أرشيف الوسم: تشايكوفسكي

سمفونية (تشايكوفسكي) الأولى .. تأملات شتوية

معاناة مؤلف شاب، أو لِمَ لَمْ يكتب (تشايكوفسكي) خلال الليل!

روسيا خلال ستينيات القرن التاسع عشر كانت أرض بلا سمفونيات، أو ربما وعلى وجه الدقّة: كتب (أنطون روبنشتاين) ثلاثة، لكنها، على أي حال، تتبع تقاليد أوروبا الغربية في التأليف قبل عام ١٨٥٠، مثل مؤلفات (مندلسون) و(شومان)؛ وكان هناك سيمفونيات قيد الإنجاز أو العرض لـ(ريمسكي كورساكوف)، و(بورودين)، و(بالاكيرف). حاولت الثقافة الموسيقيّة الروسية في تلك الفترة أيضًا تعريف نفسها كشيء مميز وليس مشتق أو تابع لتقاليد أوروبا الغربية. 

أول سمفونية لـ(تشايكوفسكي) هي واحدة من أهم العلامات في تاريخ السمفونية خلال القرن التاسع عشر. القطعة التي يوجد فيها نوع جديد من السيمفونيات – خاصة بـ(تشايكوفسكي)، والسمفونية الروسية –  بالإضافة إلى كُلّ هذه الأهمية التاريخية، فهي أيضًا واحدة من أكثر “السمفونيات الأولى” جاذبية على الإطلاق.

أذن، في أول عمل سِمفُونيّ، كان (تشايكوفسكي) رائدًا حقًا، بمواجهة هيكلية السمفونية الألمانية. مع التحديات التي واجهها شكل صورًا لبطل قومي روسي في التأليف الموسيقيّ. 

كتب (تشايكوفسكي) 7 سمفونيات: 6 سمفونيات مرقمة، بالإضافة إلى سمفونية منفردة. بعض أعماله هي مشهورة أكثر من غيرها. أحد الأعمال غير المشهورة تمثل أول غزوة يقوم بيها (تشايكوفسكي) في عالم الكتابة السمفونية. أنها السمفونية الأولى. عمل يحتوي على ألحان جميلة، وفيها تظهر روعة (تشايكوفسكي) وبراعة وتفرد أسلوبه في التأليف.

لأن المقال موجه إلى القارئ العربي؛ أريد أن أُنَوِّهْ إلى أنني وجدت ثلاث مواد فقط باللغة العربية توقفت عند هذه السمفونية، ولم تمر عليها سريعاً، وهم: كتاب (تشايكوفسكي) لـ(محمد حنانا)؛ وبودكاست (موسيقى خالدة) لـ(طارق القاعي) من (راديو مونت كارلو الدولي) [الهامش ١]؛ وتسجيل للسمفونية منشور على يوتيوب في قناة (أرشيف الموسيقى الكلاسيكية)، وفيه يقود (ليونارد برنستاين) أوركسترا نيويورك الفيلهرمونية، ويحتوي وصف للعمل وظروف تأليفه [الهامش ٢]. 

أحد المصادر لمعرفة ظروف كتابة هذا العمل هي السيرة الذاتية التي كتبها (موديست تشايكوفسكي) -شقيق (تشايكوفسكي)-، والتي تتكون من ثلاث مجلدات نشرها بالتتابع من عام ١٩٠٠م حتى ١٩٠٢م [الهامش ٣]. كان الشقيقان مقربان جدًا، وتبادلا الكثير من الرسائل، ودارت بينها نقاشات حول الموسيقى.

في عام ١٨٩٥، أسس (أنطون روبنشتاين) المعهد الموسيقى [الكُونسِرفاتوار] في سانت بطرسبرغ. وبعد عام، افتتح شقيقه (نيكولاي روبنشتاين) فرعًا ثانيًا في موسكو. وكان (تشايكوفسكي) -الذي ترك وظيفته ككاتب في وزارة العدل من أجل تَكريس حياته للموسيقى- ضمن الطلاب المتقدمين عندما افتتحت المدرسة رسميًا في ١٨٦٢. وبعد تخرجه، في يناير ١٨٦٦، أوصى (أنطون روبنشتاين) شقيقه (نيكولاي روبنشتاين) بتلميذه الواعد لإمكانية ان ينصب كمدرس في فرغ موسكو. 

عندما أصبح (تشايكوفسكي) أستاذًا لمادة الهارموني في كُونسِرفاتوار موسكو، وخلال سنواته الأولى فيها، وضعه (نيكولاي روبنشتاين) تحت رعايته؛ ليس اجتماعيًا فقط، ولكن فنيًا أيضًا؛ من خلال عرض أعماله الأوركسترالية المبكرة وتقديم المشورة له بشأن الأعمال جديدة. بعد الأداء الناجح لـ”افتتاحية في مقام فا الكبير” [الهامش ٤)] في مارس ١٨٦٦، اقترح نيكولاي روبنشتاين على تشايكوفسكي أن يقوم بكتابة سِمفونيَّة، ووعده انه سيُقيم العرض الأول لها بنفسه. 

