أرشيف الوسم: برتراند راسل

راسل: ألا تزال السعادة ممكنة؟

برتراند راسل

يطرح برتراند راسل (1872-1970) الفيلسوف وعالم منطق ورياضي، المؤرخ والناقد الاجتماعي البريطاني. هذا السؤال في الجزء الثاني “مسببات السعادة” من كتابه (انتصار السعادة)، والذي ترجمه إلى العربية (محمد قدرى عمارة).

فيقول (راسل):

السعادة نوعان رغم أنه بالطبع توجد درجات وسطى، النوعان اللذان أقصدهما يمكن تميزهما على أحدهما بسيط والآخر وهمي، أو أن أحدهما حيواني والآخر روحاني، أو أن أحدهما للقلب والآخر للرأس.

ولعل أبسط طريق لوصف الفرق بين النوعين من السعادة هو القول بأن نوعاً منهما متاح لأي إنسان بينما النوع الآخر متاح للذين يمكنهم القراءة والكتابة فقط، فعندما كنت صبياً عرفت رجل كان يتفجر سعادة وكان عمله هو حفر الآبار، ولقد كان طويلا جداً وله عضلات غير معقولة، ولم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، وعندما سمح له في عام 1885 بالإدلاء بصوته في انتخابات البرلمان علم لأول مرة بوجود مثل هذه المؤسسات. لم تعتمد سعادته على مصادر فكرية، ولم ترتكز على الاعتقاد في القانون الطبيعي، أو كمال الأنواع أو ملكية العامة للمنافع العامة أو الانتصار الحتمي للسبتيين أو لأي من الطوائف الأخرى، وهى الأمور التي يعتبرها المفكرون ضرورية لاستمتاعهم بالحياة، كانت سعادته تعتمد على القوة البدنية، والكفاية من العمل، وفي التغلب على العقبات غير المنيعة في صورة صخرة.

فمتع الإنجاز تتطلب صعوبات تجعل النجاح يبدو في البداية أمراً مشكوكاً فيه رغم أنه عادة ما يتم الوصول إليه في النهاية.

وفي إمكانية السعادة بين رجل العلم والفنان والأديب يقول:

أكثر القطاعات المتعلمة تعليماً راقياً في المجتمع إحساساً بالسعادة هم رجال العلم. فكثير من رجال العلم البارزين بسطاء عاطفياً ويحصلون من عملهم على إشباع يكون عميقاً لدرجة أنهم يستطيعون أن يجدوا متعة في الطعام وحتى في الزواج. والفنانون والأدباء يعتبرون أنه من المؤكد ألا يكووا سعداء في زواجهم بينما رجال العلم فعادة ما يظلوا قادرين على الاستمتاع بنعمة الحياة العائلية قديمة الطراز.

وتتحقق كل شروط السعادة في حياة رجل العلم، فلديه النشاط الذى يستغل طاقاته بكاملها، ويصل إلى نتائج تبدو مهمة ليس له فقط ولكن للجمهور العام حتى لو لم يتمكن من فهمها بأدنى درجة، وهو في ذلك يعد أكثر حظا من الفنان، فعندما لا يفهم أفراد الجمهور لوحة أو قصيدة، يقررون أنها لوحة أو قصيدة رديئة، أما عندما لا يفهمون النظرية النسبية فإنهم يستنتجون -صواباً- أن تعليمهم لم يكن كافياً.

وليس العلماء الأفذاذ فقط هم الذين يستمدون المتعة من العمل، ولا رجال الدولة القياديين فقط هم الذين يستمدون المتعة من دفاعهم عن قضية ما. فمتعة العمل متاحة لكل فرد يستطيع تنمية مهارة متخصصة بشرط أن يستطيع الحصول على الإشباع من ممارسة مهارته دون الرغبة في حصول على الاستحسان العام.

