أرشيف الوسم: بيكاسو

بيكاسو يتحدث: الحدس، كيف ينشأ الإبداع، ومن أين تأتي الأفكار

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

حتى تعلم ما تريد رسمه، عليك البدء بالرسم

“يستهدف الإلهامُ الهواة. أما البقية، فيذهبون إلى مكاتبهم ويشرعون في العمل مباشرة”، هكذا قال (تشَك كلوس) ساخراً. “استعدّ للعمل، استعدّ للعمل، استعدّ للعمل” وهكذا ألحّت الروائية (إيزابيل آليندي) في نصائحها للكتّاب الطموحين، “وبعد مدة ستستعدّ لك الأفكار”. وأوصى الملحن الأسطوري (بيتر إليتش تشايكوفسكي) داعمته بطريقة مشابهة في رسالة كتبها عام ١٨٧٨ ووجهها لها “يجب ألّا يحيد الفنان عن العمل بحجة أنه متعكر المزاج”.

بالطبع، فكرة أن الإبداع والأفكار المزهرة لا تنبع من الاستسلام السلبي للإلهام، وإنما من التطبيق المتفاعل المستمر لأخلاقيات العمل، أو الانضباط، كما ادّعى العظيم الراحل (ماسيمو ڤيجنيللي) أنه المحرك للعمل الإبداعي، هي فكرة شرحها جيش من أصحاب الأفكار المبدعة عبر العصور، كما شرحوا كيفية نشوء الأفكار أيضا. ولكن، وربما بشكل متوقع، يأتي التعبير الأجمل والأكثر إيجازًا من أحد أعظم الفنانين على مرّ العصور.

كان هذا أحد الأسئلة التي طرحها المصور الهنغاري الشهير (براساي على بابلو بيكاسو) (1881 – 1973) كجزء من سلسلة مقابلاتهم التي امتدت ثلاثين عاما والموجودة في كتاب (محادثات مع بيكاسو)، نفس نسخة عام 1964 الرائعة التي ناقشت رأي (بيكاسو) عن النجاح وعدم المساومة في الإبداع. عندما سأل (براساي) الرسام عما إذا كانت الأفكار تأتي له مصادفة أم عنوة، زوّد (بيكاسو) إجابته بشيء من الحكمة عند حديثه عن طغيان “العائق الإبداعي” وقال

لا أعلم أبدا. الأفكار بكل بساطة هي نقطة بداية، نادرا ما أستطيع إيقافها حيث تتدفق إلى مخيلتي. بمجرد ما أن أبدأ العمل، تسيطر أفكار أخرى على قلمي. حتى تعلم ما تريد رسمه، عليك البدء بالرسم، هذا ما يدور في ذهني عندما أجد نفسي أمام صفحة فارغة. ما أرسمه رغما عني يثير اهتمامي أكثر مما أكوّنه من أفكار.

لتوضيح هذه الفكرة بشكل أعمق، أن العمل الأكثر إبداعا ينبع عندما يتنحى العقل الواعي المفكر عن الميل الحدسي -أمرٌ شرحه (راي براديري) شرحا جميلا في مقابلة عام ١٩٧٤، يقدم (بيكاسو) مثالا توضيحيا، بالرغم من كونه معجبا فنيا وصديقا كذلك لـ(ماتيسو)، إلا أنه يعتبر طريقته الإبداعية المنهجية الشهيرة في الرسم خائنة لفكرة إخلاص الفنان لحدسه الإبداعي الأولي:

يبدأ (ماتيسو) بالرسم، ثم يعيد نسخ الرسمة. يكرر ذلك خمس مرات، ثم لعشر مرات وكل مرة بتوضيح أكبر لتفاصيلها. إنه يميل إلى الاعتقاد أن النسخة الأخيرة هي الأفضل والأنقى، مع أنها عادة النسخة الأولى. عندما يتعلق الأمر بالرسم، الرسم الأولي هو الأجمل.

قراءة كتاب محادثات مع (بيكاسو) بأكمله مكافئة بحد ذاتها.


[المصدر]

مفاتيح كورت فونيجت الثمانية لبلوغ قوة الكلمات المكتوبة

كورت فونيجت

كورت فونيجت (1922 — 2007)، كاتب أمريكي مشهور برواياته وقصصه القصيرة.

إن أكبر جُرم ترتكبه في حق نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للاهتمام وما هو دون ذلك.

