أرشيف الوسم: ترجمة حصرية

حوار صحفي، مع الأديب خوسي مانويل كبايرو بونالد

 

في شهر نوفمبر من عام 2017، نشرت مجالة “ماذا سنقرأ” الاسبانية، لقاءً صحفيًا مع الروائي الشاعر الاسباني (خوسي مانويل كبايرو بونالد)، بعنوان “الرجل الذي عصى الحروف”.

يقول الصحفي في استهلال اللقاء:

أي حوار ولو كان قصيرا، مع حائز على جائزة (سرفانتيس)، كـ(خوسي مانويل كبايرو بونالد)، فهو امتياز ومتعة لا نظير لهما، حتى لو كان حوارا، بل حدث فبالأحرى أن يكون هناك حدثا متمثلا في إعادة طبع رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) عن دار النشر نافونا.

وهنا تنشر لكم ساقية، ترجمة حصرية لهذا اللقاء.

سيادتكم تعتبر من أهم الروائيين باللغة الإسبانية ،كيف يبدو لكم هذا التعريف؟

أحب كثيرا أن أنال الاهتمام كشاعر لأن الشعر هو قاعدة فاعلة في الأدب وأنا أحرص دائما على أن لا أنسى ذلك.

يعتبر الحصول على جائزة (سرفانتيس) كأسمى تتويج في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية، كيف عشتم هذا الحدث؟

أولا برضى، ثم بتوتر، وهذا شيء معتاد في هذا الحالات. هي تجربة مرغوب فيها وفي نفس الوقت مرهقة.

لماذا الآن يعاد نشر رواية (طيلة الليل وهم ينصتون لمرور العصافير) التي نالت جائزة (نادي إشبيلية) سنة 1981؟

أفترض ذلك نزوة من نزوات الناشر (بيري سوريدا)، وأظن أنها أسَرَّته شخصية العجوز ليستون Leiston في الرواية ؛ عجوز له اهتمام بقوارب وروائح مدينة خيريز. أنا كذلك أراها شخصية جذابة وأود أن أُشبهها.

في تلك السنة (1981) تحدث الكاتب (تورينتي باييستر) عن الرواية قائلا بأنها تمتاز بقوة شخصياتها وشجاعتهم، ومكتوبة ببراعة سردية وجودة أدبية عالية، مارأيكم في ذلك؟

هذا بالطبع حكم سخي ومجاملة منه بالطبع.

في الرواية هناك الانجليز بالأندلس، الأعمال المالية البحرية، التفسخ المجتمعي، كل هذه الأحداث ماتزال تحافظ على راهنتيها رغم مرور ست وتلاثون سنة عن كتابتها.

لا أظن ذلك فالدينامية التاريخية قد غيرت الأنماط السلوكية للمجتمع، فالمظاهر الاجتماعية داخل المجتمع الأندلسي الذي أعكسه في روايتي كثير منها عفا عنها الزمن، ولكنها كانت آنذاك موجودة منذ أربعين سنة أو خمسين سنة مضت، كما حكيْتُ عنها مزيلا كل الكوابح التي تعيق الانعتاق من الجمود والكاثوليكية الوطنية.

ماهي الإضافة التي قدمها تقديم الناقد (خوان كروس) للإصدار الجديد ؟

(خوان كروس) هو صديق عزيز وعلى هذا النحو دائما يتعامل معي جيدا، وأنا ممتن له بدعمه لهذا الإصدار.

ماهي التغييرات التي ترغبون إدخالها على الرواية، لو أتيح لكم ذلك؟

تغييرات على الأسلوب وتعديلات وصفية أشياء من هذا القبيل.

هل للحياة معنى؟ هل هو تحليل شخصي؟ أم منطق يؤدي بنا إلى العبث؟

فعلا الحياة عبارة عن لعنة مستمرة للعبث، في مثل سني هذا يتعذر عليَّ كل مرة فهم ما يجري ولم يعد يهمني إلا الخروج من هذا اللغط، فأنا عجوز مُرتاب ولكن ما يرعبني هو أن أصير عجوزا سلبيا.

ماهي أهمية الذاكرة في عملك الإبداعي؟ وكذلك عامل الزمن؟

الذاكرة هي العامل الأهم في كل أدبي المكتوب، وبدون هذه الذاكرة لن يكون لي أي مبرر للكتابة وذلك ربما لأن هناك ضعف في مُخيِّلتي.

هل نسير إلى التفاهة والابتذال؟

يبدو لي ذلك، فالابتذال أصبح من الآفات التي نعاني منها بالإضافة الى ثقافة القطيع، الدوغمائية، تمييع العادات، الخضوع والخنوع. ومن حسن الحظ أنه يظهر في بعض الأحيان هنا وهناك من يتمرد على كل هذا.

أنتم تُعَرِّفون الشعر بأنه البذرة الأصلية للأدب، ألا ترون اليوم أن الشعراء يستعملون الموسيقى من أجل أن يجعلوا أشعارهم مُغَنّاةً؟ ما رأيك بصاحب جائزة نوبل للآداب (بوب ديلان).

إن الشعر المُغنّى يختلف عن الشعر التي يتطلب قراءة متأنية، في حين أن الشعر المُوجَّه للغناء يتسم بنبرة أقل حِدّة. (بوب ديلان) يغني في العادة أبياتا شعرية عبارة عن محكيات، ولا يمكن تصنيف هذا شعرا، أظنهم أخطئوا منحه الجائزة.

