أرشيف الوسم: تاركوفسكي

الزمن عند تاركوفسكي

يُعد أندري تاركوفسكي (1932-1986) عند كثير من منظرين ونقاد السينما كأحد أهم وأعظم مخرجي الأفلام في القرن العشرين. بل يعتبره العديد بأنه الأعظم على الإطلاق، ومن هؤلاء مخرجين كبار من ذات الحقبة مثل المخرج السويدي الشهير (إنغمار بيرغمان). أخرج (تاركوفسكي) تسعة أفلام: فيلمان قصيران، وسبعة أفلام روائية من عام 1959 إلى عام 1986، كما أخرج مسرحية (هاملت) لـ(شكسبير) على مسرح موسكو، وأوبرا (بوريس جورونوف) في لندن قبيل وفاته بمرض السرطان في باريس. صدر له كتاب (النحت في الزمن) قبيل وفاته، واختيار الاسم إن دل فإنما يدل على حسِّ شعري لدى (تاركوفسكي). كيف لا وهو الذي درس الشعر بلغاتٍ مختلفة، منها العربية التي اهتم بها وبأدبها بالإضافة إلى كون أبيه (أرسيني تاركوفسكي) أديب من الأدباء الروس البارزين ومن أهم مترجمي الشعر في وقته.

تحدث (تاركوفسكي) في كتابه (النحت في الزمن)، فابتدأ حديثه قائلًا:

للمرة الأولى في تاريخ الفنون، في تاريخ الثقافة، وجد الإنسان وسيلة للإمساك بالزمن وطبعه. وعلى نحو متزامن، إمكانية نسخ ذلك الزمن على الشاشة قدر ما يشاء المرء. أن يكرره ويعود إليه مرة أخرى. لقد اكتسب الإنسان منبتًا للزمن الفعلي. بعد رؤية الزمن وتسجيله، صار بالإمكان الاحتفاظ به في علب معدنية لفترة طويلة ( إلى الأبد. . نظريا ).

لكن سرعان ما انحرفت السينما عن الفن وانعطفت شاقة طريقها في المسار الذي كان أكثر أمانا من وجهة نظر المصلحة والربح الماديين. في غضون العقدين التاليين، تم نقل عالم الأدب كله تقريبا إلى الشاشة، إضافة الى العدد الهائل من الحبكات المسرحية. لقد استغلت السينما لأجل غاية صريحة ومغرية، وهي تدوين الأداء المسرحي. لقد اتخذ الفيلم اتجاها خاطئا، وعلينا أن نقبل بواقع أن النتائج المشؤومة لتلك الخطوة لا تزال حاضرة. والأسوأ من هذا ليس، في رأيي، اختزال السينما إلى مجرد صورة إيضاحية، بل الأسوأ بكثير كان الإخفاق فنياً في استثمار إحدى الإمكانيات الثمينة للسينما: إمكانية طبع فعلية الزمن على الشريط السينمائي.

الزمن، المطبوع في أشكاله وتجلياته الواقعية: تلك هي الفكرة الأسمى للسينما بوصفها فنا، والتي تقودنا إلى التفكير في ثراء الموارد في الفيلم. 
لم يذهب الناس إلى السينما ؟ ما الذي يأخذهم إلى مكان مظلم حيث، لمدة ساعتين، يشاهدون تلاعب الظلال على القماش ؟ هل هو بحث عن التسلية والترفيه ؟ الحاجة إلى نوع من المخدر؟ في العالم كله هناك، بالفعل، هيئات ومنظمات للترفيه تستثمر السينما والتلفزيون وغيرهما من أشكال العرض. لكن نقطة انطلاقتنا لا ينبغي أن تكون هناك بل في المبادئ الأساسية للسينما، والتي لها علاقة بالحاجة الإنسانية لمعرفة وفهم العالم. أظن أن الشئ الذي لأجله يذهب الفرد عادة إلى السينما هو الزمن: الزمن الضائع أو المبدد. الفرد يرتاد السينما ليرى تجربه حية، ذلك لأن السينما، بخلاف أي فن آخر، توسع وتعزز وتكثف تجربة الفرد. لا تعززها فحسب بل تمددها أيضا. في هذا تكمن قوة السينما. لا النجوم ولا الحبكات القصصية ولا عنصر الترفيه له علاقة بهذه القوة.

ثم يتساءل بعد ذلك عن طبيعة عمل المخرج، وعلاقته بالزمن، فيقول:

ما هو أساس عمل المخرج؟ نستطيع أن نحدد هذا العمل باعتباره نحتاً في الزمن. مثلما يأخذ النحات كتلة من الرخام ويزيل كل ما هو ليس جزءا منه، واعيا لأشكال عمله المنجز، كذلك يفعل صانع الفيلم. من “كتلة الزمن” المتشكلة من مجموعة صلبة، متينة، وضخمة من الوقائع الحية، هو يقطع ويرمي كل ما لا يحتاجه، محتفظا فقط بما ينبغي أن يكون عنصرا للفيلم المنجز، وبما سوف يثبت أنه متمم للصورة السينمائية.

