أرشيف الوسم: برتراند راسل

لماذا نتدارس الرياضيات؟ (راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في كتابه (عبادة الإنسان الحر)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (محمد عمارة)، تحدث (راسل) عن أحد الأسئلة التي لطالما التقطتها آذاننا حول أهمية علم الرياضيات، والفوائد العائدة على تعلمها. فيتحدث (راسل) مجيبًا في مطلع حديثه عن أحد أهم أهداف الرياضيات:

أحد الأهداف الرئيسية التي تهدف إليها الرياضيات، عندما تدرس بطريقة سليمة، هو إيقاظ إيمان المتعلم بالعقل، وتنمية ثقته في حقيقة ما تم إيضاحه وفي قيمة هذا الإيضاح. هذا الهدف لا يخدمه التدريس القائم حاليًا، ولكن من السهل رؤية الطرق التي يجب أن تخدمه.

ولفهم كيفية تعاملنا مع الرياضيات كأحد تجليات علم المنطق وأساليب الترميز، يقول (راسل):

في بدايات علم الجبر، كان أكثر الأطفال ذكاء يجدون، كقاعدة عامة، صعوبات كبيرة في فهمه، حيث كان استخدام الحروف يمثل لغزًا، ويبدو كما لو أن ليس له من هدف إلا الغموض. وربما كان يستحيل في البداية ألا يُعتقد أن كل حرف يمثل رقمًا بعينه لو كان المدرس يكشف عن الرقم الذي يمثله.

الحقيقة أنه في علم الجبر يتم تعليم العقل في البداية النظر إلى الحقائق العامة، الحقائق التي لا يُقال إنها تنطبق فقط على هذا الشيء أو ذاك، بل على كل شيء فرد من مجموعة من الأشياء. إن القدرة على فهم واكتشاف تلك الحقائق يكمن فيها تمكن العقل من عالم الأشياء الفعلية والممكنة. ومقدرته على التعامل مع ما هو عام يعد إحدى المواهب التي يجب أن يتمتع بها دارس الرياضيات.

ومن ثم يبدأ الجزء الأشد صعوبة في الرياضيات، وهي علم الجبر، والمعادلات غير النهائية. فيتابع (راسل):

عندما يتم تعليم الجبر، تسير الأمور بيسر إلى أن نصل إلى الدراسات التي توجد بها مفاهيم اللانهائية، والمعادلات اللانهائية، وكل الرياضيات العليا. وحل الصعوبات التي كانت تحيط اللانهائية الرياضية ربما كان أعظم الإنجازات التي يفاخر بها عصرنا؛ فمنذ بداية الفكر الإغريقي، كانت تلك الصعوبات معروفة، وفي كل عصر حاولت أعظم العقول الإجابة على السؤال الذي بدا أنه لا إجابة له، والذي سأله (زينو الإلياتي). أخيرًا وجد (جورج كانتور) الإجابة، وتمكن من جعل العقل يقهر مجالًا جديدًا وواسعًا كانت تسيطر عليه الفوضى.

بعيدًا عن آليات تدريس الرياضيات، وعودة إليها ذاتها، وإلى أهميتها، يقول (راسل):

الآن حان الوقت لاكتساح كل ذلك بعيدًا، ولندع الذين يودون الولوج إلى عالم الرياضيات، يتعلمون في نفس اللحظة النظرية الصحيحة، بكل نقائها المنطقي، وبكل التركيز الذي يوفره جوهر مكوناتها.

إذا نظرنا إلى الرياضيات على أنها غاية في ذاتها، وليس تدريبًا تقنيًا للمهندسين -فمن المرغوب فيه بشدة الحفاظ على نقاء وقطيعة تسبيبها- وبالتالي فإن من وصلوا إلى التمرس الكافي بأجزائها الأسهل، يجب أن يوجهوا للخلف قليلًا. فمن الفروض التي قبلوها على أنها ذاتية الدليل إلى الأسس الأصولية التي كان ما يبدو منها في السابق يعد فرضًا يمكن استنتاجه.

