أرشيف الوسم: تشيخوف

من هو الكاتب الحقيقي؟

0703_writing_cog            

منذ أن كتب مؤلف مجهول (ملحمة جلجامش) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد -وهي أقدم قصة كتبها الإنسان- وحتى شيوع الإنترنت قبل حوالي عشرين عاماً، كان كتّاب النثر الفني قلة نادرة من أصحاب المواهب، والمعرفة الموسوعية، والخيال الخصب، والحس الجمالي، والأفكار الجديرة بالقراءة والتأمل. وإلى عهد قريب كان مثل هؤلاء الكتاب في العالم العربي محل إعجاب واحترام المثقفين الذين يتابعون أعمالهم الجديدة بشغف. وقد قيل: “القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ”. رغم ما في هذه المقولة من إجحاف بحق بيروت الرائدة دائما في مجالات الفكر والأدب والفن. أما بغداد فلم تعد تقرأ كثيرًا هذه الأيام، رغم تكاثر الكُتّاب كالفطر بعد المطر، بحيث بات من الصعوبة بمكان فرز الكتّاب الحقيقيين عن الأدعياء، الذين لا أثر في كتاباتهم  لأي فكرأو ابداع. ولم يعد الجيل الجديد يهتم بالنتاجات الإبداعية الأصيلة فكراً وفناً، فهو يبحث في الإنترنت وفي المجلات الخفيفة المزوقة عن توافه المعارف، وغرائب الحوادث، وطرائف النوادر وهي كلها أشبه بوجبات “الفاست فود” لا تترك أثرًا في النفس ولا حاصلًا  في الذهن. ثمة سمات يتصف بها الكاتب الحقيقي من خصائص نفسية ومعايير فنية وجمالية وأخلاقية  يلتزم بها، على خلاف الكاتب الاستهلاكي السطحي الذي لا يهمه سوى تسويق نفسه و“كتاباته” كأي سلعة في السوق. والفروق بين الاثنين جذرية، لعل أهمها ما يلي:

أولًا: دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يكتب من أجل المال، أو المجد، أو الشهرة، أو بدافع آيديولوجي معين، بل لأنه مصاب بـ“مرض” الكتابة، ويشتعل حماسًا للتعبير عما يختلج في ذاته ويشعر بضرورة ملحة في البوح للناس بما لم يكتبه أحد من قبل، ولكونه قد التقى أناسًا وتملكته إحساسات ليس بوسعه أن لا يعبر عنها، هكذا تظهر للوجود النتاجات الإبداعية الممتعة.

سأل أحدهم (ليو تيلستوي) ذات مرة: “كيف يستطيع الإنسان أن يكتب بشكل جيد؟”. فقدّم له الكاتب نصيحتين ثمينتين:

أولًا: على الكاتب أن لا يكتب مطلقًا عن موضوع غير شائق بالنسبة إليه شخصيًا.

ثانيًا: إذا أراد الكاتب أن يكتب عملًا  إبداعيًا ما، ولكن كان بوسعه ألا يكتبه، فمن الممكن أن يتخلى عن فكرته.

 

ثانيًا: الموهبة

الموهبة الأدبية وحدها، أو الميل الى التعبير عن الأفكار والأحاسيس عن طريق الكتابة، غير كافية لخلق كاتب متمكن من أدواته، الموهبة قد تظهر في مجال الموسيقى والشعر في سن مبكرة؛ (موتسارت)، (رامبو)، (يسينين). أما في القصة والرواية، فأنها تحتاج الى الصقل والعمل الدؤوب لتنتج أثراً ذا قيمة.

لو كانت الموهبة الفطرية وحدها كافية لكتب (تولستوي) (الحرب والسلام)، و(فلوبير) (مدام بوفاري)، و(ستندال) (الأحمر والأسود) في مقتبل العمر، رغم ان هؤلاء الثلاثة يعدون من العباقرة الأفذاذ في فن الرواية. تاريخ الأدب العالمي لا يقدم لنا مثلاً واحداً على ظهور رواية عظيمة لكاتب يافع!

