أرشيف الوسم: ترجمة حصرية

إعادة القراءة كولادةٍ جديدة، عند سونتاغ

 

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية.

في مقالة مترجمة حصريًا لدى ساقية، تتحدث (سونتاغ) عن القراءة، فتستفتح قائلة:

مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

تبتدئ (ماريا پوپوڤا) كاتب المقالة، بأن تقول:

حين كتبتُ مؤخرًا عن إجابة عالم الفيزياء الفلكي (نيل تايسون) عندما سُئل عن «الكتاب الذي يجب على كل ذكي قراءته» شعرت بالأسف لشبه الانعدام التام لأصوات النساء في الاقتراحات التي قدمها والشُّح العام في الرموز الثقافية النسائية في قوائم القراءة العامة في مجتمعنا. وأشرتُ يومها إلى أن (سوزان سونتاغ) استثناء وحيد، فمذكراتها التي نُشرت تُعد بمثابة عنصر جوهري لقائمة قراءة لمدى الحياة. لكن بالإضافة لكونها أحد أكثر القرّاء نهمًا في القرن العشرين إذ كانت تقضي بحسب تقديرها ما يقارب من ثمان ساعاتٍ إلى عشر في القراءة، كانت من أشد المؤيدين والممارسين لأحد الفنون الممتعة والمنسية: إعادة القراءة!

«يا مخلفات اليوم البغيضة، اسمحي لي بالإشارةإلى أنني لا يجب أن أتهاون مع نفسي ولن أتنازل عن قادم أيامي». على هذا الأمر عزمت (سوزان) البالغة من العمر خمس عشرة عامًا في كتابها (ميلادٌ جديد: مذكراتٌ ودفاتر.)

هذه المجموعة الرائعة من المذكرات التي قدمت لنا اليافعة (سوزان) التي تحدثت عن الفن والزواج والأشخاص الأربعة الذي يجب أن يغدوا كتّابًا إلى جانب واجباتها في أن تصبح عشرين شيئًا. وبعد أسبوع من السخط على «المخلفات المقززة» في ذلك اليوم الذي تظاهرت فيه باستمتاعها بفيلم صاخب مُشبع بالألوان، التفتت (سوزان) إلى مذكرات (أندريه جايد) تنشد الخلاص وتُمجد ثمار إعادة القراءة.

كتبت (سوزان) في إحدى ملحوظاتها في سبتمبر من عام 1948:

أنهيت قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف من ليلة ذات اليوم الذي ابتعته فيه، كان علي قراءته بسرعةٍ أقل مما فعلت، كما يجب أن أُعيد قراءته غير مرة. لقد بلغت و(جايد) حدًا مثاليًا من التواصل الفكري، حتى أنني شعرت بآلام المخاض الذي خبُره أثناء ولادة كل بُنيّةٍ من بناتِ أفكاره. لكن مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

ذلك أنني لست أقرأ هذا الكتاب وحسب، بل أجدني أقوم بصناعته وخلقه بنفسي. إن هذه التجربة الأخّاذة والمختلفة طهّرت عقلي من غيابات الحيرة والاضطراب والعُقم التي كانت سببًا في انسداده طيلة هذه الأشهر المنصرمة البائسة..

وبعد أشهر قليلة، كتبت عن حماس إعادة القراءة:

لقد تأثرت كثيرًا بغوته وإن كنت أعتقد أنني لا زلت بعيدةً عن فهمه -مع أن مسرحية (دكتور فاوست) لـ(كريستوفر مارلو) كانت كالمنجم إذ أمضيت وقتًا جزيلًا  في التنقيب داخله، فضلًا عن إعادة قراءتها مراتٍ عدة والتغنّي بالعديد من فقراتها بصوتٍ عالٍ مرةً تلو الأخرى. إن مناجاة (فاستوس) التي قرأتها ما يربو على مئة مرة كانت رائعةً ولا تُضاهى..

في مكانٍ ما، في أحد المذكرات القديمة، اعترفت بخيبة أملي تجاه رواية (دكتور فاوستوس) لـ(توماس مان):

لقد كان هذا الأمر دليلًا  جليًّا على نوعية حِسي النقدي الفطيرة. إن هذا العمل عظيمٌ ومُرضٍ ولذلك يتوجب علي قراءته عدة مراتٍ قبل أن أتمكن من امتلاكه..

إنني أُعيد قراءة ما يعجبني من الكتابات والتي لطالما كنت أحسبها مهمةً بالنسبة إلي، وأنا مندهشةٌ بكل تلك التقييمات التي أملكها..

وأضافت (سوزان) بحماسٍ ملحوظةً في مدح القراءة بصوتٍ عالٍ:

من الرائع أن تقرأ بصوتٍ مرتفع..!


[المصدر]

جياكومو ليوباردي، الشاعر، الكاتب، المترجم

جياكومو ليوباردي
جياكومو ليوباردي، هو شاعر إيطالي ولد عام ١٧٩٨ وتوفي عام ١٨٣٧، كما كان فيلسوفا وكاتبا ومترجما. وهو أشهر شعراء إيطاليا في القرن التاسع عشر. ورغم أن (ليوباردي) قد نشأ في قرية ريكاناتي المحافظة، إلا أنه كان على تواصل مع الكتاب التنويرين في إيطاليا. كانت له لمسة مجددة في العصر الرومانطيقي عبر أسلوبه الشعري الذي يتأمل فيه الطبيعة واللبشر وسائر المخلوقات وعلاقتها ببعضها.

