أرشيف الوسم: بروفايل

شباب النازية: بين شباب هتلر و الوردة البيضاء

tumblr_inline_mrm93zOm111rm06gd

قائدي، قائدي الذي منحني إياه الرب. احم و احفظ حياتي مطولاً. لقد خلصت ألمانيا في وقت الشدة. أشكرك على خبزي اليومي. كن معي لوقت طويل، لا تتخل عني. قائدي.. يا قائدي، إيماني، نوري، فليحيا قائدي !

بهذه الصلاة – و المَـصُوغة على غرار صلوات الشكر المسيحية- يبدأ الشاب الألماني وجبته في منظمة ( شباب هتلر)..

شباب هتلر ، رابطة الفتيات الألمانيات و غيرها من المنظمات أنشأت بواسطة النظام النازي منذ العشرينات الميلادية بهدف تجهيز الفتيان للالتحاق بالخدمة العسكرية و تحضير الفتيات لدورهن المستقبلي في الأمة الألمانية. يمكننا فهم المزيد من أدوار هذا التنظيم من رئيسه حينها و الذي يقول: “نحن لا نحتاج قادة فكر يبتكرون أفكار جديدة، لأن أدولف هتلر هو القائد المستعلي فوق كل رغبات الشباب ” ، أو من مبتكر التنظيم – هتلر- و الذي يتحدث عنه قائلا:

هؤلاء الفتيان و الفتيات يلتحقون بتنظيماتنا في سن العاشرة، و بعد أربع سنين يذهبون إلى منظمة شباب هتلر حيث نحظى بهم لأربع سنين أخرى.. و حتى لو لم يكونوا اشتراكيين قوميين تماما بعد، فسيصقلون لستة أشهر بعدها مع خدمات العمال. أي وعي باقٍ بعدها بالطبقة أو المنزلة الاجتماعية فستتكفل به القوات المسلحة الألمانية.

هناك ما يدعو للتفاؤل بشأن محاولات المسخ هذه، فمن شبابها ولدت حركة معارضة يافعة: الوردة البيضاء. الوردة البيضاء حركة معارضة للحرب و للنازية قادها عدد صغير جدا – حوالي ستة أفراد- من شباب جامعة ميونيخ مع أستاذهم. عمل الأعضاء بتخفٍّ لتوزيع منشوراتهم المعارضة، و هذه ترجمات متواضعة لأجزاء منها..

جاء في منشورهم الثاني:

من المستحيل أن تنخرط في حديث فكري مع الاشتراكية القومية لأنها ليست برنامجا يمكن الدفاع عنه فكريا. من الخطأ أن تتكلم عن فلسفة الاشتراكية القومية، لأنه لو كان هناك كيان مماثل لأمكن للشخص أن يحاول إثبات شرعيتها أو مقاومتها بواسطة التحليل و النقاش. لكننا نواجه حالة مختلفة تماما في الواقع. من استهلالتها الأولى؛ اعتمدت هذه الحركة على التضليل و خيانة رفاقها، و حتى في ذاك الوقت؛ كانت فاسدة داخليا و ساندت نفسها بالكذب المستمر فقط.

كانت الوردة البيضاء تفهم جيدا ما تخاطر به في سبيل إيصال رسالتها للشعب، و لهذا السبب.. أي لرفضهم وجود مخاطرةٍ من الأساس؛ كتبت الوردة البيضاء في منشورها السادس: 

الدولة التي تمنع التعبير الحر عن الرأي ، و التي تُخضع أي/ كل انتقادٍ مبرر أخلاقيا و كل مقترحات للتحسين لعقوبات مفزعة؛ بوصفها تحضيرا للخيانة العظمى.. هذه الدولة تخرق قانونا غير مدون، قانونا عاش على الدوام في غزائز الناس السليمة، و الذي يجب أن يبقى دائما.

لكن الخوف يشل، و عدم الاكتراث يقعد.. لذا كتبت الجماعة في منشورها السادس:

انبذوا عنكم عباءة اللامبالاة التي تلحفتموها. اتخذوا القرار قبل أن يصبح الوقت متأخرا جدا على اتخاذ واحدٍ. لا تصدقوا بروباجاندا الاشتراكيين القوميين التي بثت في عظامكم الخوف من البلشفيين.. لا تصدقوا أن رخاء ألمانيا مرتبطٌ بانتصار الحزب في الخير أو الشر. في عاقبة الأمر، سيخصص جزاء فظيع و لكن عادل لأولئك الذين بقوا مختبئين، الذين كانوا جبناء و مترددين.

