أرشيف الوسم: تكنولوجيا

سوزان غرينفيلد، عن شبكات التواصل الاجتماعي والهوية

Baronesssusangre1.jpeg
سوزان غرينفيلد (مواليد 1950)، عالمة وكاتبة بريطانية متخصصة في فسيولوجيا العقل. كتبت (غرينفيلد) العديد من الكتب العلمية المبسطة عن الدماغ البشري لغير المتخصصين، وتعمل حاليًا زميلًا  بحثيًا أول في كلية لينكولن بجامعة أكسفورد، وتترأس فريقًا يبحث في تأثير تكنولوجيا القرن ال21 على الدماغ، والآليات الدماغية المتعلقة بالأمراض التنكُّسِية العصبية مثل؛ الزهايمر والباركنسون. نشرت العديد من الكتب حول العقل والدماغ، منها كتاب (تغيّر العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصمتها على أدمغتنا)، الذي ترجمه إلى العربية (إيهاب عبدالرحيم علي، ونشره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت في فبراير 2017.0003556_-_290

في الكتاب ناقشت (غرينفيلد) تأثير التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي على هوية الإنسان فتقول:

شبكة الإنترنت توفر للأفراد فرصة فريدة للتعبير عن الذات، والتي تشجع الناس على الكشف عن ذواتهم الحقيقية، بما في ذلك الجوانب التي لا يعبّر عنها بشكل مريح وجهًا لوجه. وبسبب هذا التأثير، يمكن النظر إلى التواصل عبر الانترنت على أنه أكثر حميمية وشخصية من الاتصال وجهًا لوجه … وخلافًا  لما يحدث في العالم الحقيقي، تكون هوية الفيسبوك ضمنية أكثر من كونها صريحة؛ يُظهر المستخدمون مشاعرهم بدلًا  من أن يقولوها، من خلال تأكيد ما يحبونه وما يكرهونه بدلًا  من التوسع في سرد سيرة حياتهم، واستراتيجيتاتهم والسبل التي يستخدمونها للتعامل مع المشكلات وخيبات الأمل، وجميع الأمتعة الأخرى للحياة الطبيعية.

وتحدثت عن الفرق بين الذات الحقيقية “وراء الكواليس” والذات الشبكية في “المشهد الأمامي” فتقول:

تُظهر الأبحاث أن الهوية التي تُصوَر على الفيسبوك هي ذات مشيدة عن عمد ومرغوبة إجتماعيًا، يطمح إليها الأفراد لم يتكمنوا حتى الآن من تحقيقها. ومما يثير الدهشة أن التواصل عبر الشبكات الاجتماعية قد أدى الآن إلى ثلاث ذوات محتملة: الذات الحقيقية true self، التي يُعبّر عنها في البيئات المجهولة الهوية من دون قيود القيود التي تفرضها الضغوط الاجتماعية. والذات الفعلية real self، أي الفرد المتوافق المقيد بالأعراف الاجتماعية للتفاعلات التي تتم وجها لوجه. والذات المحتملة possible self، والتي تظهر لأول مرة، والمأمولة، التي تُعرض على مواقع الشبكات الاجتماعية … إن التفاعل من خلال ملف على الإنترنت يمثل فرصة للإعلان عن نفسك من دون تحد من قيود الواقع، بحيث تصبح نسخة مثالية منقحة من ذاتك “الفعلية“. يخشى اختصاصي علم النفس السريري (لاري روزين) أن ثمة فجوة خطيرة قد تنمو بين هذا “المشهد الأمامي” المثالي لذاتك وذاتك الفعلية “وراء الكواليس“، مما يؤدي إلى الشعور بالإنفصال والوحدة.

