أرشيف الوسم: ترجمة حصرية

القيادة أم المحادثة؟ يركز العقل على شيء واحد في الوقت ذاته.

جوركر رانبورغ (مواليد 1953)، هو بروفيسور سويدي في علم النفس.

في شهر أغسطس من عام 2016، نُشرَت مقالة على موقع جامعة ينكوبينج التي يعمل، تتحدث عن استعمال الهاتف النقال أثناء قيادة السيارة، من ناحية سيكلوجية، أو نفسية، ننقلها لكم بترجمة حصرية. تقول المقالة:

 

القيادة أم المحادثة؟ يركز العقل على شيء واحد في الوقت ذاته.

أتعتقد أنه يمكنك المراسلة وقيادة السيارة بشكلٍ جيد؟ أثبتت دراسة جديدة أن العقل يركز فقط على شيء واحد في الوقت ذاته.

عندما ننشغل بشيء يتطلب استخدام حاسة البصر، فإن العقل يقلل من حاسة السمع ليسهل علينا الأمر. هذه هي نتيجة الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة ينكوبينج بالتعاون مع باحثين آخرين. وقد أعطت النتائج الباحثين فهمًا عميقًا بما يحدث داخل العقل حينما نركز على شيء ما.  

يقول بروفيسور علم النفس (جوركر رانبورغ) من جامعة ينكوبينج والمتخصص في أبحاث الإعاقة: إن العقل ذكيٌّ جدًا، فهو يساعدنا على التركيز فيما نحتاج القيام به، ويحجب في نفس الوقت الملهيات الخارجة عن نطاق أداء المهمة.  لكن العقل أيضًا لا يستطيع التعامل مع مهام كثيرة، فهو فقط يمكنه استخدام حاسة واحدة في الوقت ذاته بكامل طاقته.  ولهذا فإن فكرة التحدث على الهاتف أثناء قيادة السيارة ليست فكرة جيدة”.

وقد تحقق هو وزميله مما يحدث في أدمغتنا حينما ننهمك بأداء مهمة بصرية، فاستخدموا كمثال طالبًا يُجري امتحانًا، بينما الآخر شخصٌ يقود السيارة. وأرادا أيضًا رؤية كيف سيتغير تركيزهما حينما يزداد الضجيج في الخلفية.

شارك اثنان وثلاثون طالبًا من جامعة ينكوبينج في هذه الدراسة التي نُشرت في مجلة آفاق في علم أعصاب الإنسان، وقد أُعطي بعض الطلاب مهمة صورية ليعملوا عليها، منهم من يعمل في محيط هادئ والبعض الآخر مع خلفية ضوضائية مشتتة. والتقطت أثناء عملهم صورٌ لدماغهم بكاميرا تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. ومن ثم اختبر الباحثون أيضًا وظيفة ذاكرة الطلاب قصيرة الأمد باستخدام اختبار الذاكرة في تذكر الحروف.

أظهرت النتائج أن نشاط الدماغ يستمر في القشرة السمعية دون أيّة مشاكل طالما نعرضه للصوت وحده. لكن في المقابل إذا أُعطي الدماغ مهمة صورية كاختبار تحريري مثلاً، فإن استجابة الأعصاب في القشرة السمعية تتضاءل ويغدو السمع ضعيفًا. وكلما ازدادت صعوبة المهمة، فإن استجابة الأعصاب للصوت ستتضاءل أكثر من ذلك. السبب أن الإدراك العالي يمتلئ على شكل مهمة صورية حتّى تضعف استجابة الدماغ للصوت ليس في القشرة فقط، بل وفي أعضاء من الدماغ التي تتحكم بالمشاعر أيضًا. لكن لم تشارك مثل هذه المعلومة في حل المهمة.

ويقول جوركر رانبورغ: هذا البحث الرئيسي متعلقٌ بكيفية عمل الدماغ، وتقترح النتائج عدة سبلٌ محتملة للمزيد من العمل. وقد تكون المعرفة المكتسبة مهمة في التصميم المستقبلي للإسعافات السمعية. والاحتمالية الأخرى هي أن بحثنا سيشكل الأساس من أجل العمل على النظر في كيفية تأثير ضعف السمع على طريقة حلنا المهام الصورية.

