أرشيف الوسم: الهوية

الهويّات المتعدّدة عند طارق رمضان

 

في كتابه (الإسلام والحرّية) والذي تُرجم مؤخراً طرح المفكر الإسلامي (طارق رمضان) الكثير حول تجربته كمثقف مسلم يعدّ نفسه جزءاً من الثقافة الغربيّة ومسلماً ملتزماً في الوقت نفسه. يشرح بلغة سهلة قريبة المتناول رؤيته لحضور الإسلام والمسلمين في الغرب، ودعوته إلى ضرورة أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم كمواطنين غربيين يدينون بالإسلام، وأن يتعامل معهم الغربيون “الأصليون” على أساس من المواطنة لا بالنظر إلى كونهم آخرين يدينون بالإسلام وشكلون خطراً على الهويّة الغربية وعلى التجانس السكاني.

ومما خطّه مقالاً حول الهويّات المتعددة جاء فيه:

العولمة، الهجرة، النفي، التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة، كل هذه الظواهر تثير الخوف والقلق والتوتر. تبدو العلامات التي كان يستهدى بها، وكأنها من زمنٍ فات وعاجزة عن بثّ السكينة: من نحن في قلب هذا الجيشان؟ تنبع قضية الهوية من هذه الاضطرابات العميقة. وعندما لايعود الناس، المحيطون بنافي مجتمعاتنا ذاتها وبهذه الكثرة، مشابهين لنا، وعندما يبدون مختلفين لهذه الدرجة، يكون من الطبيعي أن تنشأ لدينا الحاجة لإعادة تعريف أنفسنا. وبالمثل فإن خبرة الانقلاع، خبرة النفي الاقتصادي والسياسي، تؤدي إلى البحث عن الهويّة في قلب بيئةٍ ليست بيئتنا الطبيعيّة. رد الفعل يمكن فهمه، لكن ما يتعيّن التأكيد عليه هنا هو أنه فوق كل شيء، رد فعل إزاء بيئة نشعر باغترابٍ عنها. وهكذا يحدد المرء هويته برد الفعل، بالتمايز، بمعارضة ما ليس هو، بل وحتى بأن يكون ضد الآخرين. والسياق سياق طبيعي والطبيعي بالقدر ذاته هو أن تصبح المقاربة ثنائية وأن تنشأ بالتالي “هوية” يتم تركيبها، على نحو أو آخر، ضد هوية أخرى، ثم إسقاطها على “الآخر” أو “المجتمع”. والهويّات التي تتحدد على هذا النحو، الهويات القائمة على رد الفعل، هي في جوهرها فريدة وإقصائيّة، بسبب الضرورة التي نشأت عنها: النقطة المهمة هي أن يعرف المرء ماهيّته بوضوح، وأن يعرف ما يُخالفها.
يطرح تساؤلاً بقوله: ما إذا كان المرء “مسلماً”، “استرالياً”، “فرنسياً”، “هولندياً”، أو “كندياً “؟
في عالم الدين والفلسفة، ذلك الذي يعطي معنى للحياة، الإنسان هو، أولاً وقبل كل شيء، إما ملحد او بوذي أو يهودي أو مسيحي أو مسلم: فجواز السفر أو الجنسيّة ليس بوسعهما الإجابة عن السؤال الوجودي. وعندما يتعيّن على فرد أن يصوّت لمرشّح في الانتخابات، فإنه “هو أو هي” أولاً مواطن أمريكي، أو إيطالي، أو فرنسي أو برسطاني منغمس في الشؤون الوطنية. ووفقاً لمجال النّشاط، أو لحقله، يُقدّم المرء هويّةً أخرى، وليس هناك من تناقض.
وفي كلمةٍ ألقاها (طارق رمضان) في اليونان عبّر الاقتصادي (أمارتيا سين) عن موافقته لفكرة (طارق) حيث وضّح ذلك بقوله:
افترض أنك شاعرٌ ونباتيّ: فإن كنت ضيفاً على العشاء فهذا ليس مجال إصرارك على هويّتك كشاعر، ولا هو وقته، في حين أنك عندما تتواجد في حلقة شعريّة، فمن المؤكّد أنك لن تقدّم نفسك كنباتيّ، وإلا بدوت غريب الأطوار. وبتعبير آخر، فلديك أكثر من هويّة. وأنت تقدّم هوية على الأخرى، بحسب البيئة أو الحالة، دون أن يؤثر ذلك على نسق من أنساق الانتماء أو سواه. فالشّاعر الذي يقول، أثناء تناول الطعام، إنه نباتي، لاتنزل درجته كشاعر!
يُعقّب (رمضان) على ذلك بقوله:
يتعيّن على المرء أن يقاوم غواية اختزال هويته في بُعد واحد، تكون له الأولوية على كل ماعداه. من المؤكد أن هذا يمكن أن يكون باعثاً على الطمأنينة لكنه، فوق كل شيء يفقر الشخصية ويمكن في زمن التأزّم والتوتّر أن يؤدي إلى الرّفض، والعنصريّة والصراعات الكامنة أو المتأجّجة حول الهويّة، أو الثقافة، أو “الحضارة“. لا بدّ لنا من التوصّل إلى رؤية أوسع لأنفسنا ولمواطنينا: لكل واحدٍ منّا هويّات متعدّدة يتعيّن عليه القبول بها، وإنعاشها، وتنميتها. ولطالما كررت على مسامع المسلمين وعلى مسامع مواطنيّ أني سويسري بالجنسيّة، مصري بالذاكرة، مسلم بالديانة، أوروبي بالثقافة، عالمي بالمبدأ، ومغربي وموريشيوسي بالاكتساب.
تعدد الهويّات ليس إشكالاً عند (طارق رمضان) يقول:
أنا أعيش مع هذه الهويّات، وقد تتخذ هذه الهويّة أو تلك موقع الصدارة، حسب السياق أو المناسبة !