كان (ميخائيل شولوخوف) في الثالثة والعشرين من العمرفي عام 1928، حين نشر الجزء الأول من رواية (الدون الهاديء). وقد شكك النقاد على الفور في ان يكون (شولوخوف) مؤلف هذه الرواية حقا، لأن شابا يافعاً من أعماق الريف، لم يشترك في الحرب الأهلية، ولم يتلقى تعليما يعتد به، ولا يمتلك الا القليل من  التجربة الحياتية لا يمكن أن يؤلف رواية طويلة وعظيمة كـ(الدون الهاديء)، وقد صدق حدسهم فقد تبين لاحقًا، بعد البحث والتدقيق، أن مخطوطة  الرواية تعود لضابط روسي قتل خلال الحرب الأهلية، واستولى (شولوخوف) على المخطوطة واعاد كتابتها بخط يده. وقد سخر الكاتب الروسي (سولجنيتسن) الحائز على جائزة نوبل في الأداب لعام 1970 ، من شولوخوف قائلاً : “بالطبع فإن ميشا -تصغير اسم ميخائيل- ليس مؤلف  الدون الهاديء قطعًا”.

ثالثًا: العمل الشاق

أن العباقرة لا يولدون، بل يصبحون كذلك، عن طريق العمل اليومي الدؤوب المثابر على مدى فترة طويلة من الزمن  والأصرار على تحقيق الأهداف.

لا نجد بين كبار الكتاب من أصبح معروفا بين ليلة وضحاها. كل الكتاب العظام كانوا في البداية يجربون طاقاتهم وأدباء غير معروفين، وكانت نتاجاتهم رديئة ودون مستوى النشر وتطورت فطرتهم الإبداعية بالممارسة والتجريب ومحاولتهم التعلّم لاكتساب التقنيات والأدوات، وإدمان المزاولة وطول العلاج. الذي لا يكتب يوميا – وان كان كاتبا جيدا – تجف قريحته وينضب تدفق أفكاره وما يكتبه بين حين وآخر يكون غثاً.

ليست الكتابة، هواية يمارسها الكاتب بين حين وآخر حسب المزاج، ولا طريقة لتزجية الفراغ والتسلي، ولا مهنة عادية كسائر المهن، بل عمل شاق يلتهم حياة الكاتب وينهك قواه. فهو يعيش حياتين – حياة عادية كالآخرين، وحياة إبداعية مرهقة تستنزف طاقاته وتختلف كثيراً عن حياة الناس العاديين.

الأدب يملأ حياة الكاتب وليس خلال الساعات التي يكتب فيها فقط. الأدب يزيح كل الأعمال الأخرى. ليكرس نفسه ووقته وطاقته للأدب.

الكاتب الحقيقي يراجع ما كتبه أكثر من مرة. فالكتابة عموما، والفنون السردية خصوصًا تتطلب إرادة قوية، وأقوى الإرادات هي التي تنتج أفضل النصوص. قد يقول بعض الكتّاب انهم يكتبون بسهولة ويسر، ويقصدون بذلك الكتابة السطحية الرائجة التي يقبل عليها من يريد الأستمتاع بالقصص الميلودرامية أو روايات الحب الخفيفة، التي لن تصمد أمام الزمن.

سُئل الكاتب الأميركي (مارك توين): “كيف تُكْتَبُ الكتب الرائجة؟”. فأجاب:

أوه …! إنه أمر جد بسيط. خذ قلما وورقة واكتب الأفكار التي ترد إلى ذهنك. ولكن المهم في الأمر هو نوع الأفكار التي تكتبها.

الأفكار موجودة عند كل الناس، ولكن ليس عند الكل القدرة على التعبير عن أي فكرة بوضوح وسلاسة وكثافة في جملة واحدة موجزة، وكما قال (تشيخوف) فأن “الإيجاز صنو الموهبة”.

الكاتب الحقيقي  من يجيد التعبير – الواضح والجميل في آن واحد عن أفكاره وعواطفه، وعن زمانه، ورؤيته للحياة والعالم، ويمتلك حساسية مرهفة قادرة على تحويل الكلمات المألوفة إلى كلمات يبعث على التفكير، أو يلهب العاطفة والشعور.

رابعًا: تقنيات الكتابة

ليس للأدب –كأي فن آخر- قواعد محددة ولكن استيعاب تجارب الكتاب الكبار والتقنيات الفنية المستخدمة في نتاجاتهم ضرورية للكاتب – أي كاتب، فالروائي او القاص الذي لم يدرس التقنيات السردية من خلال تحليل الأعمال الأدبية الخالدة لكبار الكتاب، كأنه يبدأ من الصفر. وكل كاتب حقيقي هو قاريء نهم ومتميز بالضرورة، لا يكتفي بقراءة النتاج الأدبي لمرة واحدة كأي قاريء عادي، بل يعيد قراءته أكثر من مرة ليعرف “كيف تمت صناعته”. واذا لم يكن عنده وقت للقراءة فلا يمكن أن يكون كاتبًا.