والآن ماهي أعمالكم القادمة؟

الشهر المقبل سوف يصدر لي كتاب بعنوان (عرض العباقرة)  Examen de Ingenios وهو عبارة عن ِمئات البورتريهات عن كُتاب وفنانين صادفتهم في حياتي، منذ جيل مدرسة 98 إلى جيل مدرسة 50.

دموع ف. س. نابيول، في حوار صحفي

غادرنا مؤخرا، يوم السبت 11 غشت 2018، الروائي البريطاني من أصول هندية الحائز على جائزة نوبل للآداب 2001، عن عمر ناهز 85 سنة. (ف. س. نابيول).

وهذا نص حوار كانت قد أجرته الصحافية (بيرنا كونزاليز هاربور) سنة 2015 وترجمه عن الاسبانية عبد اللطيف شهيد، في ترجمة حصرية لدى ساقية.

العبقري الذي مازَجَ بين الأجناس الأدبية هو اليوم (2015) بالكاد يكتب بعض الشذرات. كثير من القراء حذرونا من الأشياء التي يُمكن أن تُغضب الروائي عند إجراء المقابلة معه، ونصحونا بتلطيف العبارات معه. لكن الكاتب الذي ولِد سنة 1932 بترينداد Trinidad هو أكثر من طفل رهيب للآداب العالمية؛ وصف لنا الاجتثاث بريشة قوية، جعلنا نفكر حول مفهوم الإيمان والعالم، زرك الشك حول شخصية غاندي ورسم بشدة إحباطات الحياة التي لم يختارها، والتي جعلت كل من (بول تروكس) و(باتريك فرنش) يفتِّتون سيرته الذاتية من غير أن يضنوا علينا بالثقوب السوداء التي واجهت الروائي؛ العنف ضد زوجته الأولى، لجوؤه للدعارة، عشيقته، غضبه.

هل تزعجك الصورة التي للناس عنك؟

لا أبدا.

كان هذا أخر رد على آخر سؤال.

ذريعة هذا الحوار مناسِبة، فقد صدر بإسبانيا كتاب (منطقة الظلام) لـ(ف.س.نابيول).

الذي يتحدث فيه عن سفره الأول إلى الهند التي خرج منها أجداده عقودا من قبل باتجاه ترينيداد، في طفولته عاش غريبا ينتمي إلى أقلية هندية وسط المستعمرة البريطانية، كيافع عاش كذلك غريبا كتلميذ هندي وسط زملاء المدرسة البريطانية، وكبالِغ وجد نفسَه في بلد لا يعرفه. هذا الاجتثاث هو صلب أدبياته.

هذا الكتاب الأخير ساعده في التحوّل من الروايات الأولى ذات الطابع الخيالي لوصف ما يراه في هذا العالم والذي لم يكن يريد أن يراه.

سيادتكم في كتابكم الأخير تصفون الهند منقسمة، عديمة التأثير، منغلقة، آلَمتَكَم كثيراً. هل الهند ما تزال تُؤلِمكم؟

نعم، كثير من الناس يسألونني؛ لماذا لا أكتب عن الفظائع التي تحدث الآن في شوارع الهند، هل لأن كل ذلك اختفى؟ أجيب بلا، ولكن لا يمكننا أن أكتب دائما نفس الأشياء. أحاول مسايرة زمن تغيير انطباعاتي. دون أن أنسى ما كتبتُه سابقا. هل تدركين فحوى ما أقول؟

كتبتَموه سنة 1964. هل أعدتم قراءته؟ هل تعيدون ما كتبتم قديما؟

بكل بساطة، لا، هل عليَّ ان أفعل ذلك؟

بعض الكتاب يفعل ذلك. (فيليب روت) ترك الكتابة وخصص وقته لإعادة قراءة كتبه الثلاثون أو أكثر. فهل فكرتم في مراجعة ما كتبتم مُستقبلا؟

لا، فما زال حاضر التجربة في ذهني، فلا داعي لإعادة القراءة.

في تصديركم للكتاب قلتم بأنه ساعدكم على النظر أبعد إلى ما هو خيالي، كنتم كتبتم ثلاث أو أربع روايات خيالية ومع هذا الكتاب قفزتم مما هو خيالي إلى ما هو غير خيالي.

ماذا قلتُ بالضبط؟ أين توجد هذه العبارات التي ذَكَرتِ؟

يوجد في تصدير الكتاب، وكذلك في كتاب (لحظات أدبية) التي تحدثتم فيه عن ظروف تحرير الكتاب المشار إليه.

لا أتذكر ذلك.

كتبتم “خرجتُ مُنهكا من كتابة رواية (منزل للسيد بِزْواس)، كنت أبحث عن كتابة رواية أخرى” وأحد الناشرين اقترح عليكم السفر إلى الهند والكتابة عن التجربة. وكتبتم “ساعدني في النظر إلى أبعد من الكتابة الخيالية. والانفتاح على الأبحاث الأدبية“.

أعتقد أن ما كتبته كان واضحا، لقد فرغت من كتابة رواية خيالية طويلة، أنهكني المجهود الذي بّذَلتُ فيها، كنت أود تجريب شيء جديد، فقط شيء غير خيالي. هل هذا مفهوم؟

واضح، نود منكم مزيدا من التفصيل.

لا يمكنني أن أُوضِّح أكثر، هذا يكفي.