و لأن القناعة لا تضمن بالضرورة فعلاً، كُتِب في المنشور الثالث:

العديد و ربما الأغلبية من قراء هذه المنشورات لا يرون بوضوح كيف يكون بإمكانهم ممارسة دور معارضةٍ فعّال. إنهم لا يرون أي سبل مفتوحةٍ أمامهم. نود أن نحاول و نريهم أن الجميع في موضعٍ يمكنه من المشاركة في إسقاط النظام. لا يمكن فعل ذلك إلا بتعاون الكثير من الأشخاص المقتنعين و المتّقدين.. أشخاصٍ متفقين بشأن الوسائل التي يتعين عليهم استخدامها. لا يوجد لدينا العديد من الخيارات فيما يخص هذه الوسائل. الوسيلة الوحيدة المتوفرة هي المعارضة السلبية. لا يمكننا أن نزود كل شخص بمسودة لأفعاله، يمكننا فقط اقتراحها في بنود عريضة.

للأسف، فضحت الشرطة السرية صوفي شول و هانس شول – إخوة من أعضاء الجماعة- و تمت محاكمتهما و إعدامهما، ثم إعدام بعض أعضاء الجماعة الآخرين. تقول صوفي صبيحة يوم إعدامها؛ نقلا عن إلسي غيبيل، رفيقة زنزانتها:

يا له من يومٍ مشرقٍ رائع، و عليّ أن أذهب. لكن كم من الأشخاص يتعين عليهم أن يموتوا في ساحات المعركة هذه الأيام؟ .. كم من الحيوات الغضة الواعدة؟ ما الذي يضير في موتي لو تنبه الآلاف بأفعالنا؟

tumblr_inline_mrm9h639T11rm06gd

في اللحظات الآخيرة، لحظات تسجيل المواقف في ظل انعدام الخوف و انعدام الحسابات، خطب كيرت هوبر؛ أستاذ الفلسفة في المحكمة قائلا:

الدولة التي تكبح التعبير الحر عن الرأي و التي تعرض أي/ كل انتقاد مبرر أخلاقيا، و كل الاقتراحات للتحسين لعقوبات فظيعةٍ بوصفها إعدادا لخيانةٍ عظمى.. هذه الدولة تخرق قانونا غير مكتوب، قانون عاش على الدوام في غرائز الناس السليمة، و الذي يجب أن يبقى دائما.

و نقلاً عن موقع بحثي عن الهولوكوست، فإن :

عددا من أعضاء الوردة البيضاء آمنوا أن إعدامهم سيؤلب طلاب الجامعات و المواطنين الآخرين المناهضين للحرب للاحتشاد ضد هتلر و ضد الحرب. لكن التقارير ترجح أن طلاب الجامعة واصلوا دراستهم كالمعتاد، و أن المواطنين لم يقولوا أي ٍ شيء بهذا الصدد، بل اعتبر العديد منهم حركة الوردة البيضاء كحركة غير وطنية. لقد غُض الطرف عن معظم أعمالهم حتى فترة ما بعد الحرب؛ حيث مجّد الضمير الألماني جهودهم حينها.

و بغض النظر عمّا إذا كنا نعتبر ذلك نهاية مجيدة أو مؤسفة أو الاثنين، فإن كلمات صوفي شول هذه ما زالت مدونةً.. أقرأها أنا و أنت و آخرين : 

كان على شخص ما أن يبدأ. ما كتبناه و قلناه يعتقده كثيرون غيرنا أيضا، لكنهم لا يجرؤون على التعبير عن أنفسهم كما فعلنا نحن.

للاستزادة: مصدر الاقتباسات / صفحة ويكيبيديا

العري في الفن: فضيلةٌ أم خطيئة ؟

b20910
تحفل اللوحات الفنية بالأجساد العارية بداية من حضارات ما قبل التاريخ، وصولا إلى الفن المعاصر. بيد أن العري كان ملمحا مهما من ملامح لوحات و منحوتات حضارة اليونان لتصوير الميثولوجيا ثم ازدهر كثيرا في عصر النهضة. لا يقتصر استخدام الجسد العاري على الفن بلوحاته و منحوتاته بل يمتد إلى التصوير الفني و الإعلام و حتى الاحتجاج مؤخرا. سأتناول هنا جانب الفن فقط و لعله يوفر مدخلا بسيطا لفهم مضامين العري في البقية.