كان لنشأة (ليوباردي) دور كبير في ثورته. فوالده هو مونالدو ليوباردي وهو دجل طيب القلب وثري، لكنه رجعي ومتدين. أما أمه فهي الماركيزة (أديليد)، وكانت سيدة باردة القلب ومتسلطة ومهووسة بزيادة ثراء العائلة بعد تسبب زوجها بإفلاس العائلة لإدمانه لعب القمار. ففرضت على أبنائها قواعد صارمة تلزم الأبناء بتعلم العلوم الدينية واللغات والتوفير. وهكذا نشأ جياكومو مع أخوه كارلو وأخته باولينا.

بدأ (جياكومو) دراسته في المنزل على يد قسين، لكنهما لم يرويا تعطشه الدائم للمعرفة. فاعتمد على نفسه وصار يقرأ بنهم في مكتبة والده التي تضم شتى صنوف المعرفة. وخلال فترة قصيرة، أتقن (ليوباردي) اللاتينية، والإغريقية، والعبرية. عشق (جياكومو) للعلم والمعرفة جعله يسهر الليالي منكبا على القراءة وهذا العشق صار هوسا أدى إلى إصابته بأمراض أوهنت بدنه، وأضعفت بصره، وجعلت ظهره محدبا.

كان عام ١٨١٧ عاما مهما في حياة (جياكومو ليوباردي)؛ ففيه زار (بييترو جورداني) وهو أحد التنويريين المنطقة التي يقطن فيها (ليوباردي)، وحل ضيفا مكرما على منزل عائلة. وكون (جياكومو) علاقة صداقة مع (جورداني) امتدت لأعوام بعد ذلك. وفي عام ١٨١٨، قرر (ليوباردي) الهرب من قرية ريكاناتي، لكن والده أفشل مخططه في اللحظة الأخيرة. تدهورت بعدها علاقة الابن بوالده، وصار الوالد يراقب ابنه باستمرار خشية تكرار ما حدث.

وفي عام ١٨٢٢، تمكن (جياكومو) من الذهاب إلى روما. لكنه صدم من تفشي الفساد فيها وهرطقة الكنيسة. كان معجبا بالمفكر (تاسّو)، لتآلفه مع حزنه وعدم سعادته، وتأثر بـ(دانتي) و(فرانشيسكو بيترارك). وفي عام ١٨٢٤ دعاه صاحب دار نشر ستيلا إلى ميلان ليكتب بعض كتبه هناك، وخلال  تلك الفترة تنقل الكاتب بين بولونيا وميلان وبيزا. وفي عام ١٨٢٦، التقى (جياكومو) بـ(أليساندرو مانزوني) لكنهما لم يكونا على وفاق. ربما لأن (جياكومو) كان يميل للعزلة.

بدأت صحة (جياكومو) بالتدهور في عام ١٨٢٨، فحذره الطبيب من إجهاد نفسه. بعدها انتقل إلى مدينة نابلس أو نابولي الإيطالية ليكون بالقرب من صديقه (أنطونيو رانييري)، حيث ظن الأخير أن هواء نابلس النقي سيساهم في تعافي (جياكومو). لكنه مات في فترة انتشار وباء الكوليرا عام ١٨٣٧. ويظل سبب وفاته مجهولا؛ فهو إما بسبب مرض صدري أو أزمة قلبية.

من أشهر آثاره الأدبية كتابه (إليك أفكاري)، وهو كتاب يضم تأملاته وفلسفته في الحياة. ترجم مشروع كلمة هذا الكتاب المهم. كما أن له ديوانا بعنوان (الأغاني) أو (الأناشيد) يجمع فيه قصائده.

يوم السبت في القرية:

عذراء من الريف أقبلت
مع غروب الشمس،
جاءت تحمل العشب،
وفي يدها بنفسج وزهور،
لتزيين به صدرها وشعرها بها.
أما العجوز فجلست على الدرج،
تكلم الجارات..
وهي ترنو إلى غروب الشمس،
عن أيام صباها الجميلة،
وطلتها البهيّة في مساء السبت،
ورقصها حتى طلوع الشمس.
أما الآن، فالهواء صار أثقل في كل مكان
وكسا السواد السماء مجددا
واختفت الظلال من الأسقف والتلال.
وبان البدر المنير
حينها أعلنت النواقيس بدء الاحتفال،
وصوتها مريح للقلب.
إن الفتية في الساحة يصرخون،
وفي كل مكان يمرحون.
بينما يذهب الإسكافي إلى منزله،
وهو يصفر .. فرحا بيوم الراحة.
لاحقا، عندما تُطفأ الأنوار،
ويهدأ  كل شيء..
ستسمع صوت المطارق ومنشار النجار،
في آخر الليل،
يعمل بكد حتى الشروق.
هو أكثر أيام الأسبوع ترقبا،
مليء بالبهجة والمرح.
لكن الغد سيجلب معه الحزن والملل من جديد،
وسينشغل الجميع.
أن يلهو الصبي مرحا،
هو نهار سعيد ويوم بهيج
واستهلال سماوي ليوم الاحتفال.
فاستمتع به يا بني،
إنها سويعة لطيفة، ولحظة ستنقضي
وآخر دعواي:
أن يتأخر يوم الأحد، وأن
لا يُحبطك ما حييت.

