أرشيف الوسم: ترجمة حصرية

لماذا نحترم أو حتى نقدّر الفلاسفة الذين يعانون من التمييز العرقي و التحيز الجنسي؟

جوليان باجيني فيلسوف بريطاني، نشر هذا المقال مطولاً  في المجلة الرقمية (آيون) بتاريخ 7 نوفمبر 2018، وله العديد من الكتب والدراسات، وترجم له للعربية كتاب (حجج فاسدة: تجعلنا نبدو أغبياء)، وهو كتاب يستحق القراءة.

نقدم لكم هنا، ترجمة لمقاله “لماذا نحترم أو حتى نقدر الفلاسفة الذين يعانون من التمييز العرقي أو التحيز الجنسي”، بشكل حصري لدى ساقية.

أصبح سهلاً الوقوف على حافة الأخلاق عند الإشادة بأحد العقول العظيمة من الماضي، فلو قدَّرت (ايمانويل كانط)، سيذكرونك أنه يؤمن بتقسيم الناس على حسب اللون، فهو يقول: “كمال البشرية الإبداعي يكمن في العروق البيضاء”، ويقول: “الهنود الصفر لهم موهبة ضئيلة، والزنوج أقل منهم بكثير.” وعند احترام (أرسطو) سَتشرح كيف انَ الحكيم الحقيقي لم يسلم من التفكير  في: “أن جنس الذكور بطبيعته متفوق، والأنثى أقل شائناً، والذكور أصلح للقيادة، والأنثى رعية.” وعند كتابة تأبين في (ديفيد هيوم)، كما فعلت أنا سابقاً، هاجمني أحدهم  لرثاء مفكر كتب مرةً في عام 1753-54 ميلادي: “أنا لا أشك أبداً في أنّ الزنوج وجميع أنواع البشر هم بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض.”

نحن هنا عالقون في معضلة محيرة، فلا نستطيع رفض التحيزات العنصرية غير المقبولة باعتبارها غير مهمة، ولكن وإن فعلنا، وعاقبنا وجهات النظر و الأقوال اللا أخلاقية من الماضي؛ فلن يسلم أحداً في التاريخ ، وستقف هذه الأحكام حاجزاً عن تقدير عقلاً عظيماً في زمانه أو قائداً عسكرياً مهماً.

على أي حال، إنَ مسألة الحُكم تلقائياً بسبب التمييز العرقي، و التمييز الجنسي، وكل أشكال التعصب، ضد الشخصيات التاريخية القديمة، مسألة مضللة، ومخادعة. لأن من يتميز ضدهم يتخيل أنَّ من يحمل أياً من  تلك الصفات لابد أن يكون فاسداً من الداخل. وقول ذلك دليل على وجود قصور في استيعاب الشروط الإجتماعية التي تؤثر على ماهية العقل؛ دون استثناء حتى الشخصيات العظيمة.

دواعي الغضب هو التصور في أن هؤلاء الفلاسفة فُضلاء، وأنهم منزهين عن الوقوع في أي وحل غير أخلاقي حتى لو كان المحيط من حولهم مصاب بالعمى الذي يمنعه عن رؤية الظلم، و يجب علينا أن نعرف الأفضل، وأن نتذكر الدرس التاريخي الموجع مع الرايخ الألماني الثالث (ألمانية النازية)، وكيف أنها كانت مدعومة بنسبة كبيرة جداً من الناس العاديين والبسطاء الذين لو قُدِرَ لهم أن يعيشوا في زمن مختلف لعاشوا حياة بريئة، ولكن الصدفة القدرية جعلتهم جزء من محيط ملوث، ولو كنا نحن جزء من ذلك الظرف الزماني والمكاني، ومع بالغ الثقة، لكنا سنفقع في نفس المأزق، ولهذا فنحن اليوم نعرف مالم يعرفه ذلك المجتمع وقتها، و عدم دعم النازية اليوم أمراً بديهياً لأننا رأينا العواقب التي نتجت عنها.

لماذا يؤمن الكثير بإستحالة عدم رؤية التمييزات العنصرية غير المنطقية وغير العقلانية الصادرة ممن يعرفون بمسمى”العبقرية”؟

أحد أهم الأسباب هو أن ثقافتنا مكونة من مفاهيم عميقة مبنية على افتراضات خاطئة في أن الفرد هو عقل بشري مستقل بذاته عن بيئته الإجتماعية، ولكن هذا الوهم المريح يسحقه معرفة علم النفس، وعلم الإجتماع، والأنثروبولوجيا..

تستطيع ثقافة التنوير المعتدلة أنّ تجعلنا نفكر أننا ذوات حُرة ولكن مشروطة بإعتبارات آخرى، وذلك بعيداً عن الوقوع في تشويش أوهام الثقافة التنويرية المثالية والتي تقترح أننا ذوات نفكر بأنفسنا في أننا مستقلين استقلالية فردية مطلقة، ولكي تتضح الصورة أكثر يجب أن لا نخلط بين الإثنين. لأن أفكارنا  تتشكل من خلال محيطنا الإجتماعي بطرق عميقة لا يمكن ادراكها، و حتى الإنتباه لها في كثير من الأحيان. وألئك الذين يرفضون قبول قوى تأثير البيئة على أفكارنا لديهم أوهام جنون العظمة الفكرية.

عندما يكون الشخص متجذراً بعمق في نظام غير أخلاقي، فإنه يصبح من الصعب إعطاءه خصلة ” المسؤولية الفردية”. و المشكل، أننا متشبثون بالفكرة التي تدعي ان المسؤولية الأخلاقية مرتبطة تماماً باستقلال الفرد الذاتي المطلق. و بالمقابل من المرعب أخذ مسألة التكيف الإجتماعي مع المعتقدات و الممارسات المقيتة بحِدَّة، لأن الجميع سيتخطى المأزق، ولن يتبقى إلا التبرير عبر مفهوم” نسبية الأخلاق ” الميؤس منه.