هناك بطبيعة الحال رأيٌ يحتفل بالعري و رأي آخر يضيق به.  فهل ننظر إذن إلى الفن العاري باعتباره خطيئة أم فضيلة؟

لنتناول ما يدعمه أولا -باعتباره الأبعد عن ثقافتنا- ملخّصا في نقاط:

قد ينظر إلى الثياب ككونها أحد العناصر الدخيلة على علاقة الإنسان ببيئته. يقول عالم الأنثروبولوجيا Ian Gilligan بشأن الملابس:

الملابس هي الشيء الذي يفصلنا عن الطبيعة؛ حرفياً و رمزياً. إنها تؤثر على الطريقة التي ندرك بها أنفسنا و بيئتنا. الملابس حائلٌ بيننا و بين العالم، بيننا و بين نفسنا الفيزيائية، و لها بالتالي انعكاسات على الكيفية التي نرى بها أنفسنا بالمقارنة مع الأشياء الأخرى حولنا ، و الكيفية التي تتفاعل بها أجسادنا مع العالم. لقد لفّــقنا بيئة مصطنعة بالكامل، و هي بشكل ما كالكساء الخارجي. جوانب عديدة من حضارتنا تعزلنا عن العالم الخارجي الطبيعي.

التعري قد يكون شكلا من أشكال التعبير عن الحرية و رفض القيود السلطوية؛ في ذلك يقول الفنان Fred Hatt:

بالنسبة للأصوليين المتعصبين  من كافة الثقافات و الذين يخافون الحرية الفردية، فإن صورة الجسد العاري تهديد للنظام ! لأنها تذكر الناس بالمتعة الحيوانية الخالصة. الجسد الحر يرعب السلطويين. إذا اختبر الناس الحرية على مستوى الجسد، فقد لا يعود بالإمكان السيطرة عليهم. لذا، ينبغي أن يفرض الاحتشام بصرامة.

الفن العاري قد يكون وسيلة للثورة على الفصل الحاد بين الروح و الجسد و الذي يميل إلى جانب الروح بشكل غير عادل. إنها وسيلة للقول بأن هذا التباين ليس حقيقا بالدرجة التي يبدو عليها، يوضح  Fred Hatt:

نحن نصوّر العقل أو الروح كـ سماوي، ملائكي، و نقي، بينما نصور الجسد المادي كشيء يربطنا بالموت، بالرغبات المُـتلِفة، و بالمعاناة. بالتالي: صورة الفن العاري تذكّرنا بأننا أجسادُنا.. أن الجنسانية و الغريزة و الوفاة طبيعتنا الفعلية.. أن جمال الطبيعة الحيوانية فينا لا يمكن فصله عن جمال روحانيتنا.

الجسد و الطبيعة و ما هو حي على الأرض.. تم اختزالهم إلى مجرد أشياء.. أشياء  وجدت لِـتُستغل و تروّض بلا رحمة في سبيل ترقية الروح المفترض بأنها طاهرة.  لقد عانت الأرض كثيرا بسبب هذا الفصل داخل الإنسان، و لكن نحن بدورنا كمخلوقات من هذه الأرض لم نهرب من هذا الألم أيضا.

قد يكون العري وسيلة لضبط المقاييس المقلوبة، أي لإظهار ما هو حقيقي .. ما هو جميلٌ فعلا. في معنىً شبيهٍ يقول مايكل آنجلو :

أيّ روحٍ فارغة و عمياء لدرجة أنها لا تدرك حقيقة أن القدم أنبلُ من الحذاء، و أن الجلد أجمل من الحلل التي تغطيه؟

ما ذكر إلى الآن هو بعض ما يمكن أن يمثله الفن العاري بالنسبة للمتأمل، فمالذي يمكن أن يمثله بالنسبة للفنان نفسه؟  عند الفنان؛ رسم الجسد العاري معقد و بعث الحياة فيه أعقد ، و هذا يمثل تحديا لذيذا. يقول الفنان Jacob Collins:

لقد أردت أن أصب كل طاقتي في أعظم تحد يمكن أن يواجهه رسام. لا شيء أصعب من أن ترسم قواما ببساطة و وضوح، بجمال و قوة. أن ترسم الإنسان داخل الشخص من خلال جسده الخارجي هو الهدف الأصعب و الأسمى. أن ترسم بمهارة خبراء الماضي و تشعر بأنك لا زلت منتعشا رغم ذلك.. أن ترسم قوالبا تشريحية تنبض بالحياة.. أن ترسم رأسا و كأنه مثقل بالأفكار يعني أن تقفز إلى عالم عظماء رسامي العصور الماضية.

بالإضافة إلى ذلك، فالعري يعبر عن انفعالات الجسد:

الجسد العاري يعطي الفنان مساحة أكبر ليعبر عن مشاعر مثل التوتر، الغضب، القوة، و اليأس و للتعبير عن الحركة أيضا: العضلات المتقلصة، الأوردة الممتلئة، الجذع الملتوي، الساق المليئة بالأوتار.. تعطي كلها إحساسا بالحركة.

