أرشيف الوسم: تاريخ

لماذا يُكتبُ التاريخ الأدبيّ ؟

frenchlibrary3-1024x768
كليمان موازان، ولدت في باريس ودرست اللغات الشرقية في جامعة لومونوسوف في موسكو. كتبت موازان عددًا من الكتب، بالإضافة إلى ترجماتها ومشاركاتها الصحفية.

في كتاب (ما التاريخ الأدبي؟) من تأليف (كليمان موازان)، تحدث في أحد فقراته عن سبب كتابة التاريخ الأدبي. فيقول مستفتحًا حديثه باقتباس عن (رولان بارت) بالمصدر التتالي (تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon)، يقول فيه:

تاريخ الأدب موضوع مدرسيّ أساسًا ولا وجود له، بالضّبط، إلاّ من خلال تدريسه، فالأدب هو ما يُدرس و كفى. إنه موضوع للتّدريس.
رولان بارت، تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon.

ثم يُتبع (موازان) حديثه فيقول:

لقد أجاب (رولان بارت) جوابًا حاسمًا عن سؤال: “لماذا يُكتب التّاريخ الأدبيّ؟” من أجل تدريسه. فالتّاريخ الأدبيّ هو، أولاً وقبل كل شيء، أداة تدريس، و من ثم فهو وسيلة لنقل المعارف، تصبحُ بسبب هذا المؤسساتي، شكلاً من أشكال التربية بكل معاني الكلمة؛ الوطنيّة، الأخلاقية، الدّينية، السياسية، القوميّة و غيرها، لكن قبل أن يصل التاريخ الأدبي إلى هذه الغاية وحتى يصل إليها كذلك فإنه يتبنى مجموعة من الأدوات التي تقوم على أنماطٍ مختلفةٍ من فهم الحدث التاريخي، وعلى مناهج تسمح بتفسيرها و وصفها. وبما أن الأمر يتعلق بتدريس معين، فمن السهولة بمكان أن نفهم أن غاية التاريخ الأدبي إنما تمكن، في المقام الأوّل، في تنظيم الوقائع و منحها معنى معينًا، وفي حالتنا هذه، منح معنى إلى الكتّاب و الأعمال الأدبية اللذين يشكلان موضوع حكاية أو سرد.

ثثم يقول بعد ذلك:

غير أن التدريس لم يكن أبدًا نشاطًا محايدًا، فنحن لا ننقل معارف موضوعية خالصة بل ننقل، على العكس من ذلك تمامًا، معارف ذاتية خالصة. إننا نتداول الوقائع و الأفكار، رغم أنفنا وبعلم منا، ونغلفها بطرقنا الخاصة في النظر إليها وفي فهمها، إن العامل المحول هو ذلك الأستاذ الذي يختار النصوص، على غرار الكتاب المدرسي، ويقطعها تبعا لرغباته، محددًا معناها السياقي، وذلك بهدف تقييمها وتكريسها للحصول على إقرار المؤسسة في نهاية المطاف.

ميلان كونديرا، وتعدد معاني كلمة “التاريخ”

1milan_kundera1

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي. لديه العديد من الروايات العالمية الشهيرة، أبرزها (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه النقدي (الستارة) عن تعدد معاني كلمة “التاريخ“، فيقول مستفتحًا:

في هاتين العبارتين: “تاريخ ألمانيا”، “تاريخ فرنسا”، يختلف المُضاف إليه بينما يحتفظ مفهوم التاريخ بالمعنى ذاته. وفي عبارات “تاريخ الإنسانية”، “تاريخ التقنية”، “تاريخ العلم”، “تاريخ هذا الفن أو ذاك” ليس المُضاف إليه هو المختلف فقط، بل حتى كلمة “تاريخ” تعني كل مرة شيئًا مختلفًا.

ثم يضرب مثلًا ، لأجل توضيح الفارق في كلمة “تاريخ“:

يكتشف الطبيب (أ) طريقة عبقرية لعلاج أحد الأمراض، لكن الطبيب (ب) يضع بعد عشر سنوات طريقة أخرى أكثر فعالية بحيث تُهمَل الطريقة السابقة، رغم أنها عبقرية، وتُنسى. تاريخ العلم له طابع التقدم.