قيل بأن السينما فن مركب، مبني على تشابك عدد من الأشكال الفنية المتجاورة: الدراما، النثر، التمثيل، الرسم، الموسيقى. في الواقع، إن تشابك أو اتصال هذه الأشكال الفنية يمكن، كما ثبت في النهاية، أن يسئ على نحو خطير إلى السينما بحيث يحيلها إلى أشياء مختلطة ببعضها أو – في أفضل الأحوال – إلى مجرد مظهر خارجي فيه تتناسق الأجزاء لكن لا يمكن العثور فيه على لب السينما، لأن في تلك الحالات بالذات يكف ذلك اللب عن الوجود. ولا بد من التوضيح هنا، نهائيا وعلى نحو حاسم، بأن السينما – إذا كانت فناً- لا يمكن ببساطة أن تكون مزيجا من مبادئ أو عناصر أشكال فنية مجاورة أخرى. بفعل ذلك فقط نستطيع أن نتجه إلى قضية طبيعة الفيلم المركبة. إن التشكيلة المتجانسة من الفكرة الأدبية والصيغة التشكيلية سوف لن تشكل صورة سينمائية. يمكن فقط أن تنتج هجينا عقيما أو مدعيا.
كذلك لا يجب استبدال قوانين الحركة ونظام الزمن في الفيلم بقوانين الزمن في المسرح. الزمن في صيغة الواقعة: مرة أخرى أعود الى هذا الموضوع. إني أرى في عرض الأحداث وفقا للتسلسل الزمني هو الذي يشكل السينما. . ليس في طريقة تصوير الفيلم بل في إعادة بناء الحياة ، إعادة خلقها.

هكذا أفهم الجزء المثالي من تصوير الفيلم: المبدع يلتقط ملايين الأمتار من الفيلم، والذي عليه يمكن متابعة وتسجيل حياة إنسان، على سبيل المثال، منذ ولادته وحتى وفاته، وذلك على نحو نظامي، يوما بعد يوم، عاما بعد عام. ومن كل ذلك يمكن الحصول على 2500 متر، أو تسعين دقيقة من الزمن السينمائي.. (من المثير للفضول أن نتخيل تلك الملايين من الأمتار وهي تمر بين أيدي عدد من المخرجين ليحقق كل منهم فيلمه الخاص. . كم سيكون مختلفا كل عمل عن الآخر).

يختتم حديثه في هذا الموضوع، فيقول:

الصورة السينمائية، إذن، هي أساسا رصد لوقائع الحياة داخل الزمن، وهي منظمة وفقا لنمط الحياة نفسها، وراصدة لقوانين الزمن فيها. الرصد هو انتقائي: نحن نترك على الفيلم فقط ما هو مبرر بوصفه مكملا للصورة. وهذا لا يعني أن الصورة السينمائية يمكن أن تكون منقسمة ومجزأة ضد طبيعتها الزمنية، فالزمن الجاري لا يمكن أن يكون منزوعا عنها. والصورة تصبح سينمائية على نحو حقيقي ليس فقط عندما تعيش ضمن الزمن، لكن أيضا عندما يعيش الزمن داخلها. . بل حتى ضمن كل كادر منفصل.

اندريه تاركوفيسكي و “النحت في الزمن “

image-w1280

أندري تاركوفسكي (1932-1986) مخرج وممثل وكاتب روسي، و منظر سينمائي ومدير أوبرا. ولد (تاركوفسكي) في مدينة زفراجيه الروسية الواقعة على ضفاف نهر الفولغا، والده هو الشاعر الروسي (أرسيني تاركوفسكي)، والدته (مايا ايفانوفنا فيشيناكفا). يعدّ (تاركوفيسكي) أيقونة سينمائية مهمة جداً ويُعتبر من أفضل المخرجين في تاريخ السينما . له العديد من الأفلام مثل (طفولة إيفان) عا 1962 و(المرآة) عام 1975. صدر له أيضاً عدداً من المؤلفات منها (النحت في الزمن) عام 1986 والذي ناقش فيه آراؤه حول السينما و صناعة الأفلام، و شارك فيه بعض تأملاته في أفلامه.
يعتبر (تاركوفيسكي) نفسه شاعراً أكثر من كونه مخرجاً و تربطه علاقة قوية بالشعر، وفي واحد من آرائه جاء:

ﺣﻴﻦ ﺃﺗﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﺈﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﻧﻈﺮ إليه ﻛﻨﻮﻉ ﺃﺩﺑﻲ. ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻼﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻊ. ﻫﻜﺬﺍ ﻳﺼﺒﺢ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺗﺮﺷﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻃﻮﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ.

في نظره فإن لكل نوع من أنواع الفنون قيمته الخاصة و أغراضه الخاصة التي يقدمها للبشري:

ﻟﻜﻞ ﻓﻦ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻭ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ليست استثناء. ﺇﻥ ﻟﻬﺎ ﺩﻭﺭﺍً ﺧﺎصاً، ﻗﺪﺭﺍً ﺧﺎﺻﺎً. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﻴـﺎﺓ ﺍﻟﺘـﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫـﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ.

و قد بيّن (تاركوفيسكي) الفرق بين السينما و الأدب، و إمكانيات تحويل المادة الأدبية إلى مادة فيلميّة:

ﻓــﻲ ﺍﻟﺒــﺪء ﻳﺘﻌــﻴﻦ ﻋﻠــﻲ ﺍﻟﻘــﻮﻝ ﺑــﺄﻥ ﻟــﻴﺲ ﻛــﻞ عمل ﻧﺜــﺮﻱ ﻗﺎﺑــﻞ ﻟﻠﺘﺤﻮﻳــﻞ ﺍﻟــﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻷﺩﺑﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﻭﺣﺪﺓ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺗﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭ ﺃﺩﺑﻴﺔ ﺃﺻﻴﻠﺔ ﻭﺩﻗﻴﻘﺔ، ﻭﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﻣﺮﺳﻮﻣﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﺤﻤﻞ ً ﻻ ﻳﺴـﺒﺮ ﻏﻮﺭﻫـﺎ، ﻭﻟﻠﺘﻜـﻮﻳﻦ ﻗـﺪﺭﺓ ﺍﺳـﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻓﺘﺎﻥ. ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ­ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ  ﻫﻮ ﻛﻞ ﻻ ﻳﺘﺠﺰﺃ، ﻭﻋﺒﺮ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ ﺗﻮﺟﺪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ ﺍﻟﻔـﺬﺓ ﻭﺍﻟﻤﺪﻫﺸﺔ ﻟﻠﻤﺆﻟﻒ. ﺇﻥ ﻛﺘﺒﺎً ﻛﻬﺬﻩ ﺗﻌﺪ ﺗﺤﻔﺎ ﻓﻨﻴﺔ، ﻭﻓﻘﻂ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺒﺪﻱ ﺍﻛﺘﺮﺍﺛـﺎً ﺑـﺎﻟﻨﺜﺮ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻭﺑﺎﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻌﺎً ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺤﻮﻳﻠﻬﺎ إﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻫﻨﺎ ﺗﻮﻛﻴﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﻷﻥ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻗﺪ ﺣﺎﻥ ﻟﻔﺼـﻞ ﺍﻷﺩﺏ عن ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ ﻧﻬﺎﺋﻴﺎً ﻭﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﺎﺳﻢ. ﺑﻌــﺾ ﺍﻷﻋﻤــﺎﻝ ﺍﻟﻨﺜﺮﻳــﺔ ﻣﺒﻨﻴــﺔ ﺑﻮﺍﺳــﻄﺔ ﺍﻷﻓﻜــﺎﺭ، ﻭﻭﺿــﻮﺡ ﻭﻣﺘﺎﻧــﺔ ﺍﻟﺒﻨــﺎء، ﻭﺟــﺪﺓ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ. ﻛﺘﺎﺑﺔ ﻛﻬﺬﻩ ﻻ ﺗﺒﺪﻭ ﻣﻌﻨﻴﺔ ﺑـﺎﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ ﻟﻠﻔﻜـﺮ ﺍﻟـﺬﻱ ﺗﺘﻀـﻤﻨﻪ.

من ناحية أخرى تحدّث (تاركوفيسكي) عن تأرجح السينما بين أن يكون مادة فنية لها معناها السامي و بين أن يكون سلعة تجارية الغرض الأساسي منها تحقيقة الربح فيكفّ بذلك عن تحقيق غاياته التي نشأ من أجلها:

ﻣﻮﻗﻊ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻤﻠﺘﺒﺲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻟﺼﻨﺎﻋﺔ ﻳﻔﺴﺮ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺍﻟﺸﺎﺫﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﻉ ﻭﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ.ﺍﻧﻄﻼﻗﺎً ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺴـﻠﻢ ﺑﻬـﺎ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻋـﺎﻡ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺍﻧﻈﺮ إﻟﻰ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺃﻭ ﺇﺛﻨﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟـﻪ ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ، ﻭﺍﺳـﺘﻨﻄﻖ ﺑﻌـﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ. ﻛﻞ ﺻﻨﺎﻋﺔ، ﻛﻤﺎ ﻧﻌﻠﻢ، ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﻭﻟﻠﻨﻤﻮ.ﻭﻟﻜﻲ ﺗﻌﻤـﻞ ﻭﺗﺘﻄـﻮﺭ، ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻥ ﺗﺴﺘﺮﺟﻊ ﻣﺎ ﺃﻧﻔﻘﺘﻪ ﺑﻞ ﺃﻥ ﺗﺤﻘـﻖ ﺭﺑﺤـﺎً ﻣﺆﻛـﺪﺍً. والفيلم بوصفه ﺳـﻠﻌﺔ، ﻗـﺪ ﻳــﻨﺠﺢ ﺃﻭ ﻳﻔﺸــﻞ، ﻭﻗﻴﻤﺘــﻪ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴــﺔ ﺗﺘﻮﻃــﺪ ﻋﻠــﻰ ﻧﺤــﻮ ﻣﺘﻨــﺎﻗﺾ ﻇﺎﻫﺮﻳــﺎ، ﻭﻓﻘــﺎ ﻟﻠﻌــﺮﺽ ﻭﺍﻟﻄﻠﺐ، ﻭﺣﺴﺐ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺴﻮﻕ ﺍﻟﺼﺮﻳﺤﺔ. ﻭﺗﺠﺪﺭ ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﻫﻨﺎ ﺇﻟﻰ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻓﻦ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻰ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ. ﻭﻃﺎﻟﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺗﻈﻞ ﻓﻲ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻓﺴﻮﻑ ﻟﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺳـﻬﻼً ﺃﺑـﺪﺍً ﻟﻠﻌﻤـﻞ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎﺋﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺍﻟﻰ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺃﻭﺳﻊ.
ﻃﺒﻌﺎً ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻮﺍﺳـﻄﺘﻬﺎ ﻳﺘﻤﻴـﺰ ﺍﻟﻔﻨـﻲ ﻋـﻦ ﺍﻟﻼﻓﻨـﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺰﺍﺋـﻒ ﻫﻲ ﻧﺴﺒﻴﺔ، ﻏﻴﺮ ﻭﺍﺿﺤﺔ، ﻭﻳﺘﻌـﺬﺭ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨـﺔ ﻋﻠﻴﻬـﺎ إلـﻰ ﺣـﺪّ ﺃﻥ ﻻ ﺷـيء ﻳﻤﻜـﻦ ﺃﻥ ﻳﻜـﻮﻥ ﺃﺳﻬﻞ ﻣﻦ ﺍﺳـﺘﺒﺪﺍﻝ ﺍﻟﻤﻌـﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﺑﻤﻘـﺎﻳﻴﺲ ﻣﻨﻔﻌﻴـﺔ ﻣﺤﻀـﺔ ﻓـﻲ ﺍﻟﺘﻘﻴـﻴﻢ، ﻭﻫـﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺗﻤﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺃﺿﺨﻢ ﺭﺑﺢ ﻣـﺎﻟﻲ ﻣﻤﻜـﻦ ﺃﻭ ﺑـﺪﺍﻓﻊ ﺇﻳـﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﻣـﺎ ،ﻭﻛﻼﻫﻤﺎ، ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍء، ﺑﻌﻴﺪ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻋﻦ ﻏﺎﻳﺔ الفن؟