أما بالنسبة للرأي المخالف؛ فإن نصيبا كبيرا من المعارضة كان بسبب عري المرأة تحديدا. لماذا؟ بعض أقدم اللوحات اليونانية أتت لتصور الأساطير بصريا، فتُظهر الآلهة المذكرة و المؤنثة عارية، و تُسبغ على عريها معاني الطهارة و السمو و البهاء. لما تغيرت مواضيع اللوحة و اتجهت لتصوير مظاهر الحياة، ظهر جليا أنها تميل لتصوير الرجال كمحاربين أشداء أو شهداء. أصبح هناك تمايز كبير بين الدور الفاعل الذي يصور فيه الرجل و بين الدور السلبي الخاضع الذي تصور فيه المرأة، إذ غالبا ما تكون مسترخية، متكئة أو مستلقية.

في السبعينات؛ نشر الكاتب و الناقد الفني John Berger نقده لعري الإناث في الفن في برنامج تلفزيوني و نصوص، ألخص فيما يلي بعض نقاطه للتعرف على وجهة النظر المعارضة:

ترافق المرأة صورتها لنفسها دائما، إلا عندما تكون وحدها – و ربما حينها أيضا- . لقد عُلـِّــمت بأن تفحص و تتقصى شكلها باستمرار. لوحات الفن العاري أيضا تصوّر المرأة كـ “منظر” لِـيُطالع، و نادرا ما تمثل اللوحة شخصيةً أو صفة. إذن؛ على العارية أن تكون غرضا ليعاينها و يقيمها و يحكم عليها مشاهد ذكر.

عريّــها هنا ليس تعبيرا عن مشاعرها الداخلية، و إنما “علامة” على خضوعها للطلب. العري هنا ليس احتفالا بالحب الجنسي الحيوي بين اثنين، و الذي تكون المرأة فاعلةً فيه كما الرجل، و تمتص  فيه أفعال أحدهما الآخر. بل على العكس؛ فإن الشخص الآخر الذي يهم هنا هو الغريب المتفرج الذي يطالع الأنثى العارية. – غالبا ما يُلاحظ في هذه اللوحات (النظرة إلى الرجل) ؛ أي أن اهتمام الأنثى منصب على المشاهد و ليس منسجما مع مشهد اللوحة- . تظهر المرأة غالبا بليدة و خاملة، و كأنها هنا لِتُشبع غريزةً و ليس لتحظى بواحدة لنفسها… إن الجنس ليس داخل المشهد بل أمامه!

لقد أصبح العري نوعا من الأزياء الموحدة الغير قابلة للخلع و التي تقول: أنا مستعدة الآن للإرضاء الجنسي. تبعا لذلك، لا يمكن أن نطابق بين العري و بين الحرية باعتبارهما شيئا واحدا.

يقال: أن تكون عاريا هو أن تكون حاسرا ، و هو أن تكون بلا ملابس ، و هو نوع من الفن.

أنا أضعها بالصورة التالية: أن تكون عاريا هو أن تكون ذاتك. أن تكون حاسرا/ مكشوفا هو أن تُرى عاريا من قبل الآخرين و لا يُتعرَّف على ذاتك بالرغم من ذلك.

أن تكون عاريا يعني أن تكون بلا تنكّــر أو تخــفٍّ. أن تكون معروضا يعني أن يصبح سطح جلدك قناعا لا يمكن التخلص منه.

* اللوحة : Spring All Around by Aleksander Gorbunov

* للمزيد حول العري في الفن من ويكيبيديا

المصادر:

Understanding paintings

Fred Hatt’s Bolg

ways of seeing

Wikipedia

كيف يقوم “المتحضرون” بمحو هوية الشعوب ؟ تعرف على الأجيال المسروقة

 

جرائم ما ندعوه بالحضارة الحديثة لا يمكن حصرها. حيث أنها قامت على سلسلة طويلة من الإبادات والانتهاكات في حق السكان الأصليين لمناطق كثيرة ليتم استعمارها و”تحضيرها” حد زعمهم، والذي يتضمن دون شك محو ذاكرة شعوب كثيرة استوطنت الأرض من دهور سحيقة. فبعد أن استعرضنا مأساة الهنود الحمر في أمريكا عبر الخطبة المؤثرة لزعيم الهنود الحمر في سياتل، نستعرض اليوم مأساة أشد في استراليا تُعرف ب”الأجيال المسروقة” أو الأجيال الضائعة.