لقد كتبتم في جنسي الخيال واللاخيال، أين يكمن ارتياحكم من عدمه في كل من الجنسيْن؟

سؤال وجيه، حول طريقتي في الكتابة، والذي لا يُمكنني أن أُجيب عنه الآن بجملة بسيطة، هناك أشياء يَصعُب شرحها حول الكتابة وليس من السهل كذلك التحدث عنها، حاولي تغيير السؤال.

لماذا تفضلون أحيانا الكتابة في جنس الخيال وأحيانا أخرى في جنس اللاخيال؟

من الأسباب أنه أحيانا تشعر بالتعب في الكتابة في أحد الأجناس الأدبية وتشعر برغبة في الكتابة في جنس آخر، سبب آخرأن بعض الكتابات هي من تحتم عليك الكتابة في جنس مُعين دون آخر. عندما نواجه مثل هذه التجربة، نقول  “عليّ ان أكتب بهذا الأسلوب” مثلا أم أبتعد عن الخيال.

أنتم تتعمقون كثيرا عندما تكتبون عن شخصيات رواياتكم سواء من الداخل أومن الخارج. وهذا نجده في رواية (لازاريو)، رواية إسبانيّة مجهولة المؤلف، مكتوبة على شكل رسالة يكون فيها الراوي شخصيّة من شخصيّات العمل. أين تجدون الصّعوبة؟

عندما أكتب لا أجعل تقسيما، العمل ينتهي بشكل سلس. هل هذا مفهوم؟

هذا الكتاب هو منطقة مُظلِمة، كان أول سفر لكم للهند. ماذا يعني لكم كل هذا؟

أعتقد انه بالنسبة لي يعني الكثير، لأنه أول مرّة أكتب عن تجربة قاسيّة، ولا أستطيع أن أقول لك أكثر من هذا. أظن أن هذا يكفي. إِلّا إذا…أرى أنك تودّين طرح أسئلة عن الموضوع.

ناديرا، (زوجة الكاتب): حسنا كان كتابا مُهمّاً، ذَهبْتَ إلى الهند لأوّل مرّة، رأيت البلد عن قُرب، وكتبت عن تجربتك التي لم تَرُقْ لكثير من الهنود، لأنها كانت نظرة من الخارج، لأنك من أصول هندية وفي نفس الوقت لست هندي، الكتاب أثار موجة من السخط في الهند، لا زِلْتُ أَتَذَكّرُ أقوالهم: كيف يجرُؤُ أن يحضرَهنا ويكتب عن مجتمعنا، كيف يجرؤ ويتحدث عن الناس التي تتبول وتتغوط بين قضبان السكك الحديدية، كان كتابا مثيرا بالنسبة للكتاب الشباب الهنود، كأميتاف غوش  Amitav Ghosh وغيرهم، لقد علّمتَهم بأن ينظروا إلى الهند بطريقة أخرى…

كل هذا ثانوي بالنسبة لفعل الكتابة، عندما نكون نكتب لا نفكر في الهرج الذي ستحدِثه كتابتنا، أنا يبدو لي فيما أكتب أنه شيء بديهي والناس ستراه وصف لما يقع، لكن كما ترين، أحينا يحدث هذا الذي وقع، مرة تعتقد أنك لم تفعل أي شيء وتكتشف أنك فعلت شيئا مثيرا…

قلتم، مثلا. أن غاندي فشل. بعد مرور ثلاثين سنة على موته، هل ما زِلتم تعتقِدون أنه فَشَلَ؟

بطبيعة الحال.

لماذا؟

لأن أفكاره ورسالته كانت جد عميقة، احتوت كل الجوانب التي كان ينبغي عليها أن تقلب وجه الهند، لكن هذا لم يحدث، لقد فشل.

أيضا إنجلترا الاستعمارية خَيَّبت آمالكم، هل تشعرون بأن إنجلترا تعلَّمت كيف تُقَدِّر مستعمراتها القديمة؟

لم أقل شيئا متطرّفا عن إنجلترا، لا أجرُؤ أبدا على إبداء تصريحات كبيرة على بلدان جد مهمة. إذا كانت بعض الخيبات فلا يمكن أن نخرج بتأكيدات كهذه علينا أن نقبل بكل الأشياء التي تتضمنها هذه البلدان.

صحيح انكم لا تتكلمون عن إنجلترا، لكن في المقابل تتحدثون عن ” أنجلتَرة “. كيف اصطدمت بالهند. قلتم بأن اللقاء بين القوتين لم يكن إيجابيا؟ هل تعتقدون أن موقف إنجلترا اتجاه مستعمراتها السابقة قد تطوّر، تغيّر؟

أود أن أفكر وقتا أكثر للجواب على هذا السؤال.

– قلتم لفظاً “الإمبراطورية البريطانية اختفت من الهند في نفس الوقت التي كانت تغزوها فيه. كانت علاقة استهانة، تجاهل“. هذا ما كتبتموه. فالسؤال هو كالتالي: هل تعلّمت إنجلترا تقدير أهالي مُستعمراتها؟

لا أظن ذلك، ولا أرى أي مبرات لكي تفعل ذلك (يضحك وزوجته). عندما كنتُ أكتب قلت في نفسي انه عليّ ألا أستعمل بعض المصطلحات. كان من بينها “الاستعمار“. أخرى “الإمبريالية“. عندما أقرأ لا أحبذ أن أواجه مثل هذه المفردات. لا أحب أن تُسْتعمل بدل طرح أفكار مناسبة. إذا تصَفَّحت كل كتاباتي لن تعثري على مثل هذه المُفردات.