عن مأزق الكلمات، عند بول أوستر

بول أوستر

بول أوستر، هو كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد عام 1947، في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، بالإضافة إلى ترجماته للشعر و الكتب من اللغة الفرنسية. في (ثلاثية نيويورك)، والمكونة من ثلاث قصص، وهي أحد أشهر أعماله أيضًا، تحدث على لسان أحد الشخصيات مختصرًا الكثير عن مأزق الكلمات في العالم المعاصر فقال:

إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم.

يشرح فكرته أكثر بعد ذلك، فيقول:

فعندما كانت الأشياء كلًا  واحدًا، كنا نشعر بالثقة في أن كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئًا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت إلى فوضى، ومع ذلك ظلت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد. ومن هنا فإننا في كل مرة نحاول الحديث فيها عمّا نراه نتحدث بشكل زائف، ونشوّه الشيء الذي نحاول أن نطرحه، وقد حوّل ذلك كل شيء إلى ركام مضطرب. ولكن الكلمات كما تفهمها أنت نفسك قادرة على التغيير.

يضرب مثالًا بعد ذلك ليشرح فكرته، فيقول:

تأمل كلمة تشير إلى شيء، “المظلة” على سبيل المثال، وعندما أظقول كلمة “مظلة” فإنك ترى الشيء في ذهنك، ترى نوعًا من العصيّ، وقوائم معدنية من النوع الذي يُطوى في أعلاها تشكّل هيكلًا يحمل قماشًا لا ينفذ منه الماء ولا يلتصق به، وعندما يفتح فإنه يحميك من المطر. وهذه الجزئية الأخيرة مهمّة، فالشمسية ليست مجرد شيء، وإنما هي شيء يؤدي وظيفة، وبتعبير آخر يعبّر عن إرادة الإنسان. وعندما تتمهل لتتأمل الأمر فإنك تجد أن كل شيء مماثل للمظلة، من حيث أنه يؤدي وظيفة، فالقلم للكتابة، والحذاء للانتعال، والسيارة للانتقال. والآن، السؤال الذي أطرحه هو ما يلي: ماذا يحدث عندما يكف شيء عن أداء وظيفته؟ أهو ما يزال الشيء أم أنه غدا شيئًا آخرًا؟ عندما تنزع القماش عن المظلة هل ما تزال المظلة مظلة؟ إنك تفتح القوائم المعدنية، وترفعها فوق رأسك، وتمضي في المطر، وتبتل حتى النخاع. هل من الممكن الاستمرار في تسمية هذا الشيء بالمظلة؟ إن الناس يقومون بهذا بصفة عامة. وعلى الحد الأقصى سيقولون إن المظلة قد كُسرت. وبالنسبة إليّ فإن هذا خطأ خطير، ومصدر كل المشكلات، فالشمسية لأنها لم تعد تستطيع أداء وظيفتها كفّت عن أن تكون مظلة، ربما كانت كذلك في وقت من الأوقات، ولكنها الآن تغيّرت إلى شيء آخر. غير أن الكلمة بقيت على حالها، ومن ثم فإنها لم تعد تستطيع التعبير عن الشيء، إنها غير دقيقة، إنها زائفة، وهي تخفي الشيء الذي يفترض أن تكشف عنه. وإذا لم يكن بمقدورنا تسمية أشياء عادية تنتمي إلى الحياة اليومية، أشياءً نمسكها بأيدينا، فكيف يمكن أن نتوقع الحديث عن أشياء تهمنا بصورة حقيقية؟ وما لم يكن بمقدورنا البدء في تجسيد مفهوم التغيير في الكلمات التي نستخدمها فإننا سنواصل الضياع.