فيما بعد أكمل متسائلاً عن العوامل التي توجّه ذوق الجمهور و ما يريده من السينما:

ﺑــﺎﻟﻄﺒﻊ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣــﻞ ﺍﻟﺴﻮﺳــﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ (ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴــﺔ)ﺗﻠﻌــﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻫﻨــﺎ، ﻭﺇﻻ ﻟــﻢ ﺗﺘﻮﺟــﻪ ﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ إﻟﻰ ﺍﻟﻔﻦ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﺔ ﻓﻘﻂ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﻳﺒﺤﺚ ﺁﺧـﺮﻭﻥ ﻋـﻦ ﺣـﻮﺍﺭ ﻓﻜﺮﻱ؟ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﻘﺒﻞ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺳﻄﺤﻲ ﻭ”ﺟﻤﻴﻞ” ﻇﺎﻫﺮﻳﺎً ﻛﺸﺊ ﺣﻘﻴﻘـﻲ ﻣـﻊ ﺍﻧـﻪ ﺳﻮﻗﻲ ﻭﺭﺩﺉ ﻭﻣﺒﺘﺬﻝ ﻭﻓﻆ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﻣﺆﻫﻠـﻮﻥ ﻟﺘﻠﻘـﻲ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﻘﻴﻘﻲ؟ﺃﻳﻦ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﺒﺤـﺚ ﻋـﻦ ﺃﺳـﺒﺎﺏ ﺍﻟﺼـﻤﻢ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ –ﻭﺍﻷﺧﻼﻗـﻲ ﺃﺣﻴﺎﻧـﺎً – ﻷﻋﺪﺍﺩ ﺿﺨﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ؟ﺫﻧﺐ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ؟ ﻭﻫﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﻣﺴﺎﻋﺪﺓ ﻣﺜﻞ ﻫـﺆﻻء ﺍﻟﻨـﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻹﻟﻬﺎﻡ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺒﻮﺍﻋﺚ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﻠﻘﻬـﺎ ﺃﻭ ﻳﺜﻴﺮﻫـﺎ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘـﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ؟

أمّا عن الزمن و أشكاله وخصائصه، و دوره في التجربة الإنسانية فقد كتب:

ﻳﻘﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑـﻞ ﻟﻺﻟﻐـﺎء، ﻭﻫـﺬﺍ ﺻـﺤﻴﺢ ﺗﻤﺎﻣـﺎً ﺇﺫﺍ ﻛـﺎﻥ ﻳﺘﺼـﻞ ﺑﺎﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻚ “ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻌﻴﺪ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ” ﻛﻤـﺎ ﻳﻘﻮﻟـﻮﻥ. ﻟﻜـﻦ ﻣـﺎ ﻫـﻮ ﻫـﺬﺍ “ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ” ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ؟ ﻫﻞ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻣﻀﻰ؟ ﻭﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻨﻴﻪ “ﻣﻀﻰ” ﻟﻠﺸﺨﺺ ﺣﻴﻦ ﻳﻜـﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻜﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﺎ، ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻣﻞ لكل ﻣﺎ ﻫـﻮ ﻣﺴـﺘﻤﺮ ﻓـﻲ ﻭﺍﻗـﻊ ﺍﻟﺤﺎﺿـﺮ، ﻟﻜـﻞ ﻟﺤﻈـﺔ ﺟﺎﺭﻳﺔ ؟ ﺑﻤﻌﻨـﻰ ﻣـﺎ، ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ ﺃﻛﺜـﺮ ﺣﻘﻴﻘﻴـﺔ، ﺃﻛﺜـﺮ ﺭﺳـﻮﺧﺎً ﻭﺍﺳـﺘﻘﺮﺍﺭاً، ﺃﻛﺜـﺮ ﻣﺮﻭﻧـﺔ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ. ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻳﻨﺰﻟﻖ ﻭﻳﺘﻼﺷﻰ ﻛﺎﻟﺮﻣﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﺑﻊ، ﻣﺤﺮﺯﺍً ﺛﻘﻼً ﻣﺎﺩﻳﺎً ﻓﻘـﻂ ﻓـﻲ ﺗـﺬﻛﺮﻩ. ﺇﻥ ﺧﻮﺍﺗﻢ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺳـﻠﻴﻤﺎﻥ ﻛﺎﻧـﺖ ﺗﺤﻤـﻞ ﻫـﺬﺍ ﺍﻟﻜـﻼﻡ ﺍﻟﻤﻨﻘـﻮﺵ “ﺍﻟﻜـﻞ ﺳـﻮﻑ ﻳﻤﻀـﻲ“. ﺑﺎﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻻﻧﺘﺒـﺎﻩ إلى ﻛﻴﻔﻴـﺔ ﺍﺭﺗـﺪﺍﺩ ﺍﻟـﺰﻣﻦ ﻭﻋﻮﺩﺗـﻪ إلى ﺍﻟـﻮﺭﺍء. ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺰﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﺰﻭﻝ ﺑﻼ ﺃﺛﺮ، ﻧﻈﺮﺍً ﻷﻧﻪ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺫﺍﺗﻲ، ﺭﻭﺣﻲ. ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺸﻨﺎﻩ ﻳﺴـﺘﻘﺮ ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻨﺎ ﻛﺘﺠﺮﺑﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺰﻣﻦ.