يجب أن يتعلموا -وهو ما تظهره نظرية اللانهائية- أن الكثير من المقدمات يبدو ذاتي الدليل للعقل غير المدرب، وأنها بالتمحيص الدقيق تصبح خطأً. بهذه الطريقة يتم توجيههم إلى البحث التحليلي للقواعد الرئيسية، وإلى اختبار الأسس التي ينبني عليها صرح التسبيب المنطقي بكامله، أو باستخدام عبارة أدق؛ يتأسس الجذع الأعظم الذي تخرج منه الفروع الأخرى.

في هذه المرحلة يكون من الأفضل أن تتم دراسة الأجزاء الرئيسية للرياضيات من جديد، دون السؤال عن صحة فرض من الفروض ولكن بالإجابة على السؤال؛ “كيف أمكن إثباته من القواعد المركزية للمنطق؟” الأسئلة من هذا النوع يمكن الآن إجابتها بدقة وتأكد كانا مستحيلين سابقًا، وفي سلسلة التسبيب التي تتطلبها الإجابة، فإن وحدة كل الدراسات الرياضية تفصح عن نفسها.

فالرياضيات هي البحث في المسببات للنتائج المشهودة لكل الأشياء الفعلية والممكنة، كما يقول (راسل) في موضع آخر من حديثه:

عادة ما يصر الفلاسفة على أن قوانين المنطق، التي تتميز بها الرياضيات، هي قوانين للفكر وأنها قوانين تنظم عمليات عقولنا. بهذا الرأي تم الحط من كرامة التسبيب بدرجة كبيرة؛ فلم يعد بحثًا في قلب الجوهر غير المتغير لكل الأشياء الفعلية والممكنة، وإنما أصبح بدلًا من ذلك بحثًا في شيء إنساني بدرجة أو بأخرى، وعرضة لمحدداتنا.

إن تدبر ما ليس إنسانيًا، واكتشاف أن عقولنا قادرة على التعامل مع مواد دامدة وليست من ابتكارات عقولنا، فوق كل ذلك، إدراكٌ بأن الجمال هو شيء ينتمي للعالم الخارجي كما ينتمي للعالم الداخلي.

يختتم (راسل) حديثه عن الرياضيات، وتأثيرها على حياتنا اليومية، بقوله:

تعد الوسائل الرئيسية للتغلب على الإحساس بالمؤلم بالعجز والضعف تجاه قوى معادية، والتي من المؤكد أنه ينتج عن الاعتراف بالقدرة الغامرة لقوى غريبة، وإن تصالحنا باستعراض جمالها الطاغي وبسيطرة القدر -والذي يعد تجسيدًا لهذه القوى- يكون ذلك هو مهمة التراجيديا.

ولكن الرياضيات تأخذنا إلى أبعد مما هو إنساني؛ إلى منطقة الضرورة المطلقة التي يجب أن ينسجم معها، ليس العالم الفعلي فحسب، وإنما كل عالم آخر ممكن. وحتى هنا فإنها تشكل اعتيادًا، أو نجد اعتيادًا مستمرًا، حيث تتحقق مثلنا العليا، ولا تخيب أعظم آمالنا. فقط عندما نفهم بعمق استقلاليتنا الكاملة التي تنتمي للعالم الذي يجده عقلنا، يمكننا أن ندرك الأهمية الشاملة لجمال هذا العالم.

برتراند راسل يشرح نشأة الحركة الليبرالية الغربية

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، آخرها هو (الفلسفة الحديثة) من ترجمة الأستاذ (محمود الشنيطي)، والذي تحدّث (راسل) عن الحراك الليبرالي، فيقول مستفتحًا:

إن نشأة الليبرالية في السياسة وفي الفلسفة، تزودنا بخامة لدراسة مسألة غاية في العموم والأهمية، وأعني بها: ماذا كان تأثير الملابسات السياسية والاجتماعية في أفكار المفكرين والمبدعين؟ وبالعكس، ماذا كان تأثير هؤلاء الرجال في التطورات السياسية والاجتماعية التالية لهم؟ 