وتكمل حديثها عن الضغوط النفسية التي تسببها مواقع التواصل الاجتماعي فتقول:

من الممكن أن يفتح الفيسبوك عالمًا بديلًا  يستطيع الفرد فيه الهروب من الواقع وأن يكون الشخص الذي يود أن يكونه. وكذلك فنحن نتعرض للحياة “المثالية” ونحن نقرأ عن الناس الذي يبدو أنهم يمتلكون كل شيئ والذين يبتسمون دائمًا. تزيد هذه الحياة، التي تبدو رائعة، من الضغط الواقع علينا لكي نصبح مثاليين، ومثيرين للإعجاب، وناجحين: وهو هدف يؤول مصيره حتمًا إلى الفشل … من خلال الاعتماد على الفيسبوك لتلبية هذه الحاجة إلى الاستحسان، فإن نظرة المستخدمين إلى أنفسهم لا تتضاءل بصورة مطردة فقط، لكنهم يتوقون أيضًا باستماتة إلى أن يلاحظ الآخرون وجودهم ويتفاعلوا معهم. وهذا بدوره يساعد على اكتساب هوية مبالغ فيها أو مختلفة تمامًا: أي الذات المأمولة والمحتملة.

وناقشت كيف أن ثقافة التواصل الاجتماعي قد تؤهل المستخدمين لإمتلاك عقلية نرجسية فتقول:

يبدو الفيسبوك أداة تحويل كل من المعارف والمقربين والآخرين غير المعروفين إلى جمهور للعروض الذاتية التي تتسم بالفردانية… قد يمثل العرض الذاتي الجماهيري على مواقع الشبكات الاجتماعية واحدة من الطرق التي يقوم بها الشبان اليوم بتفعيل القيم المتزايدة للحصول على على الشهرة والاهتمام.

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.٢)

بول أوستر

 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
[اقرأ: الجزء الأول من المقابلة]

هذا الجزء الثاني في مقابلة (بول أوستر) مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، التي نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥:

يتحدث (بول أوستر) في هذا الجزء عن صراع الإيديولوجيات والتشابه الحضاري الذي يشهده الإنسان على مر العصور، عن سطوة التنكنولوجيا وانفتاحنا نحن البشر على العوالم الافتراضية، بالرغم من أنه استغنى عن معالج النصوص ولازال يستخدم الآلة الكاتبة! كما يتحدث في هذا الجزء عن علاقة الكاتب بالأمكنة، وكيف يلجأ الكاتب بطريقة مّا إلى خلق نفسه من جديد وتحفيز مكامنه الداخلية سعياً وراء التجديد والتغيير.


أماكن:

لقد تذكرت شيئاً مّا طرأ على بالي حين ذكرت لي أمر شقتك الصغيرة، وأتمنى ألا تمانع قولي بأنك تمتلك منزلاً استثنائياً، إنه من تلك المنازل التي فيما أتخيل من المستحيل تركها أو الابتعاد عنها، بمكتب جميل أمارس الكتابة فيه، لكنك في الحقيقة، أراك رتبت خروجك خلسة من هذا المنزل، تنزلق وتنسلّ بطريقة مّا تجعلك ككاتب تتغذى عليها حتى أصبحَت جزءًا لا يتجزأ مما تفعله.

الأمر معقد بعض الشيء، في الحقيقة اعتدت أنا والأولاد العيش في شقة مزدحمة، ولم يكن هناك مكان لي حتى أعمل لذا بحثت عن شقة استوديو وكنت أعمل هناك قرابة الست أو السبع سنوات، ثم اشترينا هذا المنزل بعد ذلك. في البداية، كان لدينا مستأجرون في الطابق السفلي، لكنهم رحلوا أخيراً ثم قررت أن أنقل عملي بالكامل هنا، لسنين عدة، لكن في هذه السنة الأخيرة فقد بدأنا ببعض الأعمال في المنزل، فقد تم غزو هذا الهدوء بكثير من المقاولين والنجارين، السباكين، الكهربائيين، والرسامين كذلك. كان ذلك مزعجٌ جداً، فجرس الباب كان يرن مرات عدة وجرس الهاتف كذلك. آمنت باستحالة التركيز في وضع كهذا، فكرت حينها بأنني ربما لو أعود للفكرة القديمة. وأخيراً، وجدت شقة صغيرة في الجوار منذ تسعة أشهر تقريباً، كان ذلك جيداً، وجيداً جداً. أما بخصوص هذا المنزل الاستثنائي، فكل هذا نتاج حسّ زوجتي (سيري) الجمالي الهائل، ونظرتها الثاقبة للتوازن والانسجام، لكنني طالما شعرت بأنني كالوحش (كاليبان)*، أظنني أسعد في المساحات الفارغة الخالية من البشر.