بحث تاركوفيسكي في تشكّل المعرفة الإنسانية ، و دور الفن في تحقيق ذلك

ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ، ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﻳﺨﺘﺒﺮ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﻣﻌﺮفة ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﻓﻴﻤـﺎ ﻫـﻮ ﻳﺘﻮﺻـﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻧﻔﺴﻪ ﻭﺃﻫﺪﺍﻓﻪ. ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ، ﻛـﻞ ﺷـﺨﺺ ﻳﺴـﺘﻔﻴﺪ ﻣـﻦ ﺧﻼﺻـﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻤﺘﺮﺍﻛﻤﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ، ﻟﻜﻦ ﻣـﻊ ذلك ﻓـﺈﻥ ﺗﺠﺮﺑـﺔ ﻣﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴـﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻜـﻞ ﻓـﺮﺩ. و ذاتياً، ﻫـﻲ ﻣﺨﺘﺒـﺮﺓ ﻓـﻲ ﻛـﻞ ﻣـﺮﺓ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺷﻴﺌﺎً ﺟﺪﻳﺪﺍً . ﺇﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻘﻴﻢ، ﺍﻟﻤﺮﺓ ﺗﻠـﻮ ﺍﻷﺧـﺮﻯ، ﻋﻼﻗـﺔ ﻣﺘﺒﺎﺩﻟـﺔ ﺑـﻴﻦ ﻧﻔﺴـﻪ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻳﺮﻫﻘﻪ ﺍﻟﺘﻮﻕ إلى ﺇﺣﺮﺍﺯ، ﻭﺍﻟﺘﻮﺣﺪ ﻣﻊ، ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻤﻦ ﺧﺎﺭﺟﻪ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻬﻤﻪ ﻛﻀﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﻭﻝ ﺍﻟﻤﺪﺭﻙ ﺑﺎﻟﺤﺪﺱ. ﺇﻥ ﺍﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﺇﺣﺮﺍﺯ ﺃﻭ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻮﺣﺪ، ﻭﻋﺪﻡ ﻛﻔﺎﻳﺔ”ﺃﻧﺎﻩ” ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ ﻟﺸﻌﻮﺭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻷﻟﻢ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻹﺷﺒﺎﻉ. ﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻦ، ﻣﺜﻞ ﺍلعلم، ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻻﺳـﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﻭﺍﺳـﻄﺔ ﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﺃﺛﻨﺎء ﺭﺣﻠﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ “ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘـﺔ“. ﻣـﻦ ﺟﻬـﺔ ﺃﺧـﺮﻯ، ﺫﻟـﻚ ﻳﺸـﻜﻞ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺃﻱ ﺗﻤﺎﺛﻞ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺘﺠﺴﻴﺪﻳﻦ (ﺍﻟﻔـﻦ ﻭﺍﻟﻌﻠـﻢ) ﻟﻠـﺮﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺨﻼﻗـﺔ، ﺍﻟﺘـﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻳﻜﺘﺸﻒ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻳﺨﻠﻖ.
ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﻔﻦ، ﻳﺴـﻴﻄﺮ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻥ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﻮﺍﻗـﻊ ﻣـﻦ ﺧـﻼﻝ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ. ﻓـﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﺗﺘﺠﻪ ﺻﺎﻋﺪﺓ ﺳﻠّﻤﺎً ﻻ نهائياً، ﻭﻫـﻲ ﺗُﺴـﺘﺒﺪﻝ، ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻣﺘﻮﺍﻝ، ﺑﻤﻌﺮﻓﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ، ﺣﻴﺚ كل ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﻳﺪﺣﻀﻪ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺁﺧـﺮ ﻣـﻦ أﺟـﻞ ﺑﻠـﻮﻍ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ.
ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻔﻨﻲ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺻﻮﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﻓﺮﻳﺪﺓ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺗﺼﻮﺭاً ﻣﺒﻬﻤﺎً ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ. ﺇﻧﻪ ﻳﻈﻬﺮ ﻛﻜﺸﻒ، ﻛﺄﻣﻨﻴﺔ ﺧﺎﻃﻔـﺔ ﻭﻣﺘﻘـﺪﺓ ﻟﻠﺴـﻴﻄﺮﺓ ﺣﺪﺳـﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ: ﺟﻤﺎﻟﻪ ﻭﻗﺒﺤﻪ، ﻭﺩﺍﻋﺘﻪ ﻭﻗﺴﻮﺗﻪ، ﻻ ﺗﻨﺎﻫﻴﻪ ﻭﻣﺤﺪﻭﺩﻳﺘﻪ.
ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺑﺨﻠﻖ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﺷﻔﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ، ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ. ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻳﺘﻌﺰﺯ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻼ ﻣﺘﻨﺎﻫﻲ: ﺍﻟﺴﺮﻣﺪﻱ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ، ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ ﺿـﻤﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ، ﻭﺍﻟﻼ ﻣﺤﺪﻭﺩ ﻳﻜﺘﺴﺐ شكلاً. ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻦ ﺭﻣﺰ ﻟﻠﻜﻮﻥ، ﻧﻈﺮﺍ ﻷﻧﻪ ﻣﺘﺼﻞ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺭﻳﺔ ﻋﻨﺎ ﻓﻲ ﺃﻧﺸﻄﺘﻨﺎ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺬﺭﺍﺋﻌﻴﺔ.

