أرشيف الوسم: تزفيتان تودوروف

تودوروف تساءل؛ كيف نتعامل مع المختلفين؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، يتساءل (تودوروف) في خاتمة كتابه؛ “كيف يمكن، كيف ينبغي أن نتصرف تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى الجماعة التي ننتمي إليها؟”

يعتمد الدرس الأول الذي تعلمناه على التخلي عن تأسيس استدلالاتنا على تمييز من هذا النوع. على أن الكائنات الإنسانية قامت باستدلالات من هذا النوع، منذ أبد الدهر، واكتفت بتغيير موضوع المديح، […] حكم البشر على أنفسهم بأنهم أفضل مَن في العالم، وقدّروا أن الآخرين سيئون أو خيّرون تبعًا لبعدهم أو قربهم منهم؛ وعلى العكس من ذلك، […] وجدت الكائنات الإنسانية أن الشعوب الأبعد هي الشعوب الأسعد والأكثر إثارة للإعجاب. في حين أنها لم تجد في تجمعاتنا الخاصة إلا الانحطاط، وفي الحالتين، نحن أمام وهم بصري؛ “نحن” لسنا بالضرورة صالحين، ولا “الآخرون” كذلك.

يلخّص حديثه قائلًا:

كل ما يمكن قوله بهذا الخصوص هو أنه في الانفتاح على الآخرين وفي رفض إقصاءهم دون دراسة، حسنة يمتاز بها الإنسان عن غيره.

ثم يتساءل بعد ذلك: “ما معنى انتماءنا إلى تجمّع ما؟ وكيف نبرر أحكامنا؟”. ويجيب قائلًا:

ليست الكائنات الإنسانية مجرد أفراد منتمين إلى نوع واحد بحد ذاته، بل إنها تنتمي أيضًا إلى تجمعات خاصة ومتنوعة، تولد هذه الكائنات فيها وتتصرف. التجمّع الأقوى حاليًا هو ما يُسمى بالأمة، ونعني بهذا التطابق الكامل تقريبًا بين الدولة والثقافة. الانتماء إلى الإنسانية مختلف تمامًا عن الانتماء إلى الأمة، كان (روسو) يقول: “الإنسان ليس المواطن”، حتى أنه يوجد بين الاثنين نزاع كامن، قد يصبح علنيًا في اليوم الذي نجد فيه أنفسنا مجبرين على الاختيار بين قيم الإنسانية وقيم الأمة. يُحكم على الإنسان ضمن هذا المعنى للكلمة، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية، بينما ينشأ سلوك المواطن من وجهة نظر سياسية.

لا يمكن إقصاء أي من وجهي الحياة الإنسانية هذين، ولا يمكن اختزال الواحدة في الأخرى، من الأفضل أن نعي دومًا هذه الثنائية المأساوية أحيانًا. وفي الوقت نفسه، فإن الفصل الجذري بين عناصرها ووضعها في أفلاك لا تتواصل في ما بينها أبدًا، قد يكون وخيم العواقب أيضًا. […] لا تنطبق الأخلاق على السياسة، لكنها تستطيع وضع حواجز لا يحق للسياسة أن تتخطاها. إذ لا يعفينا الانتماء إلى الإنسانية من الانتماء إلى الأمة، ولا يمكن أن يحل محله، لكن على الأحاسيس الإنسانية أن تتمكن من احتواء منطق الدولة.

يتابع حديثه بعد ذلك، فيقول:

وجود شيء ما، لا يعني أنه يجب أن يكون. على كل حال، يعمد الفرد وبشكل جيد جدًا إلى التصحيح بنفسه، فلا يخلط بين الحب والعدالة، إنه يحب ابنه أكثر من ابن جاره، لكن عندما يوجد الاثنان في بيته، فهو يعطيهم حصصًا متساوية من الحلوى. ثم أن الشفقة ليست أقل طبيعية من الأنانية، ومن خصوص الكائن الإنساني أن يرى ما هو أبعد من مصلحته، ولهذا فإن الشعور الأخلاقي موجود.

ويكمل حديثه في موضع آخر، قائلًا:

لا يتحدد ما هو إنساني، حقًا، بهذه السمة الثقافية أو تلك حتمًا. فالكائنات الإنسانية تتأثر بالسياق الذي تأتي من خلاله إلى العالم، ويتغير هذا السياق تبعًا للزمان والمكان. العنصر المشترك بين مجمل الكائنات الإنسانية هو القدرة على رفض هذه التحديات، وبتعبير فيه أقل قدر من الرسمية، سنقول أن الحرية هي السمة المميزة للنوع الإنساني.