إلى سيلفيا:

سيلفيا .. أمازلتي تذكرين..
ذلك الوقت من حياتك الفانية؟
حين كان الجمال يشعّ باسما من عينيك الساحرتين ؟
حين كنتي تتأملين أفول هذا الشباب؟
كانت الغرفة الهادئة،
والشوارع المحيطة،
تغني معك كلما غنيتي،
وأنتِ على المغزل تعملين.
في مايو الشذي
كنت حينها في المكتب أقرأ.
فتركت الأوراق التي دفنت فيها أزهى أيام عمري
وأصغيتُ إلى صوتك العذب،
وشاهدت يديك تديران النول.
ثم  نظرت إلى السماء الصافية والحدائق،
والبحر هنا، والجبال هناك.
لا يمكن أن أصف شعوري.
يا لنقاء أفكاري وآمالي وقلبي آنذاك
يا حبيبتي سيلفيا!
كما لو أن الحياة والقدر قد ابتسما لنا.
حينما أتذكر كل ذلك الأمل
أشعر بالمرارة .. والغضب على سوء حظي
أيتها الطبيعة، يا طبيعة ..
لم لا تفين بوعودكِ؟
لم تضللين أبناءكِ؟
وقبل أن تذبل  الأزاهير في الشتاء،
ذبلتي ..
أوهنكي المرض ومُتّي.
ولم تري أزاهير عمرك المقبلات،
ولم ينبض قلبك عشقا،
ولم تتحدثي عن الحب أيام السبت
مع صديقاتك.
وقبل ذلك بأمد طويل،
مات أملي الغض أيضا،
لقد حرمني القدر من شبابي أيضا.
صِرتي ماض ماضياً يا رفيقة براءتي،
ويا أملا أندبه !
هل أهذا هو العالم؟ وهل هذه هي تراها
المتع والحب والحاجة والتجربة
التي تحدثنا عنها كثيرا؟
هل هذا مصير الإنسان؟
عندما اقتربت منكِ الحقيقة..
سقطتِ.. أيتها المسكينة
ومن بعيد أشار الموت إليكِ بإصبعه
من قبر خال.

الورقة:

أين ستذهبين
أيتها الورقة الصغيرة،
بعيدا عن غصنكِ؟
نزعتني الريح بعيدا عن خشب الزان،
حيث ولدت.
وصرت أدور كما تدور،
تنقلني من الغابات إلى المروج،
ومن التلال إلى الوديان،
أسافر معها بلا نهاية.
متجاهلة معها كل شيء.
وحيثما يذهب كل شيء أذهب؛
حيث تذهب أوراق الورود،
وأوراق الغار .. أذهب.

القشّة (أي أن الإنسان هش):

هنا.. بجوار هذا الجبل المرعب ..
فيزوف المدمر،
حيث لا توجد شجرة أو وردة تشرح الصدر
تنثر وحدتك..
في المنزل .. في الأماكن القاسية.
ليأتي من يحب أن يعظّم شأننا
إلى هذه المنحدرات، ليد الطبيعة الطيّعة

.
إن الطبيعة النبيلة هي تلك التي
تجرأت ورفعت عينيها، لتواسينا في مصيرنا
بكلمات صادقة وحقيقية
معترفة بأن مصيرنا الألم
.
ومؤمنة بأن كل البشر
متحالفون ضدها منذ بدء الخليقة
إلا أنها تغمرنا بحب حقيقي
وتتوقع المساعدة السريعة عند المخاطر،
وعند احتدام صراعنا المشترك
كم جلستُ على هذه المنحدرات التي كانت مهجورة.
حيث تسيل الحمم الآن،
وهي ترتدي الجمر، وتتحرك كالموج.
لكن على سطح البحر البعيد،
رأيت انعكاس النجوم المتلألئة بالزرقة،
في كل مكان.
وما إن دققتُ النظر في تلك النقاط المضيئة،
حتى تذكرت أنها هائلة الحجم،
وما الأرض ببحارها إلا نقطة مقارنة بها.
لا يساوي الإنسان شيئا في هذا العالم.
.
كيف لي أن أفكر بعدها بالبشر؟
.
عاد بركان بومبي الخامد
للنور العلوي
من النسيان القصي.
كهيكل عظمي كان مطمورا.
وفي تلك الليلة الخاوية .. بين المسارح الخالية
وأنقاض المعابد  .. والمنازل المدمّرة،
حيث تواري الخفافيش صغارها،
سال بقسوة بين المباني الخاوية..
كمشعل شرير، تدفقت الحمم
وقضت على كل ما حولها.
.
وأنت أيضا (الإنسان) قشة طيّعة
يا من تزيّن هذا الريف المهجور.
ستُقاد قريبا إلى القوة الكامنة
ودونما مقاومة منك..
ستسلم عنقك للمنجل الحاصد.

الأبدية:

 

لطالما كان هذا التل الوحيد عزيزا علي
هو وهذا السياج الذي يحجب رؤية الأفق الشاسع
لكن عندما جلست وحدقت فيه ..
رأيت بعين قلبي مساحات لا نهاية لها، وصمتا مطبقا
وهدوءا قاتلا.
فزيفت  حينها أفكاري لأنها كادت أن ترعبني.
وعندما سمعت هزيز الرياح بين هذه النباتات
بدأت أقارن ذلك الصمت اللامتناهي.. بهذا الإزعاج.
فكرت بالأبدية، والفصول المنسية، وتلك الحالية.
وهكذا غرق فكري وغدا حطاما في هذا البحر العذب.