في المقابل، أنا أستمتع بالعلاقات الغير مباشرة مع الأمكنة، أتفهم أن الناس بدأت تعتقد بأنني انتقلت مجدداً إلى بروكلين للكتابة عنها، لكن الحقيقة الغائبة هي أنني كتبت غالبية كتب بروكلين هذه في تورنتو وساراتوغا سبرنقز وردهات الفنادق الألمانية، فقد بدا لي مُرضياً أن أكتب عن بروكلين من مسافة كافية عنها، أو نظرة عابرة إلى الوراء تتوق اليها.

كما حصل تماماً مع الكاتب (جيمس جويس) في دبلن. أنا أيضاً عاكف على الكتابة عن بروكلين هذه الأيام. آخر كتاب لي، وهو (ليلة التنبؤ)، كان يتمحور حول مدينة بروكلين قبل عشرين عام ٍمضت، لكنني الآن أكتب عنها مرة أخرى وكأنها بروكلين اليوم، أستطيع أن أذكر لك اسم الرواية على أية حال لأنني لن أقوم بتغييره، ألا وهو (حماقات بروكلين). إنها محاولة للكتابة نوعاً مّا في الكوميديا، وهو مجال لم أخض فيه قبلاً حقيقةً، فإني مرتاب من أي كلمة أكتبها، لكنني أستمتع بذلك حقاً، أطمح لخلق شيء مثير للاهتمام وممتع في الوقت آنه.

لا أطيق صبراً عن ذلك!

الأمر كله يتعلق بمحاولتك في مفاجأة نفسك، أن تتوجه بعكس ماكنت تفعل دائماً، تدمر وتحرق كل أعمالك السابقة، أن تجدد ذاتك مع كل مشروع تود القيام به؛ لأنك ما إن وقعت في شرك العادة، فسيختفي الفنان الذي بداخلك. يجب أن تتحدى نفسك في كل مرة ولا تعتمد على أمجادك السابقة، انتهِ منها وضعها جانباً وقل لنفسك: “الآن أنا أستعرض جانباً آخر مني لأن هذا العالم بكل تأكيد كبير ليكون مدهشاً كفاية حتى يُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”.

أظن بأنه أيا ما كان فصوتك سيكون بلا حول ولا قوة أمام ذاتك، وأعمالك أيضاً ستتحدى كل محاولاتك لتجاهلها.

بالضبط! لأن كل محاولاتك لتفادي ذاتك غير مجدية، فكل ماتحاول استكشافه موجود بداخلك، هو ذاته هوسك القديم الذي لا يتغير مع تكرار اختلاف طريقة تفكيرك، لكنك تظل تحاول وتحاول، وأظن بأنه لن يبقى الكثير من ماء وجه تلك المحاولات.

ذلك يضحكني جداً، لأنني في الفترة الحالية بدأت في كتابة رواية جديدة، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو الاستثناءات التي قمت بوضعها، الأمور التي أظنني لن أرتكبها مجدداً، كالكتابة عن مدينة بروكلين، كما أنني أتجنب الكتابة عن عائلة مّا، أبوين وأطفال؛ بالرغم من أنني لاحظت بأن كل كتاب يختلف عن الآخر كما لم أتوقع، وجميعها تتعلق بالرعب والموت. وكمن يجد نفسه مستعداً لإطلاق النار؛ اخترت أن أسلك مساراً عاطفياً هذه المرة.

هذا جيد جداً، إمكانيات كل فنان لها حدود، فإنك عندما تكون واعياً بحدود إمكانياتك، ستكون قادراً على تفجيرها، مع العلم بأنه لا أحد يستطيع الوصول لكل شيء وتقديمه وجمعه في آن واحد، بصراحة، الجميل في الفن هو كونه مساحة مخططة محورية، مساحة فيزيائية وعقلية، فمحاولاتك في جمع العالم كله في صفحة واحدة، ستحول الأمر إلى فوضىً عارمة. إن الفنَّ عبارة عن التخلص تقريباً من كل شيء مقابل التركيز على أمر معين تود تناوله والحديث عنه بطريقتك.


