أرشيف الوسم: ترجمة حصرية

تشارلز بوكوفسكي‎ مستغربًا: قواعد؟ للكتابة؟

Charles Bukowski

هنري تشارلز بوكوفسكي (1920-1994) شاعر وروائي وكاتب قصة قصيرة أمريكي من أصل ألماني.

“اكتب ماتريد، كيف ماتريد، أين ماتريد، للسبب الذي تريد، في الوقت الذي تريد، لمن تريد. قد ينجح الأمر وقد لاينجح ليس هناك صواب وخطأ” – (لين مالوني)، كاتب استكلندي.

تحرر بعض الكتاب من قيود الأدب السابقة ومع ذلك فأن بعضًا منهم ممن سلك منهجًا خاصًا به أصبح من أعظم الكتاب على الإطلاق. ومن هؤلاء الكتاب (تشارلز بوكوفسكي). الكاتب ذو الآراء القوية، والمهارة التي لايختلف عليها اثنان. كل كتاباته سواءً شعرًا أونثرًا وحتى مراسلاته معززة بحسّ فريد وغير مبرر من الحيوية.

الكتابة الجيدة لاتعني الالتزام بقواعد معينة، لكنها شيء أكثر صدق وواقعية، وأكثر إنسانية واندفاع.

قام (بوكوفسكي) بتفصيل هذه الفكرة أكثر من خلال رسالته إلى صديقه (انتوني لينيك) عام ١٩٥٩م مناقشا أن أهم شيء بالنسبة للكتابة، يقصد كتابة الشعر هنا:

يجب التصديق بأن عددا من الشعراء أقصد الصادقون منهم،مستعدون للاعتراف بأن ليس بجعبتهم نوايا مسبقة لما سيقومون بكتابته. بالرغم من أنه اعتراف مؤلم إلا أن فن الشعر يظل محتفظًا بقواه من غير أن تتفكك إلى انتقادات.

 ويقول:

أنا لا أعني أن الشعر يجب أن يصبح كمهرج تافه وغير مسؤول يقوم برمي كلمات في الفراغ، لكن القصيدة الجيدة تحمل سبب وجودها بنفسها، والفن هو سببها الوحيد.

إما الفن، أو شيء آخر. إما قصيدة، أو قطعة جبن.

وفي رسالة أخرى إلى صديق، يشرح فيها أن مايهم حقا في الكتابة هو أن يكتب الكاتب مايريد كتابته، وليس مايجب عليه كتابته قائلا:

تبدأ بالفشل حين تبدأ بالكذب على نفسك في قصيدة بغية أن يسهل عليك اختراعها. لذلك لا أعيد كتابة قصائدي، وأقوم بكتابتها كما هي أول مرة. لأني إن كنت كذبت في المرة الأولى فلا داعي للتشديد على ذلك. وإن لم أفعل فلم القلق؟

وفي رسالة أخرى لـ(لينيك)، يناقش أسلوبه في الكتابة والقواعد، خاصة القواعد المعنية باللغة قائلا:

لم أعر انتباهًا شديدًا لقواعد اللغة. فأنا أكتب لمجرد الحب للكلمة، للونها. كمن يرمي الألوان بعشوائية على لوح الكانفاس، وينصت بتذبذب، ويقرأ هنا وهناك.

عامةً، يمضي الأمر بسلام، لكن تقنيًا لا أعلم مايحدث ولا أهتم.

وفي رسالة أخرى يستمر:

أظن أن بعض الكتاب يعانون من هذا القدَر في الأساس لأنهم متمردين بالفطرة، وقواعد اللغة كأي قواعد تحكم هذا العالم ومحاولة للتسيّد ممايمقته الكاتب غريزيًا. بالإضافة أن اهتمامات الكاتب تتوسع لتشمل النطاق الروحي والموضوع ككل.. نحن نهتم باللون، الشكل، والمعنى وكل نقطة تساعد على إبراز الروح.