 بدأ العمل على هذا السمفونية فورًا، أي في مارس ١٨٦٦، وهو في السادسة والعشرين من عمره. وفي الخامس من أبريل ١٨٦٦، بعد أيام فقط من بدء رسم هيكلية السمفونية، قرأ (تشايكوفسكي) مراجعة قاسية في جريدة سانت بطرسبرغ كتبها (سيزار كوي) عن مشروع تخرج (تشايكوفسكي) “كانتاتا التخرج“، والتي استند فيها بجرأة على نفس نص قصيدة الفرح لـ(شيلر). الذي استخدمه (بيتهوفن) في سمفونيته التاسعة! قال لاحقًا لصديقته (ألينا بريولوفا):

عندما قرأت هذا الحكم القاسي، بالكاد عرفت ما حدث لي … قضيت اليوم بأكمله أتجول بلا هدف حول المدينة وأنا أقول لنفسي: أنا بلا فائدة، أنا لا شيء، لن يخرج شيء مني على الإطلاق، ليس لدي موهبة.

في تحدٍ لثقته المتزحزحة بنفسه، حاول بإصرار مع السمفونية الجديدة. وفي الخامس والعشرين من أبريل كتب إلى شقيقه (أناتولي) يقول:

لقد كنت أنام بشكل سيء للغاية مؤخرًا. أعصابي في حالة مروعة بسبب: أولاً، السمفونية الجديدة لا تسير على ما يرام؛ ثانياً، انطون روبنشتاين وتارنوفسكي، اللذان لاحظا أنني أشعر بالخوف بسهولة، حاولا بكل السبل إخافتي؛ ثالثاً، الفكر الدائم بأنني سأموت، ولن يكون لدي الوقت لإنهاءها. 

قَبِل (تشايكوفسكي) دعوة من الأختين (فيرا) و(إليزابيث دافيدوفا) -بنات اخته- ووالدتهما لقضاء صيف عام ١٨٦٦ في مياتليف، بالقرب من قصر بيترهوف الشهير قرب سانت بطرسبرج. 

وفي نهاية شهر مايو، عزف (تشايكوفسكي) على البيانو السيمفونية “الإيطالية” لـ(مندلسون) وأعمال أوركسترالية لـ(شومان) مع (فيرا)، واستغرق في المشي وحده طويلاً، وأحرز تقدمًا مشجعًا في السمفونية الجديدة، ليبلّغ أخته (ألكسندرا) أنه بدأ التوزيع الأوركسترالي في السادس من يونيو. لكن حالته العقلية سرعان ما تدهورت إلى درجة مثيرة للقلق بسبب الإحباط من عمله الجديد، وربما تفاقمت بسبب مشاعره الجنسية المتضاربة. أشار (موديست) إلى أن مشاكل (تشايكوفسكي) كانت “على الأرجح بسبب حقيقة أنه يعمل على هذا السمفونية ليس أثناء النهار فقط ولكن خلال الليل أيضًا. وأشار في رسائله إلى ألم في الرأس وأرق نتيجة العمل ليلاً. تقدم العمل ببطء، وكلما تقدم، تأثرت أعصابه. لقد أفسد نومه بسبب العمل الكثير. في نهاية شهر يوليو، وصل كل هذا إلى ذروته في نوبات ناجمة عن اضطرابات عصبية مقلقة لن يختبرها مرة أخرى في حياته. قال الطبيب الذي تم استدعاؤه لمعالجته أنه “كان على بُعدِ خطوة واحد من الجنون”. كان يهلوس، ويشعر بالرهبة، والشعور الدائم بالخدر في أطرافه. نصحوه بالراحة، وتخلى تشايكوفسكي مؤقتًا عن العمل، ولم يؤلف في الليل مرة أخرى.

 عاد إلى موسكو في شهر أغسطس، ومر عبر سانت بطرسبرغ، سعى (تشايكوفسكي) للحصول على رأي أساتذته السابقين: (أنطون روبنشتاين) و(نيكولاي زاريمبا). كان يأمل في الحصول على تقييمات جيدة على مخطوطته غير المكتملة، وكذلك قبول جزء منها على الأقل لأداءه في حفل سان بطرسبرج المقام في الكُونسِرفاتوار. لكن الرجلان صدماه ورفضا العمل، واقتراحا عليه بعض التعديلات، وطلبا منه مراجعتها بدقة قبل إحضارها إليهم مرة أخرى. بعد هذه الصدمة قرر (تشايكوفسكي) التوقف قليلاً والانتقال لعمل اخر كان قد كلفهُ به (نيكولاي روبنشتاين) وهو “افتتاحية مهرجان مبنية على النشيد الوطني الدنماركي” [الهامش ٥] ليتم عزفها خلال زواج وريث العرش والذي سيصبح لاحقًا (القيصر ألكسندر رومانوف الثالث). 

استقبلت الافتتاحية بشكل مفرح، وشدت عزم (تشايكوفسكي) على المحاولة مرة أخرى مع السمفونية، وقام بإجراء تغييرات عليها، وخلال عطلة عيد الميلاد أرسلها مرة أخرى إلى (أنطون روبنشتاين) و(نيكولاي زاريمبا). هذه المرة وافقا على الحركة الثانية [الاداجيو] والثالثة [السكرتزو] فقط، واعتبرن صالحتان للعرض. وفعلاً تم عرضهما في حفل إقامه المعهد الموسيقيّ في الثالث والعشرين من فبراير ١٨٦٧، ولكنها لم تنجح! هنا تدخل (نيكولاي روبنشتاين) وحاول إعطاء العمل فرصة اخرى، حيث قام بقيادة الحركة الثالثة [السكرتزو] في نفس العام بالثاني والعشرين من ديسمبر، وحققت نجاحًا بسيطًا.