سينما تاركوفسكي كبابِ للفلسفة

image-w1280

 

يُعد أندري تاركوفسكي (1932-1986) عند كثير من منظرين ونقاد السينما كأحد أهم وأعظم مخرجي الأفلام في القرن العشرين. بل يعتبره العديد بأنه الأعظم على الإطلاق، ومن هؤلاء مخرجين كبار من ذات الحقبة مثل المخرج السويدي الشهير (إنغمار بيرغمان). أخرج (تاركوفسكي) تسعة أفلام: فيلمان قصيران، وسبعة أفلام روائية من عام 1959 إلى عام 1986، كما أخرج مسرحية (هاملت) لـ(شكسبير) على مسرح موسكو، وأوبرا (بوريس جورونوف) في لندن قبيل وفاته بمرض السرطان في باريس. صدر له كتاب (النحت في الزمن) قبيل وفاته، واختيار الاسم إن دل فإنما يدل على حسِّ شعري لدى (تاركوفسكي). كيف لا وهو الذي درس الشعر بلغاتٍ مختلفة، منها العربية التي اهتم بها وبأدبها بالإضافة إلى كون أبيه (أرسيني تاركوفسكي) أديب من الأدباء الروس البارزين ومن أهم مترجمي الشعر في وقته.

عن قراءة الفلسفة في أعمال (تاركوفسكي):

أن النمط المميز لأعمال (تاركوفسكي) هو استخدامه الدقيق للترميز والدلالات الميثولوجية. وهذا له عوامل عدة، يتضح أولها بتأثره بالأعمال الفلسفية الوجودية الروسية، خاصة أعمال الفيلسوف (نيكولاي برداييف). وهذا الربط بين (تاركوفسكي) و(برداييف) ليس عبثياً، فمن يرجع إلى يوميات (تاركوفسكي) سيجد ذكراً وعلاقة واضحة بينه وبين (برداييف) وإن لم يكن قد ناقشها بالتفصيل وبيّن آراؤه بها. يتمحور أساس هذا الربط بين (تاركوفسكي) وبين (برداييف) على فكرة تكوين الشخص، ويميز (أندراش كوفاكس) هذه العلاقة في أعمال (تاركوفسكي) على مرحلتين تعاقبا زمنياً بالتطور الفكري لدى تاركوفسكي: أولا، أن يكون الشخص هو الرسالة. ثانيا، تسامي الشخص.

إن الشخصانية الروسية المنتمية للقرن التاسع عشر والتي يبدو أثرها واضحا على (تاركوفسكي)، والتي كانت رائجة آنذاك برواج نظيرتها الوجودية الفرنسية والأوروبية بشكل عام. تشكلت هذه الشخصانية مثل الوجودية من الفكرة المتعلقة بحالة الشخص الذي يشعر بالاغتراب عن محيطه، أكثر من العالم الخارجي. وتختلف الشخصانية عن الوجودية في أنها لا تعتبر الحالة الإنسانية حالة موحدة للإنسان. فالإنسان في الفكرة الشخصانية متكامل في بيئته البيولوجية والاجتماعية في جزء، لكنه في الجزء الآخر -وهو الجزء الأعمق- مغترب عن بيئته هذه في نفس الوقت. فيمكن أن نقول الجزء المتكامل مع بيئته يسمى فرداً، بينما الجزء المغترب فيُسمى “شخص”. فالـ”شخص” منفصل جذرياً وبشكل بنيوي عن محيطه المادي والاجتماعي، بل أن وجوده يتعارض مع هذا المحيط. يذكر (برداييف) في أحد أعماله:

الشخص لا يشبه أي شيء في العالم، ولا تمكن مقارنته بأي شيء. وعندما يدخل الشخص المتفرد وغير المتكرر إلى العالم، تتحطم عملية العالم وتضطر هذه العملية إلى تغيير مسارها، وبرغم أن ذلك حدث لا يمكن إدراكه. لا يمكن أن يكون الشخص عنصراً في تطور العالم. إن الشخص يمثل نقطة تقدم مفاجئ، نقطة انقطاع عن هذا العالم.

كيف يصبح الإنسان فردا وشخصاً؟ فالشخص ليس نوعا اجتماعيا، سياسيا، تاريخيا، عرقيا، وإنما هو نوع أخلاقي. الشخص هو الوجه الأخلاقي من الكائن الإنساني. ولكي يصبح الفرد شخصا فلا بد أن يحدث هذا في إطار مجتمعي، بحيث يتسامى الشخص فوق محددات هذا المجتمع الخارجية. يذكر (برداييف) بهذا الخصوص:

يفترض الشخص أن التسامي يحدث تجاه آخرين، فالشخص لا يستطيع أن يتنفس، انه يختنق عندما ينغلق على ذاته.

وقبل أن نقارب تاركوفسكي مع برداييف علينا أن نعي، أن الشخص المخبوء هنا ضمن الإنسان ليس معطىً بديهي وإنما يجب علينا البحث عنه لنصل إليه. وكما يلاحظ كوفاكس في أعمال تاركوفسكي، يكون الموضوع المحوري في الفيلم هو الصراع بين الشخص والفرد، أو بين الشخص والعالم.

إن الشخصانية ليست قالبا نستطيع مطابقته في نصوص برداييف وأفلام تاركوفسكي ولكنها كما يعتبرها إيمانويل مونييه:

إننا نصف بالشخصانية كل المعتقدات، وكل المدنيات، التي تدعو إلى أسبقية الشخص على الضرورات المادية، والمؤسسات الجمعية، التي تدعم تطوره”.