في الكتاب هناك وصف ذاتي لكم: “في ترينيداد كُنتُ مُختلِفا، في لندن كنت كذلك مُخْتلِفا. إذ ذاك ذهبتُ إلى الهند وهناك كُنتُ مَجهولا لأني كُنتُ هِنديّا“. لدي إحساس أن شعوركم بالإجتثات والتجاهل هو ما دفعكم لكتابة هذا الكتاب. هل هو نفس الشعور الذي نجده طوال مسيرتكم الأدبية؟

نعم، بدون أدنى شك، لم أفكر بذلك أبدا عن وعي. ولحد الساعة لا أفعل ذلك، ولكن في اللاوعي هناك شخص ثاني يُملي علينا أشياء مُختلفة.

كيف تصفون أسلوبكم في الكتابة؟ عميق، جاف، صادق؟ هذه بعض العبارات التي أقترح. أود تعريفات منكم.

هذا مستحيل، عندما نبدأ بنقد ما كتبناه فنحن في اتجاه يوصلنا إلى الجنون.

بدا على زوجته انزعاج، وشجعته للإفصاح أكثر قائلة: صحيح، سيِؤدي إلى الجنون، ولكن أنت دائما كنتَ تقول أنك تحاول الاقتراب من الحقيقة، وكنت تكتب بأسلوب يقربك من الحقيقة وكنت ترى أننا يجب أن نبذل كل جهدنا من أجل ذلك. كان يُراجع ما يكتب مرارا لأنه لم يكن متيقنا مما يكتب.

الكاتب اكتفى بالرد قائلاً: “زوجتي تشرح أفضل منّي“.

نديرا: كان دائما غير واثق من نفسه. مع كل هذا الإشعاع كان دائما يشك، يحب الكمال في أعماله. عندما كتب (بذور سحرية) وكذلك (نصف حياة) كان يكتب جملة ويستغرق وقتا طويلا فيها، عندما يكتب لا يتكلّم ولا يسمع، كنت أنا من يتولّى قراءة الجملة بصوت مُرتفع، كان يردّ: “هذا ليس جيّدا“، أقول له: “بلى، إنها مُتْقَنة” وكان يُصِرُّ: “لا ليست كذلك، ليست لها إيقاعي“. لأنه يملك إيقاعه الشخصي في الكتابة، موسيقى خاصة به في ذهنه. كان فجأة ما يقوم في جوف الليل من الفراش ويتجه نحو الحاسوب ويُعَدِّل كلمَةً، كنتُ اسْمَعه يقول: “الآن…الآن، هذا أفضل“. كان يراجع المفردات باستمرار كان مُهوسا بالوضوح؛ كان يقول إن الكاتب المُتَمَيّز هو من يُعبر عن الأفكار المعقدة بأسلوب بسيط. إذا كنت غامضا في كتابتك فإنك في الطريق لفقد لُغتك، لهذا لم يكن يحب عبارات مثل “الاستعمار” “الإمبريالية” الكاتب يجب أن يغوص في العُمق ليكون أكثرَ وضوحا.

يعلق الكاتب:

لهذا اخترتُ هذه المفردات للتعبير عن الأسلوب: حقيقة، شفافية، صدق…

ناديرا: وَوُضوح.

يوافق الكاتب:

ووُضوح. صِدْق.

نديرا: أقرب ما يكون من الحقيقة، لأن الحقيقة المطلقة لا توجد، لأنها دائما تتغير ومع ذلك يجب بذل اقصى الجهود للاقتراب منها. وكل الكتب التي تحدثت عن الهند التي ذُكِرت سابقا كان فيها زوجي يرجع إلى الهند، يرجع إلى موضوع الهند، يفحصه من كل الجوانب.  India, a Wounded civilization 1977 هو مُغاير لكتاب India, a Million Mutinies Now 1990. ينبغي ان نقول، وأرجو أن تكتبي ذلك، انه عندما أصدر هذه الكتب، حدث اضطراب كبير في الهند. India, a Wounded civilization قد استعملاه الحزبين الكبيرين في الهند وليس فقط في الشق السياسي. فهو مُراجعة لتاريخ الهند. والان الهنود ينتظرون منه كتاب آخر عن الهند، لكنه اعتذر عن ذلك. كتاب India, a Million Mutinies Now لازال معاصرا وليس له الجديد عن الموضوع، لا يريد كتابا جديدا فقط من أجل الكتابة. واظن أن الهنود قد نضجوا بشكل كبير وأصبحوا أقوياء ليقولوا له: “شكرا جزيلا لك، فقد مددتنا بالأدوات اللازمة لنحكم بأنفسنا على مجتمعنا. الآن باستطاعتنا أن نرى ذواتنا في المرآة، فلدينا الأدوات لذلك” لكن هناك بلدان أخرى كتب عنها، لكن يفتقدون الأدوات لكي يطوروا أفكارهم ويحاكموا أنفسهم كما فعلت الهند.

هل ما زِلتم تكتبون؟

لا أدري ما أقول.

نديرا: يكتُب بعض ” الشذرات” ولكن ليس واثقا من إتمامها.

هل تواكبون الحركة الأدبية في العالم؟ ولكن قبل ذلك هل كل كتاب من كتبك كان خطوة إلى الأمام؟ هل تعتقدون أن الأدب العالمي تطور؟ هل تجدون أدبا جديرا بالاهتمام؟

أعتقد أن الناس لا يُفكرون في الأدب بهذه الطريقة.