في الحادي عشر من نوفمبر من عام 1922 وحتى الحادي عشر من إبريل من عام 2007 قدم إلينا (كورت فونيجت) جملة من النصائح الخالدة التي عبرت فوق جدار الزمن، والتي كانت تدور حول فن وحرفة الكتابة، فمن نصائحه الثماني لكتابةٍ قصصيةٍ رائعة إلى رؤيته حول أشكال القصص وصولًا  إلى الروتين اليومي العظيم. لكن كان من النادر أن يتناول أي شيء هذا الموضوع بفاعلية تجمع بين النصائح العملية والقلب كما تناولتها مقالة فونجيت “كيف تكتب بأسلوب” التي نشرت في عام 1985 ضمن مقتطفات أدبية رائعة في كتابه (كيفية استخدام قوة الكلمات المطبوعة)، فكانت إضافة مذهلة إلى أفضل نصيحة حول الكتابة حول الكتابة، نترجمها لكم بشكل حصري في ساقية.

بدأ (فونيجت) حملة تقريع ضد التقارير الصحفية الخالية من العاطفة -وهو أمر جوهري في خضم النقاشات المعاصرة حول ما يجب أن تكون عليه شخصية الكاتب- بالإضافة إلى تأمل أحد العناصر المهمة جدًا في الأسلوب:

يُدرب المراسلون الصحفيون والكتّاب الفنيون على عدم إظهار ما يشير إلى شخصياتهم في كتاباتهم. مما يجعلهم غريبي أطوار في عالم الكتابة في حين أن الكثير من الكتّاب الآخرين يقدمون أنفسهم لقرّائهم من خلال كتاباتهم. ونحن نشير إلى هذه الإيحاءات -بقصد أو من غير قصد- بعناصر الأسلوب.

فهذه الإيحاءات تخبرنا نحن القرّاء عن الشخص الذي نقضي وقتنا بالقراءة له. تخبرنا فيما إذا كان على قدر من العلم أم جاهلًا، ذكيًا أم ساذجًا، جادًا أم هازلًا؟ وغيرذلك الكثير.

لم يجب عليك أن تُمعن النظر في أسلوبك الكتابي مع فكرة تطويره؟ لأن هذا يُعد بمثابة احترام تُظهره لقرّائك أيا كان ما تقوم بكتابته. إن أنت بثثت أفكارك دون أن تلقي لها بالًا، فمن المؤكد أن يساور قرّاءك شعور بعدم اهتمامك بهم، وستُصنف كأحد مهووسي الأنا ولربما ذهب بعضهم شأوًا أبعد من ذلك فعزفوا عن القراءة لك. إن أكبر جُرم ترتكبه في حق نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للاهتمام وما هو دون ذلك. ألست أنت في قرارة نفسك تبدي إعجابًا بكتّاب وتُقصي آخرين وذلك حسب اختيارهم لأطروحاتهم أو اختيار ما يدفعك للتفكير في شأنه؟ هل نال استحسانك يومًا كاتب أو كاتبة برأس فارغ لمجرد البراعة والإتقان في استخدام اللغة؟ لا.

ولذلك يجب أن يبدأ أسلوبك الخاص من بنات أفكارك.

وأنشأ (فونيجت) يخط لنا القواعد الثمانية لكتابة إبداعية:

أولًا: جِد موضوعًا تهتم بشأنه

جد موضوعًا تهتم بشأنه وتشعر في داخلك بأن الآخرين سيبدون اهتمامًا به أيضًا. إن ما سيكون عنصرًأ مقنعًا وجذابًا في أسلوب كتابتك هو الاهتمام الصادق الذي يشعره القرّاء بما تكتب وليس تلاعبك بألفاظ اللغة.

بالمناسبة، لست أحاول دفعك لكتابة رواية ما –رغم أنني لن أكون آسفًا إن فعلت– تمنحك شعورًا صادقًا بالاهتمام بشيء ما. لكن ربما كانت كتابة عريضة لرئيس البلدية تخبره فيها عن حفرة في الطريق أمام باب منزلك، أو رسالةً تعبر فيها عن حبك للفتاة التي تقطن بجوارك، كفيلةً بمنحك شعور الاهتمام الذي تصبو إليه.

ثانيًا: لا تثرثر بلا هدف، وإن شعرب برغبة في ذلك

لن أُسهب في الحديث عن هذا الأمر.

ثالثًا: تحلى بالبساطة

وفيما يخص استخدامك للغة، تذكر دومًا أن جهابذة الأدب كـ(ويليام شيكسبير) و(جيمس جويس) كتبا عبارات بمستوًى طفولي في حين أن أطروحاتهم كانت عميقة حد اللانهاية.

“أكون أو لا أكون؟ To be or not to be”

سؤال طرحه (هاملت) (شكسبير). أطول كلمة شكّلتها ثلاثة حروف وحسب. وحين كان (جويس) متحمسًا، كان بمقدوره أن يخطّ عبارات معقدة ومتألقة كقلادة كليوباترا، ولكن هناك جملة استأثرت بإعجابي دون غيرها وهي “لقد كانت متعبة”. في تلك المرحلة من القصة، لم تستطع أي كلمة أن تهز قلب القارئ كما فعلت هذه الكلمات الثلاث.