ويعد الإيمان بقضية ما من مصادر السعادة لأعداد كبيرة من الناس. أنا لا أفكر فقط في الثوريين أو الاشتراكيين أو الوطنيين فى الدول المقهورة ومن على شاكلتهم ولكنى أفكر أيضاً في كثير من المعتقدات الأقل تواضعاً.

وليست التقليعات والهوايات في كثير، وربما أغلب الحالات، مصدراً للسعادة الأصلية، وإنما وسائل للهروب من الواقع والنسيان للحظات لبعض الألم الذى تعصب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتعتمد أكثر من أي شىء آخر  على ما يسمى بالاهتمام الودى بالأشخاص وبالأشياء.

الاهتمام بالآخرين وحبّهم شكل من أشكال السعادة:

فالاهتمام الودى بالأشخاص شكل من أشكال المحبة ولكنه ليس بالشكل المتثبت والمستحوذ والذى يتطلب دائماً الاستجابة الملفتة. فهذا الشكل الأخير كثيرا جداً ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الطراز الذى يؤدى إلى السعادة، فهو الطراز الذى يحب مراقبة الناس ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية، ويرغب فى توفير مجال الاهتمامات وسرور أولئك الذين يصبح على علاقة بهم دونما أن يطلب اكتساب سلطة عليهم أو تحقيق إعجابهم الحماسي به.

فالاهتمام بالآخرين وحبهم عند راسل: “يجب أن يكون كل ذلك طبيعياً وألا ينبثق من فكرة التضحية بالذات التي يحتمها  الإحساس بالواجب. فالإحساس بالواجب يكون مفيداً في العمل ولكنه يكون عدائياً في العلاقات الشخصية. فالناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين وليسو محتملين باستسلام صبور، وربما كان حب كثير من الناس تلقائياً وبدون مجهود أعظم مصادر السعادة الشخصية”.

سر السعادة هو الآتى:

اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمونك.

فالشخص غير السعيد، كقاعدة عامة، سوف يتبنى عقيدة غير سعيدة بينما الشخص السعيد سيتبنى عقيدة سعيدة، وكل منهما يرجع سعادته أو تعاسته إلى معتقداته بينما يكون المسبب الحقيقى هو عكس ذلك، فلا غنى عن أمور معينة لسعادة معظم الناس وإن كانت أمور بسيطة: الغذاء والمأوى، الصحة، الحب، العمل الناجح واحترام الفرد لقومه.

هل يُعارض العقل العاطفة؟ راسل يتساءل

برتراند راسل

برتراند أرثر ويليام راسل (1872 – 1970) إيرل راسل الثالث، فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في كتابه (انتصار السعادة)، وبعدما سرد عدة مسببات للسعادة، ومثلها للتعاسة، بدأ في التساؤل الشهير، عمّا إذا كان العقل معارضًا للقلب، أو أن العقلانية تحارب العاطفة. يقول مجيبًا:

يوجد في كثير من الناس كراهية للعقلانية، وأينما وجدت هذه الكراهة فستبدو الأمور التي تحدثت عنها عديمة الصلة بالموضوع وعديمة الأهمية. هناك الاعتقاد بأنه إذا سُمح للعقلانية أن تعمل بحرية فستقتل العواطف العميقة كلها. هذا الاعتقاد يبدو لي راجعًا إلى التصور الخاطئ تمامًا لوظيفة العقل في الحياة الإنسانية، فدور العقل ليس هو إنتاج العواطف، رغم أن اكتشاف الطرق التي تمنع هذه العواطف من أن تكون عقبة في سبيل رفاهية الإنسان قد يعد جزءًا من وظيفته. فإيجاد الطرق الكفيلة بتقليص الحقد والحسد إلى حدهما الأدنى هو بلا شك جزء من وظيفة السيكلوجية العقلانية. ولكن من الخطأ افتراض أنه بتقليص هذه الأحاسيس فإن قوة العواطف التي لا يرفضها العقل ستقل هي الأخرى. ففي الحب الملتهب، وفي المشاعر الأبوية، وفي الصداقة، وفي الإحسان، وفي الولاء للعلم أو الفن عواطف لا يوجد بينها ما يرغب العقل في تقليصه. فالرجل الرشيد عندما يحس بأي من هذه العواطف سيكون سعيدًا لإحساسه بها، ولن يفعل ما يقلل من قوتها لأن كل هذه العواطف تعد من مكونات الحياة الطيّبة، تلك الحياة التي نسعى فيها لإسعاد النفس والآخرين. فلا يوجد ما هو غير عقلاني في العواطف بصفة عامة، فكثير من اللاعقلانيين يحسون بأكثر العواطف تفاهة. ولا يجب أن يخشى أية إنسان من أنه عندما يجعل نفسه عقلانيًا فإنه قد يجعل بذلك حياته كئيبة. فعلى العكس، فلأن العقلانية تتكون أساساً من الانسجام الداخلي، فالفرد الذي يصل إليها يكون أكثر حرية في تصوراته عن العالم، وفي استخدامه لطاقاته في الوصول إلى الأغراض الخارجية، عن الإنسان الذي تعوقه دائمًا الصراعات الداخلية. فلا شيء أكثر كآبة من أن يتحوصل الإنسان في ذاته، ولا شيء أكثر إبهاجًا من توجيه الاهتمامات والطاقة إلى الخارج.

مسببات التعاسة عند راسل

Bertrand Russell

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في كتابه (انتصار السعادة) يبحث في الجزء الأول عن “مسببات التعاسة” فيقول:

ما الذي يجعل الناس تعساء؟

الحيوانات سعيدة طالما كانت بصحة جيدة ولديها ما يكفيها من الطعام، ورغم أن البشر يجب أيضا أن يكونوا كذلك، إلا أنهم في عالمنا الحديث ليسوا سعداء.

ومسببات هذه الطُرُز المختلفة من التعاسة تعود جزئياً إلى النظام الاجتماعي وجزئياً إلى الحالة النفسية الفردية والتي هي بالطبع نتاج للنظام الاجتماعي إلى حد كبير.

التعاسة البيرونية

فالرجل الحكيم سوف يكون سعيداً ما سمحت الظروف بذلك، فإذا ما وجد أن التفكير في الكون مؤلم, فإنه سوف يفكر في شيء آخر بدلاً منه, فالمنطق لا يضع قيوداً على السعادة، والأكثر من ذلك، فأنا مقتنع أن هؤلاء الذين يرجعون أحزانهم بأمانة إلى أفكارهم عن الكون يضعون بذلك العربة أمام الحصان، فالحقيقة أنهم تعساء لأسباب لا يدركونها، وهذه التعاسة تقودهم إلى التفكير فى الخصائص الأقل تقبلاً للعالم الذى يعيشون فيه.

فالحيوان الإنساني كغيره من الحيوانات متأقلم على كمية معينة من الصراع من أجل الحياة وعندما يتمكن الإنسان بواسطة الثروة الكبيرة من إشباع كل رغباته دونما مجهود، فإنه مجرد غياب الجهد من حياته يزيل مكونا رئيسياً من مكونات السعادة منها. فالإنسان الذي يمتلك بسهولة الأشياء التى يحس تجاهها برغبة متوسطة يستنتج أن الوصول إلى تحقيق رغباته لا يحقق السعادة. فإذا كان من ذوى الميول الفلسفية، فإنه يستنتج أن الحياة الإنسانية هي بضرورة بائسة، حيث أن الإنسان الذي لديه كل ما يحتاج لا يزال غير سعيد وينسى أن افتقاد الإنسان لبعض الأشياء التى يحتاجها يعد جزءاً لا غنى عنه من السعادة .

التنافس

إذا سألت أي رجل في أمريكا أو أي رجل أعمال في إنجلترا: ما الشيء الذي يتعارض مع استمتاعه بوجوده؟ فسوف يجيبك: الصراع من أجل الحياة.