أيهما يسبق الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ تودوروف يجيب

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي، بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام حتى وفاته، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

ضمن كتابه (نحن والآخرون)، تساءل (تودوروف)؛ أيهما يُقدّم على الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ فيتحدث مستفتحًا عن “محبة الوطن”، أهي في علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبية؟

هل تعتبر محبة الوطن، ضمن علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبوية؟ يفضل المحب لوطنه، دون شك، بعض القيم على بعضها الآخر، لكن ذلك لا يحدث باسم نظم مطلق. قد يتوجب على محب الوطن المنطقي قبول أن لكل واحد الحق في تفضيل القيم التي اختارها بلده. فمحبة الوطن هي نسبوية، ولكنها نسبوية معتدلة. يتخلّى النسبوي الأصلي تمامًا عن إصدار أحكام تقويمية، ويتفق المحب لوطنه معه في رفض كل إرجاع إلى معايير مطلقة وشمولية، لكنه يعتمد أساسًا آخرًا للأحكام.

ربما نستطيع أن نقول، مقلدين ومفسرين ما قاله (باسكال)، إن ولادة المرء في هذه الجهة من جبال البيرينيه، توجب عليه أن يقدّم الولاء المطلق للقيم الفرنسية، وولادته في الجهة الأخرى توجب عليه الولاء المطلق للقيم الاسبانية.


ثم يسترسل بعد ذلك في تساؤله؛ ما هو المفضل بين عاطفتي الوطنية والإنسانية؟ فيقول مستعرضًا فكر (هيلفسيوس) أولًا:

ينفي (هيلفسيوس) وجود الحق الطبيعي، بما أن العدالة ليست سوى ما يناسب على الوجه الأفضل جماعة ما، أو دولة. “في كل العصور وفي كل البلدان المختلفة، لا يمكن للنزاهة أن تكون إلا عادة الأفعال المفيدة للأمة”. تظهر النزاهة الشمولية إذًا كتناقض في الإصلاحات؛ لا يسعنا تصوّر أن فعلًا ما قد يكون مفيدًا، بصورة متماثلة لكل الأمم، فالفضيلة الإنسانوية، مثلها في ذلك مثل كل الكليات، ليست حتى الآن إلا وهمًا أفلاطونيًا.

لا تتطابق محبة الوطن مع الحب الشمولي إذًا: “من البديهي أن الشغف بمحبة الوطن، وهو شغف مرغوب به جدًا، فاضل جدًا، ومحترم جدًا عند مواطن ما، يستبعد حتمًا، الحب الشمولي. ربما ينبغي […] أن تخضع مصلحة الأمم لمصلحة أكثر عمومية، وأن يشعل حب الوطن في القلوب أخيرًا، وهو يطفئ نار حب شمولي؛ وهذه فرضية لن تتحقق قبل وقت طويل”.

فـ(هيلفسيوس) بهذا، يقدِّم المشاعر الوطنية، على مشاعر الحب الشمولية، أو المشاعر الإنسانية بكلمات أخرى. وهو يعتقد بأنه من المستحيل التوفيق بين هذين الشعورين، إذ أنهما متضادان.


ينتقل (تودوروف) بعد ذلك إلى (ڤولتير) ليشرح آراؤه في هذا الخصوص، فيقول:

أما (ڤولتير) فهو يتخذ موقفًا معاكسًا في هذا الخصوص. هو أيضًا يعتقد بأن حب الوطن وحب الإنسانية متعارضان، وهذا يحزنه: “من المحزن أنه لكي يكون المرء وطنيًا صالحًا، لا بد له من أن يكون عدوًا لباقي البشر. […] ذلك هو الشرط الإنساني، الذي يجعل تمني المرء العظمة لبلده، تمنيًا للشر لجيرانه. ذلك الذي يريد ألا يكون وطنه أكبر ولا أصغر، ولا أغنى ولا أفقر، على الإطلاق، قد يكون مواطن الكون”. ولكن، ومن بين هذين الاصطلاحين، يقدِّر (ڤولتير) الشمولي أكثر، رغم معرفته بأنه، لا سيما عند تقدمه بالعمر، يرق قلب الإنسان على وطنه ويفضل الخبز في بلده على الحلوى في الغربة.