يقال بأن التقنيات الفنية يمكن تعلمها –إلى حد ما- عن طريق التعليم أيضًا. وهذا يفسر انتشار الورش الإبداعية في أنحاء العالم التي يتحدث فيها كبار الروائيين عن تجاربهم ويقدمون النصح والأرشاد للمبتدئين في عالم الأدب. ولكني لا أعتقد بأن مثل هذه الورش يمكن أن تخلق كاتبًا مبدعًا، ما لم يتوافر على بذرة الموهبة وهوس الحكي. ثمة طريقة واحدة لتكون كاتبًا جيدًا أن تجلس وتكتب وتجرّب إلى أن تكتب نصاً ذا قيمة فنية.

ذات مرة كان الكاتب (سنكلير لويس) يحاضر عن المهارات الأدبية في احدى الورش الإبداعية ووجه سؤالاً المتدربين: “هل أنتم جادون في أن تصبحوا كُتابًا؟”

فأجابوا بصوت واحد : “أجل”

فرد عليهم (سنكلير) قائلاً: “إذًا لماذا أنتم هنا ولستم في بيوتكم لتكتبوا !”

الكاتب يتعلم من محاولاته وتجاربه الشخصية في المقام الأول وممارسته الدؤوبة للكتابة يومًا بعد يوم، لأن ترك الكتابة لفترة طويلة يؤدي إلى جفاف القريحة ونضوب الطاقة الإبداعية تدريجيًا .. إن القاعدة الذهبية للنجاح تكمن في أن يطور الكاتب نفسه ويتعلم من إنجازاته ومن أخطائه أيضًا، لأن من المهم له أن يعرف أيضًا، ما لا ينبغي كتابته، وأن يعيد كتابة نتاجه المرة تلو المرة. من يصدق أن عبقريًا مثل (تولستوي) كان يعيد كتابة نتاجاته وتعديلها وتنقيحها عشرات المرات أحيانًا.

يقول (إيليا اهرنبورغ) في محاضرة ألقاها في معهد الأدب العالمي في موسكو عام 1949:

عندما أنجز رواية ما، اعيد النظر فيها: أحذف وأعدل وأنقح، وبالنتيجة يتقلص حجم الرواية إلى أقل من نصف حجمها الأولي. ولا أنشرها إلا بعد أن أكون راضياً عنها.

خامسًا: العزلة  

الحكمة تولد في الصمت والأفكار تتدفق والمخيلة تنشط في العزلة الإيجابية المنتجة، ولهذا فإن سمة مهمة أخرى للكاتب الحقيقي؛ العزلة أو الاختلاء بالنفس. وبطبيعة الحال فإننا لا نقصد بذلك العزلة عن حياة المجتمع، بل الابتعاد عن المشاغل اليومية وعدم هدر الوقت الثمين وإيجاد الوقت الكافي للكتابة. وثمة قول لـ(فرانز كافكا) ورد في إحدى رسائله، يقول فيها: “إن كل أعمالي هي نتاج الوحدة”.

قد يقول البعض أن ثمة العائلة وزملاء العمل والأقارب، والأنشطة الاجتماعية. كل هذا يمكن ان يكون موجودًا. العزلة الحقيقية التامة؛ هي في الداخل. إنها إحساس لا يفارق الكاتب أبدًا وطوال حياته يتعلم كيف يستخدمها على نحو صائب وصحيح. يتعلم النظر إلى الأشياء من زاويته الخاصة حيث يرى فيها ما لا يراه الآخرون.

سادسًا: الأسلوب والصوت

لا يقتصر مفهوم الأسلوب على الطريقة التي يسلكها الكاتب للتعبير عن أفكاره وعواطفه، ففي العمل الفني، تؤدي الكلمة وظيفتان، أولهما حمل معلومة معينة، وثانيها التأثير الجمالي في القاريء من خلال الصور الفنية، وكلما كانت الصور أكثر إشراقًا، كان تأثيرها أعمق وأقوى.