كيف تقرأ كتابًا؟ نصائح من فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

اديلين فيرجينيا وولف (1882 – 1941) أديبة إنجليزية، اشتهرت برواياتها التي تمتاز بإيقاظ الضمير الإنساني، ومنها؛ (السيدة دالواي)، و(الأمواج). وتعد واحدة من أهم الرموز الأدبية المحدثة في القرن العشرين.

كتبت (فيرجينيا وولف)، عام 1925 مقالًا  بعنوان “كيف يمكن للمرء أن يقرأ كتابًا؟”، نترجمه لكم بترجمة حصرية. استهلت (وولف) مقالتها بالحديث عن الذاتية قائلة:

النصيحة الوحيدة التي يمكن لشخص ما أن يُسديها لغيره عن القراءة هي الا تأخذ بنصيحة أحد، وأن تتبع حدسك ومنطقك الشخصي لتصل إلى إستنتاجاتك الذاتية. إذا كنا متفقين على هذا المبدأ، فأنا أشعر بالحرية لعرض بعض الأفكار والإقتراحات لأنك لن تسمح لها أن تُقيّد إستقلالك الشخصي، والذي يُعتبر أهم صفة يمكن للقارئ أن يتحلى بها. في النهاية، ما هي القوانين التي يمكن فرضها على الكتب؟ لقد وقعت بالتأكيد معركة واترلو في يوم محدد; لكن هل مسرحية هاملت أفضل من مسرحية الملك لير؟ لا يمكن لأي شخص أن يجيب إجابة حتمية على هذا السؤال، بل يجب أن يقرر كل شخص إجابته بنفسه. لكن أن نستقبل هيئات ذات نفوذ في مكتباتنا ونسمح لهم أن يملوا علينا كيف نقرأ وماذا نقرأ وقدر القيمة التي نضعها في ما نقرأ، فذلك معناه أن ندمر روح الحرية والتي هي أساس هذه المنابر. ففي أي مكان آخر نحن مقيدون بالقوانين والعادات – لكن هناك، لا يوجد أي من ذلك.

وحذرت (وولف) من جلب أرآء مسبقة إلى قراءتك فأضافت:

القليل من الناس يطلبون من الكتب ما تستطيع الكتب أن تمنحنا إياه. في أغلب الأحيان، نحن نأتي إلى الكتب ببال مشوش ومشتت، نطلب من القصة أن تكون حقيقة، ومن الشعر أن يكون كذبة، ومن السيرة الذاتية أن تكون مُتملِقة، ومن التاريخ أن يعزز من تحيزنا الشخصي. لكن إذا استطعنا أن نتخلص من كل هذه التصورات المُسبقة أثناء القراءة، فهذه ستكون بداية بديعة.
لا تُلقّن كاتبك; حاول أن تضع نقسك مكانه .. فلتصبح شريكه ورفيقه  في العمل. فإنك إذا بدأت القراءة بالتأخر والتوقف والنقد،فأنت بذلك تمنع نفسك من الحصول على الإستفادة الكاملة الممكنة مما تقرأ. لكن إذا جعلت عقلك مُتفتحًا بأكبر قدر ممكن، فستنقلك الرموز والتلميحات الدقيقة الغير ظاهرة بين إنعطافات وتقلبات الجمل الأولى، إلى صُحبة كائن بشري ليس له مثيل. فلتتعمق وتعود نفسك على ذلك وعاجلًا .ستجد أن كاتبك يعطيك، أو يحاول إعطائك، شيئًا أكثر تحديدًا.

وتذكرنا (وولف) بالمهارات التنافذية للقراءة والكتابة:

لعل أسرع طريقة لفهم مبادئ ما يفعله الروائي هي ليست عن طريق القراءة، بل الكتابة; وأن تخوض تجربتك الشخصية مع المخاطر والصعوبات الكامنة في الكلمات.

وناقشت (وولف) كيف أن إعمال الخيال هو بحد ذاته مهارة إستثنائية:

قراءة الرواية هو فن صعب ومعقد. إذا كنت تريد الاستفادة من كل ما يتيحه لك الكاتب – الفنان العظيم – فيجب عليك الا تمتلك بصيرة دقيقة وعظيمة فحسب، بل أن تمتلك مخيلة كبيرة وجريئة ايضًا.

وبما أنني محبة يائسة للمذكرات والرسائل القديمة، فقد أعجبت بوجه خاص برأي وولف عن جاذبية التلصص الأدبي  – خاصة أنه معلوم أن (وولف) نفسها كانت كاتبة مذكرات بارزة:

يجب علينا أن نسأل أنفسنا، إلى أي مدى تأثر الكتاب بحياة كاتبه – وإلى أي مدى يكون آمنًا أن ندع البطل يترجم الكاتب؟ وإلى أي مدى يجب علينا أن نقاوم أو نفصح عن مشاعر التعاطف أوالكراهية التي أثارها البطل نفسه بداخلنا – وإلى أي مدى الكلمات رقيقة، ومتقبِلة لشخصية الكاتب؟ هذه هي الأسئلة التي تفرض نفسها علينا عندما نقرأ رسائل وحيوات غيرنا. ويجب علينا أن نُجيب عليها بأنفسنا، حيث أنه لا يوجد ما هو أشد هلاكًا من أن نكون مُنقادين بمناهج غيرنا في قضية ذاتية للغاية.