وفي رسالة أخرى إلى (جون وليام كارينغتون) الكاتب والشاعر يناقش فيها إن مايهم في كونك كاتبًا أو مصورًا أو فنانًا، هو الشجاعة على خلق شيء خارج عن المألوف:

 القواعد لاتعني شيئًا للمبدع الحقيقي.. لنعطي المسافة، لنسمح بالأخطاء، بالهستيريا، بالمأساة. لنجعل الحواف تبدو حادة كما هي. أشياء كهذه تحدث، يُقتل القسيس على المرحاض، تهرب زوجتك مع أحمق لم يسبق له أن قرأ لـ(كافكا)، تُدهس قطة، تُلصِق أحشائها جمجمتها بالرصيف، تمرُّ عليها السيارات لساعات. تنمو الأزهار في الدخان، يموت الأطفال في سن التاسعة وفي سن السابعة والتسعين.

علينا أن نجعل الشموع تستمر في الاشتعال، أن نسكب عليها غازًا إن لزم الأمر. ماهو مألوف سيبقى مألوفًا لكن يبقى هنالك دائما صرخات من النوافذ.

تتولد هستيريا الفنان من خلال التنفس في هواء المقابر. وأحيانًا عندما تتوقف الموسيقى تاركةً لنا أربع جدران من المطاط، أو الزجاج، أو الحجارة. أو أن يحدث الأسوء وتجد نفسك بلا جدران على الإطلاق.

بئيسًا ومتجمدًا في صقيع القلب، من أجل التركيز على المنطق والشكل مما يبدو بلاهةً في وسط الجنون.

الإبداع هو هبتنا ونحن مرضى به. حرك عظامي وأوقظني للتحديق في جدران الخامسة صباحا.


[المصدر]

شكسبير يكتب دفاعًا عن اللاجئين

نشرت المكتبة البريطانية على موقعها الالكتروني العام الماضي النص الوحيد المكتوب بخط يد الشاعر والكاتب المسرحي البريطاني الشهير (وليم شكسبير). النص الناجي جزء من مسرحية شارك شكسبير بكتابتها مع كتاب آخرين بين الأعوام ١٥٩٦-١٦٠١، وهو مسودة يسترجع الخطاب الذي ألقاه نائب نقيب الشرطة في لندن (السير توماس مور) في الأول من أيار/مايو عام ١٥١٧، حاول فيه السير مور استمالة رحمة الحشود الساخطة على توارد وصول اللاجئين وحضهم على معاملتهم بشكل انساني. النص يُفصح عن معتقدات (شكسبير) الأخلاقية التي عبر عنها بكتابته الداعية للتآخي والتعاطف والمشاركة، وكذلك موقفه من السلطة. المسرحية التي حملت عنوان (كتاب السير توماس مور)، لم تُعرض على خشبة المسرح بسبب زعم السلطة الملكية آنذاك بالخوف من موجة عنف جديدة في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا وجهة المزيد من اللاجئين.

وصل لشواطئ إنجلترا بين الأعوام ١٣٣٠-١٥٥٠ آلاف اللاجئين الهاربين من عدد من الدول الأوروبية، معظمهم لاذ بحياته بسبب الاضطهاد الديني، وبعضهم جاء يبحث عن حياة أفضل. إلا أن رُهاب الأجانب استعر في قلوب السكان الأقدم في المملكة المتحدة، والذين اتهموا القادمين الجدد بالسعي وراء مصادر رزقهم وتغيير ثقافتهم. استمرت موجة الكراهية بالارتفاع إلى أن انفلتت العنصرية من عقالها ولم يستطع المعادون للأجانب كبح جماح غضبهم فخرجوا في مدينة لندن مسلحين بالعصي والحجارة والمياه المغلية، يهاجمون اللاجئين وينهبون بيوتهم، عُرف ذلك اليوم بالأول من أيار الملعون. في ذلك اليوم خرج نائب نقيب الشرطة في المدينة (السير مور) لتهدئة المحتجين واستمالة منطقهم الإنساني، إلا أن التعصب الأعمى قاد الحشود الغاضبة نحو التنكيل بمن لاذ بهم.