الصراع من أجل الحياة”، جملة غير دقيقة التقطها واستخدمها كى يضفى الأهمية على أمر تافه في أساسه. اسأله: “كم من الرجال الذين عرفهم من طبقته ماتوا جوعاً؟” اسأله: “ما الذي حصل لأصدقائه عندما حاق بهم الخراب؟” فكل فرد يعلم أن رجل الأعمال الذى حاق به الخراب يزيد كثيراً، فيما يملك من وسائل الراحة المادية، أي رجل لم يكن أبداً غنياً بالدرجة الكافية التى تسمح بخرابه، فالذي يعنيه الناس إذن بالصراع من أجل الحياة هو في الحقيقة صراع من  أجل النجاح، وما يخشاه الناس عندما ينشغلون في الصراع ليس أنهم قد يفشلون فى الحصول على إفطار صباح اليوم التالي، ولكن في أنهم قد يفشلون في التميز عن جيرانهم.

أن النجاح عبارة عن أحد مكونات السعادة وأن الثمن الذى يدفع فيه يكون فادحاً  إذا ما تمت التضحية بكل المكونات الأخرى من أجله فقط.

الحسد

ربما يجيء الحسد تالياً كأحد أقوى مسببات التعاسة، والحسد من أكثر المشاعر الإنسانية شيوعاً وتعمقاً في وجودها.

ويعد الحسد من أسوأ خصائص الطبيعة الإنسانية العادية، فالحاسد لا يود فقط أن تقع المصيبة بل يوقعها بنفسه إذا استطاع أن يفلت من العقاب. ولكن الحاسد يصبح هو نفسه تعيساً بهذا الحسد، فبدلاً من أن يسره ما لديه يؤلمه ما لدى الآخرين فلو استطاع لحرم الآخرين ميزاتهم ويكون ذلك بالنسبة له مرغوباً كما لو أنه حصل على هذه المزايا لنفسه. ؤإذا ما سمح لهذه العاطفة أن تعربد فستميت كل امتياز وكل الممارسات النافعة للقدرات الاستثنائية.

فالرجل الحكيم لا يفقد ما لديه القدرة على إمتاعه لأن أحداً غيره لديه شيء مختلف.

والحسد هو في الحقيقة إحدى صور الرذيلة، وهى جزئياَ أخلاقياً وجزئياً فكريا، وتنجم عن عدم رؤية الأشياء في ذاتها وإنما في علاقاتها ببعضها البعض فأنا مثلاً أكسب راتباً كافياً لاحتياجي. يجب أن أكون قانعاً ولكننى أسمع أن شخص آخر، لا أعتقد أن يفضلنى على الإطلاق، يكسب راتباً يعادل ضعف راتبي، ففى التو واللحظة إذا كانت طبيعتي حسودة، فإن الإشباع الذي كنت أحصل عليه مما عندى يصبح معتماً ويبدأ الإحساس بالظلم يأكلني.

الخوف من الرأى العام

قليل جداً من الناس يمكنهم أن يصبحوا سعداء إذا لم يوافق على طريقتهم في الحياة ونظرتهم إلى العالم أولئك الذين تربطهم بهم صلات اجتماعية وعلى الأخص الذين يعيشون معهم.

فقد يجد الشخص الذي له مذاقات ومعتقدات معينة، نفسه منبوذاً وهو يعيش في مجموعة معينة رغم أنه قد يقبل كإنسان عادى تماماً في مجموعة أخرى.

ثم يقول : “اللامبالاة الصادقة بالرأي العام تعد مصدر قوة وسعادة معاً”.