لكننا ايضًا يمكننا قراءة هذه الكتب لغرض آخر، فلا نقرأ لإلقاء الضوء على الأدب أو التعرف على حياة المشاهير، بل لننعش وندرب قدراتنا الذاتية الإبداعية. 

انتقلت (وولف) للحديث عن تعقيدات الشعر، معلّقة عن ماهية الشعر والعوامل التي تحدد جودته:

إن أثر الشعر لهو قوي ومباشر، فللحظة لا تشعر بأي مشاعر سوى تلك التي أثارتها القصيدة بداخلك. أي عمق شديد نصل إليه في هذه اللحظة – وإلى أي مدى يكون إنغماسنا كاملًا ومفاجئًا! لا يوجد هنا ما يمكن الإمساك به; لا يوجد ما يمكنه أن يخرجنا من إستغراقنا… فلهذه اللحظة كما يحدث عند أي صدمة عنيفة لشعور ذاتي، يصبح وجودنا متمركزًا ومحدد. بعدها يبدأ الشعور بالفعل بالتوسع من خلال عقولنا في حلقات أكثر إتساعًا، ليصل بنا إلى أحاسيس أكثر تباعدًا; فتبدأ الأصوات والتعليقات بالتكون بداخلنا وننتبه إلى صدى وإنعكاسات القصيدة، فإن  قوة تأثير الشعر تشمل مقدار كبير من المشاعر.

لكن بالرغم من هذا الإفتتان الباطني لتجربة قراءة الشعر نفسها، إلا أن (وولف) تذكرنا أن الهبة الحقيقية للقراءة تكمن في فترة الحضانة حيث تصبح الإنطباعات المؤقتة مُتحدة ومتمثلة في أفكار عميقة:

الخطوة الأولى لإدراك الإنطباعات بأقصى قدر من الفهم، هو فقط الجزء الاول من عملية القراءة والتي يجب أن تكتمل إذا أردنا الحصول على المتعة الكاملة من الكتاب. يجب أن نصدر أحكامًا على هذه الإنطباعات الكثيرة; ويجب أن نصنع  من هذه المجسدات العابرة مجسدات راسخة وثابتة ولكن ليس بشكل فوري، فلتنتظر إلى أن يستقر غبار القراءة، وإلى أن تهدأ تساؤلات وتضارب الأفكار. فلتتحدث مع غيرك أو تذهب للمشي أو للنوم أو لقطف البتلات الذابلة من الأزهار. بعدها فجأة وبدون إرادة منا – حيث أن هذه التحولات تتكفل بها الطبيعة  –  سيعود لنا الكتاب ولكن بشكل مختلف، فسيطفوا بكامله على سطح أذهاننا.

وكإثبات للنظرية التي تنص على أن كل الإبداعات  تُبنى على ما أُكتُسب قبلها، علقت وولف قائلة:

نحن متأكدون من أن حداثة الشعر والأدب القصصي الجديد هي أكثر صفة سطحية بها، وأننا يجب علينا أن نُعدّل قليلًا – لا أن نعيد صياغة – المعاييرالتي استخدمناها للحكم على الأعمال القديمة.


[المصدر

نيل قايمان يتساءل: من أين تأتي بأفكارك؟

 

نيل قايمان

نيل قايمان (مواليد 1960)، هو كاتب إنجليزي، نُشرت له عدد من القصص القصيرة، والروايات، والقصص المصوّرة أيضًا، بالإضافة إلى عدد من الأعمال الأخرى. من أشهر أعماله؛ سلسلة القصص المصوّرة (ساندمان)، أو رجل الرمل. ومن الروايات؛ (الآلهة الأمريكية)، (كارولاين)، (المحيط في آخر الطريق)، و(ستاردست).

في مدونته الشخصية، كتب (قايمان) مقالة عن السؤال الذي يُطرح عليه بشكل متكرر، ألا وهو “من أين تحصل على أفكارك؟”، ننقله لكم بترجمة حصرية. يقول فيه:

 

كل مهنة لها شراكها. الأطباء، على سبيل المثال، دائما ما يتم سؤالهم للحصول على المشورة الطبية المجانية، ويطلب من المحامين المعلومات القانونية، ويقال لمتعهد الموتى كيف ان مهنته لاشك مثيرة للاهتمام قبل أن يغير الناس مجرى الحديث بسرعة. وكذلك نحن الكتاب نُسأل: “من اين نحصل على افكارنا؟”

في البداية، كنت أجيب الناس بإجابات ليست مسلية جدا، أحد إجاباتي التي أتهرب بها : “من نادي فكرة الشهر”، أو “من محل افكار صغيرة في بوغنور ريجيس”، أو “من كتاب قديم مليء بالافكار في قبو منزلي”، أو حتى “من بيت أتكينز”. والإجابة الاخيرة مقصورة على فئة معينة، وربما تحتاج إلى تفسير قليلا. (بيت اتكينز) هو صديقي كاتب السيناريو والروائي، وقررنا منذ فترة أنه عندما يطرح علي هذا السؤال أن أجيب بأنني احصل على الأفكار منه، وهو كان يجيب بأنه يحصل على الافكار مني. بدأ هذا ذا معنى في ذلك الوقت.