إن كراهية النساء و التمييز العرقي قُبح لا يتغطى، لأنه نتائج المحيط الإجتماعي، على نطاق واسع، وعلى درجات عالية، أكبر من أن يكون فردي/شخصي. بالطبع، ذلك لا يعفي ديفيد هيوم من عنصريته النتنه، ولا يبرر لأرسطو تحيزه الجنسي ضد المرأة، فلم ولن تكن العنصرية والتمييز أمور حسنة قط، وهم بالفعل أشخاص آمنوا بها.

وكل ذلك لا ينفي السابق، بل يجب معرفة ان (ايمانويل كانط) و(هيوم) كانا نتاج بيئتهم، ومعرفة أيضاً أنه حتى العقول العظيمة لا تسلم من الوقوع في الأفخاخ المقززة عبر العمى عن الأخطاء والشرور التي تكون واسعة الإنتشار بما فيه الكفاية.

إن دفاع (إيديث هول) عن تحيز (أرسطو) ضد المرأة هو أنموذج على إنقاذ الفيلسوف من أسوء ما قد يعيشه. وبدلاً من الحكم عليه تحت معايير هذا الزمن؛ لابد أن نختبر طبيعة طريقة تفكير (أرسطو)، فتناقش (إيديث هول):

هل لو عاش بيننا اليوم (أرسطو)، هل ستؤدي به فلسفته إلى التحيز ضد المرأة؟ وبالنظر إلى انفتاح (أرسطو) على الأدلة والبراهين نجد وبكل يقين أن (أرسطو) اليوم سيكون مقتنعاً تماماً بالمساواة بين الرجل و المرأة. ولو طبقنا نفس التجربة على (ديفيد هيوم)، فلو كان بيننا اليوم لن يزدري أصحاب البشرات الداكنة. بإختصار، لا نحتاج للنظر بعيداً عن أساسيات فلسفتهم التي يقدمونها، لرؤية أماكن الخلل في طريقة تطبيقها.

أحد الأسباب التي تجعلنا نتردد في عذر عقول الماضي، هو أننا نخشى أن ذلك سيتبعه عذراً للتبرير عن الأحياء. ان عجزنا عن لوم (هيوم) و(كانط) و(أرسطو) على تحيزاتهم، كيف يمكننا أن نلوم الأشخاص الذين فضحتهم حملة #أنا_أيضاً بسبب الأفعال التي ارتكبوها داخل المحيط الإجتماعي حيث كانوا فيه طبيعين تماماً؟ ولكن، ألم يكن (هارفي واينستين) نموذج مثالي على “مدرب اختيار ممثلين وممثلات” في ثقافة هوليوود ؟ وداخل محيطه؟

وتوجد هنا نقطة مهمة جداً، وهي التفريق بين الأموات والأحياء، فالحي بستطاعته أن يرى سلوك الخطأ، ويعترف به، ويعتذر عنه، وربما يندم، وإذا ارتكب الحي جريمة وتسبب في ضرر، فإنه يواجه القانون والعدالة، ولا يمكننا قبول العنصرية والتمييز من الأحياء كما هو من الأموات. وأما تعديل المحيط الإجتماعي فيتطلب إظهار إمكانية تجاوز العنصريات ، ونشر الوعي ضد القُبح اذا تفاقم.

لسيوا مسؤولين الأحياء عن خلق القيم المشوهة القبيحة التي تصبح أجزاء من تكوين البيئة الإجتماعية، ولكن يمكنهم تحمل المسؤولية في كيفية التعامل معها…

لا يملكون الموتى نفس الفرصة، فبالتالي تصبح ممارسة الغضب نحوهم مضيعة لا فائدة منها. فنحن على حق حينما نأسف على خطايا الماضي، ولكن من القسوة إلقاء اللوم على الأفراد بسبب مافعلوه في أوقات أقل استنارة إستناداً على معايير اليوم.


[المصدر]

 

مارثا غراهام: الاستياء المقدس من أن تكون فنانًا.

مارثا غراهام (1894 – 1991) هي راقصة ومصممة رقصات أمريكية ولدت في بيتسبرغ، بنسلفانيا وتعد من رواد الرقص الحديث، الذين يمكن مقارنة تأثيرهم على الرقص بتأثير  (إيجور سترافينسكي) على الموسيقى، أو تأثير (بيكاسو) على الفنون البصرية، أو تأثير (فرانك لويد رايت) على فن العمارة.

لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.

“استسلم لذلك الحزن المستمر على مدى الحياة الذي يأتي من ألا تكون مطلقًا راضيًا”، تقدم لنا الروائية الانجليزية (زادي سميث) تلك النصيحة من نصائحها العشرة للكتابة. ولكن كيف يمكن للمرء مصادقة هذا الاستياء الأبدي، وفي الوقت ذاته مواصلة تحرير ما تعبر عنه الكاتبة الأمريكية (جوليا كاميرون) بعبارتها المؤثرة: “الكهرباء الروحية” للتدفق الإبداعي؟

تقدم لنا هنا مديرة الرقص الأسطورية (مارثا غراهام) إجابة لهذا السؤال الدائم لحياة الابداع، وهي إجابة تتميز بالمعرفة الملحوظة والسمو الملحوظ في الوقت ذاته، وذلك في محادثة نجدها في سيرتها الذاتية لعام 1991 بعنوان مارثا: حياة مارثا غراهام وأعمالها للراقصة ومصممة الرقصات (أغنيس دو ميل).

في عام 1943 تم تعيين (دي ميل) لتصميم رقصات للمسرحية الغنائية أوكلاهوما! التي أحدثت ضجة بين عشية وضحاها وحققت رقمًا قياسيًا في عدد العروض بلغ 2212 عرضًا، وعندما شعرت (دي ميل) بأن النقاد والجمهور تجاهلوا طويلاً الأعمال التي وضعت فيها قلبها وروحها شعرت بالإحباط بسبب شعورها بأن العمل الذي كانت تعده “مجرد عمل متوسط الجودة” حقق نجاحًا منقطع النظير، وبعد العرض الأول بفترة قصيرة قابلت (غراهام) في مطعم شرافتس للصودا، وجرت بينهما محادثة أظهرت ذلك الألم الشديد الذي تشعر به وقدمت لدي ميل ما تعُده أعظم ما قيل لها على الإطلاق، وتروي لنا تلك المحادثة:

اعترفت بأني لدي رغبة عارمة لتحقيق التميز، ولكن لا إيمان لدي في قدرتي على ذلك.