هنا ترجمة النص الشكسبيري بتصرف، ننقله لكم بشكل حصري في ساقية:


كتاب السير توماس مور

الفصل الثاني

المشهد الرابع

فليرحلوا إذا حاملين جلالة إنجلترا

التي نزعتها ضوضائكم

فكروا بالغرباء المعذبين

أطفالهم على ظهورهم

أمتعتهم الفقيرة على أكتافهم

جارّين أقدامهم للمرافئ والشواطئ بحثاً عن قارب نجاة

أما أنتم، هنا تتنازعُكم أهوائكم

وتصمت السلطة عن رغائكم

وتحيط برقابكم آرائكم

إلى ماذا ترمون؟ سأجيبكم:

غلبة العجرفة والبطش

كيف يمكن للقانون أن يسود على هذا المنوال؟

لن يشيخ أي منكم

تصورات الأوغاد هي نفسها

بصنائع أيديهم، بذرائعهم، بأنانيتهم

كالقرش والسمك ينهش بعضكم بعضا

ماذا لو ضاق الملك ذرعا بكم؟

ماذا لو قرر نفيكم؟

إلى أين ترحلون؟

من يؤويكم حسب طبيعة مزاجكم؟ فرنسا أم فلاندرز؟

أي مقاطعة ألمانية؟ إلى اسبانيا أم البرتغال؟

لا ملجأ غير إنجلترا

وإن قَلبَتْكُم الأنواء لغرباء

هل يرضيكم أن تجدوا أمة تحمل مثل هذا المزاج المتوحش؟

أمة تنفجر بعنف بشع

أمة لا تمنحكم موطئ قدم على الأرض

وتشحذ سكاكين الكراهية على رقابكم

وإن طردوكم كالكلاب؟ كأن الرب لم يخلقكم سواسية

ألا يُقلق راحتكم

عندما تضعون أنفسكم في أمكنتهم

ما رأيكم عندما تُستغلون؟

هذا قول عُجاب

وهذا توحشكم اليباب


[المصدر الأول]، [المصدر الثاني]

تيد هيوز، و”كيف تكون كاتبًا؟”

 

تيد هيوز

إدوارد جيمس هيوز (1930-1998)، المعروف باسم (تيد هيوز)، شاعر وكاتب للأطفال إنكليزي، يعتبره النقاد من أعظم شعراء جيله. وكان “شاعر البلاط” من سنة 1984 وحتى وفاته.

في كتاب جمع (رسائل تيد هيوز)، كتب الشاعر رسالة إلى ابنته في كيف تكون كاتبًا أو كاتبة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.


“طالع كتبًا جيدة، تكتسب عباراتٍ جيدة”هذا ما نصحت به الشاعرة (جين كينون) فيما تبقى من كتاب (بعض النصائح الحكيمة للكتابة والعمل بها). فإن كان الأدب ضروريٌ لتطوير أخلاقنا كما أعتقد (والت وايتمان) وتبني القراءة إنسانيتنا كما أكد (نيل جيمان)، إذاً فالانسجام مع العبارات الجيدة ليست ضرورية فقط لطريقة كتابتنا بل هي بمثابة جوهر إدراك شخصياتنا.

لذلك أشار الشاعر (تيد هيوز) في رسالة بديعة عُثر عليها في (رسائل تيد هيوزفي مكتبة عامة، ينصح بها ابنته المراهقة (فريدا)، وهي بذات الدرجة التي منحتنا رسالته المؤثرة للغاية لابنه عن تنشئة الطفل الذي في جوف كل إنسان.

أصبحت (فريدا) نصف يتيمة في عمر الثالثة عندما تُوفيت أمها (سيلفيا بلاث) منتحرة، وتُرك (هيوز) ليرعى هذين الطفلين الذين كتبت (بلاث) من أجلهم كتب خاصة بهم. وبعد ميلاد (فريدا) الثامنة عشر بوقت قصير – وكما أنها كانت على شفا كارثة فقدان وظيفتها الأدبية – شاركها أباها عن أكثر الأشياء أهمية والتي تعلّمها من (ت.س إليوت) ولا أقل من ذلك- عن ما الذي تحتاجه لتصبح شاعراً.

يكتب هيوز:

قال لي (ت.س إليوت): “هناك طريقة واحدة فقط يمكن للشاعر أن يطور كتابته الواقعية من خلالها – بغض النظر عن نقده لنفسه وممارسته المستمرة وهذا يكون بقراءة شعر غيره بصوت عالي- ولا يهم إن كان يفهمها أو لا (وهذا يعني بأنها حتى لو كانت بلغة أخرى.) وما يهم في كل هذا أن تعلّم الأذن.”

ما يهم أن تصل صوتك بنطاق لامحدود من الإيقاع والتسلسل اللفظي- ووحدها تجربة أذنك الفعلية الممتدة يمكنها أن تخزن كل ما يوجد في جهازك العصبي وما تبقى يعود على شخصيتك وحياتك.