ثم سئمت من الإجابات الغير مسلية، في الوقت الحالي صرت أخبر الناس الحقيقة: أنا اخترعها؛ أقول لهم، آتي بها من رأسي.
الناس لا يحبون هذه الإجابة. أنا لا أعرف لم لا. يبدون غير سعداء بها، كما لو كنت أحاول أن أخفي شيئا عنهم . وكأن هناك سرا كبيرا، و لأسباب خاصة بي، لا أريد أن أقول لهم كيف يتم ذلك.
وبالطبع هذا ليس صحيحا. أولا، أنا نفسي لا أعرف من أين تأتي الأفكار، أو مالذي يجعلها تأتي، أو ما إذا كانت ستتوقف في يوم من الأيام. ثانيا، أشك في أن أحدا ممن يسأل يريد ان يستمع إلى محاضرة مدتها ثلاث ساعات عن العملية الإبداعية. وثالثا، إن الأفكار ليست بتلك الأهمية. حقا أنها ليست كذلك. الجميع لديهم فكرة لكتاب، فيلم، قصة، مسلسل تلفزيوني.
كل كاتب نشر اعماله كان يملك الفكرة، الناس الذين يأتون إليك ليخبروك ان لديهم فكرة. ويا إلهي هل من المستبعد والغريب انهم يريدون ان يشركوك بها ، في الغالب سيكون الاقتراح بهذا الشكل، سيخبروك بالفكرة “الجزء الصعب”، وانت ستأخذها وتحولها إلى رواية “الجزء السهل من العملية”، وبالطبع في النهاية بإمكانكم ان تتقاسموا المال مناصفة بينكم.
أنا متفهم ومتسامح بدرجة معقولة مع هؤلاء الناس. وأنا أقول لهم، حقيقة، أن لدي عدد كبير جدا من الأفكار ، و القليل جدا من الوقت. وبعدها أتمنى لهم حظا سعيدا.
الأفكار ليست هي الشيء الصعب. انها عنصر صغير من الكل. إن الأصعب من ذلك هو صنع أشخاص معقوليين يمكنهم القيام بالقليل أو الكثير مما يقال لهم. والأصعب على الإطلاق هو عملية الجلوس ببساطة ووضع كلمة واحدة تلو الأخرى لتشييد ماتحاول إنشاءه: ان تجعله مثيرا للاهتمام، تجعله جديد من نوعه.
ولكن لا زال السؤال الذي يريد الناس معرفة إجابته. في حالتي، يريدون ايضا أن يعرفوا إن كنت أحصل على الافكار من أحلامي. الجواب: لا. منطق الحلم ليس منطق القصة، اكتب حلما، وسترى ما أعنيه، بل حتى أفضل من ذلك، أخبر أحدا بأحلامك؛ “حسنا، كنت في هذا البيت الذي كان أيضا مدرستي القديمة، وهناك كانت هذه الممرضة التي كانت كذلك ساحرة عجوز، والتي ذهبت بعيدا ولكن كان هناك ورقة شجر ولا أستطيع النظر إليها والتي أعلم أنه إذا لمستها سيحدث شيء مروع …”، كنت أشاهد أعينهم تلتمع وهم يستمعون إلي، وأنا لا أعطي أجوبة صريحة .. حتى وقت قريب.
ابنتي (هولي)، ذات السبع سنوات، طلبت مني ان أحضر لمدرستها لكي ألقي خطابا، كان المعلم متحمسا، “أصبح الأطفال يؤلفون كتبهم الخاصه مؤخرا، لذا إن حضورك سيكون شيقا كونك كاتبا محترفا.  ومن الممكن ايضا ان تخبرهم ببعض القصص، إنهم يحبون القصص”، فجئت .
جلسوا على الأرض، وكان لي كرسي، حدق بوجهي خمسين زوجا من الأعين لأطفال في السابعة من العمر. “عندما كنت في سنكم، قال لي الكبار أني لا أصنع شيئا، والآن، إنهم يعطوني المال من أجل ذلك”. تحدثت لمدة عشرين دقيقة، ثم بدأوا يطرحوا علي الأسئلة.
وأخيرا سألني أحدهم: “من أين تحصل على أفكارك؟”. وأدركت أنني أدين لهم بإجابة. لم يكونوا بالعمر الذي يمكنهم من معرفة أكثر مما يعرفوه. وإنه سؤال معقول تماما، إن لم يكن يُطلب مني اسبوعيا.
هذا هو ما قلته لهم:
يمكنك الحصول على أفكار من أحلام اليقظة. و من الشعور بالملل. يمكنك الحصول على الأفكار في كل وقت. والفرق الوحيد بين الكتاب وغيرهم من الناس هو أننا نلاحظ انفسنا عندما نجد فكرة. تحصل على الافكار عندما تسأل نفسك أسئلة بسيطة. من أهم الأسئلة هو سؤال: ماذا لو ..؟ “ماذا لو استيقظت بأجنحة؟ ماذا لو تحولت أختك إلى فأرة؟ ماذا لو اكتشفت ان المدرس ينوي ان يأكل احدا منكم في نهاية الفصل الدراسي؟ لكنك لا تعرف من”.
سؤال مهم آخر هو، فقط إذا ..! “فقط إذا كانت الحياة الحقيقية مشابهة  لمسرحيات هوليوود الموسيقية. فقط إذا كنت استطيع تقليص نفسي لأصبح بحجم زر صغير. فقط  إذا كان هنالك  شبح يقوم بأداء واجباتي المنزلية”.
وبعد ذلك هناك أيضا: أتساءل !!
“أتساءل عما تفعله عندما تكون وحدها …” وسؤال لو استمر هذا الوضع سوف..! وأليس من المثير للاهتمام إذا ..! “أليس من المثير للاهتمام إذا اصبح العالم محكوما من قبل القطط؟”
هذه الأسئلة وشبيهاتها، هي بدورها، تشكل المزيد من الاسئلة، “حسنا، إذا كانت القطط تحكم العالم سابقا، لماذا تغير الوضع؟ وكيف تشعر القططة  حيال ذلك؟”، إن الاسئلة هي احد مصادر الافكار!!
الفكرة ليس عليها ان تكون عقدة، الفكرة هي مكان لكي تبدأ الكتابه منه. أما العقد فهي تنشئ بنفسها عندما يقوم الشخص بطرح الاسئلة عن الفكرة التي بدأ بها.
وأحيانا الفكرة تكون شخص، “كان هنالك صبي يريد أن يعرف عن السحر”. في بعض الأحيان تكون مكان “منذ زمن بعيد كان هنالك قلعة، وكانت هي المكان الوحيد هناك …”. في بعض الأحيان انها صورة “امرأة، تجلس في غرفة مظلمة مليئة الوجوه الفارغة”.
وغالبا ما تأتي الأفكار عندما نجمع  أمرين لم يجتمعوا من قبل. “إذا تعرض إنسان للعض من قبل مستذئب سيتحول إلى ذئب، ولكن ماذا سيحدث إذا تعرضت سمكة إلى العض من قبل مستذئب؟ وماذا سيحدث إذا تعرض كرسي للعض من قبل مستذئب؟”.