وثمة غلطتان متعارضتان، شائعتان كلتاهما، ينبغي أن نأخذ حذرنا قبلهما. فمن جانب الرجال -الذين هم أكثر إلفًا للكتب منهم إلى الأعمال- خليقون أن يبغالوا في تقدير تأثير الفلاسفة. حين يرون حزبًا سياسيًا ما يعلن أنه قد أُلهم بتعاليم هذا المفكر أو ذاك، فإنهم يظنون أن أفعاله يمكن أن تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، بينما، وليس هذا قليل الحدوث، يهلّل الفيلسوف فقط لأنه يحبذ ما يميل إلى فعله الحزب في أي حالة. وكتّاب الكتب حتى إلى عهد قريب، يكادون كلهم أن يبغالوا في تأثيرات أسلافهم من أهل صناعتهم. ولكن على العكس من هذا. ثمة غلطة جديدة نشأت كرد ضد الغلطة القديمة، وتتمثل هذه الغلطة الجديدة في اعتبار أصحاب النظريات كنتاجات سلبية إلى حد ما، لظروفهم، ولا يكاد يكون لهم نفوذ بالمرة على مجرى الأحداث، فالأفكار -تبعًا لهذه النظرة- هي الزبد على سطح تيارات عميقة، تحددها علل مادية وتقنية: فالتغيرات الاجتماعية لا تنجم عن الفكر، كما أن تدفق النهر لا ينجم عن فقاعات الزبد التي تكشف اتجاه التدفق للناظر. ومن جانبي، فأنا أعتقد أن الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. فبين الأفكار والحياة العملية، كما هو الشأن في كل مكان، ثمة تفاعل متبادل. والتساؤل عمّا هو علّة وعمّا هو معلول تساؤل غير ذي جدوى شأنه شأن مشكلة الدجاجة والبيضة. وسوف لا أضيع الوقت في مناقشة هذه المسألة في التجريد، وإنما سأنظر نظرة تاريخية في حالة واحدة مهمة من حالات المسألة العامة، أعني بها تطور الليبرالية وفروعها منذ نهاية القرن السابع عشر إلى أيامنا.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن بداية الفكر الليبرالي، فيقول:

كانت الليبرالية المبكرة نتاجًا لإنجلترا وهولندا. وكانت لها خصائص معيّنة تتميز بها تميّزًا جيدًا. وكانت تقف مناضلة من أجل التسامح الديني، وكانت ليبرالية بروتستانتية، ولكن من النوع المتحرر أكثر منها من النوع المتعصب، وكانت تعتبر حروب الدين حروبًا سخيفة. وكانت تقدّر التجارة والصناعة، وتحبذ نشأة طبقة وسطى بدلًا من تحبيذها للملكية والأرستقراطية، وكانت تكنّ احترامًا كبيرًا لحقوق الملكية، وبخاصة إذا كانت هذه الملكية قد جمعت بكدّ مالك فرد، ومع أن مبدأ الوراثة لم يكن مرفوضًا إلا أنه كان مقيدًا في دائرة أشد إحكامًا من التي كان فيها من قبل. وقد رفض بوجه عام الحق الإلهي للملوك في صالح الرأي القائل بأن لكل جماعة حقًا أوليًا على أي حال في اختيار شكل حكومتها. وقد كان ميل الليبرالية المبكرة متجهًا ضمنًا نحو ديموقراطية تلطّفها حقوق الملكية. وكان ثمة اعتقاد -ليس صريحًا تمامًا في البدية- بأن كل الناس يولدون متساوين، وأن انعدام المساواة بينهم الذي يعقب ذلك ينتج عن الظروف. وقد أفضى هذا إلى تأكيد عظيم على أهمية التربية كمقابلة للخصائص الفطرية. وكان ثمة تحامل على الحكومة، لأن الحكومات كانت تقريبًا في كل مكان في أيدي الملوك أو الأرستقراطيين الذي كان يندر أن يفهموا حاجات التجار أو يحترموها. بيد أن هذا التحامل قد كبح جماحة الأمل بأن فهمًا واحترامًا ضروريين قد يكتسبان قبل مضي زمن طويل.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن النمط العام للحركات الليبرالية منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فيقول في موضع آخر:

[…] وهذا النمط بسيط في البداية، ولكنه يغدو بالتدريج أكثر فأكثر تعقيدًا. والطابع المميز للحركة كلها هو، بمعنى واسع بعض السعة، النزعة الفردية. بيد أن هذا مصطلح مبهم حتى يعرف تعريفًا أوضح. ففلاسفة اليونان منذ (أرسطو)، لم يكونوا فرديين بالمعنى الذي أبغي أن أستخدم فيه الكلمة. فقد نظروا إلى الإنسان كعضو بصفة جوهرية في جماعة.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

[…] وأول نقض مهم لهذا النسق أقدمت عليه البروتستانيتة، التي جزمت بأن المجالس العامة قد تخطئ، فتحديد الحقيقة لم يعد على ذلك مهمة اجتماعية بل مهمة فردية. وما دام أفراد مختلفون وصلوا إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة نزاع، ولم تعد القرارات تلتمس عند جمعيات الأساقفة، بل في ساحة المعركة، وما دام لم يكن في وسع أحد الفريقين أن يمحو الآخر، فقد غدا واضحًا، في النهاية، أن من الواجب إيجاد طريقة للتوفيق بين النزعة الفردية العقلية والأخلاقية وبين الحياة الاجتماعية المنتظمة. وقد كانت هذه إحدى المشكلات الرئيسية التي حاولت الليبرالية المبكرة أن تحلّها.

وفي غضون ذلك نفذت الليبرالية إلى الفلسفة. فقد جعل يقين (ديكارت) الأساسي: “أنا أفكر، وإذًا أنا موجود”، أساس المعدفة مختلفة عند كل شخص، ما دامت نقطة البداية عند كل شخص هي وجوده الخاص، لا وجود الأفراد الآخرين أو الجماعة. ويتجه تأكيده على التعويل على الوضوح والتميز الاتجاه نفسه، ما دمنا نظن أننا بالاستبطان نكتشف ما إذا كانت أفكارنا واضحة ومتميزة. ومعظم الفلسفة منذ (ديكارت) كان لها فكريًا هذا الجانب الفردي بدرجة أكبر أو أقل.

بعد الحديث عن مفهوم الفردية في الفلسفة الليبرالية، ينتقل (راسل) إلى نقطة أخرى، فيقول:

لقد كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. هذا الشكل من الليبرالية ساد إنجلترا في القرن الثامن عشر، وسيطر على مؤسسي الدستور الأمريكي، وعلى الموسوعيين الفرنسيين. […] وكان أعظم نجاح لها في أمريكا، حيث ظلّت، دون أن يعوقها الإقطاع ولا دولة الكنيسة، سائدة من سنة 1776 حتى أيامنا، أو على أي حال، حتى سنة 1933.

ينتقل بعد ذلك إلى ذكر عدد من الفلسفات الفرعية لليبرالية، فيقول:

وثمة حركة جديدة تطورت تدريجيًا في ما هو نقيض الليبرالية، تبدأ مع (روسو) وتكتسب قوة من الحركة الرومانسية ومن مبدأ القومية. وفي هذه الحركة امتدّت الفوضوية للبيرالية وجوها صريحة وواضحة، ونموج هذه الفلسفة، عبادة البطل كما طورها (كارلايل) و(نيتشه). وقد اجتمعت فيها عناصر متعددة. فكان هناك كره النزعة الصناعية الأولى، ومقت القبح الذي ينشأ عنها، والاشمئزاز من شرورها. وكان ثمة حنين للعصور الوسطى التي أحيطت بهالة مثالية بسبب مقت العالم الحديث. وكانت هناك محاولة للجمع بين الإشادة بامتيازات الكنيسة والأرستقراطية الخابية، وبين الدفاع عن الإجراء ضد استبداد أصحاب المصانع. وكان ثمة تأييد متحمس لحق الثورة باسم النزعة القومية، ولروعة الحروب دفاعًا عن “الحرية”. وكان (بايرون) شاعر هذه الحركة، وكان (فيتشه) و(كارلاليل) و(نيتشه) فلاسفتها.

