أرشيف الوسم: ترجمة حصرية

سلافوي جيجك: الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها

 الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها –

حوار مع الفيلسوف الشهير سلافوي جيجك

ترجمة: حسن الحجيلي

 

إذن بروفسور جيجك …

لا تناديني بروفسور إذا كنت لا تريدني أن اقتلك لأني اشعر بالإنزعاج عندما ينادوني بكلمة “بروفسور”، ويقولون: أين هو البروفسور؟ لدي مشكلة مع إستخدام الألقاب الرسمية، وهلم جراً. وعندما يناديني أحدهم بروفسور أستقبلها كنوعٍ من السخرية، ولستُ فخوراً بها…

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها؛ أنت لست مجرد فيلسوف ولكن على غير المعتاد فيلسوف شهير؟ هل الشهرة ضرورة؟

في البداية، مفهوم الشهرة نسبي، وكما تعلم لدي العديد من الأعداء؛ يعتقد بعضهم أني مجرد مهرج، و يعتقد البعض الآخر أنَّ خلف طبيعتي المسلية داعي للفاشية أو شخص ذا أبعاد ستالينية، وهلم جراً.

إذن؛ ما يسمى شهرة هو مجرد وسيلة لإبقائي بعيداً عن التعمق بجدية في الاعمال التي أقدمها، وأنا فخور حقاً بكتابي “أقل من لا شيء”، الكتاب المجنون والذي يتساوى في عدد صفحاته مع “الإنجيل المقدس”، وهو كتاب معروف وقد بيع منه نسخاً كثيرة جداً، فكل ذلك يعطيني الأمل بأن لا نقلل من شأن عامة الناس .

مؤخراً، تعرضت للضغوط من مؤسسات لنشر الكتب لأجل أن اقوم بتأليف كتاب مسلي من فئة الأكثر مبيعاً عن دونالد ترامب، ولكن لماذا ينبغي علي تأليف ذلك؟ لا أعتقد أن ترامب مثيراً للإهتمام بل هو أحمقٌ مُمل.

 

هل أنت قلق حول كتبك تصبح زينة فوق طاولات القهوة؟ أنت تعلم، الناس يشترونها ولكن في الواقع لا يقرؤونها؟

بالطبع أنا قلق، ولكن ليست الكتب التي توضع فوق طاولات القهوة وحدها لا تقرأ، خذ معها كتب الأكثر مبيعاً، والكتب الكلاسيكية أيضاً، الناس تشتريها ولكن لا أحد يقرأها.

و على سبيل المثال انظر كتاب جون رولز بعنوان “نظرية العدالة”؛ اعرف شخصياً مؤلفين من نيويورك قاموا بتألف كُتباً عن “نظرية العدالة”، و اعترفوا لي على انفراد وفي لقاءات خاصة أنهم لم يقرؤوه، و لا اختلف معهم لأن أسلوب جون رولز في الكتابة يمكن اختصاره داخل  50 صفحة ولن تفقد من مضمونه شيئاً.

وكل ذلك يقودني لبعض الشكوك المشابهة حول هيجل و مؤلفاته عن “المنطق”، فأنا اشك أن الناس قرؤوها، ولسببٍ ما أعتقد أنه لا يهم حتى وإن لم يقرؤوها.

ويوجد كتاب رائع لمؤلف فرنسي إسمه بيير بايارد، بعنوان “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها؟”، المؤلف يأخذ موضوع عدم قراءة الكتب بجدية وبالجدية الفرنسية الصارمة، وليس بأسلوب هزلي ساخر، فيقول: إنَ أفضل الكتب التي تناقش مؤلفين آخرين تم تأليفها من أناس لم يقرأوهم بشكلٍ كاملٍ، ويضيف أيضاً: عندما تتحدث عن كتاب لم تقرأه يجب أن تقوم بالتركيز على جزئية واحدة، ثم تترك هذه الجزئية الوحيدة تصبغ إنطباعك الكُلي حول الكتاب.

وهو بالطبع صادق، لأن تلك هي الكيفية الوحيدة لتقديم شيء جديد، وذلك عبر المفارقة الفلسفية التي تقول: لا تحتاج لتقرأهُ كلهُ إن كنت تعرف الكثير منه و إلا ستشوش القراءة أفكارك التي تعرفها.

 

ولكن الناس يشترون كتبك ولا يقرأونها، فهل بالرغم من ذلك تعتبرها علامة جيدة على إهتمامهم بالفلسفة؟

نعم، أمنيتي السرية أنَّ هناك فئات متعددة من القراء ومنهم القراء الذين لا يبحثون داخل كتبي عن النكت فقط.

فبعد السلسلة الفلسفية من الكتب التي ألفتها مؤخراً، والأكثر فلسفية، كتاب بعنوان: “الإرتداد المطلق” والذي إن كنت تسألني تحت تهديد خطر الموت – وآسف لقول هذا – هو أفضل كتاب من بين الكتب التي ألفتها على الإطلاق، لأن بسببه استقبلت رسائل كراهية عبر الإيميل، ومنها رسائل تشكوى: “أين النكت؟”.

بعيداً عن النكت البذيئة التي اقولها؛ يتهمني البعض أني مجرد فيلسوف تقليدي جداً! وهم صادقين بعض الشيء لأني استخدم فلسفة جاك لاكان كأداة صارمة لإعادة تأويل فلسفة هيجل.

وأكبر حدث في تاريخ الفلسفة هو الانتقال من كانط إلى هيجل.