إن كتابة الروايات هي عملية تخيل؛ أيا كان ما تكتبه، وأيا كان نوعه، مهمتك هي أن تجعله مقنع ومثير للاهتمام وجديد.
وعندما تمتلك الفكرة – الذي هو، بعد كل شيء، شيء لتتمسك به عندما تبدأ – ستفكر بماذا بعد؟
حسنا، بعد ذلك ستكتب. تضع كلمة واحدة تلو الأخرى حتى تنتهي من القصة – هذا هو كل مافي الأمر.
أحيانا لن تنجح الفكرة، أو على الأقل ليس كما تصورت في البداية. في بعض الأحيان لن تعمل على الإطلاق. و في أحيان أخرى عليك التخلص منها تماما و البدء من جديد.
أتذكر قبل بضعة سنوات، عندما خطرت لي “قصة ساندمان”. كان الأمر يبدو كما أن للأمر علاقة بالشيطانة التي تعطى الكتاب والفنانين والشعراء الأفكار في مقابل جزء من اعمارهم. لقد أسميتها الجنس والبنفسج.
وبدت قصة واضحة المعالم، و لكن فقط عندما بدأت في الكتابة، اكتشفت أنها كانت كمحاولة يائسة لربط الرمل الناعم؛ في كل مرة كنت أعتقد أنني تمكنت من ذلك، اجد ان القصة تقطر من خلال أصابعي وتتلاشى.
لقد كتبت في ذلك الوقت: “لقد بدأت هذه القصة مرتين، وبلغت نصف الطريق في كل مرة، فقط لمشاهدته يموت على الشاشة”.

“ساندمان”، وهو كوميك  مرعب. بدا لي كما لو أن لاشيء كتبته قبع في داخلي مثل هذه القصة، وأنا الآن على وشك التخلي عنها، مع الموعد النهائي للكتابة الذي اصبح شيئا من الماضي. وربما أشعر بذلك لأن هذه القصة قريبة جدا من قلبي. إنها أفكار – والقدرة على وضعها على الورق، وتحويلها إلى قصص – هذا هو الذي يجعلني كاتبا. وهذا هو الذي يجعلني غير مجبر على الاستيقاظ في وقت مبكر من الصباح والجلوس على متن قطار مع أشخاص لا أعرفهم والذهاب إلى عمل أزدريه.
إن فكرتي عن الجحيم هو ورقة بيضاء. أو شاشة فارغة. وأنا، أحدق في ذلك، غير قادر على التفكير في شيء واحد يستحق الكتابة
؛ حرف واحد يمكن للناس ان يؤمنوا به ، قصة واحدة لم تحكى من قبل.
نعم أتخيل اني أحدق في ورقة بيضاء .. إلى الأبد!

لقد كتبت في طريقي للخروج من الجحيم، ومع ذلك أصبحت يائسا، وهذه إجابة اخرى أستخدمها مع مسألة: “من اين تحصل على افكارك”. “من اليأس”. “اليأس والملل”، و”المواعيد النهائية”. جميع هذه الإجابات صحيحة إلى حد ما. عندما تحيط بي هذه االاشياء وتأخذ رعبي الشخصي والفكرة الأساسية لتصنع قصة تدعى الملحمة، وهو ما يفسر، إلى حد ما، المكان الذي يحصل منه الكتاب على أفكارهم منه. انها من  كتاب بعنوان “أرض الأحلام”. يمكنك قراءته إذا أردت. وفي مكان ما في كتابة هذه القصة، توقفت عن خشية إفلات الافكار مني
من أين أحصل على افكاري؟

أنا اخترعها …

من رأسي!