جوديث بتلر والوصف الذاتي

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

إذا كانت الهوية التي نقول إنها نحن لا تستطيع الإمساك بنا وظلّت تؤشر مباشرة فائضاً وعتمة يقعان خارج مقولات الهوية، إذن فإن أية محاولة “لتقديم وصف لذاتي” ستكون محكومة بأن تجرب الفشل لكي تقارب الصواب. بينما نحن نطلب معرفة الآخر، أو نطالب الآخر أن يعرّف نفسه على نحو نهائي ومؤكد، فإن من المهم لنا ألا ننتظر جواباً شافياً بأي حال. إننا بامتناعنا عن السعي إلى القناعة وبإبقائنا السؤال مفتوحاً بل حتى ثابتاً، نمنح الآخر فرصة أن يعيش ما دام بالإمكان فهم الحياة بوصفها على وجه الدقة ذلك الذي يتجاوز أي وصف قد نقدمه له. إذا كان السماح للآخر بأن يعيش هو جزء من كل تعريف أخلاقي للاعتراف ، فإن هذا النمط من الاعتراف سيستند إلى إدراك الحدود الأبستمية أكثر منه إلى المعرفة.

يتكون الموقف الأخلاقي كما اقترحت كافاريرو من طرح السؤال ” من أنت ؟ ” والاستمرار في طرحه دون أدنى توقع بالحصول على جواب كامل ونهائي ، لذلك فإذا كان في السؤال رغبة في الاعتراف فعلى هذه الرغبة أن تبقي نفسها حية بوصفها رغبة وألا تحلّ نفسها.

لقد حذرنا لاكان على نحو شائن بالقول ” لا تتخل عن رغبتك ” وهي دعوة غامضة لأنه لا يقول إن رغبتك تستحق الإشباع أو هكذا يجب . إنه يكتفي بالقول إن الرغبة يجب أن تدوم . في الواقع ، يكون الإشباع نفسه أحيانًا الوسيلة التي يتخلى بها المرء عن الرغبة ، الوسيلة التي ينقلب المرء بها ضدها ، ويرتب لموتها السريع.

الهويات والعولمة عند د.علي حرب

6872902b5fcaa7667c3d0934d8e751fd

د. علي حرب هو كاتب ومفكر علماني لبناني، له العديد من المؤلفات منها كتاب (نقد النص) و(هكذا أقرأ: ما بعد التفكيك) ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبة فيالتفكيك.وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليات العقلية التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. في كتابه (حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية) يقول عن الحداثة والهويات في العصر الحديث:

إن الحداثة ليست نفيًا للتراث، بقدر ما هي قراءة حية وعصرية ؛ وكما أن العالمية ليست نفيًا للخصوصيات، بل ممارسة المرء لخصوصيته بصورة خلاقة وخارقة لحدود اللغات والثقافات؛ وكذلك فإن العولمة لا تعني ذوبان الهوية، إلا عند ذوي الثقافات الضعيفة، وأصحاب الدفاعات الفاشلة، ممن يلقون أسلحتهم أمام الحدث، فيما هم يرفعون شعار المقاومة والمحافظة.