فقالت لي (مارثا) حينها بهدوء شديد: “ثمة حيوية وقوة حياة وطاقة وإحياء يتم ترجمته من خلالك إلى فعل، ولأنك الوحيدة فقط من نوعك في كل عصر، فما تقومين به سيكون كذلك أيضاً. وإذا حجبته لن يخرج إلى الوجود مطلقًا عن طريق أي وسيط آخر، وسيضيع، وسيخسره العالم، وليست مهمتك تحديد مدى جودته، ولا مدى قيمته، ولا الشبه بينه وغيره من التعبيرات، فمهمتك هو أن يظل ملكك بوضوح، وعلى نحوٍ مباشر، وأن تظل تلك القناة مفتوحة، فلا يجب عليك حتى مجرد الإيمان بنفسك أو بعملك، فيجب أن تظلي متفتحة ومدركة للدوافع التي تحفزك، لا تغلقي تلك القناة، أما بالنسبة لك يا أغنيس فقد استخدمت حتى الآن مجرد الثلث تقريبًا من موهبتك.”

فقلت: “ولكن عندما أرى عملي أُسلم بتقييم الآخرين له، فلا أرى سوى عدم كفاءته، وعيوبه، وفظاظته، فلا أشعر بالسعادة ولا الرضا”.

فردت عليّ: “لا يوجد فنان سعيد”.

ولكن هل ثمة رضا؟ سألتها.

فصرخت بانفعال:

لا رضا على الإطلاق في أي وقت، لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.


[المصدر]

 

 

 

حوار صحفي، مع الأديب خوسي مانويل كبايرو بونالد

 

في شهر نوفمبر من عام 2017، نشرت مجالة “ماذا سنقرأ” الاسبانية، لقاءً صحفيًا مع الروائي الشاعر الاسباني (خوسي مانويل كبايرو بونالد)، بعنوان “الرجل الذي عصى الحروف”.

يقول الصحفي في استهلال اللقاء:

أي حوار ولو كان قصيرا، مع حائز على جائزة (سرفانتيس)، كـ(خوسي مانويل كبايرو بونالد)، فهو امتياز ومتعة لا نظير لهما، حتى لو كان حوارا، بل حدث فبالأحرى أن يكون هناك حدثا متمثلا في إعادة طبع رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) عن دار النشر نافونا.

وهنا تنشر لكم ساقية، ترجمة حصرية لهذا اللقاء.

سيادتكم تعتبر من أهم الروائيين باللغة الإسبانية ،كيف يبدو لكم هذا التعريف؟

أحب كثيرا أن أنال الاهتمام كشاعر لأن الشعر هو قاعدة فاعلة في الأدب وأنا أحرص دائما على أن لا أنسى ذلك.

يعتبر الحصول على جائزة (سرفانتيس) كأسمى تتويج في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية، كيف عشتم هذا الحدث؟

أولا برضى، ثم بتوتر، وهذا شيء معتاد في هذا الحالات. هي تجربة مرغوب فيها وفي نفس الوقت مرهقة.

لماذا الآن يعاد نشر رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) التي نالت جائزة (نادي إشبيلية) سنة 1981؟

أفترض ذلك نزوة من نزوات الناشر (بيري سوريدا)، وأظن أنها أسَرَّته شخصية العجوز ليستون Leiston في الرواية ؛ عجوز له اهتمام بقوارب وروائح مدينة خيريز. أنا كذلك أراها شخصية جذابة وأود أن أُشبهها.

في تلك السنة (1981) تحدث الكاتب (تورينتي باييستر) عن الرواية قائلا بأنها تمتاز بقوة شخصياتها وشجاعتهم، ومكتوبة ببراعة سردية وجودة أدبية عالية، مارأيكم في ذلك؟

هذا بالطبع حكم سخي ومجاملة منه بالطبع.

في الرواية هناك الانجليز بالأندلس، الأعمال المالية البحرية، التفسخ المجتمعي، كل هذه الأحداث ماتزال تحافظ على راهنتيها رغم مرور ست وتلاثون سنة عن كتابتها.

لا أظن ذلك فالدينامية التاريخية قد غيرت الأنماط السلوكية للمجتمع، فالمظاهر الاجتماعية داخل المجتمع الأندلسي الذي أعكسه في روايتي كثير منها عفا عنها الزمن، ولكنها كانت آنذاك موجودة منذ أربعين سنة أو خمسين سنة مضت، كما حكيْتُ عنها مزيلا كل الكوابح التي تعيق الانعتاق من الجمود والكاثوليكية الوطنية.

ماهي الإضافة التي قدمها تقديم الناقد (خوان كروس) للإصدار الجديد ؟

(خوان كروس) هو صديق عزيز وعلى هذا النحو دائما يتعامل معي جيدا، وأنا ممتن له بدعمه لهذا الإصدار.

ماهي التغييرات التي ترغبون إدخالها على الرواية، لو أتيح لكم ذلك؟

تغييرات على الأسلوب وتعديلات وصفية أشياء من هذا القبيل.

هل للحياة معنى؟ هل هو تحليل شخصي؟ أم منطق يؤدي بنا إلى العبث؟

فعلا الحياة عبارة عن لعنة مستمرة للعبث، في مثل سني هذا يتعذر عليَّ كل مرة فهم ما يجري ولم يعد يهمني إلا الخروج من هذا اللغط، فأنا عجوز مُرتاب ولكن ما يرعبني هو أن أصير عجوزا سلبيا.

ماهي أهمية الذاكرة في عملك الإبداعي؟ وكذلك عامل الزمن؟

الذاكرة هي العامل الأهم في كل أدبي المكتوب، وبدون هذه الذاكرة لن يكون لي أي مبرر للكتابة وذلك ربما لأن هناك ضعف في مُخيِّلتي.