 

مالذي يجب على الفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ أو مالذي يمكن للفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ وهل كان هيجل علامة فارقة ذا أهمية؟

قطعاً بالتأكيد. اليوم ربما ليس الوقت المناسب لتغيير العالم ولكن بدلاً عن ذلك يجب أن نخطو عودةً للخلف، ونتأمل. فكل ما نحتاجه اليوم هو الإنتقال من مادية ماركس إلى مادية هيجل لأنها أكثر حصافة ودقة.

هل تعرف من هو هيجل الذي يعجبني؟ هيجل الذي يقول في مقدمة كتابه: “إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، و تعطي هذه المقولة البسيطة انطباعاً خاطئاً أن هيجل كان محافظاً في “فلسفة الحق”، و بطريقةٍ ما فهو يدعوا إلى الفاشية داخل المجتمع، لأنه كتب ما معناه أن أي نظام تاريخي محدد لا يمكن فهمه إلا بعد أن ينتهي وقته، فهل تعتقد أن هيجل مغفلاً ولا يعرف أن نفس الوصف من الممكن أن ينطبق على كتابه “فلسفة الحق”؟ هيجل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل إجتماعي محدد، بل يرسم حالة اجتماعية تُشكل نفسها بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. وحالنا اليوم يشبه فلسفة هيجل تماماً وأكثر بكثير من فلسفة ماركس.

ماركس يؤمن وبقليل من الغائية أن الظرفية الاجتماعية تتطلب ثورة بروليتارية كضرورة حاسمة،  ومهمتها إصلاح البشرية جمعاء. لكن بالمقابل تُفهم الظرفية الاجتماعية عند هيجل على اعتبار انها نهج ما بعد الثورة. فخذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية التي أخفقت، وتطورت بطريقةٍ ما لتصبح شيئاً بعيداً عن الصواب، ولكن هيجل قام بإعادة تأويلها.

الإشكالية العصية التي تطرحها أفكار هيجل هي أن لا تقول أن الثورة الفرنسية مجرد هراء، ولكن يجب عبر كيفية خاصة أن نحافظ عليها كإرث تاريخي بشري حي بغض النظر عن النتائج الكارثية التي آلت إليها الثورة. وأتصور أن وقتنا الحالي مشابه جداً لتلك المرحلة؛ فالقرن العشرين فشل في محاولات التحرر من الراديكالية السياسية.

ويجب أن نتخلى عن الإستعارات المجازية الماركسية مثل أننا اليوم نقود قطار التاريخ البشري. فالماركسيون يحبون أن يقولون حتى وإن كانت الأيام مظلمة؛ فبالإمكان رؤية النور آخر النفق. وأنا أقول بقليل من السخرية: ” نعم إنه نور قطار آخر يتجه نحونا”.

إذن هذا حالنا اليوم، وهيجل يعرفه، حالنا مكشوف؛ لا نستطيع عمل أي خُطط لتغيير العالم.

 

ولكن النور معنى مجازي، وقد يعني أي شيء، ولايعني بالضرورة قطاراً آخراً؟ هل من الممكن أن يكون النور هو نهاية النفق؟

نعم مجازي. و بسبب ذلك يجب علينا أن نتخلى عن الأوهام والآمال الزائفة.

حتى الجناح اليساري اليوم، في معظمه هو يسارية فوكويامية. فيعتقدون جوهرياً إن الليبرالية الديموقراطية وأجزاء من الرأسمالية هما اللاعبان الرئيسي والوحيد في العالم، و يحاولون أن يجعلون اليسار أفضل بمزيد من التضامن الاجتماعي والوحدة الاجتماعية و التآمين الصحي وزاج المثليين….الخ.

وجوابي على فوكوياما: حسناً لنقل أنك على صواب، وان الرأسمالية انتصرت، أليس من السخرية أن أغلب قادات الرأسمالية العالمية هم شيوعيون يمتلكون القوة. لذا يجب علينا أن نتفق في أن إدارة الأمور بطريقة القرن العشرين قد انتهت.

 

ألا تعتقد أن هذا يقودنا إلى إشكالية اصطلاحية؟ عندما تقول “الرأسمالية يقودها شيوعيون يمتلكون القوة”، مالذي تقصده بالرأسمالية؟ الرأسمالية لها صيغ وأشكال متعددة، والشيوعيون الذين يقودون الرأسمالية بالتأكيد ليسوا شيوعيين حتى إن ادعوا ذلك.

على أي مقدار أنا شيوعي؟ بقدرٍ محدود للغاية. و ألسنا كلنا شهود اليوم على تهكم عظيم؟ فما تبقى من اليسار عاجز عن تقديم نموذج عالمي بديل وملائم. واتذَكر عندما كنت جزء من الحركة الاجتماعية “احتلوا وول ستريت”، وكنت مع المعارضين في نيويورك أسأل الحشود أسئلة حمقاء مثل: “مالغاية التي تريدون الوصول إليها؟” وطبعاً لم يعطوني جواباً وحداً لأنهم أصلاً لايعرفون ماذا يريدون. فاليسار اليوم يتجه نحو الأخلاق الاجتماعية كأجوبة بسبب الإفراط في التركيز على مفاهيم مثل الصواب السياسي، وهلم جراً.