أما الآخرون الذين شاركوا في العمل فهم باتريك سورغويست من جامعة جافل، وأوريان دالستروم وتوماس كارلسون من جامعة ينكوبينج. وقد مولت مؤسسة الذكرى المئوية للبنك السويدي ومجلس الأبحاث السويدي هذا المشروع.

 


[المصدر]

لانغستون هيوز يغني “وأنا أيضًا”

هيوز

لانغستون هيوز (1902-1967)، كاتب صحفي ومسرحي وروائي وشاعر وناشط اجتماعي أمريكي. ينحدر (لانغستون هيوز) من اعراق مختلفة فهو من اصول أفريقية واسكوتلاندية واوربية يهودية وكذللك جذر من الهنود الأمريكان.

ولد (لانغستون هيوز) في ولاية ميسوري، وهو الابن الثاني لأسرة هجرها ربها هربا من العنصرية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة انذاك. في 22 أيار عام 1967 توفّي (هيوز) في مدينة نيويورك على أثر تعقيدات حصلت بعد عملية جراحية.

وهنا نقدّم لكم ترجمة حصرية لأحد قصائده، والتي كان عنوانها “وأنا أيضًا”، يتحدث فيها عن وطنيته بالرغم من اختلاف عرقه عن البلاد التي يدعوها الوطن. يقول في قصيدته:

وأنا أيضاً أغني أمريكا

أنا الشقيق الأسمر

يرسلوني للمطبخ لآكل

عندما تحضر الشركة

ولكني أضحك

وأتناول الطعام بشكل جيّد

وأكبر بشكلٍ قويّ

غداً..

سأكون في الجدول

عندما تحضر الشركة

عندها لا أحد سيجرؤ

أن يقول لي

تناول الطعام في المطبخ

ثم..

إلى جانب ذلك

سوف يرون كم أنا جميل

وسيخجلون..

أنا أيضاً أمريكي.

مأزق أن تنتهي من رواية رائعة

سادي شتاين، هي محررة مساهمة في صحيفة (پاريس ريڤيو) الشهيرة، والغنية باللقاءات الصحفية والمقالات المهمة. كما تعمل مراسلة في ذات الصحيفة.

في التاسع من نوفمبر في عام 2015، قامت (سادي) بنشر مقالة في صحيفة (پاريس ريڤيو)، تتحدث فيها عن مأزق الانتهاء من رواية عظيمة، نترجمها لكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

أنا بين الكتب مرةً أخرى. وياله من مكان غير مُريح بالكامل، فبعد الانتهاء من كتاب جيد ومثير للتفكير، ما سيحدث هو أنك لا تريد أن تذهب سريعاً عنه، أو حتى تبتعد، لتتناول كتاب آخر وتبدء فيه. يحدث أنك تُريد أن تجلس بجانب النهاية، وتهدأ قليلاُ وأنت تندب خسارة ولهفة ما فقدته من راحة ذلك الكتاب.

سَتفتقد حتماً لأجواء الشخصيات، ستشعر بالتنافر، والبعد، والتخلي عنهم لمجرد كونك تُفكر في فتح رواية جديدة والبدء فيها.

“رواية غير مضمونة وسَتستهلك مُجدداً ذهنك وروحك بالكامل”.

من ناحية أخرى، وبعد وقت كافي من الخيبة، يُمكنك أن تُصاب بالاضطراب، وتبدء فيك الرغبة في الفرار، والتنازل. فالقدرة على الصمود والتحفزّ للقراءة، لا يساعدك عليها سوى كتاب مُلهم.

لتبدأ عندها بالتساؤل؛ عمّا إذا كان بإمكانك أن تشعر مرةٍ أخرى؛ بمتع ودوافع ما انتهيت من قراءته من أيام فقط؟

ستكون هناك ردّات فعل نفسية، وبطبيعة الحال، بسبب اكتشافك الكتب السخيفة و التي تأخذ الكثير من الوقت، وتعطيك أقل رؤية وإحساس. ستكون هناك بدايات خاطئة، وتلك هي الأسوأ. وهناك أيضاً محاولاتك المُستمرة، بأمل تكرار متعة والهام تجربة القراءة السابقة.