ولكن هل يوجد أدب يثير الاهتمام. كُتّابا جادّين في الوقت الراهن؟

المسألة معَقّدة. لا يمكن اعتبار ثقافة ما بأن أدبها ديناميكي، فهذا لا يوجد، لا يمكن استخراج خلاصات كبيرة على ذلك. يجب أن نرى الأشياء البسيطة فيما يكتبه الناس.

في وقت ما، صرَّحتم بأنكم لا ترَوْنَ أدباً او فنّاً في الهند. لأنه مثلا لا توجد تقاليد لذلك.

لكن قُلتَ كذلك: “سنصل إلى هذا، فمحرّك الثقافة موجود” فهل هذا ما حدث؟ هل وجدتم كتابا هنديون أو في باقي الدول النامية في المستوى المطلوب؟

هذا موضوع شاسع لكيلا أجيب عليه بسرعة الآن، وربما أدّى ذلك لأجوبة سخيفة ومثيرة، ولا أريد أن يحدث هذا. في الحقيقة لم أعثر بعد على شيء من هذا القبيل. في الحقيقة كان ينتظرون استهاما كبيرا عندما يقرأ المرءُ أعمالا لكتاب من الهند. كُنت قد قرأتُ سنة 1951 كتاب” الهندي المجهول” لـ(شودوري). وقد أبهرني حينذاك، لكن مع مرور الوقت تلاشى هذا الانبهار. ربما لأننا ننتظر الكثير من المحاسن في بلدان بعينها. نعتقد أنهم يملكون الحقيقة أو يقتربون منها أكثر مِنّا. في الحين أن الأمر غير ذلك. حاليا كتاب (شودوري) أجده غير مُحتَمَل.

أنتم لا تعيدون قراءة ما كتبتموه. ولكن زوجتك تقرؤه لكم بصوت مسموع.

نديرا: عندما أقرَأ له وأتعمد أن أمُر على فقرة دون قراءتها، كان يوقِفُني، فأستغرب سائلة: كيف عرفت ذلك؟ فيجيبني: “أعرف موسيقى ما أكتب”. أعترفُ لكم أني لا أقرأ خارج ما يكتبه زوجي، لكي أحافظ على نفس النبض والإيقاع فيما يكتبه. نتلقّى العدد الكثير من الكتب من الهند، فأقرأ بصوت مسموع بعض المقاطع، فيكتفي بالقول:”هذا الشاب يكتب بأسلوب جميل، لكن…” أو يقول:”هذا يكتب جيِّدا وسنرى هل سيداوم على ذلك“، جميل أن نرى كل هؤلاء الكتاب الشباب مثل (أميتاف غوش) الذي يعتبرون (ف.س.نابيول) كاتبا مُهِما تعلّموا منه كيف يكتبون، ويدينون له بذلك. يُصدَر العديد من الكتب في الهند. يَطلب مني قراءة بعض السطور ثم يعرف إن كان صاحب هذه السطور كاتبا جيِّدا أم غير ذلك. لكنه لا يقرأ حتى لا يقع له تشويش في نسق أفكاره الذهني.

لكن هذه طريقة أخرى لإعادة ما كتبتم.

هذا صحيح.

هل تستمتعون بذلك؟

نديرا: يستمتع كثيرا عنما اقرأ له ما كتَب، أنتِ لا تعلمين مدى الاحتراز والدقة التي يكتب بها ومدى المشقة الشديدة في عملية الكتابة. وهذا شيء غريب. ولا اعلم أحدا مثله يستحق جائزة نوبل. فعملية الكتابة عنده مُبرحة يذوب فيها. عندما يكتب تشعر بأن رأسه صار ساخنا ولا يمكن حتى لمسه لشدة الحرارة كأنه رصاصة. لا يهدأ ولا يفعل شيئا آخر غير التفكير والكتابة. هذا عمل خصص له كل حياته ويفعله بطريقة جيِّدة. لكن هذا يأخذ كل وقته. وعليكِ أن تعلمي ويعلم كذلك القراء بشيء؛ كان يقول:” على الإنسان أن تكون لديه ثلاث حيوات، واحدة للعيش، الثانية للقراءة والتجارب والأخيرة للكتابة” كان دائما يقول:” حياتي قصيرة لم يُتَح لي وقت كثير للعيش، لم أفعل شيئا آخر غير الكتابة”. على الإنسان أن يتوفر على ثلاث حيوات.

وحياتكم كلها كانت للكتابة؟

نعم.

هل ندمتَم على ذلك؟

لا أبداً، لم اندم على ذلك، فقد استغرقت الكتابة كل وقتي ولم يبقى لي وقتا للندم.

نديرا: لكن تملكُ مفهوم “الدارْما”، تحَدَّثْ لها عن الدرما التي تُمِدُّك بالقوة.

يعقب الكاتب:

 إنها مفهوم هندي، على كل إنسان أن يتوفر على “دارْما” له، فكرته عن كيف ستكون حياته. أنا شخصيا وجدت صدى لها عند (بروست)، تأمُّلٌ في الزمن والأشياء.

 اغرورقت عينا الكاتب بالدموع، اقتربت منه الزوجة مُهدئة:

لقد أهدى حياته للكتابة، الدارْما دَفَعته إلى ذلك، هذه هي الدارْما تكاد تكون ديناً.

