أرشيف الوسم: باموك

آدم كيرش مدافعًا عن الرواية العالمية

آدم كيرش (مواليد 1976) هو صحفي أمريكي، وناقد أدبي.

نشر (آدم كيرش) مقالة بعنوان (دفاعًا عن الروائي العالمي)، في صحيفة (فاينانشال تايمز) في ٧ أبريل ٢٠١٧. وقد قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) بترجمتها، ونشرها في كتاب (اكتمال العالم) مع عدة مقالات أخرى.

يقوم (آدم) معرفًا للرواية العالمية:

إن الرواية العالمية هي الثورة الأحدث التي لا محيد عنها في النوع الأدبي الذي لطالما سعى دومًا للتعامل السردي الخلاق مع الطريقة التي نحيا بها اليوم، وإذا ما بلغت الرواية العالمية أفضل مرتقياتها الإبداعية فستكون حينئذ قادرة على الارتقاء بالخيال الخلاق الذي يتطلبه التعامل مع عالم معولم بالغ الاختلاف كالعالم الذي نعيش فيه.

ثم يشرح أفكاره بشكل أكبر، متخذًا من أحد روايات (أورهان باموك) أنموذجًا:

لكن الرواية يمكن أن تكون عالمية في مخيالها السردي حتى لو كان مجالها مقيدًا في حدود بلدة محلية، وهذا هو ما يحصل مع رواية (أورهان باموك) المسماة (ثلج) المنشورة عام 2002 والتي تجري وقائعها خلال بضعة أيام وحسب في بلدة تركية حدودية تدعى (كارس). تروي رواية (ثلج) حكاية شاعر تركي يدعى (كا) عاد للتو من منفاه السياسي في ألمانيا ليستقر في بلدة (كارس) التي انقطعت بها السبل عن العالم الخارجي بعد وصوله بفعل عاصفة ثلجية.

“لا بد من التنويه هنا أن مفردة ثلج بالتركية هي (كار)؛ الأمر الذي لن يخفى على القارئ ويجعله يستشعر منذ البداية أن هذه الرواية هي ملعبة كلمات “كار”، “كا”، “كارس”، وتحيل موضوعة عدم إمكانية الترجمة الحرفية لهذه المفردات الثلاث إلى الملامة الشديدة التي يختص بها (باموك) فكرة الروائي العالمي الذي يعتقد بضرورة تطهير لغته من كل المفردات ذات الدلالات الخصوصية غير القابلة للنقل أو الترحيل إلى ثقافات جديدة.”

يكمل (آدم) بعد ذلك في مقالته:

يحصل في هذه الفترة الفاصلة من حياة البلدة أن يشهد الناس فيها انقلابًا مدبرًا من قِبل جماعة علمانية لا تتورع عن ممارسة قمع دموي تجاه السكان المسلمين، وهذا ما يشير بوضوح بأن هذه الرواية تدور في مدار السياسات المحلية، وبالكاد ستكون ذات مغزى مقبول لكل قارئ غير ملمّ بشيء من المعرفة المسبقة بالمجتمع والتاريخ التركيين؛ لكن برغم ذلك فإن واحدة من الموضوعات الأثيرة في هذه الرواية والتي تشكل مصدرًا من مصادر الكوميديا “الملهاة” فيها هي الطريقة التي يتلهف بها كل من الفرقاء المتصارعين في بلدة (كارس) لسرد حكايته الخاصة عن مجريات الوقائع التي حصلت في البلدة للعالم الخارجي الواسع وبخاصة الغرب منه.

إن هذه الحاجة الملحة للفوز بفهم الغربيين يتم وصفه من قبل (باموك) على أنه جزء مركّب الشعور بالدونية المتأصلة في الروح القومية التركية: “ليس الأوروبيون هم من يسعون للتقليل من شأننا معظم الوقت”، هذا ما يقوله (بلو) وهو قائد إسلامي، ثم يردف: “إن ما يحصل عندما ندقق في سلوك الأوروبيين هو أننا نحن من نقلل من قدرنا ونستصغر شأننا”، وبهذا تتمكن رواية (ثلج) من أن تكون حكاية رمزية بشأن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي من جهة، وبين الحداثة والدين من جهة أخرى، وهي الموضوعات الأكثر أهمية وراهنية في اللحظة العالمية السائدة من غير الاضطرار لمغادرة السياق المحلي لوقائع الحكاية.