البساطة في اللغة ليست أمرًأ مستحبًا فحسب، بل لربما وصلت إلى القداسة. ولقد كانت الجملة “في بادئ الأمر خلق الله السماء والأرض” التي استُهل بها الإنجيل خير مثال على المهارة الكتابية لشخص في عامه الرابع عشر.

رابعًا: امتلك شجاعة الاقتطاع

لربما كنت أنت أيضًأ قادرًا على صناعة قلادات لكليوباترا، إن صح التعبير. ولكن يجب أن تكون فصاحتك خادمة لكل تلك الأفكار في رأسك. وقد تكون هذه قاعدتك: اقتطع من كتابتك كل جملة لا تضيف أدنى توضيح لموضوعك بطريقة أو بأخرى، مهما كانت تلك الجملة جيدة وبليغة.

خامسًا: كن نفسك

أسلوب الكتابة، والذي يٌعد أكثر أمر طبيعي بالنسبة إليك، يتوقف على صدى ما تردد على مسامعك من حديث أيام الطفولة. كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الثالثة للروائي (جوزيف كونراد). وأسلوبه اللاذع حين يستخدم اللغة الإنجليزية في حديثه ليس سوى تأثره باللغة البولندية بلا شك و التي كانت لغته الأم. ومحظوظ حقًا هو الكاتب الذي نشأ في إيرلندا، حيث للغة الإنجليزية هناك وقع عذب موسيقي ومحبب جدًا. أما أنا فلقد نشأت في إنديانابوليس، حيث اللغة الدارجة هناك  تشبه صوت مجموعة مناشير تقطع صفيحًا مطليًا بالزنك، وتستخدم الكلمة خالية من أي جماليات.

لا حظت أنني أثق بكتاباتي أكثر من غيرها، وكذلك يفعل الآخرون حين أبدو على حقيقتي كشخص من إنديانابوليس. ما هي البدائل التي أملكها؟ إنها تلك النصيحة التي يوصي بها الأساتذة بشدة، ولا بد أنها قد أُلقيت على مسامعك ذات يوم: اكتب كمثقف إنجليزي من القرن الماضي أو من قرون سالفة.

سادسًا: قل ما تريد أنت قوله

اعتاد الأساتذة أن يصبوا جام غضبهم علي، ولكن لم يعد الأمر كذلك. فلقد أدركت الآن أن كل تلك المقالات التي اعتدت مقارنة عملي بها لم تكن مهمة بسبب قِدمها أو غرابتها، بل لأن كتّابها قالوا ما يريدون قوله تمامًا. لطالما سألني أساتذتي أن أكتب بدقة، وأن أختار أكثر الكلمات تأثيرًا وعمقًا، وأن أربط فيما بينها بصرامة ودون لبس كما تُجمع أجزاء الآلة. لم يشأ أساتذتي تحويلي إلى رجل إنجليزي في نهاية المطاف. لقد كانوا آملين أن أغدو كاتبًا يسهل فهمه. وأخذ بي الحلم إلى أن أحذو حذو (بابلو بيكاسو) في تعامله مع الطلاء، أو عمالقة موسيقى الجاز في تعاملهم مع الموسيقى. إن أنا خرقت قواعد علامات الترقيم، وكتبت عبارات لا تحمل من المعاني سوى ما أردت لها أن تحمل، وجمعت هؤلاء معًا على وتر واحد خلطت فيه الحابل بالنابل، فإنني وبكل بساطة لن أستحيل كاتبًا يسهل فهمه. والأمر سيان بالنسبة إليك، لا تتبع أسلوب (بيكاسو) أو عازفي موسيقى الجاز في كتاباتك إن كنت تملك حقًا ما يستحق أن يُقال وتريد أن يفهمك الآخرون.

يطلب منا القرّاء أن تبدو صفحاتنا كتلك الصفحات التي رأوها سابقًا، ولماذا؟ لأن لديهم عملًا  صعبًا، ويحتاجون منا كل صنوف المساعدة التي يمكن أن نقدمها لهم في سبيل إنجاز ذلك العمل.  

سابعًا: كن رحيمًا بالقرّاء

لدى القرّاء الآلاف من العلامات الصغيرة التي يجب عليهم قراءتها وتفسيرها في الوقت عينه. عليهم أن يقرؤوا، والقراءة فن صعب جدًا حتى أن معظمهم لا يتقنه تمامًا على الرغم من دراسته له خلال إثني عشر عامًا في المدارس الابتدائية والثانوية.

إذن، فإن هذا النقاش يجب أن يُفضي إلى أن خياراتنا الأسلوبية ككتّاب يجب أن تكون بعيد كل البعد عن كونها مبهرةً ومتعددة في حين أن قراءنا ليسوا فنانين محترفين.

يسألنا قرّاؤنا أن نكون أساتذة ودودين كثيري الصبر، مستعدين دائمّا للتبسيط والإيضاح، حتى وإن كان باستطاعتنا أن نعلو فوق الحشود عوضًا عن ذلك ونغني كالعنادل.