هل نسير إلى التفاهة والابتذال؟

يبدو لي ذلك، فالابتذال أصبح من الآفات التي نعاني منها بالإضافة الى ثقافة القطيع، الدوغمائية، تمييع العادات، الخضوع والخنوع. ومن حسن الحظ أنه يظهر في بعض الأحيان هنا وهناك من يتمرد على كل هذا.

أنتم تُعَرِّفون الشعر بأنه البذرة الأصلية للأدب، ألا ترون اليوم أن الشعراء يستعملون الموسيقى من أجل أن يجعلوا أشعارهم مُغَنّاةً؟ ما رأيك بصاحب جائزة نوبل للآداب (بوب ديلان).

إن الشعر المُغنّى يختلف عن الشعر التي يتطلب قراءة متأنية، في حين أن الشعر المُوجَّه للغناء يتسم بنبرة أقل حِدّة. (بوب ديلان) يغني في العادة أبياتا شعرية عبارة عن محكيات، ولا يمكن تصنيف هذا شعرا، أظنهم أخطئوا منحه الجائزة.

والآن ماهي أعمالكم القادمة؟

الشهر المقبل سوف يصدر لي كتاب بعنوان (عرض العباقرة)  Examen de Ingenios وهو عبارة عن ِمئات البورتريهات عن كُتاب وفنانين صادفتهم في حياتي، منذ جيل مدرسة 98 إلى جيل مدرسة 50.

دموع ف. س. نابيول، في حوار صحفي

غادرنا مؤخرا، يوم السبت 11 غشت 2018، الروائي البريطاني من أصول هندية الحائز على جائزة نوبل للآداب 2001، عن عمر ناهز 85 سنة. (ف. س. نابيول).

وهذا نص حوار كانت قد أجرته الصحافية (بيرنا كونزاليز هاربور) سنة 2015 وترجمه عن الاسبانية عبد اللطيف شهيد، في ترجمة حصرية لدى ساقية.

العبقري الذي مازَجَ بين الأجناس الأدبية هو اليوم (2015) بالكاد يكتب بعض الشذرات. كثير من القراء حذرونا من الأشياء التي يُمكن أن تُغضب الروائي عند إجراء المقابلة معه، ونصحونا بتلطيف العبارات معه. لكن الكاتب الذي ولِد سنة 1932 بترينداد Trinidad هو أكثر من طفل رهيب للآداب العالمية؛ وصف لنا الاجتثاث بريشة قوية، جعلنا نفكر حول مفهوم الإيمان والعالم، زرك الشك حول شخصية غاندي ورسم بشدة إحباطات الحياة التي لم يختارها، والتي جعلت كل من (بول تروكس) و(باتريك فرنش) يفتِّتون سيرته الذاتية من غير أن يضنوا علينا بالثقوب السوداء التي واجهت الروائي؛ العنف ضد زوجته الأولى، لجوؤه للدعارة، عشيقته، غضبه.

هل تزعجك الصورة التي للناس عنك؟

لا أبدا.

كان هذا أخر رد على آخر سؤال.

ذريعة هذا الحوار مناسِبة، فقد صدر بإسبانيا كتاب (منطقة الظلام) لـ(ف.س.نابيول).

الذي يتحدث فيه عن سفره الأول إلى الهند التي خرج منها أجداده عقودا من قبل باتجاه ترينيداد، في طفولته عاش غريبا ينتمي إلى أقلية هندية وسط المستعمرة البريطانية، كيافع عاش كذلك غريبا كتلميذ هندي وسط زملاء المدرسة البريطانية، وكبالِغ وجد نفسَه في بلد لا يعرفه. هذا الاجتثاث هو صلب أدبياته.

هذا الكتاب الأخير ساعده في التحوّل من الروايات الأولى ذات الطابع الخيالي لوصف ما يراه في هذا العالم والذي لم يكن يريد أن يراه.

سيادتكم في كتابكم الأخير تصفون الهند منقسمة، عديمة التأثير، منغلقة، آلَمتَكَم كثيراً. هل الهند ما تزال تُؤلِمكم؟

نعم، كثير من الناس يسألونني؛ لماذا لا أكتب عن الفظائع التي تحدث الآن في شوارع الهند، هل لأن كل ذلك اختفى؟ أجيب بلا، ولكن لا يمكننا أن أكتب دائما نفس الأشياء. أحاول مسايرة زمن تغيير انطباعاتي. دون أن أنسى ما كتبتُه سابقا. هل تدركين فحوى ما أقول؟

كتبتَموه سنة 1964. هل أعدتم قراءته؟ هل تعيدون ما كتبتم قديما؟

بكل بساطة، لا، هل عليَّ ان أفعل ذلك؟

بعض الكتاب يفعل ذلك. (فيليب روت) ترك الكتابة وخصص وقته لإعادة قراءة كتبه الثلاثون أو أكثر. فهل فكرتم في مراجعة ما كتبتم مُستقبلا؟

لا، فما زال حاضر التجربة في ذهني، فلا داعي لإعادة القراءة.

في تصديركم للكتاب قلتم بأنه ساعدكم على النظر أبعد إلى ما هو خيالي، كنتم كتبتم ثلاث أو أربع روايات خيالية ومع هذا الكتاب قفزتم مما هو خيالي إلى ما هو غير خيالي.

ماذا قلتُ بالضبط؟ أين توجد هذه العبارات التي ذَكَرتِ؟

يوجد في تصدير الكتاب، وكذلك في كتاب (لحظات أدبية) التي تحدثتم فيه عن ظروف تحرير الكتاب المشار إليه.

لا أتذكر ذلك.

كتبتم “خرجتُ مُنهكا من كتابة رواية (منزل للسيد بِزْواس)، كنت أبحث عن كتابة رواية أخرى” وأحد الناشرين اقترح عليكم السفر إلى الهند والكتابة عن التجربة. وكتبتم “ساعدني في النظر إلى أبعد من الكتابة الخيالية. والانفتاح على الأبحاث الأدبية“.