المشكلة هي أن المعارضين لا يعرفون ماذا يريدون وبلا هدف واضح من ناحية، ومن ناحية آخرى أليست كل العلامات التي من حولنا تدل على أن الرأسمالية التي نعرفها، تقترب من النهاية؟ انظر  إلى المشكلة الايكولوجية “البيئية”، من الواضح أن الرأسمالية عبر سن الأنطمة والضرائب لم تستطع تقديم حلولاً كافية. وانظر الى الرأسمالية الخيالية، وكيف يسوقون لها الناس. وعندك أيضاً مشكة المهاجرين، اذا سألتني، أعتقد أن الرأسمالية تنهار. وعند وقوع كوارث كبيرة نحتاج لحلول أكبر، يستطيع أن يحتويها.

و انظر الى مشكلة الجينات الحيوية والتي ستغير في كينونة الإنسان الحي؛ بالإمكان أن تتصل أدمغتنا مباشرةً بأجهزتنا الكمبيوترية. والنتيجة الحزينة الوحيدة، والتي كنتُ ولازلت أحذر منها هي نموذج الدولة المثالية؛ الدولة المفتوحة تماماً للسوق العالمي، ولكن في نفس الوقت مبنية على آيديولوجية التمركز العرقي، بالتركيز على ثقافتها الخاصة فقط، وهذا ما يقوم به ترامب، وجميع الحكام الدكتاتوريين، والصين، والهند، وحتى بوتين يلعب نفس هذه اللعبة. فالعالم يتجه نحو نهج دولي جدي عبر الانفتاح على السوق العالمي الحر، وبالمقابل،كقاعدة أساسية الإنغلاق على الذات وعدم قبول الآخر. وهذا شيئٌ محرنٌ جداً.

ونعود الآن لسؤلك: لماذا الشيوعية؟ أتصور جميع المشاكل التي سردتها هي في نهاية المطاف كما يصفها، كارل ماركس ب “العموميات”، والمقصود وجود بعض الأجزاء العامة والمشتركة بين الجميع، والتي لا يمكن خصخصتها وتركها للسوق. فالايكولوجيا “علم البيئة” جزء من حياتنا الطبيعية المشتركة، وإلى أي مقدار  يمكننا التلاعب فيه؟ وعندك أيضاً الملكية الفكرية هي من مشاكلنا العمومية، ومعها أيضاَ مشاكل الجينات الحيوية. وبهذا المعنى أضعها بشكل ساخر، وأقول : “اليوم الشيوعية ليست الحل، ولكنها إسم المشكلة”. لذا يجب علينا أن نجد حلاً بمستوى عمق مشاكلنا؛ أي نتعامل مع مشاكلنا العمومية خارج نطاق متطلبات علاقات السوق العالمي.

صديقي بيتر سلوتردايك، عبر كتابه بعنوان ” ماذا حدث في القرن العشرين؟” قدمَ نفس الإستنتاج، بانتهاء حقبة الدولة القومية التي تكون أسمى قيمها الأخلاقية العليا مبنية على ” هل أنت جاهر للتضحية لأجل وطنك؟”. فنحن بحاجة إلى نماذج فعاله للخروج من حدود الوطنية القُطرية كطريقة ناجعة لحل مشاكلنا مثل مشكلة الجينات الحيوية.

على الرغم من كوني ماركسي جيد إلا أنني لست ضد الرأسمالية بالمطلق، لأنها النظام الأكثر ديناميكية في تاريخ البشرية. وأيضاً أرفض قطعاً الإعتماد على المفاهيم القديمة التقليدية لمحاربة الرأسمالية العالمية، بل يجب أن نحاربها بمفاهيمنا الخاصة عبر رؤية عالمية جديدة. ونقطتي التي أود أن أقولها يجب علينا عبر ممارسة الرأسمالية أن نتجاوزها، ونتخطاها، ولا أقول أريد طوبائية “حياة مثالية” وأكثر، ولكن أقول من الواضح أن الرأسمالية تقترب من أزمة كبرى، والسبب عدم قدرتها مواجهة مشاكلنا العمومية مثل المشكلة الايكولوجية، وهلم جراً.

أنا هنا متشائم الى حدٍ ما، بمعنى أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشاكلنا عبر مفاهيمها الخاصة. وأيضاً أجد خوف الناس من البطالة بسبب العولمة غير عقلاني، أقول لهم: ليس صحيح لأن زيادة البطالة بسبب العولمة هي أفضل خيار تاريخي حصلنا عليه. لأن حان الوقت أن نقول: “عظيم! الأن سنعمل أقل”، ولكن الإفتراض التلقائي جواباُ على البطالة في انها كارثة.

 

هل تقول أنه لا توجد فعلياً ثورات سياسية مُحكمة السيطرة والتخطيط؟

نعم، هذا تصور هيجلي؛ لا توجد ثورات محكمة التخطيط. وماركس كان يقول أن الثورة البروليتارية عملاً يفهمه بوضوح الذوات التي تقوم به، ويحقق تطلعاتهم. وفي مرحلة ما من التاريخ الطبقة العاملة (بقيادة لينين) كانت تعرف بوضوح المواضيع التي تريد تحقيقها، وعملوا الثورة، ولكن النتيجة لم تكن عن غاية مخططة فلم تعبر بصدق عن المجتمع، بل وقعت في نفس الجدلية التاريخية التي سبق أن وقع بمثلها في مرحلة سابقة من التاريخ.