ولكن ما دمنا لا نستطيع جميعًا أن تكون لنا سيرة القادة الأبطال، ولا نستطيع أن نجعل إرادتنا الفردية تسود، فإن هذه الفلسفة مثل جميع أشكال النزعة الفوضوية الأخرى، تقود لا محالة، حين اختيارها، إلى الحكومة المستبدة لأنجح “بطل”، وحين يرسخ استبداده يقضي في الآخرين على أخلاق فرض الذات، التي ارتفع بها إلى السلطة. هذه النظرية الشاملة للحياة، هم من ثم، تدحض ذاتها، بمعنى أن اختيارها في العمل يؤدي إلى تحقيق شيء مختلف تمامًا؛ دولة ديكتاتورية يكظم فيها الفرد كظمًا صارمًا.

ولا تزال هناك فلسفة أخرى، هي في الصميم، فرع من الليبرالية، أعني بها فلسفة (ماركس). وسأنظر فيها في ما بعد، على أن يحفظ منذ الآن في الذهن.

ما الذي يميّز الإنسان المتمدن عن غيره؟ (برتراند راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، أولها هو (الفلسفة القديمة) من ترجمة الأستاذ (زكي نجيب محمود)، والذي تحدّث (راسل) عن الفروقات الأساسية التي صنعتها المدنية الأولى في سيكلوجية الإنسان، فيقول:

إن الإنسان المتمدن يتميز من الهمجي بسداد الرأي قبل كل شيء، أو إذا شئت لفظة أشمل قليلًا من تلك، فقل إنه يتميز ببعد النظر، الذي يتنبأ بما سيقع قبل وقوعه، فتراه لا يأبى احتمال الألم الراهن من أجل لذة مستقبله، حتى وإن كانت تلك اللذة المقبلة بعيدة الوقوع.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن هذا التغيّر المهم في تكوين الإنسان، فيقول:

وقد أخذت تظهر أهمية هذه العادة حين بدأت الزراعة، فليس هناك حيوان ولا إنسان من الهمج يعمل في الربيع لكي يدّخر طعامً للشتاء، اللهم إلا قليلًا من الحالات الغريزية الخالصة، كالنحل يصنع العسل، والسنجاب يدفن البندق تحت الثرى؛ وليس ثمة بُعد نظر في هذه الحالات، بل هناك دافع مباشر يدفع الحيوان إلى فعلٍ لا يعلم عن نفعه في المستقبل إلا الإنسان المتفرج؛ إن بُعد النظر الحقيقي هو الذي يقع حين يفعل الإنسان فعلًا لا يدفعه إلى فعله دافع طبيعي، بل يفعله لأن عقله يهديه إلى أنه سينتفع بهذا الفعل في تاريخ مقبل؛ ولا يحتاج الصيد إلى بُعد نظر لأنه لذيذ، أما حرث الأرض فعمل شاق ويستحيل فعله بدافع فطري باطني.

هذا التغير الأساسي في سيكلوجية الإنسان، نتج عنه عدد من الأطر والحدود التي تواطأ عليها الإنسان المتمدن. فيقول (راسل):

والمدنية من شأنها أن تلجم الدافع الفطري؛ وليس وسليتها في ذلك بُعد النظر فحسب، الذي هو من فرض الإنسان على نفسه، بل إن من وسائلها أيضًا في كبح الدوافع الفطرية، القانون والعادات والدين؛ وهي تَرِث هذا الكباح من عصر الهمجية، لكنها تخفف الجانب الغريزي فيه وتجعله أكثر اتساقًا في أجزائه بحيث لا ينقض بعضها بعضًا؛ فترى بعض الأفعال قد وُصفت بأنها إجرام وخُصص لها العقاب، وبعضها لا يعاقب عليه القانون، لكنه يوصف مع ذلك بالشر، والذين يفعلون مثل هذه الأفعال يتعرضون لسخط الناس.

ثم يختتم (راسل) هذا الجزء من كتابه، فيقول:

أما في نطاق الفكر، فالمدنية الرصينة هي والعلم اسمان على مسمى واحد على وجه التقريب؛ لكن العلم الخالص وحده لا يُقنع، فالناس بحاجة إلى العاطفة والفن والدين؛ ولئن جاز للعلم أن يصنع الحدود للمعرفة، فلا يجوز أن يضع أمثال هذه الحدود للخيال.