أورهان باموق يصف العمليات التي تقوم بها عقولنا عند قراءة الروايات

أورهان باموق، كاتب وروائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006. ولد في إسطنبول سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن.
في كتابه (الروائي الساذج والحساس)، والذي كان عبارة عن تفريغ لأحد محاضراته في جامعة هارفارد الشهيرة، استعرض العمليات التي يقوم بها عقلنا عندما نقرأ الرواية، فيقول:
١. نتأمل المشهد العام ونتابع القصة. المفكر والفيلسوف الاسباني (خوسيه أورتيغا إي غايست) بفترض في كتابه عن (دون كيخوت) لـ(ثيربانتس)، بأننا نقرأ روايات التشويق والمغامرة، روايات الفروسية، الروايات رخيصة الثمن؛ الروايات البوليسية، روايات الحب، روايات التجسس وإلى آخره من الروايات التي قد تضاف إلى هذه القائمة، لمعرفة ما يحدث بعد ذلك، لكننا نقرأ الروايات الحديثة، وهو يعني بذلك ما نطلق عليه في الوقت الحاضر بـ”الروايات الأدبية”، من أجل أجوائها. وفقًا لـ(أورتيغا إي غايست)، أجواء الرواية هي شيء ما أكثر قيمة. هي مثل “لوحة مرسومة” وتحتوي القليل جدًا من السرد.
يتابع بعد ذلك:
٢. نحوّل الكلمات إلى صور في عقولنا. الرواية تحكي قصة، لكن الرواية ليست مجرد قصة. يظهر من القصة عدة مواضيع، وصف، أصوات، حوار، خيال، ذكريات، معلومات بسيطة، أفكار، أحداث، مشاهد وأزمنة. لكي تستمد المتعة من الرواية علينا الاستمتاع بهجر الكلمات وتحويل هذه الأشياء إلى صور في عقولنا. عندما نصوّر في مخيّلتنا ما تقوله لنا الكلمات، أو ما تحاول أن تقوله لنا، نحن القرّاء نكمل القصة. وفي غصون ذلك، نحفّز مخيّلتنا من خلال البحث عن ما يريد الكاتب قوله، أو ما يريد الروائي قوله، ما الذي ينوي أن يقوله، ماذا نخمن أن يقول؟ أو بمعنى آخر، من خلال البحث عن محور الرواية.
ونتساءل بعد ذلك:
٣. الجزء الآخر من عقولنا يتساءل كم من التجربة الحقيقية أخبرنا بها الكاتب في هذه القصة، ومن كم من الخيال. يلحّ علينا هذا السؤال خاصة مع أجزاء الرواية التي تثير لدينا الدهشة، الرعب، والمفاجأة. قراءة رواية يعني تساؤل مستمر، حتى في اللحظات التي نفقد فيها أنفسنا بعمق في الكتاب؛ كم من الواقع في هذا الكتاب؟ وكم من الخيال؟
ونستحضر بعد ذلك تجربتنا المعاشة لنتساءل مرة أخرى:
٤. لا نزال نتساءل: هل الواقع مثل هذا؟ هل تنسجم الأشياء المرويّة، المنظور، والوصف مع ما نعرفه من حياتنا؟ على سبيل المثال، نسأل أنفسنا: هل يستطيع المسافر في قطار الليل من (موسكو) إلى (سانت بطرسبرغ) في عام 1870 أن يجد بسهولة الراحة والهدوء لقراءة رواية، أم أن الكاتب يحاول أن يبيّن لنا أن (آنا كارنينا) مولعة بالكتب لدرجة أنها تحاول القراءة حتى وسط تشويش الضوضاء؟ في جوهر حرفة الرواية يكمن تفاؤل أساسه أن المعرفة التي تجمعنا من تجاربنا اليومية، إذا ما أعطيت شكلًا مناسبًا، يمكن أن تصبح معرفة قيّمة عن الواقع.