(ڤولتير) هنا يتفق مع (هيلفسيوس) في كون المشاعر الوطنية والإنسانية متضادتين، إلا أنه يقدّم المشاعر الإنسانية، على عكس (هيلفسيوس) كما يقول (تودوروف).


وأخيرًا، ينتقل (تودوروف) في استعراضه للأجوبة، إلى (جان جاك روسو)، فيقول:

أما (روسو)، الذي قرأنص (هيلفسيوس) وتأمل فيه، فيستحق أن نتوقف عنده لوقت أطول. يتمفضل التعارض في كتاباته حول اصطلاحي “مواطن” و”إنسان”. ويدل هذا الاصطلاح الأخير، بطريقة مبهمة أحيانًا، على الكائن الإنساني كساكن للكون، تمامًا كما يدل على الفرد بعينه. لا تتطابق سُبُل المواطن والإنسان، وذلك لأسباب بديهية: “فهدف جهودهما ليس واحدًا، إنه سعادة المجموعة هناك، وسعادة الشخص هنا”.

فبرأي (روسو) أن الإنسانية والوطنية، هما شعورين مختلفين. يستكمل (تودوروف) شروحاته:

لا يكتفي (روسو) بالإشارة إلى الاختلاف بين هذين السبيلين؛ بل ويؤكد على تعارضها الجذري؛ هذا على الأقل ما اعتقده في عهد كتابه (إميل): “لأننا مجبورون على مصارعة الطبيعة أو الاأنظمة الاجتماعية، يجب الاختيار بين صنع الإنسان أو صنع المواطن، إذ أنه من غير الممكن صنع الاثنين في الآن نفسه”. ويتناسب نجاح الوطنية عكسًا مع نجاح الإنسانوية. “الأنظمة الاجتماعية الجيدة هي تلك التي تعرف على نحو أمثل كيف تفقد الإنسان طبيعته البشرية”.

 

ويستطرد قائلًا:

ما يزيد الأمور سوءًا هو أن (روسو) مقتنع بأنه في هذا التناقض، تمامً ككل تناقض آخر على كل حال، مصدرًا للتعاسة لا يمكن استدراكه، يقدّم عنده الحنين الذي يثيره فقدان الوحدة كمسلّمة دون إقامة براهين؛ بل إن هذا التناقض هو المصدر الرئيسي لتعاسة البشر. “ما يصنع البؤس الإنساني هو التناقض […] بين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية، بين الإنسان والمواطن”.

تودوروف، وحديث مبسط عن فكر الأنوار

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف (1939-2017) فيلسوف فرنسي-بلغاري، وُلِد في مدينة صوفيا البلغارية. وعاش في فرنسا منذ 1963 وحتى وفاته، ويكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب قدّمه الأستاذ (محمد الجرطي)، حمل عنوان (تزفيتان تودوروف: نحو رؤية جديدة لحوار الحضارات)، حمل الكتاب عدة لقاءات صحفية مع (تودوروف)، بالإضافة إلى عدد من المقالات التي كتبها، والتي كُتبت عن فكره.

في مقالة كتبها (تودوروف)، حملت عنوان “لماذا نحن دومًا بحاجة إلى فكر الأنوار؟”، يقول (تودوروف) مستفتحًا:

إن فكر الأنوار المتعدد والمتناقض في كثير من الأحيان، ليس حركة فكرية متواطئة. بغض النظر عن البلد الأصلي لفكر الأنوار، فإنه ساهم في استقلال الفرد ضد السلطة والدين، ودافع عن فكرة الصالح العام والكونية. المبادئ التي ما زالت هشة ومهددة.

ثم يقول:

هل يٌعرّف فكر الأنوار بكلمات قليلة؟ تتضح التجربة من خلال المراهنة. في الواقع، دامت هذه الحركة أكثر من قرن، وهي تتطور في عدة دول بشكل خاص، وتواجه عدة آراء متناقضة.

ويتابع بعد ذلك حديثه عن فكر الأنوار:

يشكل هذا التعقيد الفكري الخاصية الأولى المميزة لسمة الأنوار، وعلى العكس مما يُفهم في أغلب الأحيان على أنه من الاختزال أن نتكلم عن فكر الأنوار وكأنه تيار فكري أحادي الجانب.