ما هي الفلسفة؟ برتراند راسل يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في لقاء تلفزيوني، سُئل (راسل) عن مفهوم الفلسفة. فابتدأ جوابه مستفتحًا:

لا أظن أن هناك فيلسوفان سيجيبانك بنفس الإجابة على هذا السؤال.

وجهة نظري هي أن الفلسفة هي فرضيات حول أمور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية، هذا جوابي وليس جواب أحد آخر.

سُئل بعد ذلك (راسل) عن الفارق بين الفلسفة والعلم، فأجاب:

يمكنك القول أن هذا يتلخص في عبارة “العلم هو ما نعلم، والفلسفة هي ما لا نعلم“، هذا التعريف المبسط. لأسئلة تمر باستمرار من الفلسفة إلى العلم، مع تطور العلم.

بعدها سُئل عن الفائدة من الفلسفة، فكان جوابه:

أظن أن للفلسفة فائدتين تقريبًا؛ أحدهما هو الإبقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل التي لا يستطيع العلم الآن أن يتطرق لها. المعرفة العلمية تغطي قسمًا صغيرًا جدًا من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب أن تهمه. هناك العديد من الأشياء التي لها أهمية كبيرة، التي يتكلم عنها العلم تمثيليًا. ولا أريد خيال الناس أن يكون محدودًا ومقتصرًا على ما نستطيع معرفته حاليًا. وأظن أن من فوائد الفلسفة إيساع نظرتكم عن العالم إلى مستوى الافتراض.

هناك فائدة أخرى أظنها على ذات القدر من الأهمية، وهي أن تري الناس أن هنالك أشياء ظننا أننا نعلمها ولكننا لا نعلمها، هي تمكننا من الاستمرار في التفكير في الأشياء التي قد نعلمها يومًا من جهة، ومن جهة أخرى تمكننا من البقاء متواضعين وواعيين بكم الأشياء التي كانت تبدو كمعرفة، وهي ليست كذلك.

راسل: ألا تزال السعادة ممكنة؟

برتراند راسل

يطرح برتراند راسل (1872-1970) الفيلسوف وعالم منطق ورياضي، المؤرخ والناقد الاجتماعي البريطاني. هذا السؤال في الجزء الثاني “مسببات السعادة” من كتابه (انتصار السعادة)، والذي ترجمه إلى العربية (محمد قدرى عمارة).

فيقول (راسل):

السعادة نوعان رغم أنه بالطبع توجد درجات وسطى، النوعان اللذان أقصدهما يمكن تميزهما على أحدهما بسيط والآخر وهمي، أو أن أحدهما حيواني والآخر روحاني، أو أن أحدهما للقلب والآخر للرأس.

ولعل أبسط طريق لوصف الفرق بين النوعين من السعادة هو القول بأن نوعاً منهما متاح لأي إنسان بينما النوع الآخر متاح للذين يمكنهم القراءة والكتابة فقط، فعندما كنت صبياً عرفت رجل كان يتفجر سعادة وكان عمله هو حفر الآبار، ولقد كان طويلا جداً وله عضلات غير معقولة، ولم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، وعندما سمح له في عام 1885 بالإدلاء بصوته في انتخابات البرلمان علم لأول مرة بوجود مثل هذه المؤسسات. لم تعتمد سعادته على مصادر فكرية، ولم ترتكز على الاعتقاد في القانون الطبيعي، أو كمال الأنواع أو ملكية العامة للمنافع العامة أو الانتصار الحتمي للسبتيين أو لأي من الطوائف الأخرى، وهى الأمور التي يعتبرها المفكرون ضرورية لاستمتاعهم بالحياة، كانت سعادته تعتمد على القوة البدنية، والكفاية من العمل، وفي التغلب على العقبات غير المنيعة في صورة صخرة.

فمتع الإنجاز تتطلب صعوبات تجعل النجاح يبدو في البداية أمراً مشكوكاً فيه رغم أنه عادة ما يتم الوصول إليه في النهاية.