في كتابي الجديد “شهوانية الباطل: عُقد الفلسفة الإقتصادية”، أسأل عن معدلات الموت في الأنظمة الشيوعية. لا أحارب فقط ضد صدق وشفافية الثورات ولكن أحارب أيضاً ضد الرؤى التي بطريقة أو بأخرى ستكون محل تمجيد في المجتمعات الشيوعية. فأنا أقول فقط، ولكن من الذي يعرف؟ ربما الأوضاع ستكون أسوأ. وحتى بدون تنميط الماركسية بصورة مخادعة يجب علينا فهم مصطلح “الكثافة التاريخية”. افذا كانت جميع القوانين الاجتماعية تفتقر للشفافية الصادقة، سينتج عنها مجتمع جديد مطابق لها تماماً آي أنه في الأساس مجتمعاً لا يعرف مالذي سيقدمه.

 

أنت أشرت سابقاً إلى الصواب السياسي، هل تعتقد أنه مشكلة؟

لدي بعض الشكوك حول مفهوم “الصواب السياسي”، فأتفق مع أهدافها، وعدم الإهانة، وعدم الذل، وصمودها ضد القوة الاجتماعية، ولكن فكر في شخصية الإنسان “الكائن الحي” الذي يؤمن بالصواب السياسي، سيعيش في هووس بين قلق الإيذاء الشائع و بين كثرة ضحاياه لدرجة أصبحنا فيها دائماً مهددين في كل ما نفعله. واذا نظرت الآن إلى عينيكِ لمدة ثانيتين، قد تُعتبر نظرة طويلة، وتصبح تحت مفهوم “الصواب السياسي” جريمة إغتصاب بصري. بالتالي خلف الصواب السياسي رؤية حزينة ” أننا جميعاً من المحتمل أن نكون ضحايا”.

 

أليس الصواب السياسي في مجمله هو ضبط اللغة باستخدام ألفاظ لبقة للتعبير عن ذواتنا بغض النظر عن التعصب الموجود بداخلنا؟

نعم لكن تطبيقها يُخفق، فأفضل خطوة للوقوف خلف العنصرية ليس بتغيير اللغة، ولكن بإستخدام نفس اللغة بطريقة ساخرة لاعنصرية بسبب اعتقادي بإستحالة التواصل مع بعضنا بلا قليل من البذاءة.

 

كنت أتساءل هل تتصور بالإمكان وضع سؤلاً فلسفياً واحداً تحديداً اليوم ليكون بارزاً؟

من الممكن وضع سؤلاً حول طبقات المظهر الخارجي (الشكل)، وهي مسألة مؤلوفة، وحتى كانط ناقشها كثيراً: ” هل كل الذي حولنا يحدد مظهرنا الخارجي؟ هل بالإمكان تجاوز المظهر الخارجي ولمس الجوهر بواقعية كما هو؟”، بالمقابل عظمة هيجل تكمن في التعامل مع هذه المسألة بشكل عكسي، بالقول: “كيف يظهر الجوهر الداخلي بواقعية وصدق عبر المظهر الخارجي كما هو؟”، لأن المظهر الخارجي يعني فجوة مريعة. فالأشياء ليست هي فقط مظهرها خارجي، بل هي ماتظهره لذواتها داخلياً. وأنا هنا هيجلي تماماً، وأؤمن بوحدة المظهر والجوهر، و وجوب تبادل الحد الأدنى من الانعكاسية بين المظهر والمطلق الكلي.

وبالنسبة لي تعلمت من الفيزياء الكمية أن المظهر مجرد مادة، ويمكن قياس مقدار حجمها بمقدار ظهورها، والظهور يعكس الماهية؛ جوهرها.

 

نحن الأن نقترب من نهاية المقابلة، ولكن قد يتساءل قرائنا، من بين كل الكتب التي قمت بتأليفها؛ ما هي الكتب التي يتوجب علينا قرائتها؟

من كتبي أتصور كتاب “حدث: فلسفة العبور”، وإن كنت تمتلك الطاقة الكافية فأنصح بكتاب “الإرتداد المطلق”.

وأيضاً بالطبع يوجد عندك الفلاسفة العظماء الثلاثة بالنسبي لي وهم: أفلاطون، و ديكارت، و هيجل، ولماذا؟ لأن كل واحداً منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ” أليس تاريخ الفسلفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟”، ومن بعده يأتي ديكارت؛ فالجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيجل. هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، هم فلاسفة “الحدث”.

*    أجزاء من حوار في مجلة “الفلسفة اليوم” العدد 122، نُشر بتاريخ أكتوبر2017

حاور سلافوي جيجك، آنجا سينباوز، في لندن كافية..

من رسائل سيلفيا بلاث

سيليفيا بلاث

سيلفيا بلاث (1932 -1963)، شاعرة أمريكية وروائية وكاتبة قصص قصيرة. ولدت في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية ودرست في جامعة سميث وجامعة نيونهام في كامبريدج قبل أن تشتهر كشاعرة وكاتبة محترفة. تزوجت من الشاعر (تيد هيوز) في 1956 وعاشا أولاً في الولايات المتحدة قبل أن ينتقلا إلى بريطانيا.