كانت تلك هي الأخبار السيئة، أما الجيد منها فهو أننا نحن الأمريكيون نعيش في ظل دستور فريد من نوعه، يمنحنا حق الكتابة في كل ما نريد الكتابة عنه دون الخوف من العقاب. ولذلك فإن الجانب الأكثر معنًى ووضوحًا في الأساليب لدينا، ألا وهو اختيارنا لما نريد الكتابة عنه، غير محدود البتة.

ثامنًا: لنصيحة مفصلة حقًا

ولمناقشة الأسلوب في نطاق أضيق وأكثر مهنية، أود لفت انتباهك إلى عناصر الأسلوب التي وضعها (ويليام سترانك) و(إلواين بروكس وايت). يُعد (إلواين وايت) أحد أكبر جهابذة مصممي أساليب الأدب الذين أنجبتهم هذه البلاد.

وعليك أن تعي أيضًا أنه ما من أحد كان ليلقي بالًا  لمدى إجادة أو إخفاق السيد (وايت) في التعبير عن ذاته إن لم يكن لديه أشياء ساحرة ليقولها.

 

Continue Reading →

المقياس لعيش الحياة الكريمة: هنري ميلر عن تعمره في شيخوخته، ومخاطر نجاحه، وسر بقاء شبابه في قلبه