 


[المصدر]

كيف تحفز نفسك للنهوض من سريرك وتتوجه إلى العمل

Prisoners-9420081718850

إذا صممنا أماكن العمل بطريقة تسمح للأشخاص بالوصول إلى معنى في أعمالهم، فإننا سنصنع طبيعة بشرية تقدر العمل ومنحه قيمته، هذا ماكتبه عالم النفس (بيري شوارتز) في تحقيقه المعنون بـ(ما الذي يحفزنا للعمل). ولكن الطبيعة البشرية نفسها ما هي إلا طبيعة بهيمية مزاجية. وجود أصغر عذر سيوقف الشخص عن العمل على الإطلاق“، هذا ما أسف عليه (جون ستينبيك) في مذكراته عن العملية الإبداعية و عن جهاده وكدحه في كتابة الرواية التي لم تلبث إلا وأوصلته إلى نيل جائزة بولتيزر، كما أصبحت حجر الأساس في ربحه لجائزة نوبل بعد عقدين. من المؤكد أن للعمل معنى مختلف تمام الإختلاف في العمق عند الفنان عن ما يعنيه لذلك الشخص المجبور على العمل في مكان عمل لمدة تترواح بين التسع والخمس سنوات،بالرغم من كون هؤلاء محظوظين بما فيه الكفاية حيث يدفعهم شعور عميق بهدف النداء الداخلي للعمل الذي يؤكد أن مهنهم ومعاشهم يمكن أن تخضع لفترة موسمية أو ربما حتى متكررة من الشلل المتعلق باحتمالية وجود يوم عمل آخر.

إذًا كيف يمكننا أن نتصرف في مثل هذه الأيام عندما نفشل ببساطة بإيجاد حافز يدفعنا للنهوض من أسرتنا؟

منذ حوالي ألفين عام و في عصر كان معظم الأشخاص يعملون في مهن ليست مصدرًا للأهداف أو المعنى سوى كونها معنى أساسيًا للرزق المُكتسب من عمل صعب، قدم الإمبراطور الروماني العظيم والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس جوابًا ثابتًا في مذكراته الأولية التي كانت ترافقه المعروفة بـ(التأملات)، تلك المفعمة بحكم ثابتة في مواضيع مثل: كيف يمكن أن نبدأ كل يوم بسلامة عقلية متفائلة و مفتاح عيش الحياة بكل ما للكلمة من معنى.

الإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس انطونيوس (١٢١-١٨٠)، حكم الإمبراطورية الرومانية بين الأعوام ١٦١م حتى ١٨٠م، إلا أن شهرته كفيلسوف فاقت شهرته كإمبراطور يحكم امبراطورية مترامية الأطراف. عُرف (اوريليوس) رجلا وفيلسوفا دمثا وودودا، ومع أن منهجه الفلسفي وسم قناعاته التي مالت نحو التسامح والتعاطف، إلا أن واجباته كإمبراطور قادته لطريق مغاير مال نحو الحزم والشدة. بهذا يمثل (اوريليوس) مفارقة الفيلسوف-الملك الذي يطبق القانون ويدير النظام، لكنه في الوقت ذاته يرنو نحو نظرة كونية للعالم تستصغر البلابل السياسية التافهة.

كتب (أوريليوس):

عند بزوغ الشمس وعندما تواجه صعوبة في النهوض من السرير أخبر نفسك: يجب علي أن أذهب على العمل ككائن بشري. لماذا يجب علي أن أتبرم شاكيًا إذا كنت سأتبع ما ولدت لأجله، الأشياء التي وُجدت في هذا العالم لأجلها؟ أم أنني خُلقت لهذا؟ التكوم تحت البطانية والإبقاء على الشعور بالدفىء؟

ولطبيعة العقل المحتجة بكون التكوم تحت البطانية هو ببساطة ألطف يرد (أوريليوس) بحجة معاكسة:

إذًا هل ولدنا لنشعر بـ“ما هو لطيف؟” عوضًا عن فعل الأشياء وتجربتها؟ ألا ترى النباتات، الطيور، النمل والعناكب والنحل متجهة إلى مهامها الشخصية لتجعل العالم منتظمًا قد ما تستطيع؟ وأنت غير قادر على تأدية عملك ككائن بشري؟ لماذا لا تركض لتلبية حاجاتك الطبيعية؟

كما يؤكد على أن طبيعتنا هي عيش حياة الخدمة في مساعدة الآخرين والمساهمة في العالم،وأي مقاومة لهذا الغرض الفطري ما هو إلا معارضة لطبيعتنا وفشل في حبنا لذواتنا. كتب أيضًا:

أنت لن تحب نفسك كفاية ما لم تحب طبيعتك أيضًا وما تطلبه منك.

قبل قرون عديدة من تعريف علماء النفس لتجربة “التيار” في العمل الإبداعي،أخذ (ماركوس) بعين الاعتبار الميزة الأساسية للأشخاص الذين يحبون ما يعملون:

عندما يتملكهم شغف ما يقومون به فعلًا  فإنهم سيفضلون الامتناع عن الأكل والنوم عن التوقف عن ممارسة فنونهم.

هل مساعدة الآخرين أقل قيمة ونفع لك؟ لا يستحق الأمر مجهودك؟

يعاود الحديث عن هذا الأمر في إحدى تأملاته الأخرى فيقول:

عندما تواجه صعوبة في النهوض من سريرك في الصباح تذكر ميزتك الشخصية،ما عرف هويتك ككائن بشري إنه العمل مع الآخرين، حتى الحيوانات تعرف كيف تنام، إنه النشاط المميز الأكثر طبيعية والأكثر قربًا من الفطرة والأكثر منحًا للشعور بالرضا.


[المصدر]