وفي الجزء الأهم من المشكلة سيكون هناك الضغوط، ضغوط القراءة، وذلك الصوت المُلح لإنهاء الأولويات؛ من كتب كلاسيكية يجب عليك قراءتها، إلى كتب الأصدقاء المُهداة، إلى الكتب الموصى بها لك، تلك الكتب التي بانتظار فتحها إلى الآن، ولكن ماذا إذا لم تُعجبك؟ وطالما أنك لم تحاول حتى، أو لم تفشل فيها بعد. ذلك أنه في حالة كل كتاب غير مقروء حولك، هناك احتمال وقدر من النقاء المُلقى حولها وغير المحسوب أيضاً. ويمكن له أن يغير حياتك.

وأخيراً، هناك ذلك النوع من الشلل والعجز، والذي يُمكن أن يُحدد بالخبرة، وتلك أخطر اللحظات، هل مررت بها؟ هل شعرت بها وأنت تتسكع هائماً في المكتبات، باحثاً عن كتب مثالية تُشبه تجربتك السابقة؟ تلك اللحظات وأنت تتلمس عمود الكتب هذا، وتتابع بعينيِك العناوين الأخرى هناك. متفحصاً بحذر، تأخذ الكتاب بيديِك بتردد، لتُرجعه مكانه، قبل أن تتسرع وتقتنيه.

“حافظ على ذلك المعنى الخطر”

انه من المُطمئن لك أن تكون خائفاً! ولا تزال بعد كل ذلك الوقت، وحتى بعد عدد الكتب التي قرأتها، لن يغير شيء من ذلك الشعور، ذلك المعنى الجازم من الخوف المُبدع و الذي يبقى حولك، وبين الكتب دائماً.


[المصدر]

 

المصدر/ http://www.theparisreview.org/blog/2015/11/09/between-books/

جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت

جيمس كانون
جيمس باتريك كانون (1890-1974)، كان أمريكيًا تروتسكيًا، كما كان زعيمًا لحزب العمال الاشتراكي في الولايات المتحدة.
في عام 1951 نشر (جيمس كانون) مقالة، إثر حادثة وقعت في حلبة الملاكمة. حيث حُمل الملاكم (نيك بلاكويل) من الحلبة إلى الإسعاف، بعدما أقر طبيب الحلبة في الجولة العاشرة بعدم قدرة (بلاكويل) على الرؤية، للتورم الشديد حول عينيه. مما جعل (كانون) ينشر مقالته التي حملت عنوان “جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت”. نقدمها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.