وبالطبع، لا تخلو قراءة الرواية من المتعة الأدبية:
٥. تحت تأثير هذا النوع من التفاؤل، كلانا يحدد ويستمد المتعة من دقة التشابه، قوة الخيال والسرد، تراكم الجمل، الشعر الغامض والصريح وموسيقى النثر. مشاكل ومتعة الأسلوب ليست في جوهر الرواية، لكنها تقترب جدًا منه. أيضًا يمكن تناول هذا الموضوع الجذاب فقط من خلال آلاف الأمثلة.
ونتساءل أيضًا أخلاقيًا:
٦. نصدر أحكامًا أخلاقية على اختيارات وسلوكيات أبطال الرواية، وفي نفس الوقت، نقيّم الكاتب على أحكامه الأخلاقية فيما يتعلق بشخصياته. الأحكام الأخلاقية هي ورطة لا مفر منها في الرواية. دعونا لا ننسى أبدًا أن الحصيلة الأفضل لفن الرواية ليس من خلال محاكمة الناس لكن من خلال فهمهم، ودعونا نتجنب التعرض للحكم من خلال منطقة الإدانة في عقلنا. عندما نقرأ رواية، ينبغي أن تكون الأخلاق جزءًا من المشهد، وليس شيء ينبع من أنفسنا ويستهدف أبطال الرواية.
كما أن الروايات تؤجج فينا نوع من الافتخار:
٧. عقولنا تنفذ كل تلك العمليات في وقت واحد، وفي غضون ذلك، نحن فخورون بأنفسنا لأننا اكتسبنا الكثير من المعرفة، العمق والفهم. خاصة بالنسبة للروايات الأدبية الجيدة، العلاقة الوثيقة التي توطدها مع النص قد تبدو لنا نحن القراء مثل نجاح شخصي. الوهم الجميل بأن الرواية قد كتبت فقط من أجلنا ينمو تدريجًا في داخلنا. الألفة والثقة التي تولد بيننا وبين الكاتب تساعدنا على التهرب، وتجنبنا القلق الشديد حول أجزاء الكتاب التي لا نستطيع فهمها، أو الأشياء التي نعارضها أو غير المقبولة بالنسبة لنا. بهذه الطريقة، نحن دائمًا ندخل في تواطؤ مع الروائي إلى حد ما. عندما نقرأ رواية، جزء واحد من عقلنا منشغل في الحجب، التغاضي، تشكيل، وبناء سلوكيات إيجابية تُشجع هذا التواطؤ. وحتى نتمكن من تصديق القصة، نختار عدم تصديق الراوي مثلما يريد لنا ذلك، لأننا نريد الاستمرار في قراءة القصة بأمانة، على الرغم من وجود انتقادات على بعض آراء، ميول وهواجس الكاتب.
كما تحفّز الروايات ذاكرتنا بعدة أشكال:
٨. بينما كل هذا النشاط العقلي مستمر، ذاكرتنا تعمل بشكل مكثف وبدون توقف. ولكي نستطيع أن نستمتع في القراءة ونستمد المعنى من العالم الذي كشفه لنا الكاتب، نشعر بأننا يجب أن نبحث عن محور الرواية السري، وتحقيقًا لهذه الغاية نحاول أن نخزّن كل تفصيل من الرواية في ذاكرتنا، وكأننا نحفظ كل ورقة من أوراق شجرة عن ظهر قلب.
وأخيرًا ؛ البحث عن محور الرواية:
٩. نحن نبحث عن لغز محور الرواية بكل اهتمام. هذه هي العملية المتكررة التي يقوم بها عقلنا أثناء قراءة الرواية، سواء كان ذلك بشكل ساذج وعفوي، وبتأمل عاطفي. ما يُميّز الروايات عن أشكال السرد الأدبية هو أنها تمتلك محورًا، أو لأكون أكثر دقة، تعتمد الروايات على اقتناعنا بأن هناك محور يجب البحث عنه أثناء القراءة. من ماذا يتألف هذا المحور؟ أستطيع القول، من كل شيء يصنع الرواية.