tumblr_inline_mnp7m4CDGO1qz4rgp

الأجيال المسروقة هم أطفال سكان استراليا الأصليين الذين انتزعتهم الوكالات الحكومية والفيدرالية والبعثات التبشيرية في الكنيسة من عائلاتهم تحت قانون برلماني من الفترة بين عام ١٩٠٩ وحتى عام ١٩٧٠.  هناك أسباب عدة أدت إلى هذا التصرف منها كانت تزعم أنها لحماية هؤلاء الأطفال، وأخرى أنهم سبب لإزالة العرق الأسود، والأثبت أنهم أزيلوا للخوف من تمازج جنسهم مع باقي الأجناس الاسترالية خاصة الأبيض حيث يولدون ببعض التشوهات الخلقية. يقدر عدد السكان الأصليين في استراليا حاليا ب ٥٢٨،٠٠٠ ويشكلون نسبة ٢‪.‬٣ بالمئة. يعتقد أن الشباب الحاليين من السكان الأصليين معرضين للإقدام على الإنتحار أربع مرات ضعف المواطن الاسترالي ومن أسباب التي تدفعهم هي فقدان حضارة شعبهم إذ أن مشاعر السلبية دائما تتملكهم ( العنف والغضب ) وهم غير مستوعبين أين مصدر كل هذه الطاقة السلبية الذي يعتقد أنها مؤثرات طبيعية انتقلت لهم بفعل الإستعمار لشعبهم. بعض الطرق التي يستخدمها معالجيهم لشفائهم هو التأمل وممارسة طقوسهم البدائية كالرقص أو غيرها من هذه الطقوس التي تساعدهم على الإسترخاء. في ٢٠٠٨ ، اعتذرت الحكومة الاسترالية رسمياً للقوانين والسياسات التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة والتي تسببت بـ “الاسى العميق والمعاناة والخسارة” لسكان استراليا الاصليين. 

tumblr_inline_mnp7kxEx7T1qz4rgp

تصف زيتا والاس اخذت من عائلتها وهي في عمر ٨ سنين الأمر بقولها

‬لا يوجد أسود أو أبيض، بل نحن الاثنين. أنا أسود وأبيض. كنا نتاج من اغتصاب الرجال البيض لأمهاتنا. كنا مصدر للحرج، لم يردنا أحد. كانوا يريدونا فقط بعيدين عنهم‪.‬

 وفي شهادة أخرى يصف بيل سايمون -أُخذ من عائلته وهو في عمر١٠ سنين- عملية محو هوياتهم حيث يقول

تسلم كل واحد منا زوج مرقم من البجامات. أعطانا هي المسؤول السيد بارلاند مرقمة في الجيب، في القميص، وفي السروال القصير. أنا كنت الرقم ٣٣ ، ليس بيل ولاحتى سايمون. انما الرقم ٣٣ فقط

وللسكان الأصليين مأثورات تخلد ثقافتهم وعلاقتهم بالأرض، والمأساة التي تعرضوا لها من البيض.

اذا أتيت هنا لتساعدني، فأنت تضيع وقتك. لكن اذا أتيت لأنك تؤمن أن حريتك مرهونة بحريتي فدعنا نعمل معاً.  

‫‬نحن لا نملك الأرض، بل الأرض تملكنا. الأرض أمي ، أمي هي الأرض. الأرض هي النقطة حيث بدأ كل شيء. إنها أشبه بالتقاط قطعة من التراب ثم القول “هنا حيث بدأت ومن هنا سأنطلق. الأرض طعامنا، حضارتنا، روحنا وهويتنا. لا يوجد عندنا حدود ‪كالأسوار. بل إننا ، كالمزارعين، لدينا تواصل روحاني.‬”

نحن جميعا زوار في هذا الوقت وفي هذا المكان.. نحن عابرون فقط.  غايتنا أن نتأمل، أن نتعلم، أن ننتج وأن نحب وثم نعود من حيث جئنا‪.

من العصر السحيق، نؤمن كسكان أصليين، أن استراليا كانت هنا من أول اشراقة شمس، شعبنا كان هنا على امتداد هذه القارة من أول اشراقة شمس . نعرف أننا أُعطينا الأرض بواسطة البيامي. لدينا واجب مقدس أن نحمي تلك الأرض، وواجب مقدس أن نحمي كل الحيوانات التي نرنبط بها عبر نظامنا الروحي‪.‬. 

‬أن تكون من السكان الأصليين ليس لون بشرتك أو مدى عرض أنفك‫.‬ إنه شعور روحي، وهوية تشعرها بقلبك‫.‬ هو شعور فريد يصعب على المواطن الغير أصلي فهمه.

‬أتقنا الأن ذات اللغة التي استخدمت ضدنا يوما ما‫ – واصفة إيانا بالبربرية والتوحش وعزمنا بأنفسنا لننقل قصصنا بأساليبنا لشعبنا.