تكنولوجيا:

هل تجد صعوبة في إقحام التكنولوجيا في أعمالك، كالبريد الإلكتروني مثلاً أو الهواتف النقالة؟ لأنني من رأيي أجد التكنولوجيا ظهرت في تاريخ غير محدد، أظنها في العام ١٩٧٨ أو ١٩٨٤، يعني لا أعتقد بأنها تعود إلى نوعٍ معين من الخيال.

هذا سؤال مثير حقيقة. في رواية (كتاب الأوهام) التي تم نشرها في الثمانينات، كان هناك دوراً فاعلاً لآلة الفاكس، حدثٌ مهم جرى من خلالها، لذا أقول بأنني لست ضد الحديث عن التكنولوجيا بحد ذاتها. أيضاً في الكتاب الذي أعمل عليه الآن هناك ظهور خاص للبريد الإلكتروني والهواتف النقالة كذلك.

لأكون صريحاً معك، أنا من القلة القليلة الذين لم يقتنوا الكومبيوتر بعد، فلا أكتب على معالج نصوص، بل أكتب على الآلة الكاتبة. لا أملك بريداً إلكترونياً ولا أفكر حتى بإنشاء واحد. لكنني لست ضد الحديث عن أي شيء وكل شيء، بل على العكس أظن أن بهجة الرواية وجمالها يكمن في أنها تنفتح على كل شيء وأي شيء وُجد في ذلك الوقت، فليس لدي استثناءات، فلا أقول: “هذا غير مسموح به لأنه كذا وكذا...”

ليست مقاطعة إيدولوجيات بالطبع، لكنني أكثر ميلاً إلى التواني عن إقحام مثل هذه الأشياء في العمل. أستخدم البريد الإلكتروني أحياناً، لكنني لو أقحمته في الخيال الروائي أشعر بأنني تجاوزت الخيال من فوري، يبدو لي كما لو أنني أُنحّي الخيال شيئا فشيئاً من الصفحات.

هذا يقودنا الى أكثر التساؤلات تداولاً طوال سنوات. كما تعلم هناك ثلة من المتحمسين للتكنولوجيا يقولون بأن هذه التكنولوجيا ستغير العالم وطريقة تفكيره، وأنها ستقوم بصناعة ثورة في حياتنا، وليس فقط حياتنا فيزيائياً ولكن ذواتنا الداخلية كذلك. لكنني لا أؤمن بهذه الفكرة مطلقاً لسبب واحد بسيط، هو أننا لدينا أجسادٌ تمرض وتموت وتحب وتعاني وتحزن وتغضب كذلك. هناك ثوابت في حياة الإنسان البشري سواء عشت في روما القديمة أو أميركا المعاصرة، فلا أعتقد بأن الناس تغيرت بسبب غزو التليغراف أو الراديو أو الهواتف النقالة أو بسبب الطيارات أو حتى بسبب أجهزة الكومبيوتر هذه.

سبع أو ثمان سنوات مضت، تمت دعوتي إلى إسرائيل من قبل مؤسسة القدس، فأقمت هناك في مكان للفنانين يدعى “Mishchanot” مكان رائع حقيقة كان عمري وقتها خمسون عاماً ولم يسبق لي أن زرت إسرائيل من قبل، كنت يهودياً قاوم هذه الفكرة طوال حياته، فقط كنت أنتظر اللحظة المناسبة، فعندما وصلتني الرسالة من (تيدي كولك) التي تنص على أنهم يودون دعوتي للإقامة لثلاثة الى أربعة أسابيع في المبنى وكتابة أو عمل أي شيء آخر أود فعله، فشعرت بأنها اللحظة الحاسمة والمناسبة للذهاب، فذهبت بمرافقة زوجتي سيري وابنتي (صوفي). قمنا بعمل جولة في الأنحاء، كما زرنا بلدة قمران حيث تم اكتشاف مخطوطات البحر الميت، كان هناك أيضاً متحف استثنائي يحوي العديد من المخطوطات والآثار التي تم جمعها من الكهوف والمواقع الأثرية، هذه الآثار كانت مذهلة حقاً فهناك تلك الصحون التي قد تجدها اليوم في المتاجر وتستطيع شراءها، بنفس الطبعات والتصميم، أو السلال التي قد يحملها أي فرنسي أو إيطالي للذهاب إلى السوق. اليوم! فاجأني هذا الوحي، عن أنه كيف لحضارات الإنسان أن تتشابه هذا التشابه الإستثنائي وعبر عصور، لذا أشعر بأننا نستطيع أن نقرأ (هوميروس) و(سفوكليس) و(شكسبير) وكأننا نقرأ عن أنفسنا وحياتنا.