الكاتب الجيد يمتلك أسلوبه الخاص وصوته المتميز، ولا يقلد كاتبًا آخرًا، لأن لكل شخص تجربته ورؤيته للعالم .. على الكاتب أن يعتمد على تجربته الخاصة. كتب (جون براين)، مؤلف رواية (غرفة على السطح):

إذا كان لصوتك أن يُسمع وسط آلاف الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئاً بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك قدمتَ تجربتك الخاصة صادقًا.

قال الشاعر الروسي (سيرجي يسينين):

لا تقلد صوت الكروان. بل غن بصوتك، ولو كان أشبه بصوت الضفدعة.

الكاتب الذي لا يتميز بأسلوبه وموضوعاته وأفكاره، لن يحظى بإعجاب القارئ واهتمامه، ويطويه النسيان، عاجلًا  أم آجلًا.

نصائح إلى الأديب من تولستوي وغيره

0703_writing_cog

كتاب (لعبة الأدب) هو: مجموعة من الرسائل والمقالات والحوارات لكتاب كبار أو عنهم. يتحدثون فيها عن الأدب والكتابة بشكل عام من جوانب شتى باتجاهات مختلفة وغنية. وأيضا بعض تجاربهم الشخصية معها. عباقرة فن الكتابة يشرحون أسرار اللعبة.

نصائح إلى الأديب من (تولستوي):

كل أديب حين يكتب شيئاً جيداً، فإنه يكتب ما يُريد أن يكتبه.

أريد أن أُركّز على هذه النقطة ..

كل عمل فني هو وليد الحاجة والرغبة في خلق شيء .. هذا هو الفرق بين الدافع الفني والدافع العلمي.

 العلم فهم وتجربة، خلاصة تجربة. إنه الفكرة والاكتشاف. والفن هو خبرة الحياة الشخصية، الخبرة كما ترويها الصور والأحاسيس. إنه الخبرة الشخصية التي تحاول أن تصل إلى التعميم.

و الأديب يعلم من التجربة أن الكتابة عمليّة يُسيطر فيها على مادته ومن خلال ذلك يُسيطر على نفسه أو يصبح سيّد نفسه.

و تجربة الكتابة تواجهها دائمًا عقبات يجب حلّها. هناك دائمًا صعوبة ينبغي التغلّب عليها.

لا يوجد أديب يفيض قلمه بسهولة بغير متاعب.

إن الكتابة صعبة و كلما كانت صعبة كلما جاءت نتائجها طيّبة.

كيف نتغلب على هذه العقبات؟

هناك نصيحة يمكن إسداؤها بثقة بالنسبة لكافّة المشاكل الغنيّة التي تتطلّب الحل.

هذه النصيحة هي أن تختار الحل الذي يعجبك أنت، و الذي يجذبك إليه من دون الحلول الأخرى.

و بتعبير آخر، عليك أن تجرّب الموقف الفنّي و أن تختار الحل الذي تهواه.

الحل الذي يضايقك لا تقربه، و إذا جرّبته فإن النتيجة ستكون زائفة و سيئة.

إذا كتبت وأنت في حالة ضيق أو بدون حماسة فإنك تسير في الطريق الخطأ، يجب أن تحلّق وتستخدم أجنحتك وتطير.

ضع هذه النصيحة نصب عينيك وفي رأس القائمة دائمًا والفن هو عملية خلق في الوقت الذي يرغب الفنان نفسه أن يخلق، رغبة غير عادية، أكبر من رغبة القارئ نفسه في القراءة.

و أحيانًا يكتب الأديب بحماسةٍ تفوق حماسة القارئ لأدبه.

في هذه الحالة يكون الأدب مفتقراً إلى تجربة الاتصال، و لكن ليس معنى هذا أنه ليس بأديب. إنه يسير في الطريق الصحيح.

إن العمل الفني هو دائمًا عمل ثنائي المفعول، فإن الأديب ينمو مع فنه، و أدبه ينمو مع الناس الذين يُصورهم، والأديب ينمو مع الشخصيات التي يخلقها.

على الأديب أن يُنمّي في نفسه ويعتاد على الملاحظة، و عليه أن يحبّ ذلك .. ألا يتوقف عن ممارستها. عليهِ أن يُخمّن الماضي و الحاضر لرجل من حركة, من عبارة.

يقول الأدباء الرمزيّون الفرنسيون أن الفكرة تجد التعبير عنها في عبارة واحدة دون غيرها و ينبغي الوصول إلى هذه العبارة.