كتبتم عن أبيكم”أبي لم يصل أبدا إلى نقطة كان عليه فيها أن يُراجِعَ ماضيه، في النهاية وجد القليل ليكتب عنه” متى شعرتم بوصول الأب إلى هذه النقطة؟ أبوك لم يصل إلى هذا، لكنكم أنتم وصلتم إلى ذلك. متى كان ذلك؟

كم هي صعبة هذه الأسئلة.

متى بدأتم تثقون في أعمالكم؟ فقد قرأت أنه في بداية كتابتكم، لم تكونوا على ثقة فيما تكتبون.

ناديرا: في الحقيقة إلى الآن ليست لديه كامل الثقة فيما يكتب، يقول عندما يكون الكاتب واثقا فيما يكتب؛ فهذه من علامات السخافة، شعورك بعدم الثقة يحتم عليك فحص ما تكتب بدقة. دائما حين الكتابة يشعر بعدم الثقة، لكن في النهاية يكون واثقا من جودة ما كتبه.

هل الاعتراف كان في مستوى ما قدمتموه؟

نعم، أقول لك أن ما كتبتُه هو طريقة لتوثيق ما فعلته، يعطيك مصداقية لعملك.

كاتب (لازاريو) لم يحصل على هذا الاعتراف.

صحيح، لكن الاعتراف كان خالداً، كثير من الأغنياء الذين يملكون الأموال الطائلة، ماتوا. لكن الكاتب يبقى حيا ما دمنا نقرأ له.

كافكا ناصحاً الشاب العاشق

كافكا ناصحًا الشاب العاشق

الصبر هو الحل لجميع المشكلات، يجب على المرء أن يُشفق على كل الأشياء، وأن يستسلم لكل الأشياء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا”.

في صباح أحد أيام شهر مارس من عام 1920 وصل أحد المراهقين ويدعى (غوستاف يانوتش) إلى مؤسسة التأمين على حوادث العمال التي كان يعمل بها والده، وكان غرضه الوحيد من تلك الزيارة هو مقابلة ذلك المبدع الطموح البالغ من العمر حينها السابعة عشرة، زميل والده الشهير ومؤلف رواية (التحول) أو (المسخ) فيما بعد، (فرانس كافكا) [03 يوليو 1883 – 03 يونيو 1924]، الذي كان يعمل بجد في شركة التأمين لمدة اثنى عشر عامًا، حدث أن نَمت بين هذين الاثنين صداقة مستبعدة، وعلى مدى الأربع سنوات الأخيرة المتبقية في حياة (كافكا) كانا يسيران سويًا في جولات طويلة في المدينة يتحدثان عبرها عن الأدب والحياة.

وفي عام 1951 بعد وفاة (كافكا) بوقتٍ طويل نشر (يانوتش) ذكرياته عن تلك الجولات الثرية والمميزة التي كان يتحدث خلالها مع (كافكا) باسم (محادثات مع كافكا) [المكتبة العامة].

إن ما يثير الاهتمام في تلك المحادثات على هذا النحو هو أن الكثير منها كان يناقض الانطباع المألوف عن كافكا بوصفه كان يعيش غالباً في حالةٍ من الاستياء والكآبة، ولعل ذلك يرجع إلى أننا يمكن أن نُسلي ونخرج أجمل ما فينا بالمحادثات, بالإضافة إلى ذلك التفاؤل وتلك الصراحة الجوانية العفوية التي ميزت ذلك الشاب التي ربما أيقظت مواضع روحانية كامنة داخل كافكا، ولذلك تميزت الموضوعات التي ناقشاها بقدر كبير من التنوير: حيث الفن (“الفن مثل الصلاة فهو يد ممتدة في الظلام تبحث عن لمسة جمال تحولها إلى يد معطاءة.”) والشعر (“كما يقول غوته إنه بالفعل كل ما نهتم به نحن البشر”)، والحب.

وفي تأمل عميق للألم في علاقات الحب الفاشلة، يقدم لنا (كافكا) تعريفًا رائعًا للحب ومخاطره، إذ يمكن أن يرفعنا إلى السماء بمعنى الكلمة ويهبط بنا إلى الأرض بمعنى الكلمة كذلك، يتسائل (كافكا) في تلك المحادثات ويجيب:

ما هو الحب؟ إنه بسيط على أية حال، إن الحب هو كل ما يدعم حياتنا ويوسعها ويثريها، من أعاليها حتى جوفها، فمشاكل الحب مثل مشكلات السيارة، قليلة جداً، فمشكلاتها الوحيدة غالباً هي السائق والركاب والطريق.

وفي كثيرٍ من الأحيان وأكثر بكثير مما نود تخيله قد تؤدي تلك المشكلات الصغيرة إلى حادثة، إذ كان (كافكا) نفسه قد ألف انفطار القلب عن كثب، وهو ما يتضح في خطابات الحب الجميلة والمروعة التي كتبها، حيث أكد فيها أن “انفطار القلب هو ما يدفعنا إلى النضوج” ولعل هذا هو السبب في أن خبرة (كافكا) الكاتب أتاحت له تقديم تلك النصيحة المطمئنة على نحوٍ غريب لـ(غوستاف) الشاب لتسليته ومواساته فيما شعر به من ألم بسبب طلاق والديه بعد الحب الذي كان بينهما، حيث ذلك الشرخ في القلب الذي أصابه باليأس من إمكانية تحقيق السعادة في الحب، ويردد (كافكا) ما يعتقده الفيلسوف الألماني (نيتشه) من أن الحياة المثمرة تتطلب معانقة الصعوبات”، فيحث (كافكا) ذلك الشاب على عدم الهروب من مشاعر الألم داخله وينصحه:

فقط كن هادئًا وصبورًا، وذلك لتدع الشرور والتعاسة يتجاوزانك بهدوء، فلا تحاول تجنبهما، بل على العكس، لاحظهما بدقة، وليكن الفهم الفعال هو البديل لرد الفعل الساخط، فهذا هو السبيل الوحيد لتنضج وتخرج من مشاكلك، فلا يمكن للبشر تحقيق العظمة إلا بالتغلب على وهنهم.