أما إذا طبّقنا مفهوم التاريخ على الفن، لن تعود له صلة بالتقدم؛ فهو لا يتضمن إتقانًا وتحسينًا وارتقاءً؛ يشبه الإقدام على رحلة لاكتشاف أراضٍ مجهولة وتدوينها على خريطة. ليس طموح الروائي أن يكتب أفضل من سابقيه وحسب، بل وأن يرى ما لم يروه، أن يقول ما لم يقولوه. لم تقلل شعرية (فلوبير) من شأن شعرية (بلزاك) كما أن اكتشاف القطب الشمالي لم يُلغِ اكتشاف أمريكا.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

لا يتعلق تاريخ التقنية بالإنسان وحريته؛ ولا يمكنه أن يختلف عمّا كانه ولا عمّا سيكونه، بخضوعه لمنطقه الخاص؛ وبهذا المعنى هو غير إنساني؛ لو أن (أديسون) لم يخترع المصباح، لكان آخرَ اخترعه، لكن لو لم تخطر ببال (لورانس ستيرن) الفكرة المجنونة لكتابة رواية دون أية “قصة”، لما حلّ أحد مكانه ولما صار تاريخ الرواية على النحو الذي نعرفه.

“تاريخ الأدب، على العكس من التاريخ فقط، يجب ألا يتضمن إلا أسماء الانتصارات، ما دامت الهزائم فيه ليست انتصارًا لأحد”. تلخّص هذه الجملة الألمعية لـ(جوليان غراك) كل النتائج حيث إن تاريخ الأدب، “على العكس من التاريخ فقط”، ليس تاريخ أحداث، وإنما تاريخ قيم. فلولا (واترلو) لكان تاريخ فرنسا غير مفهوم، لكن كُتّاب (واترلو) الصغار وحتى الكبار لا مكان لهم إلا في النسيان.

التاريخ “فقط”، تاريخ الإنسانية، هو تاريخ أحداث لم تعُد موجودة ولا تُسهم بشكل مباشر في حياتنا. أما تاريخ الفن، لأنه تاريخ القيم، أي تاريخ الوقائع الضرورية لنا، فهو حاضر دائمًا، معنا دومًا؛ ويصغي إلى (مونتيفيردي)، و(سترافينسكي)، في الحفلة الموسيقية ذاتها.

ويختتم مقالته بعد ذلك:

وما دامت قيم الأعمال الفنية معنا دومًا، فإنها تثير الشك باستمرار، تُمنع، تُحاكم، وتعاد محاكمتها، لكن كيف تُحاكم؟ ليس هناك في مجال الفن معايير دقيقة لأجل ذلك. كل حكم جمالي هو رهانٌ شخصي؛ لكن رهانًا لا ينغلق على ذاتيته التي تواجه أحكامًا أخرى، يميل إلى أن يُعرف، ويصبو إلى الموضوعية. في الوعي الجمعي، تاريخ الرواية بكل زمانه الممتد من (رابليه) حتى أيامنا هذه، يوجد هكذا في تحوُّل مستمر يشارك فيه الذكاء والغباء، الكفاءة وعدم الكفاءة، وفوق ذلك النسيان الذي لا يفتأ يوسع مقبرته الفسيحة التي ترقد فيها، إلى جانب اللاقيم، قيم منتَقَصٌ من قدرا، مستخفٌ بها أو منسية. وهذا الظلم المحتوم يجعل تاريخ الفن إنسانيًا بعمق.

كارل بوبر يشرح وينتقد المذهب التاريخي

كارل بوبر

كارل بوبر (1902-1994) كاتب وفيلسوف انجليزي نمساوي، من أبرز المُهتمين بمجال فلسفة العلوم، ومناهج البحث العلمي، بالاضافة الى العلوم السياسية والاجتماعية. دَرس (بوبر) الرياضيات، والفيزياء، وعلم النفس، والتاريخ، والفلسفة، كما عمل مدرساً في جامعة لندن. و أشتهر (بوبر) بعدائه للأفكار الفاشية والشيوعية.

وهو في كتاب (بؤس الأيدلوجيا، نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي)، يوجه نقد لاذع لمذهب يُتبع في دراسة العلوم الاجتماعية، وهو المذهب التاريخاني، حيث يرى بوبر أن هذا المذهب مُلهم للأفكار الفاشية والشيوعية. عرّف (بوبر) هذا المذهب، ثم عرض دعاويه وقام بتفنيدها. من أهم الدعاوي التي قام (بوبر) بتفنيدها هي الدعوى القائلة بوجود قوانين يسير التطور التاريخي وفقًا لها.