للمزيد: تاريخ الأجيال المسروقةلمشاهدة المزيد من الشهادات / تقرير قصير وهنا تقرير آخرصفحة تتحدث عنهم في ويكيبيديا العربية

الهنود الحُمر: كيف يمكن أن نشتري أو نبيع السماء والمطر والهواء ؟

20130114224944!Chief_seattle

حين عزمت قبيلة (دواميش) أحد قبائل الهنود الحُمر على الاستسلام في عام 1855، أقيم حفل تاريخي ليُلقي فيه زعيم القبيلة سيلث (الظاهر بالصورة أعلاه) خطبة تاريخية خالدة بلغة شعبه. حيث تُرجمت إلى الانجليزية بغرض المفاوضات مع الإدارة الأمريكية آنذاك، وذلك بعد أن دعا الرئيس الأمريكي الرابع عشر (فرانكلين بيرس)  الهنود الحمر إلى بيع أراضيهم والعيش في مجمعات معزولة.

ففي هذه الخطبة الملحميّة تظهر بجلاء تلك الرابطة القوية بين الإنسان (هل نقول البدائي؟) والطبيعة حيث تدور علاقته معها في إطار التكامل والتواصل، خلافاً لنظرة الإنسان للطبيعة اليوم والتي تقوم على التسخير والاستغلال.

طباعنا تختلف عن طباعكم. المياه اللامعة في الغدران ليست مجرد مياه بل هي دماء أجدادنا. اذا بعناكم الأرض فعليكم أن تعلموا أنها مقدسة، وعليكم أن تعلّموا أولادكم أنها مقدسة. إن كل وهج في مياه البحيرات الصافية يروي أحداثا وحكايات من حياة شعبي، وهمهمة الماء هي صوت أجدادي. الأنهار أخوتنا، تطفئ ظمأنا وتحمل زوارقنا وتطعم أطفالنا.

كما يلفت سيلث النظر إلى الفجوة الهائلة بينهم وبين الرجل الأبيض، وبين حياتهم وحياة الرجل الأبيض في المدن.

نحن نعرف أن الرجل الأبيض لايفهم طباعنا فهو لايفرق بين جزء وآخر من الأرض، فكلها عنده سواء، لأنه غريب يأتي ليلاً ويأخذ من الأرض ما يروق له. الأرض ليست أخته بل خصمه. وحين يستولي على الأرض فإنه يواصل البحث عن أخرى. يسرق الأرض من أبنائها غير مكترث بشيء. يتعامل مع أمه الأرض وأخته السماء كتعامله مع أشياء للشراء والنهب أو للبيع، مثل الخراف والخرز الملون. جوعه سيلتهم الأرض ولن يترك وراءه غير الأرض اليباب.

لا أدري.. إنكم تختلفون عنا. منظر مدنكم يؤذي أعيننا، ربما لأن الرجل الأحمر همجي ولا يفهم شيئا.

لا هدوء في مدن البيض، فهي تخلو من مكان يسمع فيه المرء تفتح الأوراق في الربيع وطنين الحشرات. ربما أنا همجي لا أفهم شيئا.

ما طعم الحياة إذا لم تستطع الإصغاء لصوت القبرات أو خصام الضفادع على ضفاف البركة ليلا ؟ أنا رجل أحمر لا أفهم ذلك. الهندي الأحمر يحب همهمة الريح، تلامس سطح البركة، وأريج النسائم مغسولة بمطر الظهيرة ومضمخة بعطر الأنفاس. الحيوان والشجرة والإنسان كلهم يتقاسمون ذات الأنفاس.

يبدو أن الرجل الأبيض لا يلاحظ الهواء الذي يستنشقه، مثله مثل رجل يصارع الموت منذ أيام طويلة وقد ماتت فيه حاسة شم النتانة.

(..)

أنا همجي لا أفهم ذلك، فإنني رأيت آلاف الجواميس البرية جثثاً هامدة تركها الرجل الأبيض بعد أن أطلق عليها النار من قطار وهو يمرق بسرعة. أنا همجي ولا أستطيع أن أفهم كيف يُعتبر الحصان الحديدي الذي ينفث دخاناً أكثر أهمية من الجاموس الذي لا نقتله إلا من أجل أن نبقى على قيد الحياة. ما قيمة الإنسان بدون الحيوانات؟ لو هلكت كل الحيوانات لمات الإنسان من وحشة الروح. إن ما يصيب الحيوانات سريعاً ما سيصيب الإنسان. الأشياء كلها تترابط فيما بينها. ما يلم بالارض يلم بأبناء الأرض أيضا.