إن كنت لا تزال قادراً على الحب وكنت قادراً على الغفران والنسيان وإن استطعت أن تكبر من دون أن تصبح فجاً، عابساً، متشائماً يشعر بالمرارة، فقد قطعت نصف طريق حياتك.
عن كيفية توجيه نفسه لأية لحظة، كتب (هنري ميلر) البالغ  ٤٨ عاماً عن إنعكاس التفكير في فن الحياة عام ١٩٣٩م حيث قال أن “التوجيه هو ما يعتمد فشل أو ثمرة اللحظة”. وخلال حياته الطويلة، سعى (ميلر) دون توقف لتوجيه نفسه نحو أقصى ثمرة ممكنة، من خلال انضباطه الإبداعي إلى التأملات الفلسفية في اندفاعه عدم توقيره الغزير.
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود وبعد وقت قصير من عيد ميلاده الثمانين، كتب (ميلر) مقال جميل في موضوع الشيخوخة والمفتاح من أجل عيش حياة متكاملة. تم نشره في عام ١٩٧٢م في كتيب صغير فائق ومحدود الطبعة يحمل عنوان (منعطف الثمانين) “On Turning Eighty”، إلى جانب مقالتين أُخرتين تم طبع ٢٠٠ نسخة منها فقط، مرقمة وموقعة من قبل الكاتب.
بدأ (ميلر) في كتابه بالنظر في المقياس الحقيقي للشباب:
إن كنت قد بلغت الثمانين وأنت لست مشلول أو معتل، فإنك لازلت بصحة جيدة، وتستمتع برياضة المشي، وبوجبتك، إن كنت تستطيع النوم من دون تناول حبوب منومة، إن كانت الطيور والأزهار والبحر والجبال ما زالت تُلهمك كما كانت فأنت شخص محظوظ ومن الأفضل لك أن تسجد شاكراً لطف الرب ورعايته الدائمة. أما إن كنت شاباً بحساب السنين، ومخرباً في عمق روحك وكنت على وشك أن تصبح إنسان آلي، فلعل أفضل شيء تفعله – بعد أن تأخذ نفساً عميقاً، بالطبع – هو أن تقول لروحك الداخلية: “اللعنة يا صديقي، أنت لا تملكني!“… إن كنت لا تزال قادراً على الحب وقادراً على مسامحة والديك اللذين ارتكبا جريمة إحضارك إلى هذا العالم، إن كنت قنوعاً بمكانك، وباستقبال أيامك كيفما جاء بها القدر، إن كنت قادراً على الغفران والنسيان، إن استطعت أن تكبر من دون أن تصبح فجاً، عابساً، متشائماً يشعر بالمرارة، فقد قطعت نصف طريق حياتك.
وأضاف لاحقاً:
أصدقائي ومعارفي الذين من عمري أو ما يقاربه قلة جداً، وعلى الرغم من أنني عادةً سيء في التعامل مع كبار السن لكن لدي إحترام وتقدير عظيمين لرجلين مُسنين جداً ولا يزالان محافظين على إبداعية شبابهم وأعني هنا عازف التشيلو الكاتالوني (بابلو كاسالس) والرسام (بابلو بيكاسو) وهما تخطيا التسعين من أعمارهم الآن، ووصولهم لهذه الأعمار يضع أعمار الشباب في حافة العار. فأولئك الذين هم بالبالية حقاً أو الجثث الحية إذا جاز التعبير وهم في منتصف العمر تقطعت بهم السبل في قبورهم للاختيار ما بينها وما بين تصور أن الوضع الراهن لن يدوم إلى الأبد وذلك لن يتم إلا بالشعور بالخوف من أن قنبلة قد تهدهم في مساكنهم وتنهي حياتهم.
ويعتبر (ميلر) الجانب السلبي للنجاح هو النظر لها بشكل دينيوي كما في نظرية (ثورو) وليس النظرة لها بشكل عام:
إن كانت لديك وظيفة ناجحة ربما كتلك التي كانت لدي فمن المرجح أن السنين المقبلة لن تكون أجمل سنين حياتك، إلا إن كنت قد تعلمت أن تشرب من ماء البحر، النجاح من وجهة نظر دنيوية هو وباء للكاتب الذي ما زال يملك شيئاً ليقوله في هذا الوقت من العمر حين يكون من المفترض أن يستمتع بوقت فراغه قليلاً، سيجد نفسه منشغلاً أكثر من أي وقت مضى. يصبح الآن ضحية للمعجبين والمهنئين وكل هؤلاء الذين يسعون لاستغلال اسمه، وسيجد أنه يعيش نوع مختلف من الصراعات التي عليه وحده أن يدفع ثمنها، مشكلته الآن هي في كيفية البقاء حراً وفي ممارسة الأشياء كما يريد هو لا كما يريد الآخرون.
يذهب إلى التفكير في كيفية تأثير النجاح في جوهر الإنسان:
شيء واحد أراه يتضح أمامي يوماً بعد يوم: شخصيات الناس الأصلية لا تتغير مع الأيام، النجاح يطور شخصياتهم، نعم، لكنه يُبرز أخطاءهم وعيوبهم أيضاً، التلاميذ الأذكياء في المدرسة لا يبدون بالذكاء نفسه الذي كانوا عليه حين يخرجون لمواجهة العالم، الفتيان الذين كُنت تزدريهم وتمقتهم في المدرسة، ستكرههم أكثر حين يصبحون مُمولين ورجال دولة وضباط بخمسة نجوم. الحياة تعلمنا القليل من الدروس، لكنها لا تعلمنا كيف نكبر.
المفارقة هنا أن المؤلفة (أنياز نين) – عشيقة (ميلر) في مرة وصديقة عمره – وافقت بجمال على عكس كلامه تماما، فكرة أن شخصياتنا هي مجرد سوائل بشكل أساسي في كل مرة نتقدم بها بالعمر، وهو أمر أيده علماء النفس منذ ذلك الحين.
هنا (ميلر) يعود إلى الشباب كنوع من مرآة الرؤية الخلفية لرحلته في مقطع واحد:
ستشاهد أطفالك أو أحفادك وهم يرتكبون الأخطاء السخيفة نفسها، الأخطاء التي تدمي القلب، تلك التي ارتكبتها حين كنت في مثل عمرهم. ولن يكون بوسعك أن تقول شيئاً أو أن تفعل شيئاً لمنعها من الحدوث. ومن خلال مشاهدتهم فقط ، سيكون بإمكانك أن تفهم تدريجياً الحماقات التي كنت عليها يوماً ما، والتي ما زلت تمارسها – ربما – إلى الآن.
ومثل (جورج إليوت) الذي لاحظ أن مؤثر مسار السعادة يجب أن يكون السائد في مدار حياة الإنسان، (ميلر) هنا يمجد التفوق النفسي العاطفي ويرى وجوبه كأساسي في العمر:
في الثمانين أعتقد أنني أصبحت شخصاً مرحاً أكثر مما كنت في العشرين أو الثلاثين، بل ولا أرغب في أن أعود إلى ما قبل العشرين، قد يكون الشباب بهياً لكنه مؤلم أيضاً، كنتُ ملعوناً أو محظوظاً بفترة مراهقة طويلة جداً، ووصلت إلى ما يشبه النضج في مرحلة ما من الثلاثين وفي الأربعين فقط بدأت أشعر حقاً أنني أصبحت شاباً، وقتها فقط كنت مستعداً لذلك. كان بيكاسو يقول: “في الستين يشعر المرء بالشباب، حين يكون الوقت قد فات جداً“. في هذا العمر، فقدتُ الكثير من أوهامي لكنني لحسن الحظ لم أفقد حماستي، ولا استمتاعي بالحياة، ولا فضولي الجامح.
وهنا تكمن مركزية (ميلر) الروحية – قوة الحياة التي أشعلت محركه الداخلي الدائم الذي يبقيه في شبابه:
لعله الفضول – لمعرفة أي شيء وكل شيء – هو ما صنع مني كاتباً. الفضول الذي لم يتخلى عني أبداً،  إلى جانب هذه الخصلة أدين بالفضل لخصلة أخرى أضعها فوق كل اعتبار وهي حاسة الدهشة، لا تهمني قيود حياتي كلها لكنني لا أستطيع أن أتخيل أن تتركني الحياة فارغاً من الدهشة. أسمّيها إلى حد ما: ديني. أنا لا أتساءل أبداً عن هذا الوجود الذي نسبح فيه، كيف جاء وخُلق، أنا أستمتع به وأُقدره فحسب.
وبعد ذلك بعامين، (ميلر) آتى للتعبير هنا بوضوح أكثر من رائع في التفكير في مرح الحياة، ولكنه يتناقض مع تأكيد (هنري جيمس) على أن الحفاظ على الجدية هو ترياق الحياة:
 إن أحد أكبر الاختلافات بين الحكيم الحقيقي والواعظ هو: المرح. حين يضحك الحكيم، يضحك من قلبه، وحين يضحك الواعظ – إن حدث ذلك – فهي ضحكة وجه لا أكثر.
وبنفس القدر من الأهمية كما يقول (ميلر) أن التصدي للإكراه في الإنسان على البر أمر ذاتي. (مالكولم جلادويل) آتى بعد ما يقارب من نصف قرن في الدعوة إلى أهمية تغيير عقل واحد بشكل منتظم ، (ميلر) يكتب:
 كلما تقدم بي العمر، أفكاري المثالية – التي طالما أنكرتها – تتغير ، أفكاري المثالية في أن أكون متحرراً من كل المثاليات ، متحرراً من المبادئ، متحرراً من المذاهب والآيديولوجيات، أريد أن أمضي في محيط الحياة كما تمضي السمكة في البحر. لم أعد أبذل جهدي لأقنع الناس بوجهة نظري عن الأشياء ولا لمعالجتها. لم أعد أيضاً أشعر بالفوقية لأنهم يفتقدون الذكاء، كما كان يبدو لي.
(ميلر) هنا يذهب إلى النظر في سبل الشر التي نحن غالباً لا نتصرف فيها من البر الذاتي المطلوب:
يمكننا أن نحارب الشر لكننا أمام الغباء لا نستطيع فعل شيء. لقد تقبلت الحقيقة كما هي ، ومهما كانت قاسية: البشر يميلون إلى التصرف بطريقة تجعل الحيوانات تشعر بالخجل، المثير للسخرية وللألم معاً هو أننا غالباً نتصرف منطلقين – بشكل منحط – مما نسميه الدوافع العليا، الحيوان لا يبرر قتل ضحيته، أما الحيوان البشري فيذكر إسم الرب حين يذبح أخاه الإنسان، ينسى أن الرب لا يقف على جانبه، بل يقف إلى جانبه.
وعلى الرغم من محاولة معالجة هذه الميول البشرية التي يرثى لها لا يزال (ميلر) متفائل في القلب، ويُخلص بالعودة إلى الفرح حيوياً لما يرى لها جذور قوية في حياته:
لطالما كان شعاري: “أمرح دائمًا وتألق“. ولعل هذا هو السبب الذي لا يجعلني أملّ من تكرار مقولة رابليه: “بقدر آلامك ، أمنحك الفرح“. حين أنظر إلى الخلف لأرى حياتي، حياتي المليئة باللحظات التعيسة، أراها ضرباً من السخرية أكثر من كونها مأساة. إحدى هذه المشاهد الساخرة هو أنك حين تضحك بقوة تشعر أن قلبك يؤلمك ، أيةُ مأساة ساخرة يمكن أن تكون هذه ؟ الشخص الذي يأخذ حياته بجدية أكبر مما يلزم هو شخص مُنتهٍ لا محالة، الخطأ ليس في الحياة بحد ذاتها، فالحياة مجرد محيط نسبح فيه، وعلينا أن نتكيف معه أو نغرق إلى الأسفل ، لكن السؤال هو: هل بإمكاننا كبشر ألا نلوث مياه الحياة، وألا نحطّم الروح التي تسكن داخلنا؟
إن أصعب ما يمكن أن يواجهه المبدع هو أن يتوقف عن محاولة تغيير العالم إلى ما يحب، وأن يتقبّل الناس من حوله كما هم تماماً، أجيدين كانوا أم سيئين أم لا مبالين بما يحدث من حولهم في العالم.