وكُتبت رسالة طويلة بعد ثلاث سنوات– مناقشةً قصائد أريل والتي نشرت بعد وفاة (بلاث)- يعيد فيها (هيوز) موضوع الشخصية كمنبع للكتابة:

المؤشر الأول لانحلال (تفكك)–  الكاتب-هي بأن تفتقد كتابته إلى البصمة المميزة لشخصيته وتفقد روحها الداخلية،

أصبحت (فريدا) شاعرة مشهورة ورسامة وكاتبة كتب أطفال بنفسها وفيما بعد أعادت فن أمها الذي لم يكن معروفاً وعلاوة على ذلك؛ قضت أغلب شبابها في الدفاع عن شخصية أباها أمام التحليلات الاستعلائية الزائفة من المتفرجين الذين لاموه على وفاة (بلاث). وفي الواقع قلة من أصحاب العلاقات الخاصة أصبحوا عرضة لما هو أكثر قسوة ومحطّ سخرية عامة من (هيوز) و(بلاث)- والتي بدأت علاقتهم بعاصفة عشق وانتهت بمأساة -؛ إذ أصبحت علاقة (هيوز) بـ(بلاث) محطّ الكثير من التكهنات الخبيثة بعد موت (بلاث)، مثلها مثل علاقة (ألبرت آينشتاين) وزوجته الأولى والتي دفنت آراءٌ كثيرة متسرعة وغير مطّلعة حقيقتَها المختلفة قليلًا.

وندب (هيوز) نفسه إذ كيف أن الناقدين استغلوا شعرها “كإذن عام ليفتشوا عن حياة عائلتها بخبث وتحليل نفسي زائف”.

وكما بدى أن كِلاَ الناقدين ومن يسمّون بالجمهور نسو ومازالوا ألا أحد يعلم ما الذي يحدث ما بين شخصين- ناهيك عما بداخل الشخص- وأي حق في التفسير يخص من يعيش هذا الواقع الداخلي الخاص وحسب.


[المصدر]

أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي

 

إيميلي تيمبل

في عام ٢٠١٢، نشرت (إيميلي تيمبل) في صحيفة The Atlantic Magazine، مقالة أسمتها “أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي”، ننشر لكم ترجمة حصرية لمقالتها في ساقية.

تقول (إيميلي) في افتتاحية مقالتها:

ومثل كل المهوسيين بالكتب، لا نستطيع أن نساعد، ولكن نستطيع أن نفكر في أكثر مؤلفات الأدب الرومانسي عمقاً. وبالتحديد كتبنا التي أصبحت مفضلة، تلك الكتب التي زودتنا بالوحي الإلهي الصغير. وبعد كل ذلك لا أعتقد ان هناك ما هو أكثر رومانسية من امتلاك عناصر التعبير عن المودة والحب. ومن هذا الذي يستطيع التعبير عنه أفضل من (شكسبير)، و(نابكوف)، و(بايرون)؟ ولذلك إذا كنت تبحث عن  أفكار للأعتناء أكثر برومانسيتك، أو حتى إذا كنت هنا لفضول وإغراء الموضوع فقط، فهنا أعظم 10قبلات في تاريخ الأدب العالمي، والتي انطوت بدورها على خلفيات وقصص في غاية العشق الإنساني ومفترق التحديات المصيرية:

ثم تكمل بعد ذلك في سردها لهذه القبلات الشهيرة:

أولًا:

القبلة الأولى كانت من نصيب رواية (ذهب مع الريح)، للكاتبة الأمريكية (مارغريت ميتشل). [1936]

وفي ذلك المقطع المُرتبك و الإستثنائي من الرواية، وقبل أن تسحب (سكارليت أوهارا) عقلها من أماكنها البعيدة، حيث ألتفت ذراعيّ (ريت بيتلر) حولها، ستشعر عندها بالعجز المتنامي من عشيقها الأول (آشلي ويلكس) ومع شعورها المتكرر بالعدم، يقرّب (ريت بيتلر) رأسها بين ذراعيه بحنو ويقبّلها، تلك القُبلة التي ستبدأ بهدوء ونعومة في البداية، لتتدرج سريعاً بعد ذلك بشدة محمومة، ليلتحمان بعد ذلك بكلا شفتيهما، إصراراً وفراقاً وهزاً، تلك الهزات التي ستنتشر على طول أعصابها، وبجسدها المليء بالأحساس ستفكر عندها أنها لم تكن تعرف أنها قادرة على الشعور مرةً أخرى، لتجد نفسها أخيراً تشعر و تُبادله القُبل.