وفي نبرة حزينة يذكرهم بهزيمتهم وتقهقرهم أمام تقدم الرجل الأبيض المدجج بسلاحه وجيوشه.

سنفكر بعرضكم علينا الذهاب إلى المجمعات حيث حيث سنعيش بعزلة وسلام. ليس مهما أين نقضي بقية أيامنا. أطفالنا شاهدوا آباءهم مُهانين مقهورين، محاربونا يلاحقهم الخزي. بعد هزائمهم يقضون أيامهم لاهين عابثين، يسمّمون أجسادهم بأطعمة حلوة وشراب قوي. ليس مهما أين نقضي بقية أيامنا فهي لم تعد كثيرة. بضع ساعات أو بضعة شتاءات، ولن يبقى واحد من أطفال القبائل الكبيرة العدد التي كانت تعيش على هذه الأرض. الآن الغابات تبكي على قبور شعب كان قويا وكبير الأمل كشعبكم.

ولكن لماذا أبكي ضياع شعبي ؟ الشعوب بشر وليست شيئا آخر، والبشر يأتون ويذهبون كالأمواج في البحر. وحتى الرجل الابيض الذي يسير جنبا إلى جنب مع ربه ويتحدث إليه كصديق ليس بمقدوره أن يفلت من قدره المشترك. لربما نحن إخوة! فلننتظر ونرى.

ولا ينسى أن يتنبأ بحذاقة بمستقبل الأرض في ظل حكم الرجل الأبيض

غير أننا لا نفهم لغز هذا القضاء. أي قضاء هذا وقد ذُبِح كل الجاموس البري ورُوّضت كل الخيول الوحشية ودُنّست كل خبايا الغابات وشَوّه منظر الأسلاك الناطقة مشاهد التلال اليانعة! أين الأدغال وأين النسر؟ ذهبت كلها. ماذا يعني أن نقول وداعاً للحصان السريع وللصيد والقنص؟ إن ذلك هو نهاية الحياة وبداية الصراع من أجل البقاء. لقد أعطاكم الله السيادة على الحيوانات والغابات لسبب خاص، لكننا لا نعرف سر هذا السبب. ربما كان بمقدورنا أن نفهم ذلك لو عرفنا ما يحلم به الرجل الأبيض وما هي الآمال التي يحدث أطفاله عنها في ليالي الشتاء الطويلة، وما هي الأحلام التي يؤججونها في تصوراتهم بحيث يتوقون إلى غد جديد. لكننا همج لانعرف أحلام الرجل الأبيض ولهذا سنمضي في طريقنا لأننا، قبل كل شيء ، نقدّر حق كل إنسان في العيش كما يحب، مهما كان اختلافه عن إخوته.

ويختم خطبته بهذه الفقرة التي يوصي فيها -بيأس- بحب الأرض والعناية بها.

عندما يختفي آخر رجل أحمر من هذه الأرض، وتمسي ذاكرته مجرد ظلال غيمة فوق المروج، فإن روح أجدادي ستظل حية في هذه الشواطئ وهذه الغابات، لأنهم أحبوا هذه الأرض كما يحب الوليد نبضات قلب أمه.

إذا بعناكم أرضنا فعليكم أن تحبوها كما أحببناها، ارعوها كما رعيناها! وإذا أخذتموها فحافظوا عليها بكل قوتكم وروحكم وقلوبكم من أجل أطفالكم. أحبوها كما يحبها الله جميعا. إننا نعرف شيئا واحدا، أن إلهنا نفس إلهكم. حتى الرجل الأبيض لايستطيع الإفلات من القدر المشترك. لربما نحن إخوة. وسنرى.

ترجمات الخطبة: موقع لم لا ، موقع الهدف الثقافي، كما يمكنك مشاهدة الصور الموجودة له على الانترنت والتي يعلوها جميعاً شيء واحد: الحزن. وهنا توجد نبذة عن قبيلة (دواميش) كما نجد هنا نص الخطبة بالانجليزية.

عمدة قرطبة، “الخليفة الأحمر”… والجمهورية

tumblr_inline_mmg9ftytUX1qz4rgp

إنه خوليو أنغيتا، ابن قرية فوينخيرولا (“سهيل” سابقا) القريبة من مالقة في منطقة الأندلس، معلم التاريخ للصبيان(في مدرسة تحمل اسم بلاس إنفانتي) ومُعلي كلمة الشيوعيين ورافع رايتهم بين 1988 – 2000 وكان من أتباع الزعيم التاريخي سانتياغو كاريو خلال وبعد فترة العمل السري أيام ديكتاتورية فرانكو.