وعن تجربته الخاصة يقول:

أفضًل تقديم للفلسفة التى أرغب في طرحها، بضع كلمات عن واقع تجربتي الشخصية، فأنا لم أولد سعيداً، كطفل كانت ترنيمتي المفضلة هى”سئمت الدنيا، وثقلت ذنوبي”، وفى سن الخامسة، تأملت في أننى لو عشت لأبلغ السبعين فأنا قد تحملت حتى الآن جزءاً واحداً من أربعة عشر جزءا من حياتي كلها، وشعرت بأن الملل الذى ينتظرني يمتد طويلاً ولا يمكننى احتماله. وعند البلوغ كرهت الحياة وكنت دائماً على حافة الانتحار، وما منعنى من ذلك سوى رغبتي فى معرفة الرياضيات أكثر، أما الآن فأنا على النقيض من ذلك، استمتع بالحياة وربما قلت أنه مع كل سنة تمر بحياتي يزداد استمتاعي بالحياة أكثر وأكثر، ويرجع ذلك جزئياً إلى أننى اكتشفت الأشياء التى أرغبها بشدة وأننى حصلت تدريجياً على كثير من هذه الأشياء، وجزئًيا إلى أننى تمكنت بنجاح من أن أطرد من ذهنى بعض الرغبات مثل الحصول على معرفة يقينية عن أمر ما، لأن ذلك بالضرورة أمر غير ممكن, ويعود أيضاً بالدرجة الأكبر إلى اضمحلال استغراقي في ذاتي.

إرادة البحث عند برتراند راسل

Bertrand Russell

براترند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني، في محاضرته “البروباغندا الرسمية والتفكير الحر” والتي ترجمها عدي الزعبي يبشر راسل “بإرادة الشك” في مقابل “إرادة الاعتقاد” وفي ذلك يقول:

اعتاد وليم جيمس أن يبشر “بإرادة الاعتقاد” من جهتي أريد أن أبشر بإرادة الشك، فكل معتقداتنا ليست صحيحة تمامًا، في كل منها غمامة من الغموض والخطأ، طرق زيادة درجة صحة معتقداتنا معروفة جيدًا، وتكمن في الإنصات إلى كل الأطراف، ومحاولة التحقق من كل الوقائع ذات الصلة والسيطرة على انحيازاتنا عن طريق النقاش مع من يحملون انحيازات مختلفة، وتطوير استعداد للتخلي عن أي فرضية تثبت خطلها، تُمارَس هذه الطرق في العلوم، وقد أسست مجموع المعرفة العلمية، كل من يملك النظرة العلمية حقيقة مستعد للاعتراف بأن ما نعتبره معرفة علمية في الوقت الحاضر يتطلب بالتأكيد تصحيحًا مع تقدم الاكتشافات، مع ذلك، هذه المعرفة قريبة بما يكفي من الحقيقة في معظم الأمور العملية، وليس جميعها. في العلوم، حيث نجد ما يقارب المعرفة الأصيلة فقط، موقف الإنسان متردد ومليء بالشك.

على العكس من ذلك، في الدين والسياسة، وعلى الرغم من غياب ما يقارب المعرفة العلمية حتى الآن، يرى كل إنسان أنه من الضروري أن يملك رأيًا دوغمائيًا، وأن يدعم موقفه بنشر المجاعات والسجون والحروب، وأن يحرس نفسه جيدًا من أي منافسة مع الحجج المختلفة، لو أمكن فقط إقناع الناس بتبني إطار فكري مؤقت لا أدري في هذه الأمور، لأمكن علاج تسعة أعشار الشرور في العالم، ستصبح الحرب مستحيلة، لأن كل طرف سيدرك أن كلا الطرفين على خطأ، سيتقلص الاضطهاد، سيهدف التعليم إلى توسيع العقل، لا إلى تقليصه، سيتم اختيار الناس للعمل بناء على ملاءمتهم له، وليس لقبول الدوغمات اللاعقلانية لأولئك الذين في السلطة، الشك العقلاني وحده، إن وجد، سيكفي للوصول إلى الألفية.