أورهان باموق يتساءل: لماذا نقرأ الروايات؟

أورهان باموق، كاتب وروائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006. ولد في إسطنبول سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن.
في كتابه (الروائي الساذج والحساس)، والذي كان عبارة عن تفريغ لأحد محاضراته في جامعة هارفارد الشهيرة، تحدث عن الروايات وعن سبب قراءتنا لها. ابتدأ محاضرته بمقولته:
الروايات حياة ثانية. مثل الأحلام التي تحدث عنها الشاعر الفرنسي (جيرارد نيرفال)، تكشف لنا الروايات والألوان والتعقيدات في حياتنا وهي مليئة بالناس، الوجوه والأشياء التي نشعر بأننا نعرفها من قبل. تمامًا كما يحدث في الأحلام، عندما نقرأ الروايات نتأثر أحيانًا بقوة الطبيعة الخارقة للأشياء التي تصادفنا والتي تجعلنا ننسى أين نحن ونتصور أنفسنا في وسط الأحداث الخالية والشخصيات التي نشاهدها. في مثل هذه اللحظات، نشعر بأن عالم الرواية الذي نلتقي ونستمتع به هو أكثر واقعية من الواقع نفسه. هذه الحياة الثانية تظهر بالنسبة لنا أكثر واقعية من الواقع، غالبًا ما يعني هذا أننا نستعيض بالروايات عن الواقع، أو على الأقل نحن نخلط بين الروايات والواقع. ولكننا لا نتذمر من هذا الوهم، هذه السذاجة. في المقابل، تمامًا كما يحدث في بعض الأحلام، نحن نريد للرواية التي نقرأها أن تستمر ونأمل بأن هذه الحياة الثانية تظل تستحضر فينا مشاعر متناغمة مع الواقع والحقيقة. بصرف النظر عن وعينا من الدور الذي يلعبه الخيال في الرواية، إلا أننا ننزعج إذا فشلت الرواية في تعزيز تصورنا بأنها حياة حقيقية بالفعل.
ثم يتساءل: “ماذا يجري في عقولنا، في أرواحنا، عندما نقرأ الرواية؟ كيف تختلف هذه الأحاسيس الداخلية عن ما نشعر به عندما نشاهد فيلم، أو ننظر إلى لوحة، أو نصغي إلى الشعر، حتى لو كان شعرًا ملحميًا؟“، ويتابع:
من وقت لآخر، تمنحنا الرواية نفس المتعة التي تمنحها لنا السيرة، الفيلم، الشعر، اللوحة أو الحكاية. في الحقيقة أن التأثير الفريد لهذا الفن يختلف جوهريًا عن الأنواع الأدبية الأخرى، الفيلم وفن الرسم.
ويكمل حديثه قائلًا:
الكثير من التفاصيل التي نشعر بها في الرواية تحاك بدقة وتجهّز لنا، ونشعر بحاجة إلى امتلاك مساحة في ذاكرتنا أثناء القراءة، تبدو كل التفاصيل في هذا المشهر كما لو أنها في لوحة. تراود القارئ فكرة أنه غير موجود بين كلمات الرواية ولكنه يقف أمام لوحة لمنظر طبيعي. هنا تكمن الصعوبة، في اهتمام الكاتب بالتفاصيل البصرية، وقدرة القارئ على تحويل الكلمات إلى مشهد طبيعي كبير عن طريق التخيّل. إلى جانب ذلك أيضًا نحن لا نقرأ الرواية التي تقع أحداثها الفعلية في مشاهد واسعة، في ساحات المعركة أو في الطبيعة، لكن الروايات التي تقع أحداثها في الغرف، في أجواء داخلية قمعية – (المسخ) لـ(كافكا) مثال جيد على ذلك – ونقرأ مثل هذا النوع من القصص تمامًا كما لو أننا ننظر إلى لوحة، ومن خلال تحويلها في مخيلتنا إلى لوحة، نعوّد أنفسنا على أجواء المشهد، نسمح لأنفسنا بالتأثر به، وفي الحقيقة نحن نبحث عنه باستمرار.