لقد قضيت مقتبل العشرينات من عمري في منطقة الخليج، في الثمانينات من القرن الماضي، وشهدت هذا الإنفجار الإستثنائي للإيدولوجيات الحوسبة، وميلاد المجلات الإلكترونية وكل مافي هذا السياق. كان هناك خوض مريع في فكرة أن حياة البشر لن تبقى على نفس الوتيرة طالما وجد هذا العالم الإفتراضي، فعلى سبيل المثال، لو قمت بقراءة سيرة المنظر السينمائي الروسي (دجيقا فيرتوف)، قبل مئة سنة عندما كان يؤسس نفس متطلبات الأفلام اليوم، ولو بحثت لعقد أو أكثر ستجد نفس الأمر ينطبق على ظهور الراديو أيضاً.  

يبدو الأمر ثورياً إذن. العالم الآن في تباعد فظيع، لكنه أصبح على اتصال ببعضه مع ظهور هذه التكنولوجيا، ولكن هذا لا ينفي وجود المخاطر بوجودها، فأبناؤنا المراهقون اليوم يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات والعالم الإفتراضي هذا، ولا يعيشون حياتهم ويستمتعون بزهرة العمر، ولكن حين يكبرون وتصدمهم الحياة من حولهم سيدخلون غمار الحياة بجانبنا تماماً.

الجميل في الأمر بأن هذا العالم الإفتراضي يحتوي على الكثير من الكتابة. حيث أننا كنا نمارس نشاط الكتابة والقراءة بحد ذاتهما، حتى ظهر هذا النشاط الذي تم تصنيفه قراءة وكتابة كوضعٍ بديلٍ تماماً، صارعلى هيأة مراسلات يومية.

بالضبط! هذا يعود بنا إلى السؤال عن الخيال الروائي، عبر الأجيال صار الناس يتنبؤون بموت الرواية، على الرغم من أنني أؤمن بأن القصص المكتوبة ستواصل النهوض والمقاومة، لأنها تُجيب على كل مايحتاجه العقل البشري. من جانبي أعتقد بأن الأفلام قد تختفي قبل الرواية، لأن الرواية هي المكان الوحيد الذي يجمع بين غريبين بمحض الصدفة، بحيث أن القارئ والكاتب هما من يصنع الرواية سويةً، لأنك كقارئ ستقتحم الوعي الباطن لشخص آخر ستعوم أغوار دواخله وستقوم باكتشاف أشياء قد تكون وجدت داخلك أنت، وهذا بدوره سيمدك بالحياة أكثر.

يعجبني حرصك على تخصيص التجربة، بغض النظر عن تضخم الرواية، القراءة بحد ذاتها تجعلك تحدد استحالة شمولية التجربة وتشابهها من شخص لآخر. القراءة سلوك حميمي ونشوة مفروضة.

للرواية قارئ وحيد، هو ذاته من يحقق ذلك. شخص واحد في كل مرة يشارك الكاتب هذه الحميمية.

Continue Reading →

د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.

عبدالكريم سروش، عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (سروش) عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم، مبتدئًا حديثه يتبيين الفكرة السائدة عن كلٍ من العالمين:

غالبًا ما ينظر الناس من الحداثة إلى ثمارها، وقلما يتبصرون في جذورها وأرضيتها. والسبب واضح: الناس عقولهم في عيونهم، كما يقول المثل. عامة الناس لا يجنحون إلى تحري الأصول إلا بصعوبة، وفي أطوار متأخرة أي إنسان تسألونه: ما هو العالم الحديث؟ سيقول لكم هو الطائرات، والكمبيوترات، والكهرباء، والسكك الحديدية، والأدوية الحديثة، والمستشفيات عالية التجهيز، والقنابل الكيمياوية، والبرلمانات، والأحزاب، والصحف، والجامعات، والبنوك، ودور السينما، ..إلخ. أي أنهم ينسبون إلى الحداثة، ما يشاهدونه اليوم مما لم يكن في السابق، هم لا يعدون الأشجار والسماء والأرض من العالم الحديث، بل هي من وجهة نظرهم تنتمي للعالم القديم. مرض السل أيضًا ينتمي للعالم القديم من منظارهم، رغم أن طريقة معالجته قد يعتبرونها من خصائص العالم الحديث. وكذا الحال بالنسبة لأساليب حل المسائل الرياضية.

 بنظرة أدق، يضع د. (سروش) على الإجابة الأصح برأيه حول السمة الأساسية للعصر:
فبنظرة أعمق نستطيع القول أن ما يميز العالم الحديث عن العالم القديم ويرسم بينهما حدودًا دقيقة هو وجود وعدم وجود العلم الحديث. العلم ولا سيما العلوم الطبيعية، حصيلة عصرية لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون. مثل هذا المخلوق وبهذه السمات لم يكن قد ظهر إلى مسرح الحياة في العالم القديم. إذا عدنا عن التقنية وهي ثمرة العلم، إلى الوراء قليلًا، سنصل إلى العلم ذاته، وبوسعنا اعتباره مؤقتًا السمة الأبرز للعالم الحديث.
 ثم يتحدث عن كون أغلب الاكتشافات والنظريات العلمية كانت وليدة الصدفة:
أن تعزو هذه الفوارق إلى الصدفة جواب ناقص، يترك في الواقع العديد من الأمور بلا جواب. إذا اعتبرنا هذا العلم بكل عظمته وليد عدد من الحوادث المتفرقة التي لا تحكمها أي حسابات أو ضوابط، نكون قد ضاعفنا عدد الأسئلة على أنفسنا قبل أن نجيب عن أي سؤال. لذا سيكون سؤالنا اللاحق: إذا كان العلم الحديث أبرز نتائج وعلامات العصر الحديث، فما هو مرد ظهور هذا المخلوق، وهذه النتيجة؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال عصية عليكم فلا تلوموا أنفسكم، لأنها ما انفكت عصية على جميع العلماء والفلاسفة. إنه سؤال جد رهيب ومشكل.
 يعود مرة أخرى للحديث عن العلم الحديث، فيبيّن أقسامه:
إن ما يوجد اليوم ولم يكن بالأمس، وقد حاز في الوقت الحاضر أهمية محورية ومركزية، بحيث تعزى إليه الكثير من وقائع العالم الحديث، إنما هو عنصر مهم يدعى العلم التجريبي. بوسعنا الاعتراف بهذا العنصر كسمة وخصيصة مميزة إلى جانب التقنية والصناعة الحديثة.
يمكننا إدراج منجزات العلوم التجريبية، سواء كانت اجتماعية أو طبيعية تحت عناوين أربعة، هي باختصار: الوسائل، الغايات، المفاهيم (التصورات)، القبليات (التصديقات أو المسلمات).
 أما القسم الآخر للعلم الحديث والذي لا يقل أهمية عن الأول فهو:
كنت أشدد إلى الآن على العلم الطبيعي، وهو علم واضح التعريف والخصائص. لكنني لم أتطرق إلى العلوم الاجتماعية. وأضيف هنا، أن العلوم التجريبية الطبيعية لم تكن وحدها التي غابت عن لائحة عناصر العالم القديم ومكوناته، بل والعلوم الاجتماعية أيضًا كانت غائبة هي الأخرى. لم يكن في الماضي علم اجتماع أو علم نفس، أو علم اقتصاد، أو علم إنسان، بالمعنى الحديث للكلمة، ولم يكن ثمة معارف قريبة من هذه العلوم العصرية بشكل أو بآخر.