و يُلخص (سومرست موم) قوانين الأسلوب بقوله:

القانون الأول هو : إن الأسلوب الجيّد هو الذي لا يبدو فيه أثر جهد الكاتب و إنما تبدو الكتابة كأنها متعة للكاتب نفسه.

القانون الثاني هو : إن على الكاتب أن يكتب باللغة السائدة في عصره. لأن اللغة كائن حيّ ينبض بالحياة. و هي كالكائن الحيّ دائمة التطوّر و التغيّر.

أمّا في الحديث عن الموهبة الفنية وكيف يُنمّيها الفنان في نفسه ويصقلها فهي عند (تشيخوفمعركة دائمة بين الفنان وبين التخلف سواءً في نفسه أو في الوسط الذي يعيش فيه. وهي معركة ينبغي أن تكون جماعية، أي أن يدعو الفنان زملاءه إليها كما يدعو الجندي زملاءه في العراك. ولهذا فالموهبة الناضجة لاتقتضي من الفنان تقويماً فكرياً فحسب. بل تقويماً خلقياً في الوقت نفسه بعيداً عن كل أثر للهمجية سواءً في الفكر أو في السلوك. 

لهذا يهتم (تشيخوف) بأن يكون الفنان مخلصاً غاية الإخلاص مع نفسه وهو يبدع. أن يكون على علاقة مباشرة وطيدة مع أعماقه. لأن أجمل مافي الفنّ الإخلاص و البساطة.

و” الموهبة هي الشجاعة ” جملة يرددها تشيخوف كثيراً لأن الجبن لا يُنتج فناً، بل مرضاً يلبس مسوح الفن. و إذا كانت الشجاعة تكلف الإنسان الكثير فإن الفن يتطلب من الفنان خصائص شخصية ممتازة و تضحيات لا حصر لها.

و يربط (تشيخوف) بين الموهبة و القيم الخلقية ربطاً محكماً لأن الإبداع الأصيل والخلق هما جناحا الفنان الحقيقي.

و في قصته (مشاعر حادة) يقول: “إن الموهبة قوّة أصلية كالغرائز

أما بالنّسبة لـ(جوركي) فكان الأدب هو وسيلته في الكتابة ويقول في مقدمة كتاب روسي عن تاريخ الأدب الأجنبي: 

إنني أدين للكتب بكل ماهو طيّب في نفسي. حتى في صباي أدركت أن الفن أغزر سخاءً و كرماً من الناس. إنني متيّم بالكتب. كل كتاب هو عندي معجزة. و كاتبه يبدو لي ساحراً

شروط المثقف عند أنطون تشيخوف

1537064a67eefba5d87d7b

 

أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904) هو طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، يصفه البعض بأنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس. كتب المئات من القصص القصيرة التي اعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. تم تجميع عدد من رسائله العائلية في كتاب يحمل اسم (رسائل إلى العائلة)، يرد فيه (تشيخوف) في رسالة إلى أخيه (نيكولاي) حين أرسل إليه يشتكي بأن الناس لا يفهمونه، فقال له:

إن الناس يفهمونك جيداً، وإذا لم تفهم نفسك، فذلك ليس خطأهم.

ثم خلال الرسالة يحاول (تشيخوف) أن يشرح له أن هذا بسبب أمر واحد وهو الإخفاق الوحيد في نظره فقال:

لديك إخفاق واحد، ويعود إليه زيف وضعك، وتعاستك واضطراب أمعائك. ويتمثل هذا الإخفاق في افتقارك التام للثقافة. سامحني، من فضلك، لكن-كماتعرف- للحياة شروطها. فمن أجل أن تعيش نرتاحاً بين المتعلمين، ولتتمكن من معايشتهم بسعادة، يجب أن تحوز قدراً محدداً من الثقافة. إن الموهبة لتدخلك في مثل هذه الدائرة، فأنت تنتمي إليها، لكن، يتم سحبك بعيداً عنها للتأرجح بين المثقفين والمستأجرين.

ومن ثم يبدأ تشيخوف بوضع شروط يجب أن يستوفيها المثقفين في ٨ نقاط وهي :

١) احترم الجانب الإنساني في الشخصية، ولهذا السبب هم دائماً ودودون، دمثون، ومستعدون للعطاء. إنهم لا يتشاجرون بسبب مطرقة أو قطعة مفقودة من المطاط الهندي، وإذا عاشوا مع أحد لا يعدون ذلك منحة منهم، ويرحلون دون أن يقولوا “ليس بوسع أحد أن يعيش معك”، إنهم يصفحون عن الضوضاء والبرودة واللحم المقدد والنكات ووجود غرباء في منزلهم.