أما الفاعل البشري المسؤول والخلاق، المبتكر للإمكانات والمنتج للحقائق، فإنه يفكر في عولمة هويته، لكي يمارس علاقاته بوجوده على سبيل الإبداع والفيض والإزدهار. ولذا فهو لا يخشى ما يقع، بل ينخرط في ورشة الخلق الجارية للمساهمة في إنتاج المعلومة الكونية وإدارتها بصورة تواصلية عالمية أو كوكبية. من غير ذلك يصبح الكلم على أفخاخ العولمة، دفاعًا عن الهوية، فخًا ينصب للهويات العاجزة والكسولة، لكي تزداد عجزًا وفقرًا وتراجعًا.
ولعله لا حاجة إلى التأكيد بإن العولمة، كثورة تقنية أنتجت تآكل الحدود بين الدول وتعميم التبادلات بين البشر على مستوى كوني، قد وُلدت في المجتمعات الغربية ومنها انطلقت وتوسعت. فالغرب، الذي يقود مسيرة البشرية، هو السبّاق إلى خلق الظاهرة في إدارة عملياتها. الأمر الذي قد يولد المزيد من التفاوت في الثروة والمعرفة والقوة، بين المجتمعات الغربية وبقية المجتمعات. ومن السذاجة إنكار ذلك أو إغفاله. ولكن لا يمكن مجابهة ذلك الواقع برفض العولمة ولا بالتصفيق لها، بل بابتكار المعادلات الوجودية والصيغ الحضارية، التي تمكن أصحابها من تشغيل عقولهم وسَوْس هوياتهم وإدارة واقعهم، بصورة يحولون بها مواردهم ومعطيات عصرهم إلى طاقات غنية ومشروعات مثمرة.
 ثم يقول مختتمًا حديثه عن الهويات فيقول:
إن هوياتنا ليست ما نتذكره ونحافظ عليه أو ندافع عنه. إنها بالأحرى ما ننجزه ،نُحسن أداؤه، أي ما نصنعه بأنفسنا وبالعالم، من خلال علاقاتنا ومبادلاتنا مع الغير. مثل هذا المفهوم المنفتح والتحويلي للهوية يتعارض مع مفهوم الهوية الثقافية الذي هو اختراع إناسي أريد لنا من ورائه أن نكون دومًا (الآخر).

عن حماية تنوع الهويات البشرية والانقراض المحتمل لبعض الثقافات .. أمين معلوف يكتب

ما الذي يجعل مجموعة من الناس رُغم اختلاف توجهاتهم وأطباعهم ونظرتهم للحياة، واختلاف مراحلهم العُمرية ومستويااتهم الثقافية، ما الذي يجعلهم يجتمعون مُتماسكي الإيدي تحت مظلة واحدة؟ أعتقد أن الإجابة هي الهوية، شعورهم بأنهم يتجهون جميعًا لوجهة ينتمون إليها مهما اختلفت الطرق، في الوقت الذي يستطيع كل فرد منهم أن يسير في تلك الحياة مُمارسًا لفردانيته من خلال نفس الانتماء الذي يمنحه روحه وكيانه، يمنحه وجوده كله.

الهوية نوع من (الطريقة) لها مُمثلين ومُريدين وأتباع، يُعرِفون بها، ويُمارسون الحياة أحيانًا من خلالها، ومن جمالية الهويات أنها مُختلفة، متنوعة بتنوع الإنسان ومكانه في هذا العالم.