ثانيًا:

من مسرح (روميو وجوليت)، لـ(وليام شكسبير). [1596]

– (روميو): (إلى جولييت) بعد أن قبّل يدها لأول مرة:

عفواً إن كانت يدي الأثيمة قد دنست حرم يديكِ المقدس فدنسته

فلو كان لي أن أزيل خطيئتي بخطيئة عذبة، إذ أن لي شفتين كالحجاج

حمراون من فرط الخجل.

– (جولييت): يا أيها الحاج الكريم ظلمت كل الظلم راحتك، فهي التي

أبدت أخلاق العابدين، وفي تلامس الكفين للحُجّاج قُبلةً مقدسة.

– (روميو): لكن أليس للحاج والقديسة شِفاه؟

– (جولييت): بلى، ولكن يقتصرن على الصلاة.

– (روميو): إذاً فلنجعل الشفاه يا قديستي، تفعل ما تفعله الشفاه.فها هما الآن تصلّيان لك.

– (جولييت): لكن قدّيساتنا لا تتحرك، حتى ولو سمعت دُعاك.

– (روميو): إذاً لا تتحركي .. حتى أنال ثَوابي، وتزيل قُبلة ثغرك البسّام أثار الخطيئة من فَمي.

[فقبَّلها]

– (جولييت): نقلت إلى شفتي حطيئة ثغركَ!

– (روميو): خطيةً من مبسمي؟ ما أعذب الأثم الذي دعوتني إليه!

هيّا أعيدي لي خَطيئتي!

[فقبَّلها مرةً أخرى].

ثالثًا:

رواية (بيتر بان)، للاسكتلندي (جيمس باري). [1911]

“ولأن ليس أعظم القبلات دائماً تكون حقيقية”

(بيتر بان)، الطفل الخيالي الشقي والممتع الذي لا يكبر أبداً، والذي لا يعرف معنى القبلة! هذا الطفل الذي يأتي من عوالمه البعيدة، ليستمع إلى حكايات (ويندي) لأخويها الآخرين، عن (سنو وايت) و(سندريلا) و(الحسناء النائمة) .. وفي إحدى الليالي المشحونة بالأثارة والتشويق، حين تنهض من سريرها وتقترب منه لتقول: “سأعطيك قبلة لو أردت”، ولكن (بيتر) لا يعلم ماذا كانت تقصد! ماداً يده لها بترقب وكأنه ينتظر شيء ستضعه هي داخل يده. لتجيبه (ويندي) باستغراب “ألا تعرف ما هي القُبلة؟”، ليجيبها (بيتر الخيالي): “سأعرف عندما أراى واحدة منها”، ولكي لا تجرح شعوره ناولته كشتبان الخياطة. ليشعر انه لابد أن يرد الجميل. “أيجب عليَ أن أعطيك قبلة أيضاً؟”، لتجيبه مادة شفتيها ووجهها إليه: “إذا سمحت”. تنتظر (ويندي) القُبلة، وهي مغمضة العينين، ولكن (بيتر) الجاهل يرى وجهها باستغراب ويناول يدها قطعة خشبية من البلوط، لتسايره (ويندي) وتلفها بسلسلة حول عنقها .. قائله بخيال: “أنه من الجميل أن تلف قُبلة حول عنقها”.

رابعًا:

رواية (غاتسبي العظيم) لـ(فرنسيس سكات فيتزجيرالد). [1925]

“ولأن ليس أعظم القبلات تقع على المنصة، وعلى مرأى من الكل، ولأن هذه القبلة هي واحدة من أصدق مفاهيم القبلات عبر تاريخ قراءة الأدب”.

غاتسبي: “لقد كان على هذا النحو، آخر ما كنت أتذكره هو وقوفي بجانب (دايزي)، ومشاهدة الصور المتحركة للمفرقعات النارية في السماء ونجومها الاصطناعية. كان الجميع مازالوا تحت أشجار البرقوق البيضاء، وقد لامست وجوههم الظلال الشاحبة للأضواء في السماء، وخيوط قليلة من ضوء القمر بينهم. خطر لي أن هذا الانحناء كان يقترب كل مساء لتحقيق هذا التقارب بيننا. وحتى انتهيت من مراقبة أنحداره لآخر درجاته، اقتربت أكثر، وقبّلتها على خدها”.