وعن متعة قراءة الروايات يقول:
المتعة الحقيقية في قراءة الرواية تبدأ من قابلية رؤية العالم ليس من الخارج، ولكن من خلال عيون الشخصيات التي تستوطن ذلك العالم. عندما نقرأ رواية، فإننا نتأرجح بين المشاهد الطويلة واللحظات الخاطفة، بين الأفكار العامة والأحداث الخاصة، بسرعة لا يمنحها لنا أي نوع أدبي آخر. وبينما نحدق من بعيد إلى لوحة المشهد، نجد أنفسنا فجأة وسط أفكار شخص ما في المشهد والفروق البسيطة في المزاج الشخصي.
يتابع فيقول:
عندما نشعر بأن المشهد داخل الرواية هو امتداد، جزء من الحالة النفسية لشخصيات الرواية، تدرك بأننا اندمجنا مع هذه الشخصيات بانتقال سلس. قراءة الرواية تعني هذا، بينما نحتفظ بالسياق العام في الذاكرة، نتبع أفكار وأفعال الشخصيات واحدة تلو الأخرى وننسب المعنى لهم داخل المشاهد العام. نحن الآن داخل المشهد الذي كنا نحدث فيه من الخارج منذ فترة قصيرة: بالإضافة إلى رؤية الجبال في عقلنا، نشعر ببرودة النهر ونشم رائحة الغابة، نتحدث إلى أبطال الرواية ونشق طريقنا بعمق أكبر في عالم الرواية. لغة الرواية تساعدنا على دمج هذه العناصر البعيدة والمتميزة، ونرى وجوه وأفكار الشخصيات.
ثم يتطرق إلى كاتبي الروايات، فيشبّه بعض الروائيين بأنهم يقومون بكتابة الروايات وكأنها عملية تلقائية، مثل قيادتهم للسيارات:
بعض الروائيين لا يدركون الأساليب التي يستخدمونها، هم يكتبون بعفوية، كأنهم يقومون بعمل طبيعي تمامًا، بلا وعي للعمليات والحسابات التي ينفذونها في رأسهم وإلى حقيقة أنهم يستخدمون العتلات، الفرامل، والأزرار التي تزودهم بها الأسلوب الروائي. دعونا نستخدم كلمة “ساذج” لوصف هذا النوع من الإحساس، هذا النوع من الروائيين وقرّاء الرواية – أولئك الذين لا يشغلون أنفسهم بالجوانب الفنية لكتابة وقراءة الرواية. ودعونا نستخدم كلمة “حساس” لوصف الإحساس المعاكس تمامًا: بكلام آخر، القرّاء والكتّاب المفتونون بتصنع النص وعجزه في تحقيق الواقع، والذين يولون اهتمامًا كبيرًا للأساليب التي يستخدمونها في كتابة الروايات والطريقة التي تعمل بها عقولنا عندما نقرأ. أن تكون روائيًا هو أن تكون ساذجًا وحساسًا في الوقت ذاته.
أما هذين المصطلحين ؛ الروائي “الساذج” و”الحساس“، فأول من استخدمها هو الشاعر والمسرحي الألماني (فريدريش شيلر) (1759-1805) في مقالته الشهيرة (عن الشعر الساذج والحساس)، والتي نشرها في عام 1796. يكمل (باموق) حديثه قائلًا:
بالنسبة لنا يكفي أن نلاحظ أن (شيلر) استخدم كلمة “ساذج” لوصف حالة العقل الذي انحرف عن بساطة وقوة الطبيعة وأصبح محصورًا جدًا في عواطفه وأفكاره الخاصة. هدفي هنا هو الوصول إلى مفهوم أعمق لمقال (شيلر)، المقال الذي شُغِفت به منذ شبابي، وفي نفس الوقت توضيح أفكاري حول فن الرواية من خلال مقالة (شيلر)، فعلت ذلك دومًا، وللتعبير عنها بدقة، وهذا ما أسعى لفعله الآن.