بيكاسو، وحديثه عن الأفكار والنجاح

h9_JnnIo

حين التقى (بيراشاي) المصور الهنغاري والملقب “بعين باريس” بـ(بيكاسو)، دارت بينهما الكثير من الاحاديث عن الفن، وقد جمعها (بيراشاي) ودونها وقد صدرت في كتاب يحمل عنوان (حوارات مع بيكاسو). وقد استقطبنا هنا حديثهما عن (الأفكار والنجاح).

قال (بيكاسو) محدثا (بيراشاي) عن الأفكار :

ليس لدي أي دليل أو اثبات، الا أني أظن بأن الأفكار ببساطة هي عبارة عن نقاط. و نادرا ما أدونها كما تأتي إلى ذهني. في الوقت الذي أبدأ فيها بالعمل بتلك الافكار فإن غيرها من الأفكار يأتي لقلمي وفرشاتي دون استدعاء مقصود.
في اللحظة التي أشعر فيها بأني أواجه صفحة بيضاء خاوية هذا يعني أني أطلت التفكير فيما أريد رسمه وقد يغلبني ذلك البياض دون رسم أي شيء. والمهم هو أن أجمل وأعمق ما أرسم هو ما أرسمه دون تفكير مسبق.

ويقول: “أن كل ماعليك فعله لتعرف ماذا تريد أن ترسم، هو أن ترسم“.

ثم يدافع براشاي عن فكرة أن بعض الفنانين موهوبين لدرجة أن نجاحهم محقق بلا شك باقتباسه عبارة لـ(ماتيسي) قالها يوما ما له “يجب أن تكون أقوى من موهبتك لتحميها“. ثم يعقب بما قال (بيكاسو) عن النجاح:

اذن، النجاح أمر مهم!
غالبا مايقال أن على الفنان أن يعمل لأجل نفسه أو لأجل حبه للفن و دون الاكتراث للنجاح، وهذا الأمر غير صحيح! لأن الفنان يحتاج النجاح وليس بالعيش خارج أسواره. خاصة وأنه يعمل بكامل قواه البدنية والذهنية والحسية. ولايستثنى الفنان ذو الغنى المادي من ذلك حيث أنه هو أيضا يحتاج للنجاح! فقليل من الناس فقط هم من يستشعرون ويفهمون الفن، والأقل من أؤلئك هم الحساسون تجاه اللوحات والأعمال الفنية. فالأغلبية يحكمون على اللوحات فقط لسمعتها وشهرتها و لنجاحها.
لكن لماذا ترك و ألصق معنى النجاح للوحات الأكثر مبيعا؟ على الرغم من أن لكل جيل ذائقته الخاصة! هناك من أبتدع فكرة أن النجاح يجب أن يذهب لأولئك الذين يلبون رغبة الجماهير والذوق العام، وهذا هو السبب!
بالنسبة لي، كنت دائما أريد أن أثبت لنفسي أنه يمكنني أن أبلغ النجاح بطريقتي الخاصة رغما عن الجميع و دون أي تنازلات!
أتعرف؟ هذا في رأيي هو النجاح الذي حققته منذ أن كنت يافعا حتى أن الفترة الزرقاء وفترة الزهور كانتا دائما الجدار الذي يحميني.

ثم قال بيكاسو أخيرا:

لا تعرض لوحاتك بمبلغ باهظ الثمن، لأنه من المهم جدا أن تبتاع منها أكبر عدد ممكن. فرسوماتك يجب أن تخرج إلى ضوء العالم لا أن تظل حبيسة داخل عالمك أنت.

المصدر الأول، المصدر الثاني.

د.علاء جواد والعلاقة بين الفن وماهية الإنسان

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) حاول تتبع تطور مفهوم الفرد والإنسان عبر التاريخ، وفي أفكار الفلاسفة والمثقفين. فيقول في أحد الفصول الأخيرة بنهاية الكتاب، كان عنوانها “أسئلة الفرد أو عوالم الرواية من منظور سوسيولوجي“:

يبدو أن السؤاال: عن ماهية الإنسان؟ أكثر أهمية من السؤال عن حقيقته؟ لكن كلا السؤالين تهربت العلوم الإنسانية من البت فيهما وهي المعنية بهما فعلًا.

وبحسب رأيه فإن كلًا من هذه السؤالين تم التنازل عنهما لصالح الفن والأدب:

ثم ألحقا -أقصد السؤالين- نهائيًا بفضاءات الفن والأدب والأشكال الفنية الأخرى، لذا تم ترحيل السؤال حول حجم أصالتنا والمعنى من وجودنا إلى عمق الموجود الرمزي، وتحطم الفرد في المجتمع في (الحياة في مكان آخر) لـ(ميلان كونديرا)، و(المكعبات اللونية) في لوحة (مودلياني) لـ(بيكاسو)، ومساحات الضباب والحلم والعمق الوجداني في سوناتات البيانو الخاصة بـ(بيتهوفن) أو (شوبان)؛ بوصفها أفعال إبداعية أو العوالم التي “تحاول وتعمل على إعادة تعريف الإنسان“. لكن هذا لا يعني أننا في مشكلة أو في قبو مظلم بلا مخارج أبدًا .. لأن في عوالم الأدب هنالك دائمًا متسع للتأمل في حال الدنيا وأحوال الإنسان. وإذ ذهبنا وراء سحر هذه التأملات فلأننا على يقين أن هؤلاء الذين يبحثون عن المعنى هم الذين اكتشفوا مقولات الفن والتوصيفات السايكو-سوسيولوجية التي تعمل اليوم داخل النص والنماذج الأدبية.