ثم يتحدث عن النظرية النسبية لأينشتاين واستقبالها عالميًا كنموذج رائع عن المزاج العلمي في السنوات الأخيرة، رغم أنها قلبت كامل الإطار النظري للفيزياء التقليدية، وتضرر منها علم الديناميك التقليدي بنفس الطريقة التي أضر داروين بها سفر التكوين، ورغم ذلك أبدى الفيزيائيون استعدادهم للتقبل طالما حضر الدليل دون ادعاء منهم أو من أينشتاين بأنه قال الكلمة الأخيرة ويرى أن هذا التقبل المنفتح النقدي هو السلوك الحقيقي للعلم .. ويتساءل:

ما الذي سيحدث لو قام أينشتاين بتقديم شيء مساوٍ في جدته في حقل الدين أو السياسة؟ سيجد الإنكليز عناصر من البروسانية في نظريته، وأعداء السامية سيعتبرونها خطة صهيونية، القوميون في جميع البلدان سيجدونها ملوثة بدعوة سلمية مفرطة، وسيعلنون أنها مجرد محاولة للتهرب من خدمة العلم، كل بروفيسور من الطراز القديم سيطلب من “اسكوتلند-يارد” أن تمنع استيراد كتبه وسيطرد الأساتذة المقتنعون بنظرياته.

أما هو سيسيطر على أحد البلدان المتأخرة حيث سيصبح من غير القانوني تعليم أي شيء عدا نظرياته، التي ستنمو لتصبح مجموعة تعاليم مبهمة لا يفهمها أحد، سيتم تقرير صحة أم خطل معتقداته على أرض المعركة، دون جمع أي دليل جديد معها أو ضدها. هذه الطريقة هي النتيجة المنطقية لتعاليم وليم جيمس في إرادة الإيمان.

المطلوب ليس إرادة الإيمان، بل إرادة البحث، والتي تشكل بالضبط النقيض لها.

رومان رولاند، وإعلان استقلال العقل

رومان رولاند

في العام ١٩١٩ كتب الروائي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للآداب (رومان رولاند) بعد الحرب العالمية الأولى وقبل توقيع اتفاقية فرساي إعلان معنون بـ: إعلان إستقلال العقل، دعا رولاند فيه لإجلال نور العقل والتمسك به في العتم، ودعا المثقفين إلى عدم استخدام العقل كآداة للبرباغاندا وزرع بذور الكراهية، ونادى لاستخدام معرفتهم وفنونهم لخدمة سمو الشعوب فوق الإختلافات العرقية والطبقية والسياسة والإجتماعية، شعوب تُشكل شعب واحد كوني بروح واحدة. لقد نقد رولاند المساومات على العقل وحث على العمل على تحريره من عبودية قوى الطغيان التي اختطفته.

وقع على الإعلان نخبة من أعظم العلماء والفلاسفة والفنانين في ذلك الوقت مثل (آلبرت آينشتاين)، (برتراند راسل)، (رابندرانات طاغور)، (جاين آدامز) و(هيرمان هيسه). ونُشر لأول مرة في جريدة البشرية الناطقه بالفرنسية، وننقله هنا لكم بترجمة حصرية.

على الرغم من أن هذا الإعلان كتب احتجاجا على تجريد الفكر من مهمته الساميه (وهي العمل لخير الشعوب ووحدتها) وتهديمه من قبل حامليه أنفسهم خلال الحرب العالمية الأولى، إلا أننا اليوم بحاجة لإعادة قراءة هذه الصرخة العابرة للزمان وللحدود في وقتنا هذا ومنطقتنا هذه التي يبدو أن الفكر فيها تم تنحيته من قبل “القوة البدائية للتيارات الجمعية الطاغية.” نحن اليوم بحاجة لإنتشال العقل من زمننا المضرج بالغرائز والتكبر.