في هذا المقال المشهور الذي وصفه (توماس مان) على أنه “أجمل مقال في اللغة الألمانية”، قسّم (شيلر) الشعراء إلى مجموعتين: الساذجين والحساسين. الشعراء الساذجين متوحدين مع الطبيعة، في الحقيقة، هم يشبهون الطبيعة ؛ هادئة، قاسية وحكيمة. يكتبون قصائدهم بكل عفوية، وتقريبًا بدون تفكير، بدون قلق من أي تبعات فكرية أو أخلاقية لكلماتهم وبدون اهتمام لما قد يقوله الآخرون. بالنسبة لهم، وعلى النقيض من الكتّاب المعاصرين، الشعر إحساس أوجدته الطبيعة فيهم على عجل بطريقة عضوية تمامًا، وهذا الإحساس لن يتخلى عنهم على الإطلاق. الشعر يأتي بشكل عفوي للشعراء الساذجين، قادم من الكون الذي هم جزء منه. الاعتقاد بأن القصيدة ليست شيئًا مدروسًا ووضع من قبل الشاعر، تتألف من وزن شعري معين وتتشكل بواسطة المراجعة المستمرة والنقد الذاتي للشاعر، ولكن بالأحرى القصيدة هي شيء ما ينبغي أن يُكتب بدون تأمل وربما تكون قد دوِّنت من خلال الطبيعة أو الله، أو أي قوة خارقة أخرى […] في مقالة (شيلر) الذي يثير فيّ الكثير من الدهشة في كل مرة أقرؤه، هناك صفة بين الصفات المميزة للشاعر الساذج أود الإشارة إليها بشكل خاص لأهميتها: الشاعر الساذج لا يشك بأن كلماته، تعبيره وأبيات قصيدته قد صوّرت المشهد العام، وبأنها ستمثله، وبأنها وصفت وكشفت الجملة للعالم بشكل دقيق تمامًا، منذ أن أصبح المعنى ليس مخفيًا ولا حتى بعيدًا عنه.
من ناحية أخرى، ووفقًا لـ(شيلر)، الشاعر الحساس، المتأمل، العاطفي، قلِق وقبل كل شيء: هو غير متأكد ما إذا كانت كلماته سوف تحيط بالواقع، ما إذا كانت كلماته ستحقق الواقع، ما إذا كان تعبيره سيوصل المعنى الذي يريده، هو واعي جدًا من القصيدة التي يكتبها، ومن الطرق والأساليب التي يستخدمها، ببراعة أثرت في مسعاه. الشاعر الساذج لا يميز كثيرًا بين فهمه للعالم، والعالم نفسه. لكن الشاعر العاطفي المتأمل المعاصر يشكك في كل شيء يلاحظه، ويشكك حتى في مشاعره. وهو قلق بشأن المبادئ التربوية، الأخلاقية والفكرية عندما يصب تصوراته في قصيدته.
ويكمل بعد ذلك في موضع آخر واصفًا الفارق بين الروائي الحساس والساذج، فيقول:
الروائي الساذج والقارئ الساذج يشبهان الناس الذين يعتقدون بصدق بأنهم يفهوم المشهد والناس الذين يرونهم من النافذة عندما تتحرك السيارة في المشهد. ومنذ أن صدق هذا الصنف من الناس بقوة المشهد الذي يمكنهم أن يرونه من خلال نافذة السيارة، قد يبدؤون الحديث عن الناس ويصدرون أحكامًا تستفز حسد الروائي الحساس المتأمل. من ناحية أخرى، الروائي الحساس المتأمل سوف يقول بأن المشهد من نافذة السيارة مقيّد بإطار، وأن الزجاج الأمام قذر، وسوف ينسحب إلى الصمت البيكتيني. أو، سوف يفعل مثلي ومثل الكثير من الكتّاب المعاصرين، سوف يتصوّر المقود، العتلات، المفاتيح، زجاج النافذة القذر والدواسات كجزء من المشهد، وبهذا سوف لن ننسى أن ما نراه مقيّد بوجهة نظر الرواية.