بَدء (بوبر) كتابه بقول:

لذكرى أعداد لا تحصى رجالًا ونساءً وأطفالًا  ينتمون إلى سائر العقائد والأمم والأعراق، سقطوا ضحايا الاعتقاد الفاشي، أو الشيوعي، بأن ثمة قوانين لا مهرب منها للقدر التاريخي.

ثم قام بتعريف المذهب التاريخاني:

التاريخانية هي طريقة في معالجة العلوم الاجتماعية تفترض أن التنبؤ التاريخي هو غايتها الرئيسية، كما تفترض إمكانية الوصول الى هذه الغاية بالكشف عن القوانين أو الاتجاهات أو الأنماط أو الإيقاعات التي يسير التطور التاريخي وفقا لها.

ويمكن تلخيص برهان (بوبر) على عقم المنهج التاريخاني بخمس أمور،

١. يتأثر التاريخ الإنساني في سيره تأثراً قوياً بنمو المعرفة الإنسانية.

٢. لا يمكن لنا، بالطرق العقلية أو العلمية، أن نتنبأ بكيفية نمو معارفنا العلمية.

٣. إذن فلا يمكن التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني.

٤. وهذا معناه أننا يجب أن نرفض إمكان قيام تاريخ نظري؛ أي إمكان قيام علم تاريخي اجتماعي يقابل علم الطبيعة النظري.

٥. إذن فقد أخطأ المذهب التاريخاني في تصوره للغاية الأساسية التي يتوسل إليها بمناهجه؛ وببيان ذلك يتداعى المذهب التاريخاني.

لا يرى (بوبر) استحالة التنبؤ في جميع العلوم الاجتماعية، فيمكننا في علم الاقتصاد مثلاً أن نتنبأ بأحداث معينة نتيجة شروط معينة، ونبني ذلك على أساس نظريات اقتصادية، إنما تبين البراهين السابقة “استحالة التنبؤ بالتطورات التاريخية الى الحد الذي يؤثر بنمو معارفنا“.

ذكر (بوبر) مهمة عالم الاجتماع في نظر المذهب التاريخاني.

في رأي التاريخيين أن علماء الاجتماع يجب أن يحاولوا صياغة الفروض الخاصة بالاتجاهات العامة القائمة فيما وراء التطور الاجتماعي، حتى يستعد الناس لاستقبال التغيرات الوشيكة الوقوع باستنباط النبوءات من تلك القوانين.

يرى المذهب التاريخاني أنه إذا كان من المُستطاع لعلماء الفلك التنبؤ بحوادث فلكية، بناءً على نظريات علمية، فأنه إذن في مقدور عالم الاجتماع أن يكتشف (قوانين التعاقب الطبيعية) للتنبؤ بتطور التاريخ الإنساني.

لقد تأثر التاريخيون المحدثون تأثرًا عظيمًا بنظرية (نيوتن)، وخاصة بما لها من قدرة على التنبؤ بمواضع الكواكب السيارة بعد زمان طويل. وقد رأوا في إمكان مثل هذه التنبؤات البعيدة المدى ما يدل على أن الأحلام التي راودت الناس قديمًا عن إمكان التكهن بالمستقبل البعيد لم تكن تفوق حدود العقل الإنساني. وفي رأيهم أن العلوم الاجتماعية لا ينبغي أن تهدف إلى ما هو أدنى من ذلك. فإذا كان من الممكن لعلم الفلك أن يتنبأ بظواهر الكسوف، فلم لا يمكن لعلم الاجتماع أن يتنبأ بالتطورات الاجتماعية.

ثم بين (بوبر) أن الرأي الذي يعتبر المجتمع متنقلًا  في سلسلة من الفترات المتعاقبة، القائل بوجود (قوانين التعاقب الطبيعية) هو نتيجة خلط صادر عن تطبيق خاطئ للمصطلحات الفيزيائية على الميدان الاجتماعي. ويتضح ذلك في هذه العبارة التي تعبر عن هذا الرأي

 “ليست المدنيات حالات ساكنة للمجتمع وإنما هي حركات ديناميكية من نوع تطوري وهي ليست فقط عاجزة عن التوقف بل انها لا تستطيع ان تعكس اتجاه دورانها دون ان تخرج عن قانون حركتها“.