في الواقع، يحيل فكر الأنوار على عصر التأليف والتركيب الأصيل بشكل خالص، ويتشرب فكر الأنوار الإرث الفكري الذي ظهر في أوروبا منذ نهاية القرن العصر الوسيط، حيث ترسخت مقوماته خلال عصر النهضة والقرن السابع عشر. يستثمر فكر الأنوار العقلانية والنزعة التجريبية على حد سواء، عن طريق الفصل وليس الجمع. ويشيد بمعرفة القوانين الخالدة، كما هو الشأن لشعوب التاريخ. ويؤكد أيضًا على تعدد الثقافات، بدلًا من وحدانية الحضارة. في الوقت نفسه، يدافع فكر الأنوار عن العقل والأهواء، والجسد والروح، والفنون والعلوم، والاصطناعي والطبيعيو متشربًا كل مجالات الإبداع الفكري؛ من الفلسفة إلى العلوم مرورًا بالآداب والقانون والرسم.

[…]

والنتيجة، لا يمكن تعريف فكر الأنوار إلا على حساب العديد من الاختزالات التبسيطية؛ وأيًا كان التعريف الذي يتم إقراره، فسيكون في مقدورنا أن نعارضه على الدوام باستثناءات.

ما هو منشأ فكر الأنوار؟ يجيب (تودوروف) في جزء من مقالته:

يعتقد الفرنسيين في غالب الأحيان أن فكر الأنوار من صنيعتهم، ولكن الأمر ليس كذلك! في بادئ الأمر، تطورت الأفكار في ما وراء بحر المانش أو في إيطاليا، ثم تعمقت ونضجت في وقت لاحق في ألمانيا. بكل بساطة، كانت فرنسا صندوق الصدى الذي أتاح لهذه الأفكار الانتشار في ربوع العالم بفضل إشعاع العقل الفرنسي، وبفضل مفكرين من الطراز الأول على غرار (ڤولتير) أو جماعة الموسوعيين التي نتاجهلها أحيانًا في حين ظهرت كرد فعل على الموسوعة الإنجليزية التي نُشرت في وقت سابق. وبالتالي، فالوطن الحقيقي لفكر الأنوار هو أوروبا.

هل يمكن اختصار فكر الأنوار في كلمة واحدة؟

إذا أردنا أن نختزل إرث فكر الأنوار الثقافي إلى نواة صغيرة، فما الذي يجب تسليط الضوء عليه؟ فكرة الاستقلالية: إمكانية التحرر من الوصاية التي تفرض على كل فرد طريقة أحادية للتفكير والإحساس.

كيف تعرّف تودوروف على الشر؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، تحدّث (تودوروف) في مقدمة الكتاب عن تعرّفه على الشر. فيقول:

تعرّفت على الشر خلال الجزء الأول من حياتي، عندما كنت أقيم في بلد خاضع للنظام الستاليني. تعرُّف تدريجي، ففي السنوات الأولى التي تلت الحرب، كنت أصغر من أن أفهم جيدًا نبأ الاختفاء المفاجئ لقريب ما أو صديق للعائلة، نبأ إقامته القسرية في مدينة صغيرة من مدن الأرياف أو نبأ التخفيض المباغت لموارده المالية. وبعد ذلك أيَّدت عائلتي بدايات هذا النظام وانتمت إلى المنتفعين منه. اختلطت الأمور في نهاية العام ١٩٤٨ عندما وجد بعض أصدقاء أهلي، والمنتمين إلى محيطهم ذاته، أنفسهم في السجن، أو عندما كان يُشهّر بهم في الصحف، التي كنت قادرًا على قراءتها آنذاك. أو عندما بدأ أبي يلاقي متاعب في عمله. غير أنني بقيت رائدًا متحمسًا للستالينية حتى عام ١٩٥٢. كان موت (ستالين) بعد ذلك واكتشافي تدريجيًا، أثناء تقدمي في مرحلة المراهقة، لفراغ الخطاب الرسمي الذي كنت أحتك به يوميًا.

