحيانًا بألم، فوق العوائق التي تقف حاجزًا عبر الزمن والمكان والعالم.
 يقول بأن ما يعنيه هو استمرارية الحب، وليس فقط البدايات، فلطالما كانت استمرارية الحب سؤالًا محيرًا:
ما يشغلني هو قضية الاستمرارية في الحب. وبدقة: يجب ألا يفهم أي شخص من كلمة “استمرارية” أن الحب يدوم، أو أنهما سوف يتحابان دائمًا أو إلى الأبد. لابد أن نفهم أن الحب يبتكر طريقة جديدة للاستمرار في الحياة. يواجه وجود كل شخص، حين يتعرض لخبرة الحب، مفهومًا جديدًا للزمن. وطبعًا لو أننا رددنا صوت الشاعر، فالحب هو أيضًا “الرغبة الدائمة في الدوام”. لكن فوق هذا، هو رغبة في دوام مجهول. ذلك أن الحب -كما نعرف جميعًا- هو إعادة ابتكار الحياة. إن ابتكار الحب من جديد يعني إعادة ابتكار ذلك الابتكار الجديد للحياة.
 ثم يتحدث بعد ذلك عن الحب بوصفه إجراءً للحقيقة، ويعتقد (باديو) بأن الناس تحب الحب، لأنها تحب الحقيقة. يقول:
أعتقد بأن الحب هو فعليًا ما أسميه في قاموسي الفلسفي “إجراء الحقيقة”، بمعنى، الخبرة التي من خلالها يشيّد نوعٌ معين من الحقيقة. هذه الحقيقة هي ببساطة شديدة حقيقة الاثنين. حقيقة الاختلاف كما هي. وأعتقد بأن الحب -الذي أسميه “مشهدًا من اثنين“- هو هذه الخبرة. بهذا المعنى، الحب الذي يقبل التحدي ويقبل الاستمرارية، ويقبل خبرة العالم هذه تمامًا، فإنه من وجهة نظر الاختلاف يُنتج، على هذا النحو، حقيقة جديدة حول الاختلاف. لهذا، فإن الحب الحقيقي محط اهتمام الإنسانية كلها دائمًا، بغض النظر عن تواضعه الظاهري، وعن تواريه. نعرف كيف ينجرف الناس بقصص الحب! لابد أن يسأل الفيلسوف لماذا يحدث هذا؟ لماذا هناك العديد من الأفلام الروايات والأغاني التي تكرّس تكريسًا كاملًا قصصها للحب؟ لابد أن هناك شيئًا ما كليًا في الحب لكي تثير قصصه اهتمام هذا الجمهور الغفير. إن الكلّي هو أن الحب يقّدم خبرة جديدة للحقيقة حول كيف تكون اثنين وليس واحدًا. فأيًا كان الحب فهو يعطينا دليلًا جديدًا على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المنعزل. ولهذا نحب الحب؛ كما يقول (سان أوغسطين) نُحب أن نُحب، لكننا نحب أيضًا أن يُحبّنا الآخر. وذلك لأننا نحب الحقائق ببساطة. هذا ما يعطي الفلسفة معناها: الناس يحبون الحقيقة حتى عندما لا يدركون هذا.
 وأخيرًا، يتحدث (باديو) عن إلان الحب، وعن قيمته ومعناه، ويقرر تمحيص الكلمة ومعانيها أكثر. يقول:
إن إعلان الحب هو الانتقال من الصدفة إلى القدر، ولهذا فهو محفوف بالخطر ومشحون بنوع من رهبة خشبة المسرح المرعب. علاوة على ذلك، لا يحدث إعلان الحب بالضرورة مرة واحدة، بل قد يمتد وينتشر ويرتبك ويصبح معقدًا ويُعلن مرة ومرة أخرى، ويكون قدره أن يُعلن، مع ذلك، مرة أخرى. هذه هي اللحظة التي ترسخ فيها الصدفة. فحين تقول لنفسك: لابد أن أعلن للشخص الآخر عمّ يحدث، عن هذا اللقاء والأحداث التي وقعت خلال اللقاء. وأنني سوف أخبر الآخر أن التزام ما حدث بداخلي على الأقل من جهتي. في كلمة واحدة: أحبك. لو “أحبك” ليست خدعة لممارسة الجنس مع شخص ما، والتي يمكن أن تكون الحالة. لو أنها ليست خدعة، فما هي؟ ما الذي يقال حينئذ، معها؟ ليس من السهل على الإطلاق أن تقول “أحبك”. اعتدنا على أن نعتبر هذه الكلمة الصغيرة مبتذلة وتافهة. علاوة على ذلك، نفضّل في بعض الأحيان لكي نقول “أحبك” استخدام كلمات أخرى أكثر شعرية وأقل شيوعًا. لكن ما نقوله دائمًا: سوف أستخلص شيئًا ما آخر مما كان محض صدفة. سوف أستخلص استمرارية وعناد، وارتباط، وولاء. وهنا أستخدم كلمة “ولاء” ضمن قاموسي الفلسفي الخاص، مجرّدة من معناها المعتاد. إنها تعني بدقة ذلك الانتقال من اللقاء الاتفاقي إلى بناء، بقدر ما هو صلب، هو ضروري على السواء.