في سنة 1975 قبل فوزها بجائزة بوليتزر بعشر سنوات تقريبًا وقبيل نشر يومياتها قامت والدتها بتعديلات على مجموعة رسائل كتبتها (بلاث) في سنوات مراهقتها إلى عائلتها ثم نشرتها في كتاب تحت مسمى (منزل الرسائل)
تجلّت فيها قوة العاطفة التي تمتعت بها روح الشاعرة، أترجم بعضًا منها هنا:

تقول (بلاث) في عمر السابعة عشر:
أشعر أن من الواجب علي أن أحافظ على كوني في سن السابعة عشر، كل يوم منه نفيس جدًا. أشعر بالحزن بمجرد تصوّر أن تفلت هذه اللحظات مني بعيدًا بينما أكبر في العمر. الآن! الآن هو الوقت المثالي في حياتي.
بالعودة إلى الستة عشر عامًا الماضية أرى المآسي والسعادة بشكل عشوائي، كلها لاتهم الآن، تصلح فقط للابتسام لذلك الغموض.
أظل أجهل نفسي، ربما لن أعرفها مطلقًا. لكنني أشعر بالحرية، غير مرتبطة بأي مسؤولية.
تشديدًا على رأي (سوزان سونتاج) حول أن “الكاتب مُراقِب وملاحظ احترافي بطبعه” تضيف (بلاث):
 في اللحظة الراهنة، أشعر بالسعادة الشديدة، مستندة إلى طاولتي، ممعنة النظر إلى الأشجار العارية حول المنزل في الشارع المقابل. أريد دائمًا أن أكون مراقِبة، أريد أن تؤثر فيّ الحياة عميقًا لكن بدون أن تعميني عن رؤية وجودي في ضوء هزلي ساخر وأن أسخر من نفسي كما أسخر من الآخرين.
أخشى التقدم في السنّ، أخشى الزواج، أعفني من طبخ ثلاثة وجبات في اليوم، أعفني من سجن الروتين والتكرار القاسي.
وتكمل:
أريد أن أصبح حرة- حرة لأن أعرف الأشخاص وخلفياتهم- أن أتنقل إلى أجزاء مختلفة في العالم لأتعلم أن هنالك معايير وأخلاقيات غير تلك التي أنتمي إليها. أريد أن أصبح واسعة المعرفة، أعتقد أن بودّي تسمية نفسي “الفتاة التي أرادت أن تصبح إلها”. لكن، إن لم أكن في هذا الجسد أين يمكن أن أكون؟ ربّما من المقدّر لي أن أعيش مصنّفة ومؤهلة، لكني أحتج ضدّ ذلك! أنا قوية -لكن إلى أي مدى؟.
أحاول أن أضع نفسي مكان شخص آخر في بعض الأحيان وينتابني الرعب عند نجاحي في ذلك. كم هو فظيع أن أكون أي
شخص غير نفسي!
أحمل غرورًا رهيبًا. أحب جسدي، ووجهي، وأطرافي بتفانٍ غامر. أنا ملمّة بكوني “طويلة جدًا” و لدي أنف كبير، لكن رغم ذلك أظل أقف وأتزين أمام المرآة وأرى أكثر كم أنا جميلة. أقمت في دماغي صورة عن ذاتي -صورة جميلة ومثالية- أليست صورة خالية من العيوب – النفس الحقيقية؟ الكمال الحقيقي؟ أأنا أتوهم عندما تدس هذه الصورة نفسها بيني وبين المرآة التي لاترحم. (وحتى الآن أقوم بنظرة خاطفة على ماكتبته- يالحماقة ذلك، ياللمبالغة الدرامية.
تتسائل (بلاث) عما إذا كان سعيها للكمال سيثمر قائلة: “لن يحدث أبدًا، أبدًا أن أصل إلى الكمال الذي أطمح إليه بروحي. لوحاتي، قصائدي، حكاياتي، كلها انعكاسات ضعيفة”. وتتحدث عن خوفها من مواجهة سن النضج واتخاذ القرارات:
سيأتي وقت ما عليً فيه أن أواجه نفسي في نهاية الأمر. حتى في الوقت الحالي أخشى من اتخاذ القرارات العظمى التي تهدد حياتي. أي كلية؟ أي وظيفة؟ أنا خائفة أشعر بالحيرة. مالأفضل؟ ماذا أريد؟ لا أعلم. أحب الحرية. أستنكر القيود والتضييق. أنا لست حكيمة كما كنت أعتقد. أستطيع الآن رؤية الطرق المتاحة لأجلي -كما لو كنتُ في وادِ- ، لكن لا أستطيع رؤية النهاية ـ العواقب..
اه كم أحب الوقت الحالي بكل مخاوفي وشكوكي، لأني الآن لا أزال كما أنا، غير متشكلة كليًّا. للتو تبدأ حياتي. أنا قوية. أتوق لأن يصبح لدي سبب لأكرس كل طاقاتي لأجله…
ذلك السبب أصبح الكتابة. حسّ بالغرض جاء بشكل عفوي لبلاث. يتجلى هذا الغرض في واحدة من قصائدها المبكّرة كتبتها في ذات الوقت:
أنت تسألني لماذا أكتب طيلة عمري؟
هل أجد متعة في ذلك؟
هل تستحق العناء؟
والأهم، هل هي مربحة؟
إذا كان الجواب لا. هل هنالك سبب آخر؟أكتب فقط، لأن هنالك صوت ما
بداخلي لايكفّ.