لم أكن أبدًا ضحية مباشرة للنظام، إذ إن ردة فعلي، كردة فعل كثير من مواطنيّ على كل حال، لم تكن في الاعتراض، أو الانخراط بنزاع، وإنما بالتحلّي بشخصيتين؛ إحداهما علنيّة وخاضعة طيّعة، والأخرى خاصة لا تفعل إلا ما يروق لها. غير أني وبمعنى آخر للكلمة كنت فعلًا ضحية رغم كل شيء، تمامًا كأي قاطن لبلدي، إذ لم تكن شخصيتي الخاصة، كما كنت أتخيل، نتاجًا صرفًا لإرادتي، فقد كانت تتشكل كردة فعل على ما كان يحيط بي. وبهذا تعرّفت على الشر. كان يكمن في الاختلاف الصارخ بين الجمل التي كان ممثلو السلطة يحيطون أنفسهم بها والحياة التي كانوا يعيشونها من جهة، وتلك التي كانوا يحملوننا على عيشتها والتي كانت على ما يبدو مستوحاة بالتحديد من مبادئ مختلفة تمامًا؛ كان يكمن في الإجبار على التصريح علنًا على تأييد هذه المذاهب الرسمية وفي الفقدان الذي ينتج عن ذلك لمعنى الكلمات الأكثر نبلًا ؛ حرية، مساواة أو عدالة. وكانت هذه الكلمات تُستخدم في تغطية القمع والمحسوبية والتباينات الصارخة في طريقة معاملة الأفراد، وكان يكمن في التأكيد الذي يستوجب أن يكون على كل موضوع موقف جيد وجيد، وفي الإثبات الذي كان يُقام على أن هذا الموقف كان محددًا من قِبل ولمصلحة المتنفذين في ذلك الوقت. فلا تكون “الحقيقة” إلا نتيجة القوة ؛ ويكمن في السلطة اللامحدودة والاعتباطية التي كان يُشعر بها موضوعة بين أيدي الشرطة وأجهزة الأمن من الحزبيين والمسؤولين والموظفين الإداريين القادرين في كل لحظة على تجريدة من عملك، من منزلك، من أصدقائك أو من حريتك ؛ يكمن في التحريض على الخضوع والوضاعة، في نظام الوشاية المُنشأ على كافة المراتب، والذي كان قد أصبح في الوقت ذاته الوسيلة الأسرع لشق طريق في الحياة ؛ يكمن في الخوف من الخوف. العقبات المادية، نقص المواد الاستهلاكية أو الطوابير الطويلة للتسوق، لم تكن شرًا بحد ذاتها، ولكنها كانت تصبح شرًا بمقدار ما كانت تنتج بوضوح عن الصفات الأخرى للنظام وتبدو كشعارات له. لم يكن هذا الشر واحدًا في كل الميادين طبعًا وإلا كانت الحياة مستحيلة ؛ كنت لا أزال ألتقي بأناس مدهشين أو أستفيد من البوادر المذهلة لأناس لم يكونوا دومًا على هذا النحو. وفي غياب حياة علنية لائقة، كانت الحياة الخاصة على أشدّها، حتى لو لم أكن قد تنبهت إلى ذلك آنذاك ؛ كانت العلاقات العاطفية، الصداقات، الاهتمامات الفكرية أو الفنية حادة.

التعايش مع الثقافات عند تودوروف

42391

تزفيتان تودوروف فيلسوف فرنسي-بلغاري، مواليد ١٩٣٩، يكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب (تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية) و الذي نشرته مجلة الدوحة في عددها 82، أغسطس 2014م من ترجمة محمد الجرطي.
و هو تأملات عن كتب تودوروف و مقالاتٍ منه و حوارات معه.
قال في مقالةٍ مُعنْوَنة “بالتعايش مع ثقافات مختلفة”:

كل جماعة إنسانيّة تمتلك ثقافة؛ إنها الاسم الذي يُطلق على مجموع خصائص الحياة الاجتماعية، على طرق العيش و التفكير الجماعيَّين، على أشكال و أساليب تنظيم الوقت و الفضاء, الشيء الذي يتضمَّن اللغة, الدين, البنى الأسريّة، طرق بناء المنازل، الأدوات، طرق تناول الطعام أو ارتداء الملابس. بالإضافة إلى ذلك, إن أعضاء الجماعة، مهما كانت أبعادهم, فإنهم يستبطنون هذه السّمات في شكل تمثيلات. توجد الثقافة – إذاَ – على مستويين مترابطين بشكل وثيق: مستوى الممارسة الخاصّة بجماعة مّا، ومستوى الصورة التي تتركها هذه الممارسات في أذهان أعضاء الجماعة.