أعتقد أن ما كتبته كان واضحا، لقد فرغت من كتابة رواية خيالية طويلة، أنهكني المجهود الذي بّذَلتُ فيها، كنت أود تجريب شيء جديد، فقط شيء غير خيالي. هل هذا مفهوم؟

واضح، نود منكم مزيدا من التفصيل.

لا يمكنني أن أُوضِّح أكثر، هذا يكفي.

لقد كتبتم في جنسي الخيال واللاخيال، أين يكمن ارتياحكم من عدمه في كل من الجنسيْن؟

سؤال وجيه، حول طريقتي في الكتابة، والذي لا يُمكنني أن أُجيب عنه الآن بجملة بسيطة، هناك أشياء يَصعُب شرحها حول الكتابة وليس من السهل كذلك التحدث عنها، حاولي تغيير السؤال.

لماذا تفضلون أحيانا الكتابة في جنس الخيال وأحيانا أخرى في جنس اللاخيال؟

من الأسباب أنه أحيانا تشعر بالتعب في الكتابة في أحد الأجناس الأدبية وتشعر برغبة في الكتابة في جنس آخر، سبب آخرأن بعض الكتابات هي من تحتم عليك الكتابة في جنس مُعين دون آخر. عندما نواجه مثل هذه التجربة، نقول  “عليّ ان أكتب بهذا الأسلوب” مثلا أم أبتعد عن الخيال.

أنتم تتعمقون كثيرا عندما تكتبون عن شخصيات رواياتكم سواء من الداخل أومن الخارج. وهذا نجده في رواية (لازاريو)، رواية إسبانيّة مجهولة المؤلف، مكتوبة على شكل رسالة يكون فيها الراوي شخصيّة من شخصيّات العمل. أين تجدون الصّعوبة؟

عندما أكتب لا أجعل تقسيما، العمل ينتهي بشكل سلس. هل هذا مفهوم؟

هذا الكتاب هو منطقة مُظلِمة، كان أول سفر لكم للهند. ماذا يعني لكم كل هذا؟

أعتقد انه بالنسبة لي يعني الكثير، لأنه أول مرّة أكتب عن تجربة قاسيّة، ولا أستطيع أن أقول لك أكثر من هذا. أظن أن هذا يكفي. إِلّا إذا…أرى أنك تودّين طرح أسئلة عن الموضوع.

ناديرا، (زوجة الكاتب): حسنا كان كتابا مُهمّاً، ذَهبْتَ إلى الهند لأوّل مرّة، رأيت البلد عن قُرب، وكتبت عن تجربتك التي لم تَرُقْ لكثير من الهنود، لأنها كانت نظرة من الخارج، لأنك من أصول هندية وفي نفس الوقت لست هندي، الكتاب أثار موجة من السخط في الهند، لا زِلْتُ أَتَذَكّرُ أقوالهم: كيف يجرُؤُ أن يحضرَهنا ويكتب عن مجتمعنا، كيف يجرؤ ويتحدث عن الناس التي تتبول وتتغوط بين قضبان السكك الحديدية، كان كتابا مثيرا بالنسبة للكتاب الشباب الهنود، كأميتاف غوش  Amitav Ghosh وغيرهم، لقد علّمتَهم بأن ينظروا إلى الهند بطريقة أخرى…

كل هذا ثانوي بالنسبة لفعل الكتابة، عندما نكون نكتب لا نفكر في الهرج الذي ستحدِثه كتابتنا، أنا يبدو لي فيما أكتب أنه شيء بديهي والناس ستراه وصف لما يقع، لكن كما ترين، أحينا يحدث هذا الذي وقع، مرة تعتقد أنك لم تفعل أي شيء وتكتشف أنك فعلت شيئا مثيرا…

قلتم، مثلا. أن غاندي فشل. بعد مرور ثلاثين سنة على موته، هل ما زِلتم تعتقِدون أنه فَشَلَ؟

بطبيعة الحال.

لماذا؟

لأن أفكاره ورسالته كانت جد عميقة، احتوت كل الجوانب التي كان ينبغي عليها أن تقلب وجه الهند، لكن هذا لم يحدث، لقد فشل.

أيضا إنجلترا الاستعمارية خَيَّبت آمالكم، هل تشعرون بأن إنجلترا تعلَّمت كيف تُقَدِّر مستعمراتها القديمة؟

لم أقل شيئا متطرّفا عن إنجلترا، لا أجرُؤ أبدا على إبداء تصريحات كبيرة على بلدان جد مهمة. إذا كانت بعض الخيبات فلا يمكن أن نخرج بتأكيدات كهذه علينا أن نقبل بكل الأشياء التي تتضمنها هذه البلدان.

صحيح انكم لا تتكلمون عن إنجلترا، لكن في المقابل تتحدثون عن ” أنجلتَرة “. كيف اصطدمت بالهند. قلتم بأن اللقاء بين القوتين لم يكن إيجابيا؟ هل تعتقدون أن موقف إنجلترا اتجاه مستعمراتها السابقة قد تطوّر، تغيّر؟

أود أن أفكر وقتا أكثر للجواب على هذا السؤال.

– قلتم لفظاً “الإمبراطورية البريطانية اختفت من الهند في نفس الوقت التي كانت تغزوها فيه. كانت علاقة استهانة، تجاهل“. هذا ما كتبتموه. فالسؤال هو كالتالي: هل تعلّمت إنجلترا تقدير أهالي مُستعمراتها؟

لا أظن ذلك، ولا أرى أي مبرات لكي تفعل ذلك (يضحك وزوجته). عندما كنتُ أكتب قلت في نفسي انه عليّ ألا أستعمل بعض المصطلحات. كان من بينها “الاستعمار“. أخرى “الإمبريالية“. عندما أقرأ لا أحبذ أن أواجه مثل هذه المفردات. لا أحب أن تُسْتعمل بدل طرح أفكار مناسبة. إذا تصَفَّحت كل كتاباتي لن تعثري على مثل هذه المُفردات.