أورهان باموق يصف الحزن في اسطنبول

949

أورهان باموق، روائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006. ولد في إسطنبول، سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. في كتابه (اسطنبول: الذكريات و المدينة) تحدث فيها عن جانب سوداويّ في وصفه لاسطنبول. فقال:

الحزن في اسطنبول سائد في الموسيقا المحلية، وكلمة أساسية للشعر من جهة، ووجهة نظر للحياة، وأمرٌ يومئ لحالة نفسيّة، ومادة تجعل المدينة مدينة من جهة أخرى. و لأن الحزن يحمل الخصوصيات كلها فهو حالة نفسية تفضّلها المدنيّة بتباهٍ أو تتظاهر بأنها تفضلها. لهذا فهو شعور إيجابي بقدر ما يعتبر سلبياً.

و يعقّب:

في اسطنبول، لا تُحمى النصب التاريخية المتبقية، وتعرض ويباهى بها كما في المدن الغربية الكبرى. إنها تعاش بين السكان ليس إلا. وهذا أمرٌ أمتع الكثير من كتّاب الرحلات الغربيين. ولكن بالنسبة إلى سكان المدينة الحسّاسين المشكلين مجسّاتها، فإن تلك الثقافة تنسحب ذاهبة مع قوّة الماضي و غِناه، و يُذكّر ذلك الماضي بفقر اليوم وضياعه بشكل لا يُمكن مقارنته معه. بعض هذه الأبنية “المتلائمة مع بيئتها” يُغطّيها الغبار والطين والإهمال فهي لا تخلّف وراءها متعة الكبرياء، تماماً مثل المنازل المحترقة واحدة واحدة التي أتذكرها في طفولتي.

يُمكن تشبيه هذا الإحساس بعدم فهم (دوستويفسكي) حب سكان جنيف لمدينتهم كثيراً عندما كان في سويسرا عام 1867. كتب (دوستويفسكي) الغاضب من الغرب في إحدى رسائله: ” إنهم ينظرون إلى أبسط الأشياء، وحتى إلى أعمدة في الشارع على أنها جميلة ورائعة “.

 حتى عندما يدلّ الجنيفيون إلى عنوان بسيط, يقولون: ” بعد عبورك ذلك الصنبور البرونزي الرائع و الظريف جداً ” مُباهين بالبيئة التاريخية التي يعيشون وسطها. أما في وضع مشابه فيقول الاسطنبولي: “انعَطِف عند ذلك السبيل المقطوع ماؤه، و امشِ في الزقاق على طول الأمكنة المحروقة”.

غير هذا سيقلق الغريب مما يراه في تلك الأزقة الفقيرة. يُمكن أخذ مثالاً على التعيين من قصة لأحمد راسم و هو أحد كبار كتّاب إسطنبول الذي عنوانها: ” بديعة و إيلين الجميلة: “اعبروا حمام إبراهيم باشا. تقدموا قليلاً، سترون على يمينكم بيتاً مهلهلاً يطلّ على خرابة حمام في أول الزقاق”.

أمّا من ناحية مُغايرة كالتفاؤل مثلاً يُعقّب (أورهان باموق) بقوله:

الاسطنبولي متفائل أكثر، يُمكن أن يدلّ على العنوان كما يفعل الجميع بالإشارة إلى أغنى مافي اسطنبول وهي البقاليات و المقاهي. لأن الطريق الأفصر للتخلص من حزن كونهم بقايا امبراطورية قوية هو عدم الاهتمام أبداً بالأبنية التاريخية، وعدم الانتباه أبداً إلى أسماء تلك الأبنية وخصوصيتها المعماريّة التي تميّز أحدها عن الآخر. هكذا يفعل الاسطنبوليون بمساعدة الجهل للفقر. إنهم يتفهّمون فكرة التاريخ تماماً، مستخدمين حجارة من أسوار المدينة لاستخدامها في أبنيتهم معتبرين أن تلك الأبنية قد أنشئت اليوم، أو إنهم يحاولون إصلاحها بواسطة الإسمنت المسلّح. و من طرق النسيان أيضاً همها و إنشاء بناء ” غربي معاصر” مكانها.

 شعور الحزن الذي طوّره ألم الهدم و الضياع و الفقر يهيّئ الاسطنبوليين لهزائم جديدة، و أشكال أخرى من الفقر.