واصل (تشايكوفسكي) مراجعة العمل، وعرضت السمفونية كاملة ولاقت قبولاً واسعًا في الخامس عشر من فبراير ١٨٦٨، ولن تُؤدى مرة أخرى إلّا بعد مرور ١٥ عامًا وستكون بنسختها المنقحة. 

في عام ١٨٧٤ قرر (تشايكوفسكي) اخضاع السمفونية للمراجعة والتنقيح من أجل نشرها، وفعلاً أُجريَت التعديلات وتم النشر. هذا هو الشكل الذي تُعرف به السمفونية اليوم. ان التعديلات التي اضافها (تشايكوفسكي) شملت: إضافة موضوع ثاني جديد للحركة الأولى وتعديلات هيكليتها؛ قص، وإضافة، وتلخيص في الحركات المتبقية. قدم تشايكوفسكي وصفًا تفصيليًا لعملية التنقيح التي اجريت على نسخة عام ١٨٦٦ وعملية نشرها، في رسالة طويلة إلى (بيوتر جورجينسون) في الخامس عشر من أبريل ١٨٨٦ يقول فيها:

كُتب [السمفونية الأولى] في عام ١٨٦٦، وبناء على نصائح نيكولاي روبنشتاين قمّتُ ببعض التغييرات وأدية عام ١٨٦٨. لكنني قررت أن أُخضع العمل لمراجعة مكثفة. رغم ذلك، لم انفذ هذه الفكرة حتى عام ١٨٧٤. وفي عيد ميلادي، عام ١٨٧٥، قدمت لي نسخة مطبوعة من المدونة كهدية. لقد تأثرت فعلاً بكرمك واهتمامك، لكنني كنت غير راضٍ عن الأخطاء العديدة التي أفسدت الطبعة. لكن بغض النظر عن الأخطاء، طُبعت السمفونية بشكّل صحيح. أعني بجميع التغييرات التي أجريتها في عام ١٨٧٤. رغم انها لن تعرض حتى عام ١٨٨٣. قبل الأداء، أرسل آلْبْرِخْت [كارل آلْبْرِخْت] المدونة لي [وكنت] في كامينكا. ولاحظت العديد من الأخطاء، وخلال البروفات وجد (إردمانسدورفر) أخطاء اخرى، لكن [رغم ذلك] تم تنفيذ كل شيء بطريقة صحيحة.

لقد عانى (تشايكوفسكي) كثيرًا مع هذه السمفونية، ما بين تصحيح الأخطاء المطبعية وتعامل مع الناشر، لكنها ظلت دائمًا واحدة من أعمال (تشايكوفسكي) المفضلة، حيث قال في الرسالة: ” كل هذا محبط للغاية بالنسبة لي، لأنني أحب هذه السمفونية كثيرًا، وأنا آسف جدًا لأنها تحملت مثل هذا الوجود المأساوي”. في وقت أداءها في عام ١٨٨٣، كتب (تشايكوفسكي) إلى كارل آلْبْرِخْت واصفًا السمفونية قائلاً: “كانت خطيئة شَّبابي الرائع”. وقد أدلى بتعليق مماثل لراعيه (ناديغدا فون ميك) “أن السمفونية كانت من نواح كثيرة غير ناضجة، ومع ذلك فهي أكثر أصالة وأفضل من العديد من أعمالي اللاحقة التي تعتبر أعمال ناضجة.”


حركات السمفونية والعنوان:

تتكوَّن السمفونية من أربع حركات. أعطى (تشايكوفسكي) عنوانًا لها وهو: “أحلَام يَقَظَة شَتوِيَّة”. كما سمى الحركة الأولى “أحلَام اليَقَظَة في رحلةٍ شَتوِيَّة” والحركة الثانية “أرض الخَراب، أرض الضَباب”، ولم يسمي باقي الحركات. ليس هناك برنامج محدد وواضح لهذه السمفونية، وربما قصد (تشايكوفسكي) أن تكون تأمُّلات وتصوير للشعور الذي يثار بالنفس عند مشاهدة المناظر الطبيعية في الشتاء. 

الحركة الأولى: أحلَام اليَقَظَة في رحلةٍ شَتوِيَّة

قسم العرض في هذه الحركة يتكون من ثلاث مواضيع، وقدّ صاغها (تشايكوفسكي) على صيغة السوناتا. يغلب على هذه الحركة طابع التكرار اللَّحني واللَّحن الدائريّ؛ اي، تدخل الألحان وتتصارع، ثم تنتهي بنفس المفتاح الذي بدأت منه. وهذا عكس أسلوب (بيتهوفن) وأوروبا الغربية. 

تبدأ مقدّمة الحركة بهمهمات الوتريات المتمثلة بالكمان، فاسحة المجال لدخول الفلوت مع الباسون. هذا هو لَحن الموضوع الأول، ويمثل اللّحن الرئيسي والأهم في هذه الحركة. أنه ساحر جدًّا، فيه من الصَفاء العميق والجمال الكئيب. ما ان يتركهُ الفلوت حتى تلقطه الوتريات. يُعرض اولاً بواسطة الفيولات فيصبح أكثر جمالاً وعمقًا، تعرضه أكثر من مرة مع قفزات ونقرات للفلوت -تسمى المادة اللّحنية الثانوية، وما تعزفه الفيولات هي المادة اللّحنية الأساسية-، ثم يستلمه الكونترباص مع التشيلّو بخجل ولبرهه قصيرة. يقوم (تشايكوفسكي) بعدها بعرض لَحنًا آخر، مرتبط باللّحن الرئيسي، بواسطة آلات النفخ الخشبية، ويمكن عده شكل آخر له. يتم تقديمه مرتين، وهو بسيط بتركيبته، فمرة بواسطة آلات النفخ الخشبية مع صول صغير للفلوت أشبه بالنهضة، ومرة بواسطة الوتريات والكلارينيت. 