سنبدأ مباشرة بهذا الخير، متى ستصبح هذه الحقائق في الواجهة، لماذا تظهر متأخرا بعد أن تصبح هذه الحقائق اقل أهميةً ؟!
هذه الشخصية في هذه القصة أو بالأحرى التي كانت تدور حولها القصة هو (جورجي فلوريس). يبلغ من العمر 20 عاما مصارع متوسط الوزن من بروكلين.
في التاسع والعشرون من أغسطس، (جورجي) أطيح به من قبل خصمه (روجر دونوغو) بالضربة القاضية في مباراة نصف النهائي بحلبة ماديسون.
سقط مغشياً عليه في غرفة الملابس بعد دقائق من خروجه كمغلوب في هذه المواجهة. وتوفي بعد ذلك بخمسة أيام في المستشفى دون أن يستعيد وعيه.
بموت (جورجي)، ترك ورائه زوجته (الين) ذات الثمانية عشر عاما ورضيع في شهره الأول لن يعرف (جورجي) أبداُ .
معلومة فنية ذكرها خبراء الصف الأول بالقرب من الحلبة “كانت ضربة قاضية وخاطفة وحادة والتي أسقطت الملاكم الشاب أرضاً بعد 46 ثانية من بداية الشوط الثامن والأخير من المباراة. ضرب رأسه بعد ذلك بشدة في أحدى الألواح المسطحة بحسب كلام الحكم والتي كانت سبباٌ في وفاته”.
ذكر الأطباء بعد ذلك في تقريرهم عن سبب الوفاة أن دماغ (جورجي) نزف نتيجة للأوعية الدموية الممزقة بفعل الضربة، ولم تنجح العمليات الجراحية التي تم إجرائها لإنقاذه، وقد قضى ساعاته الأخيرة على أجهزة التنفس الصناعية.
(جورجي فلوريس) لم يمت بالشيخوخة أو إحدى الأمراض المستعصية أو بمحاولة الانتحار، لقد قُتل .. نعم قُتل.
إذا كنت تريد أن تعرف الحقيقة كما هي، (جورجي) ليس أول من يموت بهذه الطريقة، الموت المفاجئ هو أحد المخاطر المهنية لرياضة الملاكمة التجارية، ستة ملاكمين قُتلوا في الولايات المتحدة و في نفس العام، هذا إذا كنت تحصي فقط أولئك الذين لقوا حتفهم في حينها أو بعد ذلك بعد فترة قصيرة جداً نتيجة للضربات الحادة في الحلبة.
وهذا الرقم سيكون أكبر من ذلك بكثير إذا ما شمل أولئك الذين تلقوا ضربات موجعة والتي كانت سبباً في انخفاض حاد بمتوسط أعمارهم نتيجةٌ لهذا العمل المروع، والتي يصفها الحمقى أو الساخرين باسم “الرياضة” أو “اللعبة” وأن هذا يحدث في كل الأوقات.
وكقاعدة عامة، حوادث القتل في مبارزات الملاكمة لا يسلط عليها الضوء ولا يأتي ذكرها إلا بفقرات إخبارية قليلة، وباقة زهور من الغوغائيين القتلة مع مبلغ صغير يصل لأرملة القتيل.
القتلى لا يقولون الحكايات، لكن أحياناً كما هو معروف، ذكرى ما فعلوه أو الطريقة التي ماتوا بها تمارس سلطة على الأحياء مما يؤثر على قراراتهم وأفعالهم.
استمرار تأثير الرجال العظماء لا جدال فيه ولو لوهلة، و في لحظة استثنائية يتحدث (جورجي فلوريس) من القبر، الملاكم الشاب الذي قُتل في حلبة حديقة ماديسون حديثاً، ألقى بظلاله الطويلة على نزال (توربين) و(روبينسون) لبطولة الوزن المتوسط في حلبة حديقة بولو الأربعاء المنصرم والتي على الأرجح يكون فيها نصيب المنتصر منهما مليون دولار.
(تروبين) كان في وضع حرج، لكنه لم يخرج عندما أوقف الحكم المباراة قبل نهاية الجولة العاشرة بثمانية ثواني من النزال المقرر له أن يكون من خمسة عشر جولة، الحكم في الوقت نفسه أعطى قراره لصالح (روبنسون) بفوزه باللكمة القاضية.
ولكن فوز (روبنسون) في هذا النزال بجدارة هو محل شك كبير، النزال كان مستمراً حتى الجولة العاشرة و(روبنسون) كان ينزف كخنزير من جرح على عينه، و(تروبين) كانت لديه قدرة تحمل بسبب صغر سنه والذي كان يزيد من فرصه، وأستطاع أن يسترد جزء من عافيته خلال الاستراحة بين الجولات والأخذ بزمام الأمور من هناك.
أحتج (توربين) ومدير أعماله على إجراء الحكم بناءً على ما سبق، والأدلة اللاحقة على ما يبدو أنها تدعم حجتهم، (تروبين) ووفقاٌ لكل التقارير كان أكثر نشاطاً و قوة من (روبنسون) بعد نهاية النزال.
كانت مقتل (جورجي فلوريس) الوفاة الأكثر مفاجئةً ومأساوية والأكثر تأثيرا لمجرد تسعة أيام فقط، هذا كل شيء، لكن هذا التأثير أستمر بما يكفي للتأثير على القرار في مباراة (تروبين) و(روبنسون)، وقد أثمر هذا التوتر إلى هدوء أو توقف مؤقت – لم يأخذ وقتاً طويلاً – وعدد من المقترحات المتعلقة بإمكانية تحسين وضع المراقبة في جولات الملاكمة في المستقبل وبعض القواعد والأنظمة الأكثر تفصيلاً التي أطلق عليها حاكم ديوي في كلمته بـ“الاحتياطات” والتي قد تبقي الملاكمين بعيداً عن الإصابة عندما يتعرضون للضرب، بعدها أصداء هذه الضجة التي أثيرت تضاءلت بعيدا و عادت الملاكمة إلى وضعها الطبيعي والى طريقتها المعتادة.
ومما يقال تعليقاً على هذا الوقت و البيئة الاجتماعية ومن بينها أعمال الملاكمة أنها تنبت وترتفع كزهرة سامة من بين الروث، لأنه لا أحد خرج للعلن وطالب بتجريم أعمال الملاكمة أو حضرها، كما تم في معظم الدول مطلع القرن الحالي.
مصارعة الديكة أمر غير قانوني؛ من غير الإنساني وضع اثنين من الديكة في حفرة وحثهم على مصارعة بعضهم حتى مقتل أحدهم في الأخر، ومن المخالف للقانون وضع اثنين من الكلاب في حفرة للقتال من أجل الرهانات، لكن حضارتنا و منذ أن بدأت لم تصل بعد للنقطة التي يمنع فيها القانون الرجال الذين لا يحمل احدهم ضغينة للاخر من القتال لأجل المال والتسلية، هذا المشهد هو جزء من أسلوبنا او ثقافتنا في الحياة.
“الاحتياطات” التي تم الدعوة لها خلال ما كانت الأجواء ملتهبة بعد مقتل (جورجي فلوريس)، خفت وتيرتها إلى بعض الاقتراحات العبثية أن الملاكمة ليست مجرد نزال بين المتصارعين، لأنهم سيحتاجون للتدريب ودخول الحلبة في حالة جيدة، وأن قفازات الملاكمين وألواح الحلبة يجب أن تكون مبطنة قليلاٌ، وأن على كل ملاكم فحص رأسه بالأشعة السينية قبيل كل مباراة لمعرفة إذا ما كان يعاني من إصابات مسبقة في الدماغ.
يقول الدكتور (فرانك فيرليانو) لـ(ميلتون غروس) الكاتب الرياضي في نيويورك بوست: “الملاكمة ستكون رياضة أمنة، إذا تم الالتزام بهذه اللوائح أو الاحتياطات”. الدكتور بالطبع يتحدث عبر قبعته!
“الاحتياطات” التي من المفترض أن تعتني بكل شيء، في الواقع هي لا تعتني باي شيء، لأنه عندما تكون داخل حبال الحلبة، رأسك سيكون الهدف لكل اللكمات، وليس هناك من طريقة كي تكون في مأمن منها، كما قال الجندي عندما سُئل لماذا هرب من الخطوط الأمامية: “قد تُصاب هناك، بضربات على الرأس لا يخرج منها أي شخص بخير، و إذا كان هناك أي شخص وجد خيراً في ذلك، فنحن لم نسمع عنه حتى الآن”. جوائز رياضة الملاكمة تذهب حصراً للمتفرجين و المدراء ومروجي هذه الرياضة.
يشهد على ذلك (جو لويس) عندما سأله أحد المراسلين في المؤتمر الصحفي الذي تخلى فيه عن لقبه الرياضي في المصارعة كي يتحول لمقدم.
الصحفي يسأل قائلا: “جو ما الذي تظنه الأفضل لك؟ جو المصارع أو جو المقدم؟!”
يجيب (جو) بكلمات قليلة قائلا: “أنا أفضل التقديم”.
يسأل الصحفي مرة أخرى: “لماذا، هل بالإمكان شرح ذلك؟”
بالطبع يجيب جو: “لأنه لا يمكن ضربك عندما تصبح مقدماٌ”.
هذه الكلمات تنتمي إلى سفر الأمثال .