٢) يتعاطفون، ليس فقط مع المتسوليين والقطط. وتتفطر قلوبهم لما يرونه أو لا يرونه. إنهم يسهرون الليل لمساعدة شخص ما، ولدفع نفقات الإخوة في الجامعة، ولشراء الملابس لأمهاتهم.

٣) إنهم يحترمون ممتلكات الآخرين، ولهذا يسددون ماعليهم من ديون.

٤) إنهم مخلصون، ويخشون الكذب كما تخشى النار. إنهم لا يكذبون حتى ولو في الأشياء الصغيرة. فالكذب إهانة للمستمع ويضعه في منزلة أدني بالنسبة للمتحدث. لا يتظاهرون، بل لا يتغير سلوكهم في الشارع عنه في المنزل، ولا يتعمدون الاستعراض أمام رفاقهم الأقل منزلة. لا يثرثرون. ولا يثقلون على الآخرين بثقتهم بأنفسهم. واحتراماً منهم للآخرين، فإنهم يميلون إلى الصمت أكثر من الكلام.

٥) لا يحطون من قدر أنفسهم للحصول على شفقة الآخرين. ولا يلعبون على شغاف قلوب الآخرين، ليجعلوهم يتنهدون ويستحوذون عليهم. ولا يقولون “يساء فهمي” أو “لقد أصبحت شخصاً من الدرجة الثانية”، لأن كل ذلك ليس سوى سعي وراء تأثير رخيص، ومبتذل وتافه وزائف.
هم لا يعانون من الخيلاء والغرور. ولا يحفلون بتلك الماسات الزائفة (أقصد المشهورين)، ولا يأنفون من مصافحة السكير، وينصتون إلى صيحات إعجاب مشاهد مشتت في معرض للصور الفتوغرافية، ويترددون كثيراً إلى الحانات.

٦) وإذا أبرموا صفقة متواضعة، فإنهم لا يتباهون كما لو كانوا عقدوا صفقة بمئة روبيل، ولا يعطون لأنفسهم أولوية على الآخرين. إن الموهوب الحقيقي دائماً مايحافظ-دوماً- على اندماجه بين الجموع، وبعيداً قدر المستطاع عن الإعلان، وحتى كرايلوف، قال- سابقاً- إن البرميل الفارغ يصدر عنه صدى صوت أكثر من البرميل الممتلئ.

٧) إذا كانت لديهم موهبة يحترمونها، ويضحون في سبيلها بالراحة والنساء والخمر والخيلاء. إنهم فخورون بموهبتهم، وبالإضافة إلى ذلك من الصعب إرضاؤهم.

٨) ينمون الحس الجمالي داخلهم. ولايستطيعون الذهاب إلى النوم بملابسهم، ولايتحملون رؤية الشروخ ممتلئة بالحشرات، أو تنفس هواء فاسد، أو السير على أرض عليها بصاق، أو أن يطهوا وجباتهم في موقد زيتي. ويسعون قدر استطاعاتهم إلى كبح جماح رغباتهم الجنسية والسمو بها. وليس مايرغبونه في المرأة أن تكون رفيقة فراش، ولايطلبون المهارة التي تظهر عبر المضاجعات المتتالية. إنهم يرغبون،- خاصة الفنانيين منهم- بالأناقة، والإنسانية، والاحتواء، والأمومة. إنهم لايشربون الفودكا طوال ساعات النهار والليل، ولايتشممون رفوف الخزانات، لأنهم ليسوا خنازير، ويعلمون أنهم ليسوا كذلك. ويتناولون الشراب-فقط- عندما يكونوا غير مرتبطين بعمل أو في عطلة.

ثم بعد ذلك يعقب (تشيخوف) قائلاً:

لا يكفي على المثقف أن يقرأ “أوراق بيكويك” أو أن يحفظ منولوجاً من “فاوست”، فإن مايحتاجه المثقف هو العمل الدائم، ليل نهار، والقراءة المستمرة، والدراسة، والإرادة، فكل ساعة هي ثمينة بالنسبة له.

Screen Shot 2014-11-23 at 2.33.14 PM

للاطلاع على الرسالة