عند هذه النقطة يشعر (تشايكوفسكي) أنه قدم المواد اللازم ليأخذنا إلى الذروة، فتعرض الأوركسترا بأكملها مع نفير قويّ للنحاسيات. ينغلق هذا الاهوجاج بدخول الموضوع الثاني التكميلي. يكون أكثر غنائية في الصياغة وأكثر إشراقًا في المزاج. يسمع لأول مرة بواسطة الكلارينيت المنفرد، الذي ستقوم الوتريات بعرضه -مع الباسون- بطريقة تشبه عرض اللّحن الأول الرئيسي، وهو كما أشرنا ما يمييز هذا الحركة وأسلوب تشايكوفسكي في التأليف. 

بعد الموضوع الغنائية الثاني، هناك وقفة كبيرة قبل استخدام المواد الانتقالية. يُشكّل تطوير هذه المادة انتقالًا سلسًا وبارعًا نحو إغلاقها، حيث تم تحويل الموضوع الفرعي الغنائي إلى خاتمة بطولية -الموضوع الثالث- تصدح بيها الأوركسترا بشكّل رّهيب. 

خلال العصر الرومانسي عندما كان يستخدم شكل السوناتا، كان من غير المألوف أن تحتوي على ثلاث موضوعات في قسم العرض. ومع ذلك، وضع تشايكوفسكي موضوعًا ثالثًا فيها، الذي يقود إلى تطوير الحركة [قسم التطوير]. 

إجمالي مدة الحركة يقارب ١١ دقيقة. يستغرق قسم العرض ٤ دقائق ونص تقريبَاً. قدّ يشعر المستمع أن الموضوعات الثلاثة مستمدة من نفس المصدر، إلا أن لكل منها خصائص تعبيرية مستقلة.

يجمع قسم التطوير بين التفصيل الواضح للموضوعات السابقة والتشكيل الصاخب المبتكر. فهو يُعيد تلخيص مواد البداية -خاصة الأول والثالث-. يبدأ قسم التطوير بسرعة، ودون استراحة بدخول الهورن الفرنسي، وبمرافقة الوتريات. ان ما تعزفه الوتريات هو نفس المرافقة التي قامت بها أثناء عرض ألحان المواضيع الثلاثة، نُوتات صاعدة وهابطة. تصبح المرافقة أوضح عندما يكررها الكلارينيت والفلوت بمرافقة الفيولات، وهنا يعرض الكونترباص مع التشيلّو مرة ثانية بخجل ولبرهه قصيرة اللّحن الرئيسي.

يتم أولًا معالجة الموضوع الأول، بتلوينٍ أوركستراليّ واضح، ويلاحظ اعتماد (تشايكوفسكي) كثيرًا على النحاسيات وخاصة الهورن الفرنسي، الذي يشكل خاتمة لكل ذروة. تسكت الأوركسترا بعد إنهاء عرض ومعالجة الموضوع الأول. لكن يرجع إليه (تشايكوفسكي) مرة أخرى، وهذه المرة يسبقه بمادة انتقالية، ليست موضوع ولا شبه موضوع. المادة الانتقالية يقدمها ثلاثيّ يتكون من الهورن والتشيلّو والكونتراباص. تكون مضطربة ومتوتر، وتتطور لتكون لَحن افتتاحية لعمل سمفوني اخر. أنه الحركة الأولى من (سمفونية ماندلسون الرابعة) “الإيطالية”. هنا يقتبس (تشايكوفسكي) هذا المقدّمة ليعرض فوقها اللّحن الرئيسي. كانت السمفونية الرابعة (الإيطالية) لمندلسون تشغل بال (تشايكوفسكي) عندما بدأ بالعمل على هذه السمفونية، وربما هذا هو سبب إعطاء (تشايكوفسكي) عنوانًا لها. من باب ان الموسيقى قدّ تحتاج إلى محتوى خيالي أو صورة من أجل جذب انتباه المستمع.

يقوم (تشايكوفسكي) بمعالجة الموضوع الثاني والثالث، من مواد مستخرجة من قسم العرض او مشتقه منه. يلاحظ اقتناص (تشايكوفسكي) لكل فرصة لعرض اللّحن الرئيسي أو نصفه. 

تنتهي الحركة بهدوء باستخدام مواد الافتتاحية، حتى تتلاشى باستخدام “بيانيسيسمو” [الهامش ٦] في غاية الهدوء وتنحل في الهواء الطلق، اشبه بانتقال طبيعي نحو الحركة الثانية، وإثبات واضح لقدرة (تشايكوفسكي) على التعامل مع صيغة السوناتا في أول سمفونية له. 