خامسًا:

فارمير وإيوان، في (عودة الملك) لـ(جون تولكين)، من سلسلة (ملك الخواتم). [1955]

“ولأن بعض الأحيان، كل ما تحتاجه هو قبلة على الجبين وفرصة لتدع شَعرك، يتحدث بدلاً عنك”

في تلك اللحظة عندما تقول (إيوان): “أذاً أتعتقد أن الظلام قادم؟”، الظلام الذي لا مفر منه، لتجد نفسها تلتصق به بقوة. ليرد (فارمير): “لا”، ناظراً لوجهها، ليفكر أن شراً عظيماً قد حلَ، وأنهم على وشك النهاية، ولكن قلبه يقول له: “لا”، بجميع أطرافه الخفيفة بالأمل والفرح يقول له “لن يحدث، في هذه الساعة لا أؤمن أن أي ظلام سوف يدوم”، يقول لها ليتوقف عن الكلام عندها، ويقبل جبينها .. وهكذا وقفوا على جدران مدينة (غوندور)، لترتفع حينها ريح عظيمة مع الفجر، بشعرهما الذهبي والأسود والمختلط بقربٍ مع الهواء.

سادسًا:

أسطورة (دافنيس وكلوي)، للأغريقي (لونقس).

دافنيس: “يا الهي.ما هذه المشاعر؟ شَفتيها أكثر نعومة من أوراق الوردة، فَمها حلو كالعسل، ولها قُبلة تلحق بي أكثر من ألم لسع النحل، وإنني كثيراً ما قبّلت أطفالي، وإنني كثيراً ما قبّلت خرافي، ولكني أبداً، ما عرفت البتة مثل تلك القُبلة. نبضي يتضارب أسرع، يال دقات قلبي، كما لو كنت على وشك الأختناق، ولكن على الرغم من ذلك، أرغب بقبلة أخرى، غريب! لم يحدث أن أشتبه عليَ الألم .. وبثمالة أتساءل هل (كلوي) قبّلتني حقاً؟ وكيف حدث أنها نفسها لم تمت من تلك القبلة؟!

سابعًا:

كالي وكلمنتين، من رواية (ميدلسكس)  أو (الجنس الوسط)، لـ(جيفري يوجينيدس). [2002]

“ولأن القبلات الطفولية البريئة يمكن أنّ تغير الحياة”

بحواف عين (كلمنتين) المحترقة، تثائبت وهي تفرك أنفها براحة يدها، لتسألني: “هل ترغب في تجريب القُبّل؟” .. “لم أكن أعرف كيف أجيبها، فأنا أعرف مسبقاً كيف أقبّل، أليس كذلك؟ ولكن وكأن هناك شيء أكثر من ذلك تريد أن تتعلمه. وخلال جولة هذه الأسئلة في رأسي، كانت (كلمنتين) تمضي قدماً في تجريب التقبيل، كانت تقول أنها جاءت خصيصاً لتواجه وجهي، ومع تعبير خطير من عينيها، أحاطت بذراعيها حول عنقي .. شعرت أن وجهي وشفتيّ مسلوبة، لم أمتلك أي هجوم أمامها، لكن ما أود لك أن تتخيله معي هو وجه (كليمنتين) الأبيض، يقترب ملاصقاً لوجهي، بعينيها الناعستين والمُغلقة الآن، بشفتيها التي تعلو الآن، وتخلف تجعيدها من أثر التقبيل، بجميع أصوات العالم التي تحولت صامتة في هذه اللحظات! بحفيف وتحرك ملابسنا، بأمها التي تصعد السلالم من الأسفل، بضجيج الطائرة التي ترسم علامة تعجب في السماء، كل ذلك كان صامتاً. مثل تعليم (كلمنتين) على وجهي الآن، بشفتيها التي تبلغ من العمر ثماني سنوات على شفتيّ.

ثامنًا:

لوليتا وهمبرت، في رواية (لوليتا) لـ(فلاديمير نابوكوف). [1955]

“لحساسيتها المُفرطة، ولعبقرية غنائيتها الغير مريحة، وللطريقة التي نُحرج ونتلوى بها على مقاعدنا كلما قرأناها”

وما كادت سيارتي تقف، حتى كانت (لوليتا) قد طارت إلى ما بين ذراعي..