وفي رسالة أخرى لوالدتها عام 1955 تعبّر فيها عن أهمية الكتابة في حياتها:
الكتابة هي الحب الأول في حياتي، عليّ أن أحيا بشكل جيّد، بترف، وفي مكان بعيد لكي أكتب. لن أصبح أبدًا كاتبة انطوائية كأغلب الأشخاص. لأن كتاباتي تعتمد كثيرًا على حياتي.
وفي شهر يوليو من عام 1956، تكتب (بلاث) لوالدتها في عمر الثالثة والعشرين خلال رحلتها إلى باريس مع زوجها (تيد) الذي قابلته خلال شهر فبراير وتزوجته في شهر يونيو:
كلانا ننسلخ برويّة من إرهاقنا العظيم، من الأحداث المدويّة خلال الشهر الفائت. وبعد حومنا في باريس نجلس، نكتب، نقرأ في تويليريس. كتب كلّ منا قصيدة جيدة، الأمر الضروري لرفع معنوياتنا الشخصية. ليست بتلك القصيدة أو الحكاية الرائعة ولكن على الأقل ساعات معدودة من الكتابة الصارمة في اليوم. شيء ما بداخل كلانا يحتاج إلى الكتابة لمدة طويلة يوميًا. وإلا لشعرنا بالبرودة تجاه الورق… نحن سعيدان حقًا حين نختلي بأنفسنا ونكتب نكتب نكتب. لم أعتقد يومًا أنني قد أنضج بهذه السرعة في حياتي حتى الآن. أظن أن السّر في ذلك هو أننا واقعين بشكل كلي في حب بعضنا البعض مما يجعل كتاباتنا خالية من كونها مجرد انعكاس للذات وإنما لوحة مؤثرة تعبر عن حياة الآخرين ومضيهم.

الشجاعة في أن تكون نفسك: كامينجز عن الفن و الحياة

eecummings_edwardweston

كتب الفيلسوف الألماني (نيتشة) عندما كان عمره ثلاثين سنةلا يستطيع أحد سواك أن يبني ذلك الجسر الذي تعبر فوقهأنت ولا أحد غيركنهر الحياة. و يقول الشاعر الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1995 (شيموس هيني) وهو يوجه المشورة إلى الشباب: الطريق الحقيقي و الأصيل يمرّ عبر التجارب مُشترطاً صدق المرء مع عزلته، و إخلاصه لخِبرته الذاتية.

كُلّ جيلٍ صاعد يعتقد أن عليه أن يُجابه ضغوطاً لم يسبق لها مثيل للأِمتِثال والإنِخراط في السياق الاجتماعي السائد. و أن عليه أن يُكافح أكثر من الأجيال السابقة ليحمي مَصدر نزاهته: خِبرته الذاتية. إلا أن هذا الإعتقاد نابعٌ من الغرور المُعتاد للثقافة التي لا تُبصر تحيّزاتِها الخاصّة، و تجهل نظائِرها في السياقات التاريخية. وفي الواقع فإن أغلب مايحدث حولنا هو إنعكاس للظروف التي خلقناها و نستمِر في تعزيزها عبر النظام الإعلامي الإيكولوجي الحالي؛ نظام بافلوفي من ردود الفعل الشرطيّة، حيث تُكافأ الآراء الشائِعة السطحية، وتُهاجم الأصوات المتفرِّدة مِن قِبل الغوغاء.

وقف قِلّة من الناس في وجه هذا الإكتساح الثقافي للفردية، ومن أكثرهم ثباتا و شجاعة إي. إي. كامينجز (1894 – 1962)؛ الفنان الذي لم يخش كونه متفرداً و لاتقليدياً. والذي وُصف مِن قِبل أحد أكثر كتّاب سيرته الذاتية دقّة بأنه كانيزدري الخوف، ويعيش حياته في تمردٍ على كلّ من يحاول أن يحكُمها.

في عنوان مقارب للكتاب الصغير الذي يضجّ بالحكمة للشاعر الألماني (رينير ماريه ريلكه) (رسائل إلى شاعر شاب)، نشرت صحيفة محليّة تصدر في ولاية ميشيغن نصّاً قصيراً لـ(كامينجز) بُعيد عيد ميلاده التاسع والخمسين تحت عنوان: نصيحة من شاعر إلى الطلاب. يُخاطب فيه أولئك الطامحين في أن يكونوا شعراءوبطبيعة الحال يتّسع المعنى ليضُمّ جميع الفنانين النابهين الذين يمتلكون الشجاعة لِحدس الحقيقة الإنسانية:

إن الشاعر هو امرؤٌ يتعمّق في المشاعر، ويطوّعها ليصوغها في كلمات.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو عملاً يسيراً، بيد أنه ليس كذلك.

فالكثير من الناسيُفكرأويعتقدأويعرفأنّه يشعُر، إلا أن ذلك كله ليس “شعوراً” في الحقيقة. وقرضُ الشعر في لبّه وصميمه خبرةٌ عميقة بالمشاعر، و ما أعنيه هو أنه ليس معرفة” و لا اعتقاد” ولا تفكير”.

و أي إنسان يمكنه أن يتعلّمكيف يُفكر، أوكيف يعتقد أوكيف يعرف، ولكن لا يُمكن لأيّ كان أن يتعلّمكيف يشعُر. تسائلني لماذا؟ لأنك حينتفكّرأوتعتقدأوتعرفتستبطِنُ آراء الآخرين: إلا أنه في اللّحظة التي تغمُرك بها المشاعر وتكوّن خبرة ذاتيه عميقة فلستَ أيّاً سوى نفسُك

و أن لا تكون سوى نفسك، في عالم يبذُل قُصارى جُهده ليلاً ونهاراً، لأن يجعل منك نسخةً مكررةً لمن حولك يعنى أن تجاهد أصعب معركة يخوضها -ولا يتوقف عن خوضها- المرء. 