الحركة الثانية: أرض الخَراب، أرض الضَباب 

تم تأطير الحركة البطيئة الكئيبة بالوتريات، ويهيمن عليها الموضوع الطويل الذي تم إعطاؤه لأول مرة للفلوت المنفرد، ثم انتقل لباقي الآلات المختارة بعناية، وبلغت ذروته في شكله الأكثر إثارة للإعجاب عند تقديمه بواسطة الهورن الفرنسي.

باستثناء المقدّمة والكودا، فإن الموضوعات في هذه الحركة تتشابك بشكلٍ وثيق مع بعضها البعض: كِلا الموضوعين لهما هياكل متناسقة ومتشابهة للغاية، وليست مستقلة عن بعضها البعض. ومع ذلك، فإن الموضوعين موجودان بشكلٍ واضح في أوقات مختلفة طوال الحركة.

تفتح الحركة بكورال هادئ للوتريات (وسيغلق الحركة في النهاية)، يذكرنا بمشهد الشمال الساكن في فصل الشِّتاء. فجأة يكُسر الهدوء، ويبدأ (تشايكوفسكي) في عرض الموضوع الأول -الموضوع الأساسي-، يقدمه الأوبوا لأول مرة بدعمٍ ساحر من الفلوت والباسون، يصل به إلى الكمال. اللحن – الذي يوازن بلطف بين رِثَاء رَّعَويّ وأغاني العصافير – هادئ ومريح وصَادِق إلى أبعد الحدود ولكنه كئيب إلى حد ما. الأصوات اللّحنية الثلاثة تصنع محيطها المميز للغاية. إحساس تضمنه الموكب المتشابك للآلات النفخية الثلاثة، المتجذر في تناغم محصور بسيط، يناسب الموضوع النَبِيل، ويستحضر صوتًا روسيًا خالصًا. 

ترتبط موضوعتا الحركة الثانية ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض: يتوسع الموضوع الثاني على جملة موسيقيّة موجودة في الموضوع الأول. 

يدخل الموضوع الثاني باعتباره المادة الأولية من الفيولا والفلوت في انسجام تام وينتقل بعدها بسلاسة إلى الكمان والباسون على سلسلة من المنعطفات الساحرة من الاوبوا والكلارينيت. المادة التي يقدمها الكمان مع الباسون عجيبة بِشكلٍ مُدهِش. جملة موسيقيّة واحدة يتم تكرارها مرتين، بتناغم أشبه بسؤالٍ وجواب. 

هذا يفسح المجال في النهاية لإعادة عرض الموضوع الأول، حيث ينخرط التشيلّو في عرض اللّحن الدافئ بمرافقة النوتات الطويلة للهوائيات. تمت إضافة عبارة ختامية نقية إلى هذه الموضوع بواسطة الكمان الأول وترددها الفيولا.

يتم ربط إعادة عرض الموضوع الأول والثاني، بصول للفلوت والكلارينيت. إعادة عرض الموضوع الثاني هذه المرة بواسطة الكمان، ثم يكرر الفلوت والوتريات السؤال والجواب، لكن هذه المرة يأخذ نقر (بيتسكاتو) الوتريات دور الباسون في قسم العرض. 

تبدأ الموسيقى بالتوقف تدريجياً قبل حدوث اهتزاز في الوتريات، مقدم التكرار النهائي للموضوع الأول بواسطة الهورن الفرنسي، ومبشرة وصولها للذروة. يؤكد العرض الأخير لهذا اللّحن على الظُلمة التي احتوتها الموسيقى منذ البداية، حيث يتحرك الهورن – الذي يكوّن مصحوبًا في البداية بالفلوت – من خلال عرض كئيب وواضح للموضوع ثم تصعيد تدريجي، وتبلغ ذروتها في نهاية المطاف مع هيجان الكمان والفيولا، ثم تهدئ ويبقى الفلوت يلتقط أنفاسه. 

يعود كورال الوتريات من الافتاحية لينهي الحركة، وتتلاشى باستخدام “بيانيسيسمو” مشابه للحركة الأولى.  يكشف الاداجيو، عن نقاط القوة في فن تشايكوفسكي والعمق الحقيقي في ابتكار الألحان. أنه يستطيع صنع هيكلية، واسعة متدقفة، ونقية من الألحان التي لا تُنسى أبدًا، والتي ألفها ببراعة أكثر من أي عازف سمفوني آخر في عصره. هذا النوع الجديد من الحركة البطيئة – وهو شيء لا يستطيع تحمله سوى (تشايكوفسكي) – فيه ثقة عالية وجرأة تركيبية كبيرة، بالمقارنة مع الحركات أخرى التي تعتمد على نماذج موجودة مسبقًا. 

الحركة الثالثة: سكرتزو راقص

لم يعط (تشايكوفسكي) أي عنوان لحركته الثالثة، ولكن إذا أردنا أن نتبع فكرة المناظر الطبيعية، فربما تكون بعض التاملات حول أشعة الشمس المتلألئة على الثلج الهش في هذه الحركة. 

حركة سريعة راقصة، تعرض براعة (تشايكوفسكي) في الكتابة الأوركسترالية. يمكن مقارنة هذه الحركة بسحر الرسام بالتنوعات الدقيقة للرقص: إنها حركة ذات انضباط كبير أيضًا عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع العناصر التركيبية المتناقضة. وتتميز بمقياس إيقاع في ريتم 3/8. يخلق إحساسًا بالانسيابية. المعنى الإيطالي الأصلي لكلمة اسكرتزو هو “مزحة”، على إيقاع Allegro scherzando giocoso  “سريع ومرح بشكل مازح”. 