[المصدر]

 

عندما تَفسُد السياسة، يظهر الشَّعر

 

أدريانا ريتش

“وحده  الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).

سآخذ بمقولة (بالدوين): “إن الشعراء  هم الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون حقيقتنا. ليس الجنود. ولا حتى الدولة تفعل ذلك. ليس الكهنة. ولا زعماء الاتحادات. الشعراء فقط” .. كيف يكملنا الشعر؟ ويعطينا شكل لخبراتنا من خلال اللغة، وبالتالي منحنا فعاليتنا، كرامتنا، وصلاحية حياتنا، الشعر ببساطة هو توسيع قدراتنا للوصول إلى إنسانيتنا.

بلا شك يفعل الشعر ذلك، ولكن ليست كل القصائد، وهذه هي الحيرة التي لازمتني كمتسائلة منذ زمن.

الجواب، أو على الأقل جزء من إجابة، وصلتني كشرارات، كومضة من نصف حلم، ونصف ذاكرة، عندما كنت أنجرف إلى النوم في إحدى الليالي الهادئة. تذكرت فجأة شيئا كنت قد قرأته منذ فترة طويلة، منذ وقت طويل شيء يبدو أنه أصبح  كالخبايا والرموز في أعماق عقلي اللاواعي، كان ذلك؛ (ملاحظات عن الشعر والسياسة) للشاعرة (أدريان ريتش). واحدة من أعظم الشاعرات وأنبّه العقول في القرن الماضي.