وفي إمكانية السعادة بين رجل العلم والفنان والأديب يقول:

أكثر القطاعات المتعلمة تعليماً راقياً في المجتمع إحساساً بالسعادة هم رجال العلم. فكثير من رجال العلم البارزين بسطاء عاطفياً ويحصلون من عملهم على إشباع يكون عميقاً لدرجة أنهم يستطيعون أن يجدوا متعة في الطعام وحتى في الزواج. والفنانون والأدباء يعتبرون أنه من المؤكد ألا يكووا سعداء في زواجهم بينما رجال العلم فعادة ما يظلوا قادرين على الاستمتاع بنعمة الحياة العائلية قديمة الطراز.

وتتحقق كل شروط السعادة في حياة رجل العلم، فلديه النشاط الذى يستغل طاقاته بكاملها، ويصل إلى نتائج تبدو مهمة ليس له فقط ولكن للجمهور العام حتى لو لم يتمكن من فهمها بأدنى درجة، وهو في ذلك يعد أكثر حظا من الفنان، فعندما لا يفهم أفراد الجمهور لوحة أو قصيدة، يقررون أنها لوحة أو قصيدة رديئة، أما عندما لا يفهمون النظرية النسبية فإنهم يستنتجون -صواباً- أن تعليمهم لم يكن كافياً.

وليس العلماء الأفذاذ فقط هم الذين يستمدون المتعة من العمل، ولا رجال الدولة القياديين فقط هم الذين يستمدون المتعة من دفاعهم عن قضية ما. فمتعة العمل متاحة لكل فرد يستطيع تنمية مهارة متخصصة بشرط أن يستطيع الحصول على الإشباع من ممارسة مهارته دون الرغبة في حصول على الاستحسان العام.

ويعد الإيمان بقضية ما من مصادر السعادة لأعداد كبيرة من الناس. أنا لا أفكر فقط في الثوريين أو الاشتراكيين أو الوطنيين فى الدول المقهورة ومن على شاكلتهم ولكنى أفكر أيضاً في كثير من المعتقدات الأقل تواضعاً.

وليست التقليعات والهوايات في كثير، وربما أغلب الحالات، مصدراً للسعادة الأصلية، وإنما وسائل للهروب من الواقع والنسيان للحظات لبعض الألم الذى تعصب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتعتمد أكثر من أي شىء آخر  على ما يسمى بالاهتمام الودى بالأشخاص وبالأشياء.

الاهتمام بالآخرين وحبّهم شكل من أشكال السعادة:

فالاهتمام الودى بالأشخاص شكل من أشكال المحبة ولكنه ليس بالشكل المتثبت والمستحوذ والذى يتطلب دائماً الاستجابة الملفتة. فهذا الشكل الأخير كثيرا جداً ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الطراز الذى يؤدى إلى السعادة، فهو الطراز الذى يحب مراقبة الناس ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية، ويرغب فى توفير مجال الاهتمامات وسرور أولئك الذين يصبح على علاقة بهم دونما أن يطلب اكتساب سلطة عليهم أو تحقيق إعجابهم الحماسي به.

فالاهتمام بالآخرين وحبهم عند راسل: “يجب أن يكون كل ذلك طبيعياً وألا ينبثق من فكرة التضحية بالذات التي يحتمها  الإحساس بالواجب. فالإحساس بالواجب يكون مفيداً في العمل ولكنه يكون عدائياً في العلاقات الشخصية. فالناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين وليسو محتملين باستسلام صبور، وربما كان حب كثير من الناس تلقائياً وبدون مجهود أعظم مصادر السعادة الشخصية”.

سر السعادة هو الآتى:

اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمونك.

فالشخص غير السعيد، كقاعدة عامة، سوف يتبنى عقيدة غير سعيدة بينما الشخص السعيد سيتبنى عقيدة سعيدة، وكل منهما يرجع سعادته أو تعاسته إلى معتقداته بينما يكون المسبب الحقيقى هو عكس ذلك، فلا غنى عن أمور معينة لسعادة معظم الناس وإن كانت أمور بسيطة: الغذاء والمأوى، الصحة، الحب، العمل الناجح واحترام الفرد لقومه.