على أنني اكتفيت بأن أمس مساً رقيقاً، وبأقصى الحذر شفتيها المنفرجتين الدافئتين، ذلك أنني لم أجرؤ على أن أطلق لنفسي العنان. ولم أجرؤ على أن أدع روحي تدرك من أنّ هذه هي بداية الحياة الرائعة التي انفتحت لي أبوابها بمساعدة القدر .. كانت قُبلتي لها بريئة خالية من كل شهوانية، ولكن (لوليتا) دفعت بنفسها بفروغ صبر، وأطبقت بفمها على شفتيّ بقوة، أحسست معها بوطأة أسنانها الأمامية، وتذوقت من خلالها رضابها الممتزج بطعم نعنان العلكة..

تاسعًا:

وأخيراً، هيدي وجوان، من الملحمة الشعرية (دون جوان) لـ(لورد بايرون). [1824]

“ولأن قبلة واحدة منكِ، يمكن أن تساوي يوم كامل من الصيف”

إنهم ينظرون للسماء، بتوهجها العائم

مُنتشرةٍ كمحيطٍ ورديّ، واسعةً ومشرقة

إنهم يحدقون على البحر المتلألئ أدناها

أين يرتفع القمر مُحلقاً في الأفق؟

سمعوا الموجات المتدفقة

والرياح المُنخفضة أكثر

لينتبه كلاً منهما لأندفاع نور عينيّ الآخر فيه

لتقترب وجوه شِفاهِهم أكثر.. وتتشبث بقبلة.


[المصدر]

البحث عن يوم سيء للكتابة

 

هايدي داري، وهي مُدوّنة، نشرت قبل أشهر نصًا أسمته “البحث عن يوم سيء للكتابة”، أقوم بترجمته لكم بشكل حصري على ساقية. تقول (هايدي داري) في تدوينتها الجميلة:

أريد أن أستيقظ لأكتب بسرعة. ولكن.. “اللعنة“، جهازي لن يسمح لي بذلك حتى ينهي تحديثاته البرامجية كل صباح.

لعنة شاشة التكنولوجيا وتثاقلها الصباحي، والذي عليّ أن أنتظرها كمقيدة حتى تسمح لي بالبدء بالكتابة.

وليتها تصنع لي ما أريد. أريد منها مثلاً:

توثيق وحفظ حالتي المزاجية الرائعة، قبل أن يعصف بي أي أمر خارج الكتابة وداخل الحياة.

أريد منها تخزين إلهامي، والحفاظ على سخونته وتدفقه حتى أعود له.

أحتاج منها الأفراج الفوري لتركيزي عندما تكتمل مشاهدي الفنية في ذهني وتكون جاهزة لتحويلها للغة.

هل يمكن ذلك؟

لا يمكنني وضع جميع أفكاري بنفس سرعتها الذهنية أسفل ورقة وبالقلم.

أحتاج إلى الشاشة الضوئية. ولوحة المفاتيح. والف سرعة مضاعفة من حركة نقر أصابعي.

أخاف أن يذهب مزاجي الآن. وأنا أفكر في متعة وسيلان كل ذلك الحلم.

ولكن سأحاول – أعلم أن الكلمات لا تزال هناك. يجب أن أتنفس بعمق وأسمح للإحباط بالتبدد حتى أتمكن من تحويل روحي من السخط والغضب إلى التأمل والهدوء.

وإن لم يحدث ذلك، فحتماً سيكون اليوم سيء.

يوم سيء بحيث يمكنك تذّكر وتجميع كل أيامك وذكرياتك الجيدة في سلة محكمة.

يوم سيء حتى يعكس لك مقدار تعاستك الآن كمقياس يجعلك تبحث، وتشك، وتساءل، وتراجع جدوى كل ما عشته حتى الآن، وأدى إلى هذه اللحظة.

يوم سيء يعني بركان بارد وخامل سيفور ببطء وسينفجر بك وإبداعك في النهاية.

يوم سيء رائع. بحيث يمكنك فيه على الأقل الحفاظ على غيظك لتكتب كلمات جيدة.

أبحث عن يومك السيء.. أقبض عليه، وتوسله..