هذا التنوع الذي يُعد سفرًا في الإنسان إن جربنا في لحظات من التأمل وصفاء التقبًل أن نستكشف هويات الآخرين، وأن نستكشفها بعين المعرفة لا بعين المًقارنة أوالتعالي وبدون مُحاولة طمس الآخر والتغيير من هويته وفقًا لمعايير هويتنا لأنها المُهيمنة بحُكم أننا الأقوى، أن نُعدل أو نطمس أو نُغير في هويات الآخرين هو نوع من قتل الإنسان عن عمد، إخراس صوته، الذهاب بتنوعه وفردانيته ووجهة نظره واعتقاداته تجاه الفناء، العالم يتسع، لماذا لا يفعل الإنسان؟

أمين معلوف، كاتب وصحافي لبناني مُقيم في فرنسا، له العديد من المؤلفات التي نستطيع القول بأنها وبشكلٍ ما تبحث في أصل الأصل، في التاريخ ودور الإنسان فيه، كان قد تحدث سابقًا عن معنى الهوية وتحوّله بفعل الظروف، وكيف أنها كانت فعلًا نُقطة تحول في حياته هو الشخصية من خلال كتابه “الهويات القاتلة”.

وهنا يتحدث -في كتابه “الهويات القاتلة” كذلك- عن إمكانية انقراض الثقافات بفعل غفلة البشر..

يمكن أن تكرس القوة الهائلة التي يتيحها العلم والتقانة الحديثان للبشرية لأغراض متعارضة، بعضها خيّر والآخر مدمر. فلم تُعانِ الطبيعة من الإساءة أكثر مما تعانيه الآن. إلا أننا في موقف أفضل بكثير مما سبق لحمايتها، ليس لقدرتنا على التأثير في المشكلات البيئية فحسب، ولكن أيضا لأن وعينا بهذه المشكلات أقوى مما كان في الماضي.

ولا يعني هذا أن قدرتنا على الإصلاح تتفوق دائما على قدرتنا على الإضرار، كما يظهر من أمثلة أكثر من أن تحصى. ولنذكر مثلاً استنفاد شريحة الأوزون، والأنواع الطبيعية التي ما زالت مهددة بالانقراض.

وكان يمكن أن أشير إلى مجالات غير البيئة، ولكني اخترتها لأن المخاطر التي تواجهنا فيها تماثل ما تشتمل عليه في العولمة. في كلتا الحالتين، هناك تهديد للتنوع. فكما تنقرض أنواع نباتية وحيوانية أمام أعيننا الآن بعد أن عاشت لملايين السنين، فقد نشهد -إن لم نتوخ الحذر- انقراض ثقافات عديدة تمكنت أن تبقى حية لمئات أو آلاف السنين.

كيف يتعلم الأطفال هوياتهم الجنوسية.. ذكوراً أو إناثاً؟ غيدنز وستوكس يشرحون ذلك

Former-LSE-head-Anthony-G-007

هناك عدة نظريات تشرح كيف يتعلم الأولاد والبنات الأدوار المتصلة بجنسهم في المجتمع، وهوياتهم ذكوراً وإناثاً، أنتوني غيدنز -عالم الاجتماع المعاصر- يعقب عليها:

إن نظريات التنشئة تتجاهل قدرة الأفراد على أن يرفضوا أو يعدلوا من التوقعات الاجتماعية المتصلة بأدوار الجنس. إن فواعل التنشئة كما يرى كونل لا تترك آثارها بصورة آلية على الشخص الذي يوشك على البلوغ. وجل ما تفعله هو دعوة الطفل إلى المشاركة في ممارسة اجتماعية بشروط محددة، وكثيراً ما ترتبط هذه الدعوى بمعنى الإرغام، مع ممارسة ضغوط قوية عليه للقبول مع غياب أي خيار بديل. غير أن الأطفال يرفضون الانصياع، أو بصورة أدق، قد يتحركون بحرية أكبر في ميدان الجنوسة، وقد يخلطون ويمزجون بين عناصر الجنوسة من كلا الاتجاهين. فقد تصر البنات في المدرسة على ممارسة الألعاب الرياضية التنافسية، كما أن الأولاد قد يرتدون ثياباً تعتبر “بنّاتية” في نظر البعض. من المهم أن نتذكر أن البشر ليسوا كائنات سلبية تتقبل البرمجة “البرمجة” الجنوسية بلا سؤال. إن الناس فاعلون نشطون يصنعون الأدوار لأنفسهم ويعدلونها. وبينما نميل إلى الشك في التبني الكامل لفرضيات الأدوار الجنسية، فإن كثيراً من الدراسات قد أظهرت أن كثيراً من الهويات الجنوسية هي، إلى حد ما، نتيجة للمؤثرات الاجتماعية.