إذن، هي علاقة مهمة تربط الفيلسوف والمخرج بالعقيدة المسيحية الأرثوذوكسية في تسامي الشخص فوق المادة وقيودها وفي اتصال “الشخص” مع الرؤية المتسامية لوحدة الوجود بشكل متصوف. وهذا ينبع ليس فقط من فهم تاركوفسكي للشخصانية وإنما أيضا حدته تجاه الحداثة، فقد كان تاركوفسكي يرى فيها مستقبلا مظلماً للإنسانية فيقول عندما سئل عن رأيه فيها:

أستشعر مستقبلا مظلما، خاصة إذا لم يدرك الإنسان أنه موغل في الخطأ. لكني أعرف أنه عاجلا أم آجلاً سوف يعي الموقف. فليس بوسعه أن يموت كما يموت مصاص الدماء الذي يصفّي دمه قبل النعاس لأنه خدش نفسه قبل الخلود للنوم. يجب أن يكون الفن حاضراً ليذكر الإنسان أنه كائن روحي أنه جزء لا يتجزأ من عقل متناهي الكبر سيعود ليتحد به في نهاية الأمر، لو أن الإنسان اهتم بهذه الأسئلة، التي لو أنه طرحها على نفسه فقد نجا روحيا بالفعل. الإجابة لا أهمية لها تُذكر، ولكن اعرف انه بدءاً من تلك اللحظة، لن يستطيع أن يحيا كما تعود في السابق.

عن فيلم (طفولة إيفان):

ففي فيلم (طفولة إيفان) والذي تتلخص قصته في صبي في الثانية عشرة من عمره يشارك تطوعا مع الجيش السوفييتي في الحرب العالمية الثانية. ليقابله ضابط في الجيش ويتفاجئ بوجوده في الجيش وتغيبه عن المدرسة. ليطلب منه الذهاب للمدرسة لكن (إيفان) يرفض، ويطالب بتكليفه بمهمة أكبر لكنه لا يعود منها أخيراً. وإن كان الفيلم قد يكون محملا بالأعراف والتقاليد السوفييتية العسكرية إلا أن (سارتر) استشعر وجود هذا الحس الوجودي لدى شخصية (إيفان) فذكر في تعقيب له عن الفيلم:سارتر

إن (إيفان) كبطل هو في الحقيقة وحش قتلت الحرب الطفولة بداخله، ليبقى فقط البطل غير الطبيعي. لذلك فإن شخصيته نتاج للحرب تماماً. إن (تاركوفسكي) يوضح أحلام (إيفان)، وكوابيسه، وذكرياته عن طفولته عندما ينام أو يكون وحيداً. أما أمام الآخرين فهو عنيد، وقوى، وعاقد العزم بطريقة العالم الخارجي لا تعطيه فرصة لكي يتطور إلى شخص. وليست لدى (إيفان) استقلالية عن محيطه، إنه مخلوق من مخلوقات الحرب، ويتصرف طبقا لذلك.

ما يقدمه مخرجنا هنا هو من ينجو هو شخصية الضابط التي تشذ عن التنميط السائد لدى الشخصيات في الأفلام الحربية. فـ(إيفان) وكل القادة يموتون في الحرب، والشخص الغريب عن هذه البيئة هو وحده من يعيش. يكمل (كوفاكس) في تحليله قائلا:

توضح هذه الشخصية التعارض الشديد بين الفرد الذي يتحدد من الخارج والشخص ذي الاستقلال الأخلاقي. فمن جانب هناك إيفان، مأساته هي أنه ليست لديه فرصة لكي يعيش حياته، ويسير في طريقه الذي اختاره، ويطور شخصه الأخلاقي، إن حياته قد أخذتها الحرب حتى قبل أن يموت، إنه شديد التصلب، أقوى من أن يعيش. ومن جانب آخر هناك الضابط الشاب الذي هو على النقيض شديدة الرقة، مستقل تماماً بحيث لا يصبح جندياً جيداً، لكن تلك هي فرصته لكي يعيش ولا يموت في الحرب.

عن فيلم (أندري روبليف):

أما بالنسبة لفيلم(أندري روبليف) الذي يحكي قصة (أندري روبليف) صانع اللوحات الفنية الدينية في القرن الرابع عشر. حيث كان يعيش مع الرهبان الأرثوذوكس ضمن تقاليد بيزنطية صارمة فيما يتعلق بالأعمال الفنية وأسلوب الحياة. لكنه كان مختلفا، وحاول (تاركوفسكي) إظهار ذلك في التركيز على الحس الفرداني لدى شخصيته السينمائية، من خلال تأكيد اغترابها وتمردها على السائد، لدرجة اعتبار بعض الشخصيات الروسية المهمة مثل الروائي الحائز على جائزة نوبل (ألكسندر سولجنيتسين) الذي يعتبِر الفيلم معادياً للأرثوذوكسية وروسيا بشكلٍ عام. وفي أحد أجزاء الفيلم يقوم (روبليف) بإنقاذ حياة طفلة من خلال قتل شخص آخر مما يناقض توصيات الرب، ليصبح في صراع بين تجربته الذاتية وإيمانه واعتقاده. يعلق (كوفاكس) على ما سبق قائلا :

إن هذا ما يدركه أندريه في الجزء الأخير من الفيلم، عندما يلاحظ في صمت صبياً يصنع جرساً بنفسه، في إشارة للكنيسة، بدون أن يعرف أسرار بناء الجرس، يدرك أندريه أن الحق الحقيقي يأتي من الداخل وليس من الضروري وجود أي دعم أخلاقي خارجي. إن الاستقلال الداخلي ووجود “الشخص” هما الشرطان الضروريان للخلق الحقيقي. لقد كان فيلم (طفولة إيفان) عن فقدان “الشخص“، أما (أندريه روبليف) فكانت بحثاً عن “الشخص“.