كل فرد متعدِّد الثقافة:

إن الكائن البشريّ، و هنا تكمن إحدى خصائصه الأكثر بروزاً، يولد ليس فقط في حضن الطبيعة بل، أيضاً ودوماً و بالضرورة في حضن الثقافة.
تبقى السّمة الأولى لهويّة ثقافية ما أنها مفروضة على الطفل عوض أن يتمّ اختيارها من طرفه. يجيء الطفل إلى العالم، يجد نفسه منغمساً في ثقافة جماعة سابقة على ولادته. الواقعة الأكثر جلاءً، بل – ربما – الأكثر حسماً، هي أننا نولد بالضرورة في حضن اللغة, اللغة التي يتكلّمها آباؤنا أو الأشخاص الذين يتكفّلون برعايتنا. لن يكون بمقدور الطفل أن يتجنّب تبنّي اللغة. و الحالة هذه, فاللغة ليست أداة محايدة.

إن اللغة مشبعة و متشرّبة لأفكار، لسلوكيات و لأحكام متوارثة من الماضي. تقوم اللغة بتقطيع الواقع بطريقة خاصّة، و تنقل إلينا – بطريقة خفيّة- رؤية للعالم.
تظهر بجلاء – أيضاً – السمة الثانية للانتماء الثقافي لكل فرد؛ ذلك أننا لانملك هويّة ثقافية واحدة, بل هويات متعدِّدة قادرة على الاندماج أو الظهور في شكل مجموعات متقاطعة.

على سبيل المثال، ينحدر الفرنسي دوماً من منطقة ما – لنفترض أنه من منطقة بروتون – و من ناحية أخرى، يتقاسم العديد من السّمات مع كل الأوروبيين. و من ثمّ يسهم – في الآن نفسه – في الثقافة البريتونية و الفرنسية و الأوروبية. من جهة أخرى، فداخل كل كيان جغرافي واحد، تبفى الطبقات الاجتماعية الثقافية متعددة.
هناك ثقافة المراهقين، و ثقافة المتقاعدين، ثقافة الأطباء، و ثقافة مكنّسي الشوارع، ثقافة النساء، وثقافة الرجال، ثقافة الأغنياء، وثقافة الفقراء، مثل هذا الفرد يتعرّف إلى نفسه في لثقافة المتوسطية (ماله علاثة بالشعوب القاطنة حول البحر الأبيض المتوسط)، و المسيحية، و الأوروبية: معايير جغرافية و دينية و سياسية واحدة. لكن – وهذا أمر جوهري- هذه الهويّات الثقافية المحتلفة لاتتوافق فيما بينها، ولاتشكل أوطاناً واضحة الحدود تتطابق بداخلها هذه المكوّنات المتعددة.

يبقى كل فرد متعدّد الثقافة. لاتُشبه ثفافته جزيرة متجانسة، بل تبدو كنتيجة لقرائن متشابكة.

كل الثقافات خلاسية:

الثقافة المشتركة، ثقافة جماعة إنسانية مّا، ليست مختلفة في هذا الصدد. إن ثقافة بلد كفرنسا تبقى في الواقع مجموعة معقّدة و منسوجة من ثقافات خاصّة، تلك الثقافات التي يتعرّف فيها الفرد إلى نفسه: ثقافات المناطق و المهن, الأعمار، والجنسين، الأوضاع الاجتماعية و التوجّهات الروحية. فضلاً عن هذا، كل ثقافة يُسميا الاتصال مع جيرانها. فأصل ثقافة ما يكون دوماً حاضراً في الثقافات السالقة: في التلاقي بين العديد من الثقافات ذات الأبعاد متناهية الصغر، أو في تفكّك ثقافة أكثر انتشاراً، أو في التفاعل مع ثقافة مجاورة. لا يمكن أبداً الولوج إلى حياة إنسانية سابقة على ظهور الثقافة. و لسبب وجيه:
تبقى الخصائص “ الثقافية ” حاضرة بالفعل، عند حيوانات أخرى، خصوصاً عند الرئيسات (رتبة من الثدييات منها البشرية و القردية)، لا وجود لثقافات خالصة أو ثقافات ممزوجة، فجميع الثقافات مخلوطة (إما “هجينة” أو “خلاسية “)

ثقافة سكونية هي ثقافة ميتة:

هنا إلى الخاصية الثالثة المميزة للثقافة: تبقى الثقافة – بالضرورة – متغيّرة و قابلة للتحول. جميع الثقافات تتغير وتتحول، حتى لو كان من المؤكد أن الثقافات المسمّاة “تقليدية” تبقى أقلّ استعداداً و أقلّ استجابة من الثقافات المسماة “حديثة“. هذه التغييرات أو هذه التحولات لها دواعٍ متعددة. بما أن كل ثقافة تفرز ثقافات أخرى، أو تتقاطع مع ثقافات أخرى، فإن مكوناتها المختلفة تشكّل توازناً غير مستقرّ، على سبيل المثال، منح حق التصويت للنساء في فرنسا غام 1944، سمح للنساء بالمشاركة في نشاط الحياة العامة للبلد، و من ثم طرأ تحوّل في الهوية الثقافية الفرنسية. و بالمثل حين تمّ منح المرأة، بعد مرور 23 سنة على حق التصويت، الحق في منع الحمل أو في الإنجاب، أحدث هذا الأمر طفرة جديدة في الثقافة الفرنسية. لو لم يكن لزاماً على الهوية الثقافية أن تتغيّر، لما استطاعت فرنسا أن تصبح بلداً مسيحياً في مرحلة أولى، ثم بلداً علمانياً في مرحلة ثانية. بالإضافة إلى هذه التفاعلات الداخلية، هناك أيضاً اتصالات خارجية مع ثقافات قريبة أو بعيدة أحدثت، بدورها, تعديلات في منحى الهويّة. قبل أن تؤثر الثقافة الأوروبية في ثقافات العالم الأخرى. فإنها تشرَّبت، من قبل تأثيرات الثقافة المصرية، ثقافة بلاد مابين النهرين، الثقافة الفارسية، والهندية و الصينية وهلمّ جرّاً.

ثم يُضيف:

إذا كان يتعيّن علينا الأخذ بعين الاعتبار هذه السمات الأخيرة للثقافة، تعدّدها و تنوّعها، فإننا نرى كم تبقى هذه الاستعارات الأكثر شبوعاً و المستخدمة في مكان الثقافة استعارات مربكة. نقول – على سبيل المثال- عن كائن بشري إنه “ مجتثّ من جذوره “، و نرثي لحاله، لكن هذه المماثلة للإنسان مع النبات غير شرعية؛ فالإنسان يتميّز بحركيّته لثقافة واحدة؛ فالثقافات لاتتمتّع بماهيّة أو ” روح ” رغم ماكُتب من صفحات جميلة في هذا الصدد، كما نتحدث عن “بقاء” لثقافة ما، معنى المحافظة عليها بقاُ للأصل. غير أن الثقافة التي لاتتغيّر هي على وجه التحديد، ثقافة ميّتة.
إن مصطلح لغة ميّتة هو مصطلح أكثر دقّة وحصافة. اللاتينيّة لغة ميتة، لا لأننا عاجزون عن استعمالها، بل لأن تلك اللغة لم تعد قادرة على التغيير. ليس هناك ماهو أكثر بداهة و أكثر شيوعاً من اختفاء حالة سابقة للثقافة وتعويضها بحالة جديدة.

يجب أن نميّز الآن، الهوية الثقافية عن شكلين آخرين للهويّة الجماعية: الانتماء المدني أو الوطني من جهة، والالتزام بالقيم الأخلاقية و السياسية من جهة أخرى. لا أحد منا سيكون بمقدوره أن يغيّر طفولته، حتى لو رغب في ذلك، حتى لو طُلب منه ذلك بإلحاح، بالمقابل، سيكون بمقدورنا أن نغيّر الولاء الوطني دون أن نعاني، بالضرورة، من جرّاء ذلك. لا يمكن للمرء أن يختار ثقافته الأصلية، لكن بإمكان المرء أن يختار أن يكون مواطناً لهذا البلد عوض ذلك البلد الآخر. إن اكتساب ثقافة جديدة – كما يعرف كل المهاجرين – يتطلّب سنوات عديدة، و إن كان هذا الاكتساب في الأساس لايتوقف أبداً، اكتساب مواطنية جديدة فد يحدث بين عشيّة وضحاها بفعل قوّة مرسوم ما. الدولة ليست “ثقافة” شبيهة بحالة الناس، إنها كيات إداري وسياسي له حدود قائمة من قبل، و يضمّ طبعاً أفراداً حاملين لثقافات عديدة، بما أننا نجد داخل هذا الكيان؛ الرجال و النساء، الشباب و الشيوخ، يمارسون كل المهن وفي أوضاع مختلفة، ينحدرون من مناطق ودول متعددة، ويتكلمون لغات متعددة، ويمارسون ديانات مختلفة ويراعون عادات متنوّعة.