مادة هذه الحركة هي، في الواقع، توزيع أوركسترالية (مع بعض التعديلات) للحركة الثالثة من سوناتا البيانو في مقام دو مرتفع صغير [الهامش ٧]، التي كتبها في عام ١٨٦٥، في اخر سنة لهُ كطالب في كُونسِرفاتوار سانت بطرسبرغ.

تتكون هذه الحركة من قسمين: السكرتزو والتريو، وهو الشكل التقليدي للحركة الثالثة في سمفونيات تلك الفترة.

تقدم آلات الكمان وحدها افتتاح موضوع السكرتزو، الذي يتكون من لَحنين اثنين. يعرض الأول بواسطة الكمان ومن بعده اللّحن الثاني – الذي يكون أطول قليلاً من الأول -. يتم عرضه بواسطة آلات النفخ الخشبية مع نقرات (بيتسكاتو) للوتريات. يتكرران بالتناوب. إلى ان يصلان إلى ذروة صغيرة تنفض الأوركسترا ما عندها وتدخل إلى قسم التريو الأوسط. 

يحتوي قالب السكرتزو على قسم متناقض، التريو، الذي يستخدم بنية هارمونية أكثر تعقيدًا من السكرتزو. في هذه السمفونية يتكون التريو من لحنين مترابطين يعرضهما الكمان. يُعزف قسم (التريو الأوسط) بالإيقاع نفسه الذي يُعزف به موضوع السكرتزو، ولكن بصياغة أوسع. يضيء الكمان الفالس بشكل ممتع، مثل الأمثلة العديدة اللاحقة في باليهات (تشايكوفسكي). أنها أول مقطوعات الفالس الأوركسترالية التي يكتبها. يتناوب الكلارينيت والباسون على المرافقة، وعند التكرار الثاني، يحل الترومبيت والهورن مع الفلوت محل الكلارينيت والباسونات في المصاحبة. 

بعد التوقف الكبير، يعزف الفلوت والكلارينيت والباسون مادة قصيرة. يتبع ذلك الارتجافات التي سمعناها في بداية الحركة، والتي تشير إلى عودة السكرتزو. إن السكرتزو بعد التريو مطابق لَحنيًا للسكرتزو في البداية، لكن في المرة الثانية استخدمت آلات مختلفة. بشكل أساسي الهوائيات. يتم بالبداية عرض السكرتزو ولكن بالمقلوب، حيث يعرض اللّحن الثاني ثم يتبعه اللّحن الأول.

تبدأ الكودا مع الطبول والوتريات. بينما تواصل الطبول تكرار ضرباتها الإيقاعية في كل مكان، ينزلق موضوع الفالس الرئيسي على الوتريات، والذي سرعان ما يتلاشى مع دخول التشيلّو المنفرد ثم صول للفيولا من مادة الموضوع الأول (موضوع السكرتزو الرئيسي)، والذي يتردد بعد ذلك مع آلات النفخ الخشبية، مصحوبة بنقر الأوتار (البيتسكاتو). ثم تختم الحركة بضربتين عنفتين. 

الحركة الرابعة: الختام، [أنا روسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى] 

تتكشف دراما الحركة الأخيرة على مراحل مختلفة. فهي عبارة عن عرض صاخب ورائع للألوان الأوركسترالية والإيقاعية. ان المرة الأولى التي سيظهر فيها البيكولو والترومبون والتوبا في السيمفونية الأولى، ستكون في هذه الحركة. 

عندما راجع (تشايكوفسكي) هذه السمفونية، ترك هذه الحركة دون تغيير على عكس الحركة الأولى التي خضعت لمراجعة كبيرة. تبدأ المقدمة البطيئة للحركة بعزف الباسون لجزء من أغنية من الفُلكُلور الروسي. تشير علامات الاطالة (فرماتا) [الهامش ٨] إلى توتر وترقب. هذه المقدمة الأنيقة للغاية، التي تغيب فيها الوتريات في البداية، تظهر مرة أخرى تدريجيًا في نسخة حزينة تعزفها آلات الكمان، التي تكون بمقياس إيقاع “اندنتي لوغابرا”  وتعني معتدل وحزين.

تنتهي هذه المقدمة بتشيلو وباس يكرر العبارة المنفردة الأصلية للباسون ست مرات، مع ضربات الطبول. يتم مرافقة التكرارات الثلاثة الأولى بواسطة الكلارينيت والباسون – كما هو الحال في الباسون المنفرد في افتتاحية الحركة – ولا تحتوي التكرارات الثلاثة الأخيرة على السطر مصاحب.  تسرع التكرارات الثلاثة الأخيرة بشكل تدريجي تحضيرًا لتغيير سرعة الإيقاع من اندنتي لوغابرا إلى أليغرو مودراتو . 

تصبح الموسيقى بعد ذلك أسرع وأسرع، مما يؤدي إلى الموضوع الأول المبهج لكامل الأوركسترا. يظهر (تشايكوفسكي) مهارته في التناغم، حيث ينسج ألحانًا متعددة معًا في شكل متين. بالقرب من نهاية هذا المقطع، تصدح النحاسيات في إشارة إلى الانتقال إلى الجزء التالي. سيتم استدعاء هذا التكرار الجميل مرة أخرى في الكودا.