وفي جولتهما التالية يعود إلى الموضوع ذاته، ويقول (كافكا) ناصحًا الشاب العاشق بطريقة تذكرنا بالروائي الأمريكي (جون شتاينبك) ونصيحته التي لا تُنسى عن الحب:  إذا كان الحب حقيقياً فسيحدث، والمهم ألا تتعجل، فالخير لا يهرب” فيقول (كافكا) لـ(غوستاف) الشاب:

إن الصبر هو الحل لجميع المشكلات، فيجب على المرء أن يتشارك وجدانيًا مع كل شيء، وأن يستسلم لكل شيء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا…فلا مجال للانثناء أو الانكسار، فكل المسألة هي في التغلب على المصاعب فقط، وهي تبدأ بالتغلب على النفس أولاً، ولا يمكن تجنب ذلك، فالأبتعاد عن ذلك الطريق يعني دائمًا التحطّم، فيجب على المرء تقبل جميع الصدمات بصبر, ولا يتقبلها فقط، بل ينميها في نفسه، فلا جدوى من التغلب على عوائق الأنا المشبّعة بالخوف إلا بالحب، فإذا رأينا تلك الأوراق الميتة وحفيفها من حولنا لابد أن نرى أيضاً معها خضرة الربيع الناشئة والنضرة وأن نهدأ وننتظر صابرين، فالصبر هو الأساس الوحيد الحقيقي الذي بممارسته والتحلي به تكون قادراً على جعل أحلامك حقيقة.


[المصدر]

 

 

أوليفر ساكس: أن تعيش حياتك الخاصة وتموت ميتتك الخاصة

“إن قدر كل إنسان -من الناحية الوراثية والعصبية- أن يكون فريدًا وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة”

“إن الندم على أننا لن نعيش بعد مئة عام لا يختلف عن حماقة الأسف على عدم الحياة منذ مئة عام”، هكذا قال الفيلسوف الفرنسي (مونتين) في القرن السادس عشر متأملاً الموت وفن الحياة. “إن أعظم كرامة يمكن أن نجدها في الموت هي كرامة الحياة التي سبقت ذلك الموت”، كانت تلك كلمات الجراح وأخصائي أخلاقيات البحث العلمي الراحل (شيروين نولان) التي كتبها بعد خمسمائة عام في بحثه التأسيسي عن الأخلاق.

لكني لم أجد حتى الآن شخصًا جسد هذه الحقائق الصعبة ومارسها عمليًا على نحوٍ أصدق من طبيب الأعصاب البريطاني (أوليفر ساكس) (09 يوليو 1933 – 30 أغسطس 2015).

لقد واجه الموت مباشرةً بفضول ينم عن الشجاعة وشفافية مشرقة في أحد مقالاته في جريدة نيويورك تايمز، وتم جمع تلك المقالات بعد موته في كتاب صغير يمنح الأمل في الحياة باسم العرفان بالجميل (المكتبة العامة)، ويمثل هذا الكتاب هدية الفراق الرائعة التي توضح لنا ما يتسم به الطبيب (ساكس) من حكمة وود بخصوص أسلوب العيش وكرامة الموت، وقام تحرير ذلك الكتاب شريك (ساكس) الكاتب والمصور (بيل هايز) وصديقه ومساعدة على مدى ثلاثين عامًا (كيت إدغار).

فبعد أن علم الطبيب (ساكس) -الذي لن يُعوّض- بالتشخيص النهائي لمرضه نجده ينعم النظر في أعماق الوجود من منبر تلك الحياة الحلوة والمرة في الوقت ذاته التي كانت طويلة لتدنو من نهايتها على حين غرة وعلى الفور كحياة محدودة:

لقد أصبحت واعياً بشكل متزايد. على مدى العشر سنوات الأخيرة تقريبًا, بحالة الموت بين معاصريّ، إن الجيل الذي أنتمي له في طريقه إلى الزوال، فكنت أشعر بأن كل وفاةٍ تمثل توقفًا مفاجئًا وانتزاعًا لجزءٍ من ذاتي، إننا لن نُعوَّض عندما نرحل، ولكن لا يوجد شخص مثل شخص آخر، مطلقًا، فعندما يموت البشر فإنهم لا يُعوَّضون، فهم يتركون خلفهم ثغرات لا يمكن ملئها، لأنه قُدِّر لكل إنسان ـــــ من الناحية الوراثية والعصبية ــــ أن يكون فريدًا، وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة.