لا يتحدّث (كامنجز) من فراغ، فقبل أربع سنوات و عقِب منحه الزمالة المرموقة لأكاديمية شعراء الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد خاض معركة وتحمّل النقد القاسي الذي وجّه له من الشعراء التقليديين الذين طوقوه بالكراهية نظير شجاعته في كسر التقاليد و كونه في فنّه ”لا أحد سوى نفسهوهكذا بنظرة مُتفحّصة لتلك النزاهة الخلّاقة المنيعة، تعززها أخلاقيات عمل صارمة، يُضيف:

أمّا بالنسبة لأن تنظِم كلمات تعبّر بدقّة عن أعماقك – ولا أحد سواك – فإن ذلك يعني أن تبذل جهداً أكبر من أن يمكن تصوّره لأي شخص لا يُمارس قرض الشعر. تُسائلني لِماذا؟ لأنه لا أيسر من استعمال الكلمات المستهلكه. وهذا مانفعله جميعاً معظم الوقت و لا نكون شعراء حينها.

أمّا إذا وَجدت نفسك، بإنتهاء أوّل عشرة أو خمسة عشر عاماً من الكِفاح و العمل و الإستغراق في المشاعر، قد كتبت سطراً من قصيدة وحيدة، فإعلم أنك محظوظ جداً

وهكذا فإن نصيحتي لجميع الشباب الذين يرغبون في أن يُصبحوا شعراء هي: مارِِسوا عملاً أيسر مثلَتعلّم كيفية تفجير العالم، إلا إذا ماكنّتم متطلّعين – لا مجرّد مستعدّين –للإستغراق في المشاعر، و الكفاح والعمل حتى الموت.

هل يَبدو ذلك لكم مُغمّا؟  ليس كذلك.

إنّها أروع حياة على وجه الأرض.

على الأقلّ هذا ما أشعُر به.


[المصدر]

 

فخر الدين شيحو: أن تكون مقدمة في مخطوطة

fd2

فخر الدين شيحو، ولد بمدينة أوراخوفاتش بـ(جمهورية كوسوفو)، فنان وخطاط وشاعر متخصص في الأندراغوجيا (أساليب تعليم الراشدين)، بناء القدرات التدريب والتوجيه. منذ عشر سنوات وهو يباحث مستقل في التراث الروحاني العالمي والجماليات الكهنوتي. في كتابته الشعرية والنثرية نلحظ الأثر الصوفي والعرفاني بوضوح كما أن الحس التوجيهي وإن كان على خطاب منولوج ذاتي، هو من الملامح الظاهرة بنصوصه. وهنا ننقل لكم أحد نصوصه بترجمة حصرية لدى ساقية، والذي يقول فيه:

في ذلك اليوم عندما تطايرت حبوب لقاح الزعفران في الهواء

بخطوط متناغمة بشكل صارخ

عن ذلك السحيق الفسيح الذي يؤثر بمراهقتنا

يذكرنا بالماضي الخفي الثابت


إنه ذلك الذي يدلق “لا شيء”

سوى ما يشبه كأسا مليئا بالدموع


كان يسمى “المختار” بالتعيين

الذي تركه فارغ اليدين من شجرة الخمر

في الشمس


وجد سره في الضوء،

ولا حتى الظلام يمكنه أن يفضحه

كان القمر بدرا والأيام القادمة ستكون مشرقة،

تلك أهمية الوقت لذلك أقول انه يمتلك جاذبية ومساحة

دوره في الحديث بعد ترتيبات الأجندات المعروفة وغير المعروفة

يبدو هكذا: أنا فتحت المخطوطات التي أحملها في القلب

وتركت اثنتين في اليد اليسرى وأخريتان في اليمنى

لأنهم سيُكشف سرهم خلال “مركز العاصفة الهادئة”

يجب أن يتطابق الواقع مع نظام مسموع

وقوانينه الخاصة بالمراسلات يجب أن يظهر

“نظم مختلفة للحقيقة”

ما يجب أن تكشف عنه مع كلمات وصور

وأصوات واهتزازات يدلقها المرء على مر السنين

وسماها كهنوت


سمعته تقول: لا يوجد ما يمنعك

من أن تكون جيدا, أنه يحدث للعقبات

جد العوائق واقتلها بالابتسامة

لتصل المجد بالذهب

وجسد الحقيقة العاري بالعاج

إنه ينصح بحماسة: لا تستطيع نسيان

ما لقيت من إساءة.

ينبغي عليك، يجب عليك

أن تقوم به كما تطلبه الأساليب الروحية،

-الخوف، الحب والمعرفة-

تستطيع أيضا أن تتذكر الإحسان الذي قدم لك

ما يجب عليك هو أن تنسى الإساءة وتتذكر بعضها كدرس

حاول أيضا أن تتذكر كل ما لقيت من إحسان لتقدم للآخرين درسا

تزوج ثم أحب الأولاد لتضاعف صوت الدائرة

التي تغلفك بحب لا نهائي

ولأنك اعتدت أن تكون محبوبا من قبل والديك

وتصعب عليك الحياة بدون محبة الآخرين،

لذلك أنت تمزج الحب لمصلحتك

وتقرأ بنظام لترى استسلام روح توأم روحك

وتشعر بأنسك.

أنت تقرأ أيضا لتزيل ظلمة ستر الجهل

ولكن عندما ترغب بالتنوير, تتبع خطوات

أولئك الذين عبروا قبلك

وعندما ترى العلامات تسميها

بينما يضحك المسافر لأنك تسميهم

بمفرداتك وتظن أنك اكتشفت بعدا لم يتجرأ أحد أن

يخطو خطوة به أو يتجاوزه.