لكن مع هذا قد لا يستطيع حتى الوالدين تعليم أطفالهم كيف تتصرف الفتاة أو الولد، لوجود مؤثرات أخرى في تعليم الأطفال هويتهم الجنوسية:

إن المؤثرات الاجتماعية على الهوية الجنوسية تتدفق في قنوات متشعبة. فحتى الآباء والأمهات الذين يحرصون على تربية أطفالهم من تمييز بين الجنسين، يصعب عليهم الوقوف في وجه عدد من أنماط التعلم الجنوسي. فقد أظهرت التي أجريت حول تفاعل الوالدين مع الأطفال على سبيل المثال أن هناك اختلافات مميزة بين أسلوبيّ التعامل مع كل من الأولاد والبنات حتى في الحالات التي يعتقد فيها الأبوان أنهما يعاملان الأولاد والبنات بصورة متماثلة. وتميل الدمى والكتب المصورة وبرامج التلفاز التي يتعرض لها الأطفال إلى التشديد على الاختلافات والصفات المميزة للذكور والإناث. ورغم التغيرات الطفيفة التي نلمسها في الآونة الأخيرة، فإن نسبة شخصية الذكور تزيد على شخصيات الإناث في ما يعرفه الأطفال عموماً من الكتب، والحكايات، وبرامج التلفاز والأفلام. وتقوم الشخصيات من الذكور عادة بأدوار أميل إلى النشاط والمغامرة، بينما يجري تصوير البنات باعتبارهن مخلوقات سلبية وساكنة مرتبطة بالبيت. وقد بينت الباحثات النسويات كيف تتمثل في المنتجات الثقافية والإعلامية التي تستهدف جيل الأطفال مواقف تقليدية تجاه الجنوسة وتجاه الأهداف والطموحات التي ينبغي على البنات والأولاد أن يسعوا إليها.

من الواضح أن التنشئة الاجتماعية الجنوسية من القوة بحيث لا يجرؤ جميع الناس على معارضتها. فحيثما تتحدد هوية الفرد الجنوسية، سواء أكان ذكراً أم أنثى، يتوقع المجتمع من هذا الفرد التصرف كما تتصرف النساء أو كما يتصرف الرجال. وهذه التوقعات إنما تتحقق ويعاد إنتاجها في ممارساتنا المعيشية اليومية.

 وهنا من تيد، كولين ستوكس يتحدث من تجربته بوصفه أباً لفتاة وولد عن كيف يتعلم الأولاد مفهوم الرجولة من أفلام الأطفال. 

سر ازدهار الهويات القومية من وجهة نظر هوبسون

roberthewisonphoto__full
روبرت هويسون -المؤرخ البريطاني- يشرح سر انتشار “صناعة التراث” أو الهويات القومية ابتداءً من سبعينات القرن العشرين في بريطانيا وفي أماكن عديدة حول العالم.

الدافع لحفظ التراث هو جزء من الدافع لحفظ الذات والحاضر. فمن دون معرفة ما كنا عليه يصعب معرفة إلى أين نحن ذاهبون. الماضي هو أساس الهوية الفردية والجماعية، والأشياء التي تنتسب إلى الماضي هي مهمة باعتبارها رموزاً ثقافية. والديمومة من الماضي إلى الحاضر تخلق إحساسا بالاستقرار وسط كل الفوضى القائمة، ولأن التغير لا مفر منه فإن في وسع نظام مستقر يقوم على معانٍ ثابتة مساعدتنا على التكيف مع وقائع الانبعاث والموت في آن. ويمثل الحنين (النوستالجيا) عاملاً مهماً في التكيف مع الأزمة، فهو مُسَكِّن اجتماعي، وهو تعزيز للهوية القومية حين تضعف الثقة بها أو يتهددها خطر ما.

المصدر