يتأثر الموضوع الثاني، بشكل كبير بالموسيقى الفُلكلورية ولكنه لا يعتمد على أي أغنية معينة. يتم سماع تكرار واحد فقط لهذا الموضوع، ولكنه مهم لأنه سيتم إعادته عدة مرات لاحقًا. 

قرر (تشايكوفسكي) بناء التطور المركزي باعتباره فوغا Fugue  حول مادة مشتقة من الموضوع الثاني: الكلارينيت والباسون مع الكمان، ثم ينضم لهم الاوبوا. مباشرة بعد هذه النسيج متعددة الخطوط، يظهر بناء متناسق من مواد مشتقة من الموضوع الأول. تستمر المعالجة حتى قسم إعادة العرض. ثمثل هذه المقاطع ينبوعًا حقيقيًا للتقنيات متعددة الخطوط، حيث يكشف (تشايكوفسكي) براعته في نظرية الموسيقى والتأليف. 

في قسم إعادة العرض يظهر الموضوع الفرح للأوركسترا الكاملة، الموضوع الأول.  تعود المقدمة البطيئة، ولكن هذه المرة تتراكم إلى تَعبِير كبير للأغنية الفُلكلورية للأوركسترا كاملة.

تميل الحركة الرابعة لسمفونية الحقبة الكلاسيكية إلى أن تكون إما في صيغة سوناتا أليغرو أو في شكل روندو. على الرغم من أن هذا القاعدة كانت أقل استخدامًا في الحقبة الرومانسية. بدا أن (تشايكوفسكي) يلمح إلى هذه القاعدة في ختام أول سمفونية له. يتم استدعاء جوانب بداية الحركة في نهاية الحركة، وهناك عدد قليل من مقاطع الفوغا في منتصف العمل يمكن اعتبارها تطورية.

للانتقال من الجزء الأبطأ الذي يشبه المقدمة، يستخدم (تشايكوفسكي) نفس المادة المستخدمة في البداية. يغيير الإيقاع إلى “أليغرو فيفو Allegro vivo” أو سريع وحيوي. كما هو الحال في البداية، تستمر آلات النفخ النحاسية والخشبية في تكرار يشبه الموضوع الأول. يتم زيادة الإيقاع مرتين في الصفحات الختامية حتى تمتلئ نهاية السيمفونية بالحيوية الدوامة والأرواح العالية.

في النهاية، توقف النشاط المحموم من الضباب وأحلام اليقظة للحركتين في البداية، قبل أن يؤدي تسارع طويل يسير بخطى كبيرة إلى الألعاب النارية الأوركسترالية والكودا الصاخبة جدًّا. ربما للتعويض عن النهاية الهادئة بشكل غير متوقع للحركة الأولى، ولكي يثبت (تشايكوفسكي) نقطة لـ(روبنشتاين) بأنه يعرف كل الحيل في الكتاب الأكاديمي.


ملحق

في السمفونية الأولى لـ(تشايكوفسكي)، ضحى بالقوة العاطفية والموسيقية للتركيز على الشكل السمفوني المناسب. كانت هذه السمفونية واحدة من أولى مساعيه الضخمة بعد تخرجه في المعهد الموسيقي، ولذلك سعى للحصول على موافقة أساتذته السابقين. بدون هذا، كان من الصعب تحقيق النجاح في عالم الموسيقى في ذلك الوقت. لكن بالمقارنة مع السمفونية السادسة، لم تكن سيمفونية (تشايكوفسكي) الأخيرة بحاجة إلى تلبية موافقة (زاريمبا) و(روبنشتاين). وقد منحه ذلك حرية تأليف سيمفونية مثل السادسة: مليئة بالعاطفة، وتجنب الشكل السمفوني، وقائمة على برنامج سري. 

علينا أن نعجب بروح (تشايكوفسكي) ومثابرته، ناهيك عن عبقريته الموسيقية. علينا أن نحب “أحلام اليقظة الشتوية”.  أو على الأقل ان نذهب ونستمع لها. إذا كنت من محبي (تشايكوفسكي)، فلن يخيب أملك.

الهوامش والإحالات في المقال:

[١] السمفونية الأولى لتشايكوفسكي

[٢] (تشايكوفسكي)، السيمفونية الاولى؛ أحلام الشتاء .. قيادة (ليونارد بيرنستاين) 

[٣] Tchaikovsky, Modest: Tchaikovsky’s Life. 

[٤] Overture in F major 

[٥] Festival Overture on the Danish National Anthem

[٦] pianississimo: تدوين موسيقي يشير إلى أن المقطوعة يجب ان تعزف بشكل هادئ،  مأخوذة عن الايطالية وهي تدوين حركي كان يشير إلى عزف البيانو بهدوء.

[٧] Piano Sonata in C-sharp minor

[٨] فارماتا Fermata يشعر المؤلف احياناً برغبة في تعليق السير المنتظم للحن بما يشبه الإيقاف المؤقت للنبض لفترة قصيرة جدًّا، ويعبر عن ذلك بوضع هذه العلامة (والتي تشبه حرف النون المقلوب) فوق أو تحت النوتة او السكتة، ويترتب على ذلك أن النوتة (أو السكتة) الذي يحدث عليها هذا التعليق المؤقت يطول زمنها عن قيمتها المدونة بمقدار يرجع تقديره إلى شعور وإحساس العازف أو قائد الأوركسترا.