إعلان إستقلال العقل

أيها العمال من أجل العقل، أيها الرفاق المنتشرون في العالم، يا من فرقتهم الجيوش والرقابة والكراهية لخمسة أعوام، نناشدكم في هذه الساعة التي تنهار فيها الحواجز وتفتح فيها الحدود، من أجل استعادة وحدتنا الأخوية، وبأن تكون هذه الوحدة أكثر متانة ويعتمد عليها ومختلفه عن الوحدة التي وجدت بيننا سابقا.

لقد قامت الحرب ببلبلة صفوفنا وأخذها نحو التخبط. معظم النخب من المثقفين وضعوا علومهم وفنونهم ومنطقهم في خدمة الحكومات. نحن لا نبغي إتهام أحد، أو أن نوجه اللوم لأي أحد. نحن نعرف ضعف النفس البشرية والقوة البدائية للتيارات الجمعية الطاغية التي نَحّت هذا الضعف بلحظة واحدة، ولم يكن هناك أي تحضيرات من أجل المساعدة على مقاومتها. فلندع إذا هذه التجربة تساعدنا على الأقل من أجل المستقبل.

دعونا قبل كل شيء نقر بالكوارث التي جلبها لنا اختطاف العقل في العالم ووضعه طوعا تحت العبودية لقوى منفلته من عقالها. لقد قام المفكرون والفنانون بضخ سموم لا يمكن حصرها في الوباء الذي يلتهم جسد وروح أوروبا. لقد بحثوا في ترسانة معرفتهم، ذاكرتهم، خيالهم، عن أسباب قديمة وجديدة، أسباب تاريخية، علمية وحتى شاعرية لتكريس الكراهية. لقد عملوا على تدمير التفاهم والمحبة بين البشر، وبهذا قاموا بتشويه وإنتقاص وخفض منزلة والحط من شأن الفكر الذي كانوا يمثلونه. لقد استخدموا الفكر كآله للأهواء (قد يكون بدون معرفتهم) ووضعوه في خدمة المصالح الأنانية للقبيلة الإجتماعية أو السياسية، للولاية، للبلد، أو للطبقة. في الوقت الحاضر، فإن جميع الدول التي شاركت في هذه المعركة المتوحشة، إن كانت منتصرة أم مهزومة، تخرج منكهة، ومحطمة، وإن لم يقروا بالأمر فهم في قرارة قلوبهم يشعرون بالخزي والإهانة بسبب فائض جنونهم، وأن الفكر الذي ساوموا عليه في معاركهم، سقط معهم.

قفوا جميعا! دعونا نحرر العقل من مساوماته، من تحالفاته المهينة، ومن استرقاقه الخفي. العقل ليس عبد لأحد، ولكن نحن سدنة العقل، وليس لدينا أسياد غيره. نحن نوجد لكي نتمسك وندافع عن نوره، ومن أجل حض البشر المضللين على الإلتفاف حوله. إن مهمتنا تتمحور حول الحفاظ على دعامة ثابته، أن نشير نحو نجم القطب في خضم دوامات النوازع في الليل. وأمام نوازع التكبر والتدمير المتبادل، ليس لدينا خيار سوى أن نرفضها كلها. نحن نُجل الحقيقة فقط، الحقيقة الحرة، بدون حدود، بدون قيود، بدون اضطهاد أممي أو طبقي. بالتأكيد الإنسانية محور إهتمامنا، نحن نعمل من أجل الإنسانية، من أجلها كوحدة واحدة. نحن لا نعرف شعوبا، نحن نعرف الشعب المتفرد، الكوني، الشعب الذي يعاني، الذي يصارع، الذي يفشل، والذي يقوم أبدا على قدميه، والذي يمضي في الطريق الصعب مضرج بدمه، الشعب الجامع لكل البشر، جميعهم متساوون بالأخوة، ومن الصواب أن يدرك الشعب هذه الإخوه كما ندركها، وأن نتسامى فوق الصراعات العمياء. إن تابوت العهد، ألا وهو العقل الحر، واحد ومتنوع، وأبدي.