في المرحلة الانتقالية تزعم الشيوعيين واكتسح أصوات الصناديق ونال رضا الناخبين القرطبيين، واستمر في منصب عمدة قرطبة بين 19791986 وحصل بذلك على لقب الخليفة الأحمر El ‘califa rojo’.

يقضي قيلولة المساء (لاسييستا) على الأرض فوق فراش من جلد خروف كأي ”مورو” آخر، حسب تعبيره، وهو لقب المسلم المغاربي عند الإسبان، هذه الروح الأندلسية جعلته يعرض سنة 1981، على صديقه علي الكتاني، وهو مؤرخ مهتم بالأقليات المسلمة، أن يتخذ من دير سانتا كلارا مقرا لجمعيته الإسلامية، وهو مبنى تاريخي مغلق منذ مئة عام يعود للراهبات وقريب من جامع قرطبة بحوالي 800 متر.

وجاء في أحد الرسائل التي بعثها أنغيتا لعلي الكتاني والذي كان متواجدا بالظهران بالمملكة السعودية:

“…علاقتنا التاريخية مع العالم الإسلامي هي السبب في رغبتنا لربط معكم صلات الأخوة والصداقة والمحبة…”

سبتمبر 1980

الأمر الذي أشعل معركة بين أنغيتا وأسقف قرطبة، وأججت الموضوع صحافة اليمين العسكرية المسيحية واتهمت أنغيتا بتسليم المدينة للمسلمين.

image

بعد المقاطعة الإعلامية والمتابعة القضائية الشهيرة التي تعرض لها الفيلسوف الفرنسي روجيهغارودي، شد الرحال إلى قرطبة وفتح له خوليو أنغيتا أبوابها على مصراعيها.

يروي غارودي في سيرته الذاتية عن تواجده بمنطقة الأندلس:

«إن عمدة قرطبة، خوليو أنغيتا، كان من المؤمنين بمشروعي القائم على احياء هذا الماضي لإلقاء الضوء على المستقبل، وعرض علي أن نجعل من برج كالاهورا، وهي قلعة على حافة الوادي الكبير مركزا لمشروعنا »

والمشروع المقصود هو معهد للحوار بين الثقافات (مؤسسة روجيه غارودي) عبارة عن متحف سمعي بصري لإحياء ثقافة الأندلس والتركيز على فترات التعايش بين الثقافة المسيحية واليهودية والمسلمة.

خلال غزو العراق الأخير، الذي ساند فيه الرئيس الإسباني أثنار صديقه بوش وورط الدولة في الحرب، توفي أحد أبناء خوليو أنغيتا في بغداد والذي كان يعمل هناك كصحفي.

وبعد الحادث وقف أنغيتا أمام جمهوره وصرح:

الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله هو أنني سوف آتي مرة أخرى وأواصل النضال من أجل الجمهورية الثالثة. وملعونة هي الحروب وملعونون هم الأوباش الذين يؤيدونها.

كي نفهم كلمات أنغيتا، إسبانيا حاليا هي مملكة دستورية، حيث انهارت الجمهورية الثانية بعد انقلاب فرانكو ، لذلك ليس غريبا أن تجد إلى اليوم من يحن إلى الجمهورية في الشارع الإسباني، لكن أي جمهورية يطالب بها أنغيتا؟ يتسائل اليمين المتطرف، هل هي جمهورية شعبية، أو جمهورية سوفيتية أم جمهورية إسلامية؟؟

image

رغم اعتزاله العمل السياسي إلا أنه استمر في إلقاء المحاضرات وتعبئة الشباب بخطابه الذي يتمتع بصدى كبير في إسبانيا خصوصا بين أتباعه وحتى بين خصومه، فكان آخر ما قام به إنشاء مجموعة بروميثيوس، وهو مختبر أفكار شيوعي، ما يلفت الانتباه هو اسم هذه المجموعة، بروميثيوس، أحد آلهة الأساطير اليونانية، الذي اشتهر بسرقة النار من الآلهة الكبار لإعطائها للإنسان ليستخدمها، فعاقبه زيوس على ذلك. كان روجيه غارودي مولعا بهذه الشخصية، بسبب جرأته لخدمة البشرية، بل ذكر الفيلسوف الفرنسي، في كتابه نحو حرب دينية (1995) فكرة إنشاء حزب بروميثيوس… هل كان لهذا تأثير على مجموعة خوليو أنغيتا ؟ …بعيدا عن الأساطير فأنغيتا هو من بين السياسيين القليلين الذين تنازلوا عن المعاش التقاعدي كونه نائب سابق في البرلمان واكتفى بمعاش معلم التاريخ للصبيان.

* مصدر الصور:

1: El Confidencial, EFE

2 : La Mancha Roja

3: lainformacion.com