عن فيلمي (سولاريس) و(المرآة):

أما في فيلمي (سولاريس) و(المرآة)، فيخوض بطلا هذين الفيلمين صراعاً عميقاً. ففي (سولاريس) على المرء أن يواجه خطاياه في ذلك الفضاء الذي تم احتجازه فيه، بالإضافة لكل الأحبة الذين فقدهم. وفي بحث (كوفاكس) عن الفيلم يقول:

إن على المرء أن يواجه ضميره السيئ، ويعيش ذكريات من كانت الذكريات بالنسبة له مؤلمة، واستقلالية الشخص لا تعني الأنانية. وحقيقة أن الشخص يمكن خلعه فقط من الداخل، وباستقلال عن الظروف الخارجة، وهو ما كان استنتاج (اندريه روبليف)، يجب فهم هذه الحقيقة في سياق عنصر مهم آخر من الشخص الذي ذكرته سابقاً، وهو أن الشخص لا يستطيع أن يكون مغلقا على نفسه، لكنه يستطيع فقط أن يوجد في مجتمع. ولكي يتحقق وجود هذا المجتمع الروحي، فإن على الشخص أن يبدأ المهمة الأكثر إيلاما، وهي مهمة محور الشر من الداخل.

إذن بطل (سولاريس) يدرك ضرورة قبول الألم لكي يصبح “شخصا“. أما على العكس فبطل فيلم (المرآة) المُحتضِر ويصارع مرضا مجهولاً، يجبره يلوك ذكرياته ويعيد له شريط حياته من جديد. لا يحدد (تاركوفسكي) طبيعة مرض البطل العضال، وإنما علينا أن نستشفها من ذكرياته وأفكاره. ليصبح السؤال هنا وسأقتبس (كوفاكس) مرة أخرى:

المشكلة المحورية في (المرآة) هي: هل التجارب التاريخية أو تجارب الحياة الشخصية، والذكريات وبقايا التقليد الثقافية الروحية، تقدم خلفية كافية للشخص لكي يتطور، إذا كان الأصل في هذه التجربة والتقاليد هو الانقطاع المستمر، التمزق، الهجران، فقدان التواصل، النسيان؟

عن أشهر أفلامه، (ستولكر):

أما في أشهر أفلامه تقريبا (ستولكر) – لا يصح ترجمتها من الانجليزية إلى المتعقب لأن أصلها ليس إنجليزي في الفيلم – والذي هو آخر أفلام في الاتحاد السوفييتي. تدور القصة حول ثلاث أشخاص أحدهم (ستولكر) في بحث عن مكان يدعى “المنطقة“، والتي تم إغلاقها من قبل السلطات لأن قوانين الطبيعة لا تنطبق عليها. وتدور القصص حول هذه المنطقة بأن من يدخلها سوف يرى أعمق رغباته الموجودة التي قد لا يدركها المرء تتحقق أمامه، مما يجعل من زيارة هذه المنطقة أشبه بزيارة لذات المرء الحقيقة. ووظيفة (ستولكر) هو أن يكون الدليل المرشد لمن يريد زيارة هذه المنطقة. إن (ستولكر) في فيلم (تاركوفسكي) شخصية معذبة قاسية القلب. فمن يشاهد الفيلم يلاحظ كيف أن شخصية البطل شخصية مخيفة لا تملك أي تعاطفا ولا أي هدف سوى إلى جعل من يرشدهم للمنطقة نُسخ منه. فهو يهدف إلى خلق عالم ومجتمع لأشخاص يتسامى فيه المرء، وهذا العالم هو المنطقة. يلاحظ (كوفاكس) صورة صوفية في هذه القصة، وتقاربا شديدا مع الفكرة الشخصانية. ففي التقليد الشخصاني عند (برداييف) يكون تحقيق التسامي مستحيل بالمعايير الواقعية والمادية، وهو أقرب منه لحالة روحانية أو ذهنية. أي أن تحول المرء منا إلى شخص ليس مؤلما فحسب، لكن ما إن ينجز هذه المهمة ويصبح شخصا حتى يدرك أنه وحيد ويضطر أن يقاسي كل المعاناة الناتجة عن ذلك. يقارب هذه الفكرة (كوفاكس) مع الفيلم قائلا:

في نهاية (ستولكر) ينهار البطل نفسيا، عندما يعايش عدم الإيمان الكامل للأشخاص الذين رافقهم. وتضعه زوجته في الفراش وتطيب خاطره باعتباره رجلاً مريضاً جداً.

أخيرًا، عن فيلم (الحنين):

اما في فيلم (الحنين) الذي يحكي قصة شاعرٍ روسي يسافر إلى إيطاليا محاولا استكشاف حياة موسيقار روسي من القرن الثامن عشر. وفي سعيه لمحاولة استكشاف حياة غيره يواجه هذا الشاعر أسئلة بخصوص حياته هو، فهو بين عالمين ولا يجد وطنا له في أي منهما. ويستوعب في سياق أحداث الفيلم أن لا حل لهذه الحيرة سوى أن يضحي بذاته ويغرق في انعزال لا رجعة منه، أي أن ينزلق لمنزلقات: الحنين، الألم، الكارثة، الموت. تماما كما يكرر (برداييف):

ان اكتمال حياة الشخص لا يمكن الوصول إليها، وينفد وجود الشخص ويصبح جزئياً. وتسامي الشخص إلى الاكتمال يعني الموت، الكارثة، الوقوف على شفا الهاوية.