بينما في زمرة ذاتك تعطي الخطب البليغة موقفا وتمردا

حياتي كلها كانت معاناة لتكون لا شيء

أكثر من إنسان عادي

الآخر  يتحدث همسا بأصوات حياة ماضية

الآخر من الآخرين بعد صمت التوبات

عن مجموعة الذنوب

أرضية الغرور تعلن عن فرادة الحكمة التي أهديت له

وتحتفل بضجة جديرة بالثناء التي تقول:

أخيرا، أدركت أنني لأرضي الجميع وأجعلهم سعداء

عليك أن تنسى نفسك وكل سعادتك هناك

تتحرر روحيا، فترى شفاه الجنة مشبعة بالدم

والأنسجة الطلائية المشعة

حيث لا يوجد أي قرمزي يقارن بهذه الشفاه

وهي تقبل ضفائري وتخصِّب رحمي

الأم التي ينبغي أن أكونها لكل السلالة

يافع إلى الأبد: ذلك التجسد للمولود الأول

أينبغي لي أن أهب العالم ملكا عادلا وحكيما؟

محبوبا من الشعب والجماعة ومعشوقا من العظيم

لعلك تسطيع المشاهدة لكن اللمس سيكلفك كنزا

من مملكة خفية، الرغبة تصبح عناء دائما

للأطفال الشرهين. أتراه عمر أم إنسان

لم ينضج كفاية ليمسك بمعاناة الضيق تأتي بتدفق

لا يشفع لما تقدمه الأيام والأزمنة

بينما أقف جنبا إلى إلى جنب السمك الطائر

والفيلة العائمة.

نجاتها هو كل ما أعرضه عليك

النجاة التي تستطيع أن تلمسها

دون أن تدفع قرشا واحدا

 

ثمن السعادة عند هاربرت ماركوز

Herbert Marcuse

هاربرت ماركوز (1898 – 1979) فيلسوف ومفكر ألماني أمريكي، معروف بتنظيره لليسار الراديكالي وحركات اليسار الجديد ونقده الحاد للأنظمة القائمة.

في كتاب (الحب والحضارة)، جعل مقالة بعنوان “ثمن السعادة”، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (ماركوز) في مقالته:

إن أطروحة (سيغموند فرويد)، التي تزعم أن الحضارة تتأسس عل خضوع للغرائز الإنسانية تبدو بوجه عام صائبة. من ثمة يوضع سؤال المعرفة هاهنا حول مصالح الحضارة في تعويض المعاناة المصحوبة على الفرد دوما والتي غالبا  ما لا تأخذ هاته المسألة على محمل الجد.

حيث إن جميع النقائص التي يضبطها (فرويد) معتبرا إياها عملية على نحو تكون لا رجعة فيها ولا مفر منها أبدا، تكون فيها حرية قبول الإنسان بالحاجيات الغريزية التي تحركه متعارضا مع ىالمجتمع المتحضر، من جهة أن التنازل و الرضا المؤجل مرتبطان بوضعية التقدم. ليست قيمة ثقافية قط. إنما يجب أن تكون  مرؤسة من قبل العمل المنظم في فترات الراحة المتقطعة حيث الإنظباط المقترن بإعادة الإنتاج الواحد مرده في ذلك قانون الأمر الإجتماعي.

ثم إن التضحية النسقية للبيدو تعاود بشكل صارم تواضعها على عتبة الأنشطة والمؤثرات الإجاماعية المستعملة .

فتكون التضحية مثمرة جدا. داخل المناطق التقنية المتقدمة للحضارة. كما أن البحث في الطبيعة من جهته عملي كليا. وليس مجرد ماض لتحقيق أكثر تلبية للغرائز لاكبر عدد ممكن من الأفراد من أجل الرضا و القبول.

 فليس مكننة الحياة ولا تقييسها، ولا التصحر الثقافي، ولا سلطة التدمير المؤمنة بالنجاح و التي لا تنتج من جهتها مسارا لتناول سؤال الأساس، الذي يحكم نجاح الحضارة الغربية هو الكافل. إذن وحده الحجاج الضمني للإنتاجية يأخذ وعدا مرة أخرى بحياة أفضل ليكون أكثر تحققا دوما.

بيد أن تحولات النجاح، تبدو مقطوعة النسب ومقيدة بإشعاع العبودية وتكثفها في كل ربوع الكون المخصوص بالحضارة الصناعية، منظورا لهيمنة الإنسان على الإنسان تنمو نحو النجاعة، هاته الوجهة لا تظهر كما لو أنها تراجع عرضي و نقطة فصل في ترسيمة النجاح، فمخيمات التمركز، و الإبادات الجماعية و الحربين العالميتين و القنبلة الذرية، ليس كل هذا إنتكاسة للبربرية؟ إنما هي النتائج الغير منضبطة للبحوث التكنولوجية التي لا وجهة ولا مستقر لها.

  • إن التحذير من هيمنة إنسان ما على إنسان أخر هو الأكثر نجاعة، الذي يتحتم تنزيله في أعلى سلم الحضارة. مذاك سيبدو التحقق المادي و الثقافي للإنسانية شبيها بالبدء في خلق عالم حر وحقيقي.

 


[المصدر]:

HARBERT MARKUZ .EROS ET CIVALISATION (1955)INTROUDUCTION . j.GNENY ET B.FRANKEL.ed minuit .1963.PP 15.16