في الكتاب هناك وصف ذاتي لكم: “في ترينيداد كُنتُ مُختلِفا، في لندن كنت كذلك مُخْتلِفا. إذ ذاك ذهبتُ إلى الهند وهناك كُنتُ مَجهولا لأني كُنتُ هِنديّا“. لدي إحساس أن شعوركم بالإجتثات والتجاهل هو ما دفعكم لكتابة هذا الكتاب. هل هو نفس الشعور الذي نجده طوال مسيرتكم الأدبية؟

نعم، بدون أدنى شك، لم أفكر بذلك أبدا عن وعي. ولحد الساعة لا أفعل ذلك، ولكن في اللاوعي هناك شخص ثاني يُملي علينا أشياء مُختلفة.

كيف تصفون أسلوبكم في الكتابة؟ عميق، جاف، صادق؟ هذه بعض العبارات التي أقترح. أود تعريفات منكم.

هذا مستحيل، عندما نبدأ بنقد ما كتبناه فنحن في اتجاه يوصلنا إلى الجنون.

بدا على زوجته انزعاج، وشجعته للإفصاح أكثر قائلة: صحيح، سيِؤدي إلى الجنون، ولكن أنت دائما كنتَ تقول أنك تحاول الاقتراب من الحقيقة، وكنت تكتب بأسلوب يقربك من الحقيقة وكنت ترى أننا يجب أن نبذل كل جهدنا من أجل ذلك. كان يُراجع ما يكتب مرارا لأنه لم يكن متيقنا مما يكتب.

الكاتب اكتفى بالرد قائلاً: “زوجتي تشرح أفضل منّي“.

نديرا: كان دائما غير واثق من نفسه. مع كل هذا الإشعاع كان دائما يشك، يحب الكمال في أعماله. عندما كتب (بذور سحرية) وكذلك (نصف حياة) كان يكتب جملة ويستغرق وقتا طويلا فيها، عندما يكتب لا يتكلّم ولا يسمع، كنت أنا من يتولّى قراءة الجملة بصوت مُرتفع، كان يردّ: “هذا ليس جيّدا“، أقول له: “بلى، إنها مُتْقَنة” وكان يُصِرُّ: “لا ليست كذلك، ليست لها إيقاعي“. لأنه يملك إيقاعه الشخصي في الكتابة، موسيقى خاصة به في ذهنه. كان فجأة ما يقوم في جوف الليل من الفراش ويتجه نحو الحاسوب ويُعَدِّل كلمَةً، كنتُ اسْمَعه يقول: “الآن…الآن، هذا أفضل“. كان يراجع المفردات باستمرار كان مُهوسا بالوضوح؛ كان يقول إن الكاتب المُتَمَيّز هو من يُعبر عن الأفكار المعقدة بأسلوب بسيط. إذا كنت غامضا في كتابتك فإنك في الطريق لفقد لُغتك، لهذا لم يكن يحب عبارات مثل “الاستعمار” “الإمبريالية” الكاتب يجب أن يغوص في العُمق ليكون أكثرَ وضوحا.

يعلق الكاتب:

لهذا اخترتُ هذه المفردات للتعبير عن الأسلوب: حقيقة، شفافية، صدق…

ناديرا: وَوُضوح.

يوافق الكاتب:

ووُضوح. صِدْق.

نديرا: أقرب ما يكون من الحقيقة، لأن الحقيقة المطلقة لا توجد، لأنها دائما تتغير ومع ذلك يجب بذل اقصى الجهود للاقتراب منها. وكل الكتب التي تحدثت عن الهند التي ذُكِرت سابقا كان فيها زوجي يرجع إلى الهند، يرجع إلى موضوع الهند، يفحصه من كل الجوانب.  India, a Wounded civilization 1977 هو مُغاير لكتاب India, a Million Mutinies Now 1990. ينبغي ان نقول، وأرجو أن تكتبي ذلك، انه عندما أصدر هذه الكتب، حدث اضطراب كبير في الهند. India, a Wounded civilization قد استعملاه الحزبين الكبيرين في الهند وليس فقط في الشق السياسي. فهو مُراجعة لتاريخ الهند. والان الهنود ينتظرون منه كتاب آخر عن الهند، لكنه اعتذر عن ذلك. كتاب India, a Million Mutinies Now لازال معاصرا وليس له الجديد عن الموضوع، لا يريد كتابا جديدا فقط من أجل الكتابة. واظن أن الهنود قد نضجوا بشكل كبير وأصبحوا أقوياء ليقولوا له: “شكرا جزيلا لك، فقد مددتنا بالأدوات اللازمة لنحكم بأنفسنا على مجتمعنا. الآن باستطاعتنا أن نرى ذواتنا في المرآة، فلدينا الأدوات لذلك” لكن هناك بلدان أخرى كتب عنها، لكن يفتقدون الأدوات لكي يطوروا أفكارهم ويحاكموا أنفسهم كما فعلت الهند.

هل ما زِلتم تكتبون؟

لا أدري ما أقول.

نديرا: يكتُب بعض ” الشذرات” ولكن ليس واثقا من إتمامها.

هل تواكبون الحركة الأدبية في العالم؟ ولكن قبل ذلك هل كل كتاب من كتبك كان خطوة إلى الأمام؟ هل تعتقدون أن الأدب العالمي تطور؟ هل تجدون أدبا جديرا بالاهتمام؟

أعتقد أن الناس لا يُفكرون في الأدب بهذه الطريقة.

ولكن هل يوجد أدب يثير الاهتمام. كُتّابا جادّين في الوقت الراهن؟

المسألة معَقّدة. لا يمكن اعتبار ثقافة ما بأن أدبها ديناميكي، فهذا لا يوجد، لا يمكن استخراج خلاصات كبيرة على ذلك. يجب أن نرى الأشياء البسيطة فيما يكتبه الناس.

في وقت ما، صرَّحتم بأنكم لا ترَوْنَ أدباً او فنّاً في الهند. لأنه مثلا لا توجد تقاليد لذلك.