تجتمع في هذه العبارة فكرة الديناميكا الاجتماعية (المعارضة للاستاتيكا الاجتماعية)، والحركات التطورية للمجتمعات (تحت تأثير القوى الاجتماعية)، وفكرة الاتجاهات (والمسارات والسرعات) المنسوبة الى هذه الحركات التي يقال انها لا يمكن عكسها دون الخروج على قانون حركتها). وهذه الالفاظ (المكتوبة بين قوسين) منقولة كلها من علم الطبيعة الى علم الاجتماع، وقد كان استخدامها سببًا في ظهور سلسلة من الآراء الخاطئة المدهشة في مراهقتها. ولكنها من خصائص ذلك التقليد الأعمى لعلم الطبيعة وعلم الفلك.

نوع المجتمع الذي يعتبره عالم الاجتماع ((استاتيكيًا)) يماثل تمامًا نوع المجموعات الفيزيقية التي يعتبرها عالم الطبيعية ((ديناميكية)) (وإن كانت موقوفة stationary). ولنا في المجموعة الشمسية مثال نموذجي على ذلك، فهي على المجموعة الديناميكية بالمعنى الذي يقصده عالم الطبيعة، ولما كان لها طابع تكراري (أي موقوفة على حال واحدة تتكرر مرة بعد أخرى)، ولأنها لا تنمو ولا تتطور، ولأن بنيتها لا ينالها أي تغير، لكل هذه الأسباب فهي تماثل من غير شك تلك الأنساق الاجتماعية التي يعتبرها عالم الاجتماع ((استاتيكية)).

وهذا يُبطل الرأي الذي يستدل بنجاح التنبؤات الفلكية على إمكانية التنبؤ بالتاريخ الانساني.

لهذا الأمر أهمية كبرى فيما يتعلق بدعاوي المذهب التاريخاني، من حيث أن نجاح التنبؤات البعيدة المدى في علم الفلك إنما يعتمد كل الاعتماد على ما للمجموعة الشمسية من طابع تكراري، أو استاتيكي بالمعنى الذي يقصده عالم الاجتماع – أي أن نجاح التنبؤات معتمد في هذه الحالة على اهمالنا لكل عوارض التطور التاريخاني. إذن فنحن مخطئون من غير شك إذا افترضنا أن هذه التنبؤات البعيدة المدى، الخاصة بمجموعة ديناميكية موقوفة، تصلح أن نستدل بها على إمكان النبوءات التاريخية البعيدة المدى، الخاصة بالأنساق الاجتماعية الغير موقوفة.

“إن تطور الحياة على الأرض، أو تطور المجتمع الإنساني، عملية تاريخية فريدة”

لا يمكن أن تُسعفنا مشاهدة العملية الواحدة الفردة من التنبؤ بمستقبل تطورها. فنحن مهما بذلنا من عناية في مشاهدة نمو يرقة واحدة، فلن يساعدنا ذلك على التنبؤ بتحولها فيما بعد إلى فراشة. وهذه الحجة من حيث انطباقها على تاريخ المجتمع الإنساني، قد صاغها هـ.أ. فيشر في الألفاظ الاتية “لقد تبين الناس، في التاريخ خطة وإيقاعًا منتظمًا ونمطًا مرسومًا، ولست أرى فيه إلا مفاجأة تتلوها مفاجأة، أو مجرد واقعة واحدة كبرى يستحيل علينا أن نصدر التعميمات بشأنها، لأنها واقعة فردة“.

ابن خلدون و العرب: مفهوم الأمة العربية

 

عبد العزيز عبد الكريم طه الدّوريّ (1919-2010)، مؤرخ عراقي يعد شيخ المؤرخين وإمام التاريخيين. أغنى بعطائه التراث التاريخ العربي والإسلامي.