Continue Reading →

تشايكوفسكي عن الاكتئاب، والبحث عن الجمال وسط حطام الروح

الحياة جميلة على الرغم من كل شيء .. وفي مقابل وجود الشوك فإن الورد موجود أيضاً.

الفنان يحتاج إلى قدرٍ من الإضطراب والارتباك ، قالها (جوني ميتشل) في إحدى المقابلات. وفي الواقع ؛ تاريخ الفنون هو تاريخ العلاقة المعقدة بين الإبداع والمرض العقلي. في حين وجد علماء النفس أن جرعةً منخفضة من الحزن يعزز الإبداع، بينما الجرعة المضاعفة من الإكتئاب قد تُضعف الخلق والإبتكار.
وقد تخطى عددُ قليل من الفنانين هذا الخط الرفيع مع المزيد من المثابرة والوعي الذاتي كالملحن الروسي العظيم (بيتر إليتش تشايكوفسكي) (1840 – 1893). طوال مسيرته وفي مراسلاته مع عائلته وأصدقائه والتي تم جمعها من مدوناته وخطاباته، كان (بيتر إليتش تشايكوفسكي) مصدراً دائماً للإلهام  من خلال أخلاقياته في العمل، وهي مفارقة في مهنية العمل وفي عدم السماح بهذه المهنية بتشويش القدرة الإبداعية الخاصة بالفرد، (تشايكوفسكي) تحدث عن سقوطه المتكرر في الاكتئاب، من حيث أن الإكتئاب يكون شرارة تزيد من تفانيه الشديد في البحث عن المعنى الجمالي وسط الحطام الروحي، هذه الخلطة الحميمية من الحزن والتوهج هو ما أعطى موسيقاه حافتها الأبدية في النفاذ إلى الروح.
كتب في رسالة من ربيع عام 1870 بعد عيد ميلاده الثلاثين،ما يلي:
جلست بجوار نافذة مفتوحة في صباح ربيعي، تنفست الهواء الجميل، رأيت الحياة كم هي جيدة، فكرت بأنه يستحق  على المرء أن يعيش أحد صباحات مايو ، ويستحق أن يرى الحياة جميلة رغم كل شيء؛ و أعني ب”كل شيء” هذه الأمور:
1. المرض الذي يعطيني المزيد من الشجاعة والتحكم بأعصابي.
2. ضغط معهد الموسيقى لإجباري على الإعتزال، مع قناعتي الخاصةبأني غير ملائم تماماً لتدريس نظرية الموسيقى.
3. وضعي المالي السيء للغاية.
4. قلقي بأن عرض الأوبرا “Undine” لن يُعرض ، لقد سمعت أنه من المرجح أن يطردوني.
كلمة واحدة فقط تستحق أن تقال هي، في مقابل وجود الشوك فإن الورد موجود أيضاً.
على الرغم أن (تشايكوفسكي) بكى كثيراً على “ردائه ، جنونه ، إكتئابه” لكن يبدو أن أكثر ملاحظة عليه هي بعده الإنساني الجوهري حول قدرته على مواساة أقرب الناس لمحبتهم وثقتهم به، هي من الأشياء ذاتها التي لم يتمكن من استيعاب نفسه فيها – فمن منا يستطيع إظهار محبته لأقرب الناس له وهو في عزلته العميقة المظلمة التي يعيشها؟
في خريف عام 1876 تشايكوفسكي كتب رسالة يواسي خلالها إبن أخيه لحالة الإكتئاب والسوداوية التي تمر به:
ربما أنك لست في حالة جيدة يا حمامتي الحبيبة، عندما كتبت لي لاحظت حزنك العميق خلال رسالتك. إنك تمر بحالة شبيهة جداً لحالة عرفتها أنا من قبل. أعرف شعورك جيداً، تمر في حياتي أيضاً أيام وساعات وأسابيع وأشهر يبدو فيها كل شيء أسوداً وأبدي، حين أفكر بأنني منبوذ و أن لا أحد يهتم لوجودي، في الواقع حياتي أقل قيمة من حياة أي شخص وحينما أختفي من على وجه الأرض، فإن ذلك لن يشكل خسارة كبيرة للموسيقى الروسية، بالتأكيد لن يتسبب ذلك بأي تعاسة لأحد، بإختصار أنا أعيش حياة العزوبية الأنانية، أعمل لنفسي وحدها، وأهتم فقط بنفسي. هذا بالتأكيد مريح جداً، على الرغم من مللها وضيقتها وكونها عديمة من الحياة. ولكن أنت! كثير هم الذين لا يستطيعون الإستغناء عنك، الذين تقوم سعادتهم عليك وذهاب الاكتئاب عنهم أكثر مما تتخيل. كيف يمكنك أن تشك في لحظات الحب والتقدير  التي يكنها لك الذين يحيطون بك؟ كيف يمكنهم أن لا يحبوك؟ لا يوجد أحد في العالم محبوب أكثر منك. بالنسبة لي سيكون من السخف الحديث عن حبي لك، إذا كنت سأهتم لأحد، فسيكون أنت وعائلتي وأخوتي وأبي. أحبكم جميعاً، ليس لكونكم أسرتي وأقربائي بل لأنكم أفضل أناس في العالم.
قراءة حياة وخطابات بيتر إليتش تشايكوفسكي ستبقى قراءة جميلة ومجزية في مجملها.