لكن قُلتَ كذلك: “سنصل إلى هذا، فمحرّك الثقافة موجود” فهل هذا ما حدث؟ هل وجدتم كتابا هنديون أو في باقي الدول النامية في المستوى المطلوب؟

هذا موضوع شاسع لكيلا أجيب عليه بسرعة الآن، وربما أدّى ذلك لأجوبة سخيفة ومثيرة، ولا أريد أن يحدث هذا. في الحقيقة لم أعثر بعد على شيء من هذا القبيل. في الحقيقة كان ينتظرون استهاما كبيرا عندما يقرأ المرءُ أعمالا لكتاب من الهند. كُنت قد قرأتُ سنة 1951 كتاب” الهندي المجهول” لـ(شودوري). وقد أبهرني حينذاك، لكن مع مرور الوقت تلاشى هذا الانبهار. ربما لأننا ننتظر الكثير من المحاسن في بلدان بعينها. نعتقد أنهم يملكون الحقيقة أو يقتربون منها أكثر مِنّا. في الحين أن الأمر غير ذلك. حاليا كتاب (شودوري) أجده غير مُحتَمَل.

أنتم لا تعيدون قراءة ما كتبتموه. ولكن زوجتك تقرؤه لكم بصوت مسموع.

نديرا: عندما أقرَأ له وأتعمد أن أمُر على فقرة دون قراءتها، كان يوقِفُني، فأستغرب سائلة: كيف عرفت ذلك؟ فيجيبني: “أعرف موسيقى ما أكتب”. أعترفُ لكم أني لا أقرأ خارج ما يكتبه زوجي، لكي أحافظ على نفس النبض والإيقاع فيما يكتبه. نتلقّى العدد الكثير من الكتب من الهند، فأقرأ بصوت مسموع بعض المقاطع، فيكتفي بالقول:”هذا الشاب يكتب بأسلوب جميل، لكن…” أو يقول:”هذا يكتب جيِّدا وسنرى هل سيداوم على ذلك“، جميل أن نرى كل هؤلاء الكتاب الشباب مثل (أميتاف غوش) الذي يعتبرون (ف.س.نابيول) كاتبا مُهِما تعلّموا منه كيف يكتبون، ويدينون له بذلك. يُصدَر العديد من الكتب في الهند. يَطلب مني قراءة بعض السطور ثم يعرف إن كان صاحب هذه السطور كاتبا جيِّدا أم غير ذلك. لكنه لا يقرأ حتى لا يقع له تشويش في نسق أفكاره الذهني.

لكن هذه طريقة أخرى لإعادة ما كتبتم.

هذا صحيح.

هل تستمتعون بذلك؟

نديرا: يستمتع كثيرا عنما اقرأ له ما كتَب، أنتِ لا تعلمين مدى الاحتراز والدقة التي يكتب بها ومدى المشقة الشديدة في عملية الكتابة. وهذا شيء غريب. ولا اعلم أحدا مثله يستحق جائزة نوبل. فعملية الكتابة عنده مُبرحة يذوب فيها. عندما يكتب تشعر بأن رأسه صار ساخنا ولا يمكن حتى لمسه لشدة الحرارة كأنه رصاصة. لا يهدأ ولا يفعل شيئا آخر غير التفكير والكتابة. هذا عمل خصص له كل حياته ويفعله بطريقة جيِّدة. لكن هذا يأخذ كل وقته. وعليكِ أن تعلمي ويعلم كذلك القراء بشيء؛ كان يقول:” على الإنسان أن تكون لديه ثلاث حيوات، واحدة للعيش، الثانية للقراءة والتجارب والأخيرة للكتابة” كان دائما يقول:” حياتي قصيرة لم يُتَح لي وقت كثير للعيش، لم أفعل شيئا آخر غير الكتابة”. على الإنسان أن يتوفر على ثلاث حيوات.

وحياتكم كلها كانت للكتابة؟

نعم.

هل ندمتَم على ذلك؟

لا أبداً، لم اندم على ذلك، فقد استغرقت الكتابة كل وقتي ولم يبقى لي وقتا للندم.

نديرا: لكن تملكُ مفهوم “الدارْما”، تحَدَّثْ لها عن الدرما التي تُمِدُّك بالقوة.

يعقب الكاتب:

 إنها مفهوم هندي، على كل إنسان أن يتوفر على “دارْما” له، فكرته عن كيف ستكون حياته. أنا شخصيا وجدت صدى لها عند (بروست)، تأمُّلٌ في الزمن والأشياء.

 اغرورقت عينا الكاتب بالدموع، اقتربت منه الزوجة مُهدئة:

لقد أهدى حياته للكتابة، الدارْما دَفَعته إلى ذلك، هذه هي الدارْما تكاد تكون ديناً.

كتبتم عن أبيكم”أبي لم يصل أبدا إلى نقطة كان عليه فيها أن يُراجِعَ ماضيه، في النهاية وجد القليل ليكتب عنه” متى شعرتم بوصول الأب إلى هذه النقطة؟ أبوك لم يصل إلى هذا، لكنكم أنتم وصلتم إلى ذلك. متى كان ذلك؟

كم هي صعبة هذه الأسئلة.

متى بدأتم تثقون في أعمالكم؟ فقد قرأت أنه في بداية كتابتكم، لم تكونوا على ثقة فيما تكتبون.

ناديرا: في الحقيقة إلى الآن ليست لديه كامل الثقة فيما يكتب، يقول عندما يكون الكاتب واثقا فيما يكتب؛ فهذه من علامات السخافة، شعورك بعدم الثقة يحتم عليك فحص ما تكتب بدقة. دائما حين الكتابة يشعر بعدم الثقة، لكن في النهاية يكون واثقا من جودة ما كتبه.

هل الاعتراف كان في مستوى ما قدمتموه؟

نعم، أقول لك أن ما كتبتُه هو طريقة لتوثيق ما فعلته، يعطيك مصداقية لعملك.

كاتب (لازاريو) لم يحصل على هذا الاعتراف.

صحيح، لكن الاعتراف كان خالداً، كثير من الأغنياء الذين يملكون الأموال الطائلة، ماتوا. لكن الكاتب يبقى حيا ما دمنا نقرأ له.