في الأعمال الكاملة له التي نشرها مركز دراسات الوحدة العربية و تحديداً الكتاب الثامن (أوراق في علم التأريخ) وهو مجموعة من مقالاته، تنتظم في باب البحث في التاريخ كعلم و مفهوم. و قد كان جهده منصبّاً على التاريخ العربي، ليُبرز خصوصية هذا التاريخ في مضامينه و في مصادره. بالإضافة لوقفته الجادة مع العلامة (ابن خلدون) في بعض القضايا كموقف (ابن خلدون) من العرب في مقالته: “ابن خلدون و العرب” و التي وطّد في مقدمتها مدخلاً لدراسة (ابن خلدون) فقال:
و أيّة دراسة لابن خلدون حريّ بأن تلاحظ أمرين: أولهما أن (ابن خلدون) استوعب التراث العربي الإسلامي و تمثّله. و الثاني أنه ابن عصره القلِق، اكتوى بمشاكله و حاول أن يقهمه و أن يعِي التحوّلات التي أدّت إليه.
و(ابن خلدون) (732هـ/1332م – 808هـ/1406م) مؤرخ أولاً، يبدأ بتعريف التاريخ و يُندد بقلة النقد فيه و ضعف أسلوبه لدى أسلافه ليضع قواعد النقد الدقيق.
و لاحظ (ابن خلدون) انقلاب أحوال المغرب في أواخر المئة الثامنة. و أثّر الطاعون الجارف في أواسط تلك المئة، مما أدى إلى انتقاص عمران الأرض في المشرق و المغرب، ولعله أدرك أفول الحضارة الإسلاميّة، فقال: “ و إذا تبدّلت الأحوال فكأنما تبّدل الخلق من أصله و تحوّل العالم بأسره، و كأنه خلق جديد و نشأة مستأنفة و عالم محدث، فاحتاج إلى هذا العهد من يُدون أحوال الخليقة و الآفاق و أجيالها و العوائد و النحل التي تبدّلت لأهلها
و ينتقل الدّوري لتقسيم كتب (ابن خلدون) بقوله:
وقد قسّم (ابن خلدون) تاريخه العبر إلى ثلاثة كتب: الأول هو (المقدمة)، و مقدمته الحقيقية هي التمهيد ( في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الإلماع لمغالط المؤرخين ) و الكتاب الثاني في أخبار العرب منذ بدء الخليقة إلى زمنه مع الإلماح إلى بعض من عاصرهم من الأمم، و الكتاب الثالث في أخبار البربر و من إليهم.
و إذا كان الكتاب الأول في فلسفة التاريخ و الاجتماع – فإن كتابيه الثاني و الثالث في التاريخ. لذا وصف الكتاب الأول بأنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم و مايعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، في حين إنه في بقية مؤلفه بتمثل الغكرة التاريخية الإسلامية التي ترى الهدف من التاريخ ” فائدة الاقتداء لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا “. و هو مفهوم يتفق في الأساس مع وجهة الطبري (الذي أفاد منه ابن خلدون في تاريخه) في الغرض من الكتابة التاريخية.
و يستطرد الدوري:
و من المتعذّر أحياناً فهم تفكير (ابن خلدون) التاريخي بالاقتصار على المقدمة، فقد أورد الكثير من الأمثلة التاريخيّة في المقدمة من دور العصبية أساسًا لتوضيح الفتنة الكبرى و لتطور مؤسسة الخلافة بعدها حتى تدهور السلطة العباسية.
كما أن فهم نظرته للأمة، و بالأخص الأمة العربية، لا يتضح دون الإفادة من تاريخه، فالتاريخ بنظره يوثقنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم و الأنبياء في سيرهم و الملوك في دولهم و سياساتهم.
فلئن ركز الطبري على تاريخ الرسل و الملوك، فقد أضاف (ابن خلدون) تاريخ الأمم.
و الأمّة عند (ابن خلدون) ترِد بمفهوم بشري في تصنيفه للبشر ( في تاريخه ) و في إطار تحليله لطبيعة العمران في ( مقدمته)، و يميزها من الملة التي تجمعها رابطة الدين أساساً. وهذا لا ينفي استعمالات قليلة لكلمة ” الأمة” : إشارة إلى الأمة الإسلامية.