ثم يخصص حديثه عن الرواية فيقول:

الرواية كما ظهرت في تفصيلات هذا البحث ليست إلا شكلًا من أشكال تأمل هؤلاء، الساعين والباحثين عن المعنى، كما أن جنس الرواية وهذه إحدى معضلات (سوسيولوجيا الرواية) اليوم لم يتح له أو يولد لولا تصاعد سخط فردي انفعالي على بنى اجتماعية لم يصغ مفاهيم عامة محددة أو “نمو تطلع انفعالي نحو التحقيق المباشر لقيم كيفية سواء تصاعد هذا السخط أو نما هذا التطلع في المجتمع كله، أو حدث ذلك فقط بين الفئات الوسطى التي خرج من ظهرانيها أغلب الروائيين“.

ويقول في ختام هذا الفصل:

لقد انشغلت أعمال الكثيرين من الروائيين في الإجابة عن ناهية الإنسان وحقيقته وحالة المصير المرتقب. (رينيه جيرار) بحث عن محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة في أغلب دراساته، فخلص في قراءاته لنصوص خمس من أكبر روائيي العالم -(ثيربانتس)، (ستندال)، (فلوبير)، (بروست)، (دستويفسكي)- وهم جميعًا بالرغم من الاختلافات التي توجد بينهم، إلا أنهم جميعًا كشفوا عن حقيقة قلقة، صاغوا بالاستناد إليها إجابة احتجاجية مفادها: عدم أصالة الكائن الإنساني. وأكذوبة العالم ووهميته وتوصلوا أخيرًا إلى أن تحديات المصير تفوق قدرة الإنسان على الاستمرار.

ثم يكمل الحديث عن الروايات في فصل آخر، حمل عنوان “الرواية: بوصفها أنموذجًا جماليًا لأنثروبولوجيا المصير“:

تعد الرواية وفق تنظير (سوسيولوجيا الأدب الحديث) محاولة تراجيدية لفرد إشكالي، خلاق لاجتياز الحواجز والقفز على جدران الذات، الجسد، المجتمع، الدولة، الجغرافيا، محاولة فردية مأساوية لكسر حواجز البنية والنسق، كما أنها لا تخرج أبدًا عن كونها سيرة الذات المعذبة، وسيرة الفرد الإشكالي.

مما يجعل الفن وعلاقته بالفرد:

إن عملية تشكيل المتخيل الجمالي: [النص – الألوان – الموسيقى] في نظام جمالي إبداعي. تمر من هنا بوصفها فعالية فردانية احتجاجية ترفض وتنقض مبهمات المصير، مشحونة بدوافع سايكولوجية محضة، لكنها تدعم ويتم تصعيدها بفعاليات سوسيولوجية تظهر إبداعيًا من خلال مواجهة الفرد (المشكِل للنص) للعوائق الاجتماعية التي تضعها قوى التاريخ والمجتمع في طريقه والتي يحاول جاهدًا اجتيازها، القفز والاتفاف عليها في نصوصه الإبداعية من خلال لغة وأبطاله، حواراته وتقنيات السرد التي يوظفها في تأسيسه للنص المتضمن بالضرورة على [مجتمع متخيل] يشغله الفرد الذي يصارع تساؤلات المصير فينقض عليه الواقع. ما يدفعه إلى الالتفاف عليه إبداعيًا .. إن التشابك الأساسي بين البطل والعالم، والإخفاق الناجم عن هذا التشابك هو شرط أساس لكل شكل روائي إبداعي، أما الانقطاع بينهما فلا يمكن تجاوزه.

ثم يكمل، فيقول عن الروايات:

إن ظهور الرواية كجنس أدبي يرتبط إلى حد كبير بتحول مجتمع ما من مجتمع ذي طابع جماعي (ترتبط به الملحمة) إلى مجتمع فردي النزعة، نستطيع هنا التأكيد على هذه الفرضية من خلال تقديم الملاحظة الأساسية التي وردت في أعمال (غولدمان) على أن الأعمال الروائية والأدبية والفنية الأصيلة هي “تلك التي تعكس ذاك الانتقال بين فترتين أو عالمين؛ تعكس صيرورة عالم تهاوت فيه كونية القيم القديمة، وأحذت قيم جديدة تبزغ إلى الوجود. وإذا ما بحثنا عن دلالة هذه الأعمال سنجد بأن هؤلاء الكتاب أو الفنانين، مع تقبلهم للقيم الجديدة وتمثلهم لها، يحاولون العثور على الكونية المفقودة بعد انهيار العالم القديم”. بعد أن يكوّن الفنان رؤيته إلى العالم تأتي المهمة الأكثر صعوبة: وهي خلق الأشكال الأكثر انسجامًا مع تلك الرؤية للعالم.