تماماً بعد ثلاثين عاماً بالضبط من خطاب الرئيس (جون كينيدي) الأشهر على الأطلاق ومقولته: “عندما تفسد السياسة ، يظهر الشعر” فكرت حينها (أدريان ريتش) وكتبت ما يلي:

إذا أستخدمت القصيدة كوسيلة وردّة فعل سياسية فورية فسيكون الأمر خاطئاً وكأنك تحاول إعلان مظاهرة احتجاجية على الفور، أو صنع خط طارئ  للاعتصام.

[…]

أريد ذلك النوع من الشعر الذي لا يكلف نفسه عناء إمّا الثناء على القادة والأحزاب وإمّا لعنهم. ولكني أريده أن يكتشف من نحن – داخليا وخارجياً – من نحن؟ في ظل ظروف حياتية تعيسة وسوء استخدام للقوة من السلطة الفاسدة . كيف يكشف مفاوضاتنا الخاصة مع أنفسنا، عبر تأرجح آلامنا، وكدماتنا النفسية.  كيف نصنع الحب – بأكبر قدر من الحميمية وبأوسع معنى – كيف؟ (بكل معنى هذا التساؤل) كيف نشعر؟ وكيف نحاول أن نصنع الشعور؟

الشاعرة التي أمضت جل حياتها تفكر في العلاقة بين الفن والرأسمالية، وأصبحت أول شاعرة –وما زالت الوحيدة- في رفض الميدالية الوطنية للفنون احتجاجاً على  نقاط الضعف في تلك العلاقة معتبرة الشعر كوعد منفرد و وحيد وسط غابة ثقافة جديدة مشغولة البال ومخدّرة أمام  الرأسمالية المتفشية قائلة:

وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة.

[…]

لم يسبق لي أن أعتقدت أن الشعر هو هروب من التاريخ، وأنا لا أعتقد أنه أقل ضرورة من الغذاء والمأوى والصحة والتعليم وظروف العمل اللائقة- الشعور ضروري.

[…]

كل قرار سياسي له مبرره الخاص في موازين الربح الرأسمالية المشتركة، الشعر يقلق هذه الطريقة في العيش، وليس من خلال  أيديولوجية، ولكن من خلال تواجده الذاتيّ وطرق بقائه، إنه تجسيد  لمملكاته الخاصة من الحنين والرغبة.

وبعد تسليع المشاعر في الثقافة المعاصرة تكتب:

سنرى اليأس عندما تخرج الغطرسة الاجتماعية واللامبالاة من نفس الشخص, مع الرغبة في العيش في مستويات مدمرة من السطحية والتسطيح الذاتي … اليأس، عندما لا يكون الرد على الهزيمة المادية والمعنوية المطلقة، مثل قوة الحرب، وفشل المُخيلة .

وفي واحدة من أقوى ملاحظاتها عن دور الشعر في تجربة المهاجرين, ورحلات القهر:

الشعر هو تدفق مياه العالم السرية، هو صوت الماء عندما يرتديه الحجر.

لن يهم إذا نزح الشاعر إلى الغربة، وهاجر داخل روحه، شاعراً سيعتاد على ظروف العمل الرهيبة التي تقوم عليها الثروة الرأسمالية، شاعراً من منطلق وجوده الخاص، شاعراً كشخص مُدان، أو أرستقراطي، كعاشق أو عدو؛ كل أعمالنا عانت وتمزقت من الخيال الوطني المزعزع للاستقرار، ومن توهمنا المختبئ في التاريخ.

وأخيراً الشعر في مواجهة الظلم تقول:

لا أحد يحب الحياة و الشعر، يمكن له أن يحسد الظروف التي يعيش بها بعض الشعراء في أنحاء العالم، شعراء يكتبون بينما اجراءات الحبس الانفرادي، والتعذيب، والنفي تلاحقهم، شعراء يكتبون بحظر كبير، دون نشر، دون صوت عالي سوى في سرهم. وإذا حسدت ظروفهم فذلك يعني أنني أحسد موهبتهم، شجاعتهم، إيمانهم العنيد في قوة كلماتهم، تلك الرغبة لدي في استبدال ظروفهم الطارئة بظروفنا المستقرة هنا في أمريكا الولايات المتحدة، أن نتبادل شعورهم بالمأزق، والتحدي، والمطاردة!


[المصدر]