للأسف قد يفشل أسبوع كامل من عمري ويذهب مع مخلفات أعمال حياتية جديدة ومرهقة كل مرة، ما هو الثمن الذي يجب دفعه يا ترى؟ للتخلي عن تلك الثواني الثمينة، الساعات، والأسابيع المتصلة بصراع الوجود مع شكليات قد تستنزف كل شيء.

لذلك سأحاول أن أمتص هذا اليوم الأخير كبطانية دافئة، أستوعبه بأفكاري العزيزة والمجرَّبة باستمرار، أفكاري التي تعترضها الهموم والمخاوف من كل مخلوق على وجه العالم.

سأختبئ خلف يومي السيء، وأكتشف مشهد ذاتي الداخلي بعناية، مثل عالم أو فيلسوف عتيق – سأتحرك بلطف، سأبحث عن شيء ما، سأراقبه، سأجد دفتر ملاحظات ببساطة وسأبدأ بالكتابة، وتذوق ما كتبت من بعيد. لا يمكنني أبداً التنبؤ بما سيأتي بعد كل ذلك الانتباه. لن أبحث أو أسعى لمعنى محدد ومحتوم سلفاً. سأعرف فقط أنني أستمتع بالرضا النهائي للتفكير والانعكاس الروحي والكتابة دون عائق من التزامات أو قلق أو يوم سيء.

ما سيأتي من هذا التأمل سيكون أقل أهمية من إدراك أن العمل نفسه يعمل بجد.

سأبدأ صباحي بالسينما, هناك فيلم:  (The Hours) سأشاهده وليس للمرة الأولى، بل لأني شاهدته كثيراً، هذا الفيلم الذي ينتهي، ولكنه يبقى و يشبه قوة المحادثة مع نفسي حيث عبء الحياة، والهروب الجميل للخيال والأبداع. أنا أعيش هذه الأشياء أيضاً. ليس كل الوقت، وليس كل يوم, ولكن مع كل يوم سيء، ولا أعلم عدد تلك الأيام الجميلة.

عندما أكون متعبة داخلياً حتى النخاع، هذه المشاعر ستنير وتتألق في كل زاوية من أفكاري.

وهذه لحظات من العزلة اللازمة، وهي في الواقع تغذيتي الذهنية الوحيدة، من أجل نهوض تفكيري وسلامه الداخلي.

لكل شكوايّ الخاصة واللعينة حول ضرورة أن أنتبه لأعمال أخرى لكسب لقمة العيش، أدرك ضرورة ذلك أيضاً. ولكن أسمحوا لي، سأنزوي راكدة، آسنة، وفاسدة مثل نظرتكم لأي يوم سيء في حياتكم. إلى ضجري وكآبتي. اسمحوا لي لأنني أعرف بهذا الشعور أنني على استعداد كامل للكتابة ولعدة أشهر مرهقة.

من يعرف هذا الوقت منكم؟ ربما ليس يومكم, ولكنه قادم.. أشعر بذلك سوف يأتي..

أشعر بوصول هذه اللحظة مثل التغيرات في الطقس وإعلانه عن موسم جديد. شكل قصتي الذي سينقض عليّ بسرعة خاطفة مثل سمكة زلقة، تتجاوزني بعد أن تلمس أقدامي الحافية تصعد لكاحلي وكامل جلدي, وتلعق قلبي، بينما أنا مثبتة في الوحل. أشعر بتلك اللحظة الزلقة وكأنها زعنفة تكشطني بتلك النظرة العابرة.

ولكن كما ترون، هذه سمكة الهامي الخاصة. والتي لم يسبق لأحد غيري رؤيتها. يمكنك أن تتخيل تلك اللذة الباهرة واللاهثة لأفكارك وهي تشعرك بوميض خروجها من سطح بحرك الخاص، تلك اللحظة عندما تفضح السمكة نفسها للهواء؟ هل تعرف شعور دفء وراحة القبض على شيء جميل وفاتن؟

أنها أفكارك العظيمة داخل يومك السيء, والذي ما يزال داخلك..

أنني أعيش من أجل أشيائي الكثيرة، وليس أقلها تلك اللحظات التي يكون فيها العالم واليوم سيء وخامل. ولكنني في الحقيقة، أكون منهمكة قدر أقصى ما استطعت، بصنع أكثر الأعمال الضرورية والحميمية. وإلا كيف يمكن للمرء إنتاج تلك الأسماك الأسطورية وفي يوم سيء؟


[المصدر]