و هو يُعطي الانطباع في مقدّمته بأن مفهوم الأمة واضح لا يحتاج إلى تحديد. و لكنه من ناحية أخرى، يشعر بأن مقومات الأمة نسبية و تحتاج إلى تحليل و متابعة.
و يُلاحظ (ابن خلدون) اختلاف الأمم في السمات و الشعائر ( الخصائص ) و يُورد رأي النسّابين في أن ذلك يعود إلى اختلاف الأنساب، و لكنه يرفض هذا المفهوم ليقرر أن تميّز الأمة قد يكون بالنّسب مرة كما للعرب و الفرس، و يكون بالجهة ( البيئة ) و السّمة كما للزنج و الصقالبة، أو يكون بالعوائد و الشعائر ( الخصائص ) و النسب كما للعرب، أو يكون بغير ذلك.
و أما في حديث (ابن خلدون) عن العرب فيُكمل بقوله:
فيعتبرهم أمة لها روابط أو مقومات. و مع أن هذه الفكرة تمثلت في الفكر العربي الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري و تركزت حول اللغة و الطباع و السجايا، إلا أن (ابن خلدون) نظر إليها نظرة تاريخية و تتبع روابطها في إطار التطورات التاريخية ( سياسية، اجتماعية، اقتصادية) و قدّم نظرة شاملة.
و عن نظرة ابن خلدون في تكوين الأمة فهو يلاحظ ابتداءً أثر البيئة الطبيعية في كسب المعاش و في أسلوبه، و في الألوان و السّمات ( أو الصفات ) و في الأخلاق و العوائد بل و يمتد أثرها إلى الشؤون الدينية.
و قد تحدّث المسعودي قبله عن أهمية العوامل الجغرافية في التاريخ، و لاحظ أن السمات الطبيعية و الإمكانيات الفكريّة تتأثر بالأوضاع الجغرافية، و أعطاها الأثر الأول في الشّيم و الخلق. و لكن (ابن خلدون) ينتقده بأنه مجرد ناقِل لآراء جالينوس و يعقوب الكندي.
و يُؤكّد الدوري بأن آراء (ابن خلدون) في الأمة العربية يتبين أن نظرته ليست راكدة، بل تتصل بالحركة التاريخية للعرب، ابتداءً بالبداوة و امتداداً إلى الاستقرار فالحضارة و بخاصّة في إطار الإسلام و قيام الدولة الإسلامية و انحدارها.
و قد سُبِق (ابن خلدون) في كثير مما أورد من آراء. ففكرة انقسام البشر إلى أمم، و منها الأمة العربية، معروفة قبله توسّع فيها المسعودي . وتكوين الأمة العربية من شعوب و قبائل و طبقاتها أو أجيالها في التاريخ فكرة سبق إليها النسابون و المؤرخون. و تأكيد العربية و اعتبارها أساس النسبة إلى العرب فكرة بدأت بالإسلام واستقرّت منذ القرن الثالث الهجري. كما أشار البعض إلى أثر الاستقرار و التحضّر في ظهور لغات ( أو لهجات ) محلية قبله.
و لكن (ابن خلدون)، الذي استوعب التراث العربي الإسلامي، تميّز بنظرته التاريخية الشاملة و لذا نظر إلى مقوّمات الأمة العربية أو روابطها في إطار الحركة التاريخية، فلم يقرر مقومات واحدة ثابتة لها بل درس هذه الروابط و تتبّعها تاريخياً ليتبيّن الثابت و المتغيّر.
و تبدو النسب واضحة حين يعتبر روابط الأمة العربية النسب مرة والنسب و العوائد و الخصائص أخرى، فالحالة الأولى تشير إلى مرحلة البداوة و الحالة الثانية تصدق على مرحلة الاستقرار في صدر الإسلام ثم أتى إلى دور العربية، فأكد ارتباط العروبة بالإسلام، و رأى في العربية ( لغة و ثقافة ) رابطة تاريخية عبر العصور.

أدلة عربية للأفلام الوثائقية يجب عليك زيارتها

film-slate

تقوم الأفلام الوثائقية بدور كبير في تبسيط المعارف والعلوم والقضايا، وتحظى بكثير من الأهمية خصوصا في هذا الزمن الذي طغت عليه ثقافة الشاشة. في هذه التدوينة سنجمع المواقع العربية التي تجمع الأفلام الوثائقية لكي لا يكون لأحد عذر في عدم وجود الفيلم المناسب له. وخصوصاً مع أوقات الفراغ الكثيرة ربما لا يوجد أخف ولا أجمل من أن تشاهد فيلماً وثائقياً يعيد الكثير من تصوراتك إلى مكانها الصحيح. جميع الأفلام متوفرة مجاناً على الانترنت.