كافكا ناصحاً الشاب العاشق

كافكا ناصحًا الشاب العاشق

الصبر هو الحل لجميع المشكلات، يجب على المرء أن يُشفق على كل الأشياء، وأن يستسلم لكل الأشياء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا”.

في صباح أحد أيام شهر مارس من عام 1920 وصل أحد المراهقين ويدعى (غوستاف يانوتش) إلى مؤسسة التأمين على حوادث العمال التي كان يعمل بها والده، وكان غرضه الوحيد من تلك الزيارة هو مقابلة ذلك المبدع الطموح البالغ من العمر حينها السابعة عشرة، زميل والده الشهير ومؤلف رواية (التحول) أو (المسخ) فيما بعد، (فرانس كافكا) [03 يوليو 1883 – 03 يونيو 1924]، الذي كان يعمل بجد في شركة التأمين لمدة اثنى عشر عامًا، حدث أن نَمت بين هذين الاثنين صداقة مستبعدة، وعلى مدى الأربع سنوات الأخيرة المتبقية في حياة (كافكا) كانا يسيران سويًا في جولات طويلة في المدينة يتحدثان عبرها عن الأدب والحياة.

وفي عام 1951 بعد وفاة (كافكا) بوقتٍ طويل نشر (يانوتش) ذكرياته عن تلك الجولات الثرية والمميزة التي كان يتحدث خلالها مع (كافكا) باسم (محادثات مع كافكا) [المكتبة العامة].

إن ما يثير الاهتمام في تلك المحادثات على هذا النحو هو أن الكثير منها كان يناقض الانطباع المألوف عن كافكا بوصفه كان يعيش غالباً في حالةٍ من الاستياء والكآبة، ولعل ذلك يرجع إلى أننا يمكن أن نُسلي ونخرج أجمل ما فينا بالمحادثات, بالإضافة إلى ذلك التفاؤل وتلك الصراحة الجوانية العفوية التي ميزت ذلك الشاب التي ربما أيقظت مواضع روحانية كامنة داخل كافكا، ولذلك تميزت الموضوعات التي ناقشاها بقدر كبير من التنوير: حيث الفن (“الفن مثل الصلاة فهو يد ممتدة في الظلام تبحث عن لمسة جمال تحولها إلى يد معطاءة.”) والشعر (“كما يقول غوته إنه بالفعل كل ما نهتم به نحن البشر”)، والحب.

وفي تأمل عميق للألم في علاقات الحب الفاشلة، يقدم لنا (كافكا) تعريفًا رائعًا للحب ومخاطره، إذ يمكن أن يرفعنا إلى السماء بمعنى الكلمة ويهبط بنا إلى الأرض بمعنى الكلمة كذلك، يتسائل (كافكا) في تلك المحادثات ويجيب:

ما هو الحب؟ إنه بسيط على أية حال، إن الحب هو كل ما يدعم حياتنا ويوسعها ويثريها، من أعاليها حتى جوفها، فمشاكل الحب مثل مشكلات السيارة، قليلة جداً، فمشكلاتها الوحيدة غالباً هي السائق والركاب والطريق.

وفي كثيرٍ من الأحيان وأكثر بكثير مما نود تخيله قد تؤدي تلك المشكلات الصغيرة إلى حادثة، إذ كان (كافكا) نفسه قد ألف انفطار القلب عن كثب، وهو ما يتضح في خطابات الحب الجميلة والمروعة التي كتبها، حيث أكد فيها أن “انفطار القلب هو ما يدفعنا إلى النضوج” ولعل هذا هو السبب في أن خبرة (كافكا) الكاتب أتاحت له تقديم تلك النصيحة المطمئنة على نحوٍ غريب لـ(غوستاف) الشاب لتسليته ومواساته فيما شعر به من ألم بسبب طلاق والديه بعد الحب الذي كان بينهما، حيث ذلك الشرخ في القلب الذي أصابه باليأس من إمكانية تحقيق السعادة في الحب، ويردد (كافكا) ما يعتقده الفيلسوف الألماني (نيتشه) من أن الحياة المثمرة تتطلب معانقة الصعوبات”، فيحث (كافكا) ذلك الشاب على عدم الهروب من مشاعر الألم داخله وينصحه:

فقط كن هادئًا وصبورًا، وذلك لتدع الشرور والتعاسة يتجاوزانك بهدوء، فلا تحاول تجنبهما، بل على العكس، لاحظهما بدقة، وليكن الفهم الفعال هو البديل لرد الفعل الساخط، فهذا هو السبيل الوحيد لتنضج وتخرج من مشاكلك، فلا يمكن للبشر تحقيق العظمة إلا بالتغلب على وهنهم.

وفي جولتهما التالية يعود إلى الموضوع ذاته، ويقول (كافكا) ناصحًا الشاب العاشق بطريقة تذكرنا بالروائي الأمريكي (جون شتاينبك) ونصيحته التي لا تُنسى عن الحب:  إذا كان الحب حقيقياً فسيحدث، والمهم ألا تتعجل، فالخير لا يهرب” فيقول (كافكا) لـ(غوستاف) الشاب:

إن الصبر هو الحل لجميع المشكلات، فيجب على المرء أن يتشارك وجدانيًا مع كل شيء، وأن يستسلم لكل شيء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا…فلا مجال للانثناء أو الانكسار، فكل المسألة هي في التغلب على المصاعب فقط، وهي تبدأ بالتغلب على النفس أولاً، ولا يمكن تجنب ذلك، فالأبتعاد عن ذلك الطريق يعني دائمًا التحطّم، فيجب على المرء تقبل جميع الصدمات بصبر, ولا يتقبلها فقط، بل ينميها في نفسه، فلا جدوى من التغلب على عوائق الأنا المشبّعة بالخوف إلا بالحب، فإذا رأينا تلك الأوراق الميتة وحفيفها من حولنا لابد أن نرى أيضاً معها خضرة الربيع الناشئة والنضرة وأن نهدأ وننتظر صابرين، فالصبر هو الأساس الوحيد الحقيقي الذي بممارسته والتحلي به تكون قادراً على جعل أحلامك حقيقة.


[المصدر]