ومع دنو نهاية طريقه الخاص في الحياة، وهي تلك النهاية التي نجح في تجنبها بشق الأنفس منذ عقودٍ مضت عندما تمكن من إنقاذ حياته بالأدب والغناء، فيقول:

لا يمكنني التظاهر بعدم الخوف، ولكن الشعور الذي يسيطر عليّ هو العرفان بالجميل، لقد أحببت وكنت محبوبًا، لقد حصلت على الكثير وقدمت شيئًا في المقابل، لقد مارست القراءة وسافرت ومارست التفكير والكتابة، لقد اتصلت بالعالم، ذلك الاتصال الخاص للكتاب والقراء.

وفوق كل ذلك كنت كائنًا حساسًا، حيوانًا مفكرًا على هذا الكوكب الجميل، وكان ذلك في حد ذاته امتيازًا كبيرًا ومغامرة لا مثيل لها.


[المصدر]

 

 

هيلين كلير و دوامة أبيقور

هيلين كلير (1968-1880)، أديبة ومحاضرة وناشطة أمريكية. عانت (هيلين) من المرض في سن أثنى عشر شهراً وافترض أطباء الاطفال بأنها مصابة بحمى القرمزية والتي يصنف بمرض التهاب الرأس مما أدى إلى فقدانها السمع والبصر تماماً، ولها عدد من المؤلفات التي تنضج بالشكر لله على نعمة الحواس وتدعو إلى استعمالها فيما خُلقت، وقد كتبت في أحدى مقالتها وصف لحياة أولئك الغير قادرين على تقدير نعمة البصر والحياة كما ينبغي بكلماتها العميقة:

يجب علينا أن نعيش كل يوم ونحن نقدر تمام التقدير وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا والتي غالباً ما تفقد قدسيتها عندما يمر أمامنا الزمان في هذا المشهد الدائم الذي يمضي بأيامه و شهوره  وأعوامه .. أولئك طبعاً هم الذين يعيشون دوامة الفيلسوف (أبيقور) الذي كان يزعم أن المتعة هي الهدف الرئيسي من الحياة بيد أن أغلب الناس يريدون أن يعيشوا في عذاب وهم يشعرون بحقيقة الفناء الوشيك لكن معظمنا مع ذلك يأخذ الحياة على أنها منحة دائمة. نحن نفهم أن لابد من يوم أت لامحالة نسلم فيها الروح بيد أننا غالباً ما نتصور أن هذا اليوم بعيد جداً؛ إن هذا السبات نفسه هو الذي يهيمن علينا.

وعن فقدان البشر لقيمة حواسهم وتسخرها للعيش بمتعة، كتبت قائلة:

فيما يتعلق باستعمال حواسنا و طاقاتنا. إن الاصم وحده هو الذي يقدر نعمة السمع ؛ وكذلك الكفيف وحده هو الذي يقدر ضروب السعادة التي تكمن في نعمة البصر إن هذه الملاحظة تنطبق عملياً على أولئك الذين فقدوا حاسة البصر أو حاسة السمع في حياتهم المبكرة، لكن الذين لم يسبق لهم أن اشتكوا من الحرمان ولم يسبق لهم أن فقدوا بصراً أو سمعاً ؛ أولئك قليلاً ما يحسون بعظمة نعمة الاستفادة من هذه الحاسة المقدسة. أن أبصار هؤلاء تقع على كثير من المناظر، كما أن أسماعهم تتلقى مختلف الأصوات، ولكن بقليل من التقدير، بل ربما دون اكتراث ودون إمعان إنها فحوى الكلمة التي تُردد: “لا يعرف المرء مقدار النعمة إلا عندما تسلب منه ولا يعرف مقدار عافيته إلا عندما يكون طريح الفراش”.

وقد خصصت الكاتبة حوارات عميقة حول تقدير أصدقائها لنعمة البصر قائلة:

لقد كان يلذ لي أحياناً أن أسال رفاقي الذين يبصرون وقد زارتني في الايام الماضية صديقة من أعز صديقاتي كانت قد رجعت توها من جولة لها طويلة في إحدى الغابات المجاورة، سألتها ماذا رأت وماذا لاحظت؟ فكان جوابها بالحرف “لا شيء يستحق الذكر!!” ولو أنني لم أكن معتادة على مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت. لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون الا قليلاً ! قلت في نفسي: “كيف يكون من الممكن أن يتجول المرء لمدة ساعة من الزمن بين منعطفات الغابة ولا يرى شيئاً يستحق الذكر ؟!” يصرخ قلبي من أعماقه في بعض الاحيان وفي شوق متزايد ليشاهد هذه الاشياء، فإذا كنت أستطيع أن أحصل على متعة مثل هذه بمجرد لمس عابر، فأي جمال وأي بهاء أشعر به وأنا أرى ذلك رؤيا العين! قد يكون من الإنسانية أن نقدر قليلاً الاشياء التي لدينا، وأن نتوق إلى الأشياء التي ليست في متناولنا، بيد أن ما يدعو إلى الإشفاق الكبير في عالم النور أن نلاحظ أن حاسة البصر تعد لدينا مجرد أداة زهيدة أكثر من كونها وسيلة تضفي على الحياة الكمال والجمال. فلو كنت رئيسة جامعة لفرضت مادة إجبارية جول موضوع: “كيف تستفيد من عيونك”، ويكون على معلم  هذه المادة أن يحاول إفهام طلبته الوسائل التي تمكنهم أن يضاعفوا المتع التي تزدان بها حياتهم عن طريق الرؤية الحقيقية للأشياء التي تمر أمامهم دون أن يعبروها أدنى اهتمام، نعم .. يكون عليه أن يحاول إيقاظ طاقة طلابه وبعثها من نومها وفتورها.