  ثم يتساءل: هل يجعل العلم الحديث، من هذا العصر أفضل وأذكى من العصور السابقة؟

يستشف أن العالم الحديث وجد لنفسه عيونًا ونظارات لم تكن لدى السلف. ومع ذلك ينبغي علينا ألا نفاخرهم، فقد كانت لديهم عيونًا ونظارات، أهّلتهم لبعض الاكتشافات، فأبصروا أشياء لم يمر بها المعاصرون ولا يرونها. لذلك نلاحظ أن القادمين من قلب العالم القديم، حاملين معهم منه بضائع طازجة (أو هذا ما يدعونه على الأقل) تلاقي طروحاتهم إقبالًا وترحيبًا وتبجيلًا، لاسيما في أوساط العالم الدنيوي الغربي الغارق في المادة.

لماذا عجزت عقول الأقدمين عن اكتشاف بعض الأمور البديهية، كالجاذبية مثلًا، ألا يُعد الموضوع في منتهى البساطة؟

العديد من الأسئلة التي تتفاعل اليوم في الأذهان مردها إلى أن الإنسان يرى أسلوب حياته بديهيًا، لذلك يسأل: لماذا لم يفكر الماضون بهذه الطريقة؟ نحن عمومًا ميالون إلى اعتبار واقعنا الحياتي بديهيًا. وتشتد هذه الميول فينا إلى درجة تترك الأحوال والظروف الأخرى عجيبة جدًا في أنظارنا. لذا نستفهم دائمًا: لماذا كان الماضون سيئي الفهم إلى هذه الدرجة، فلم يتوصلوا إلى أمور بديهية، يدركها عقلنا المعاصر بكل يسر؟ والمقصود من الماضين هنا ليس عامة الناس فقط، بل حتى العلماء والنوابغ العظام، الذين لم يكتشفوا من بديهياتنا شيئًا.
 يجيب عن ذلك، فيقول:
إن لكل عصر بديهياته التي لا يطالها الشك، في ذلك العصر، ولا تخضع للنقاش والمساءلة، ولهذا تسمى بديهيات. بكلام آخر، لكل عصر عقلانيته المقبولة المسلّم لها، والتي لا يجادل أحد فيها خلال ذلك العصر. الإنسان في كل عصر يتفرج على عقلانية العصور الأخرى وبديهياتها من زاوية عقلانية وبديهيات عصره، فتستغرقه الحيرة إلى هامته. خذ للمثال قضية حقوق المرأة، ففي عصرنا ثمة بديهيات على صعيد حقوق الإنسان، رجلًا  كان أو امرأة، يذهل المعاصرون حقًا لعدم تنبه السلف إليها. على أن هذا ليس بالمنهج السليم في تحليل التاريخ. إذا أردنا دراسة التاريخ برمته من منظار زماننا سوف ننأى عن الصواب كثيرًا، ولن نوفّق لاستيعاب ذهنية الأسلاف إطلاقًا. بغية أن نفهم الأحداث الماضية بنحو أصح، علينا استخدام نظارات السلف، وفي ما عدا ذلك سنكيل التهم والوصمات لهم بأنهم كانوا يعيشون فترة طفولة خلافًا لإنسان العصر الحاضر الذي بلغ رشده ونضجه، وغدت كل آرائه صادقة سليمة بالبداهة.
 ثم يتحدث عن أحد سلبيات العلم التجريبي أو العالم الحديث، بأنه ينظر إلى كل شيء وكأنه مادة للاستهلاك، بعد أن كانت عقليات الأقدمين ترى بأنها مشاركة على هذه الأرض، وليست مسيطرة كما ترى العقلية المعاصرة:
على صعيد آخر، نلاحظ أن من خصائص النظرة العصرية للعالم، أنها تعتبر كل شيء خزانًا للطاقة وظهرًا يمكن أن يُركب، بل يجب أن يركب ويستفاد منه. العلم والثقافة الحديثة لا ينظران للعالم كنهر يجري، ويجب أن نجلس على جرفه، ونكتفي بالتفرج عليه، واستلهام العبر منه. لقد كوّن الإنسان المعاصر تصورات جديدة عن العالم تملي عليه لعب دور فيه. يؤكد الإنسان الحديث أنه يريد النزول إلى ساحة العمل، والتدخل في صياغة الحياة وتشكيلها. لا بأس أن نتذكر هنا عبارة (ماركس) الشهيرة: “أن الفلاسفة قاموا لحد الآن بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغيير العالم”.