أرشيف الوسم: تيلستوي

عبدالله العروي يجيب عن: لماذا حقق الأدب الروسي هذا الانتشار الواسع؟

عبد الله العروي مثقف وكاتب مغربي معروف. لديه العديد من الأعمال الفلسفية التأصيلية في مفاهيم عديدة ولعل أبرزها مفهوم الحرية. و احتوى نتاجه الإبداعي على دراسات في النقد الإيديولوجي وفي تاريخ الأفكار والأنظمة وأيضا العديد من النصوص الروائية.

نجيب في هذه المقالة عن تساؤل يخص دستوفسكي والرواية الروسية، باقتباس من كتاب (من التاريخ إلى الحب) في حوار أجراه (محمد الداهي) مع (عبدالله العروي) عن الرواية ونقدها فيقول:

لوحظ، إلى حد قريب الانتشار الواسع للأدب الروسي في جلّ بقاع العالم بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فروايات (ديستويفسكي)، (تولستوي)، و(سولجنستن)، (سولفييف) و(غوركي) .. الخ حققت نجاحا كبيراً في مبيعاتها وفي استمالة وفتن عدد كبير من القراء. وفي هذا الصدد نورد تعبيراً مجازيًا للشاعر البولوني ميلوز، زيصلو C.Z.MI-LOSZ الحائز على جائزة نوبل في الآداب لسنة 1981: “أن ترى الفيل لايمكن لك أن تزعم أنك لاتراه. إن العظيم يهيمن دائمًا”. لم فرض الأدب الروسي عامة والإنتاج الروائي خاصة همينته على العالم بأجمعه؟ ولم أنتجت روسيا بالذات روائيين من حجم (دوستويفسكي)؟

هذا سؤال عويص جداً، بالطبع لأن له جوانب متعددة، يمكن أن يكون للكاتب تأثير واسع. يمكن أن يؤثر في مجتمعات مختلفة لأسباب عدة، ومع ذلك لايكون في قمة الفن الروائي. فدوستوفسكي مثلاً لاشك أنه من كبار الروائيين، لكن هل هو من المبدعين في هذا الفن؟ أنا لا أشاطر، تمامًا، من يقول بهذا الرأي. لماذا؟ لسبب واضح بالنسبة لي، وهو أنني حين أعود إلى الكيفية التي كتب بها ديستوفسكي قصصه، يجب على الإنسان  ألا ينسى أن هناك دوافع شبه مادية تحكمت في الكيفية التي تصور بها (دوستوفسكي) فن القصة. كان مفروضًا عليه أولاً أن يكتب رواية طويلة جداً، إذ، في القرن التاسع عشر، كان الكاتب يتعيش من روايته. فعليه أن يكتب رواية طويلة جداً مليئة بالشخوص والمفاجآت والأدوار .. الخ..، وهذه ظاهرة نعانيها عند ديكنز أو بلزاك..إلخ.

ثانيا: إنه كان لايكتب الرواية بل كان يمليها إلى حد أن زوجته الثانية “آنا جريجوربيفنا” كانت هي الكاتبة التي تكتب مايمليه على نحو مختصر، ثم بعد ذلك تنشره. وهذا بالطبع له تأثير على تقنية الرواية كونك تملي عوض أن تكتب بيدك وقلمك.

ثالثًا: وهذا واضح بالنسبة لمن يقرأ الكتاب الذي يحمل عنوان يوميات كاتب “Joutnal d’un ecrivain”، وهو عبارة عن مقالات كان ينشرها (ديستوفسكي) في مجلة دورية (سنوية) يشرف هو نفسه عليها. وكان هو المساهم الوحيد فيها تقريبًا. فمن يقرأ هذه المقالات يرَ أن الأفكار الموجودة فيها، وهي أفكار سياسية واجتماعية وتاريخية، تتكلم عن الجنس السلافي، وعن الديين المسيحي، وخاصة الاورثوذوكسي، عن علاقة السلاف بالجرمان والأتراك..الخ، ويلاحظ أن هذه الأفكار هي بالضبط، الافكار التي توجد مشخصة في رواياته الكبرى مثلا: (الأخوة كرامازوف). فمن يقرأ هذه الرواية ستطالعه خذخ الجملة: “كل منا يريد أن يغتال أباه”. فالمرء يتعجب من هذه الجملة، سيقول هذا هو التعمق في نفسانية الإنسان، لكن، إذا تذكر أن المعنى الوحيد وهو أن الأب عنده هو روسيا، وأن الكلام هو على اتجاهين حيث يمثل كل أخ اتجاها. الاتجاه الغربي وهو التنكر لروسيا، واتجاه للماضي وهو نوع آخر. وبجانبهما الأخ الثالث (أليوشا) هو الذي يتردد بين الاخوين، ولايعرف من كان أكثر تنكرًا لروسيا؛ أي من اغتال أباه، حينئذ تكمن النقطة في تشخيص القضية وتجسيدها وفي جعل القضية قضية تاريخ وجعلها قضية نفسانية وقضية شخص. ولكن عندما يعبر عنها تمر من التعبير الفردي والنفساني إلى التغيير التاريخي، وتتضح الامور فتبدو واضحة تمامًا ولم يبق في ذلك شيء من التعمق الذي يبدو للقارئ السطحي والساذج. وما يقال عن (الاخوة كرامازوف) يقال عن باقي الروايات. فلذلك تبقى نقطة، وهي كيف تفسر أن هذا الكاتب يكتب في مسائل خاصة جداً بروسيا، وهي قضايا محددة اجتماعيًا وتاريخيا: اجتماعيا لأنه يتكلم باسم أولئك الذين كانوا من قبل أقنانا ولم يتحرروا إلا فيما بعد. لا ينبغي أن ننسى أن جد (دوستوفسكي) كان قنًا مملوكا لايملك نفسه ولاحريته، ولذلك هذه هي علاقته مع (تولستوي): هي علاقة القن بالنبيل الشريف الذي كان دائما وباستمرار حرا، وله صفحات حول هذه المقارنة، وهي من أهم ماكتب في فن تولستوي، فإذن هناك جانب اجتماعي، وهناك جانب تاريخي وهو روسيا أمام أوروبا. ولازلنا نرى للان أهمية هذا الجانب ،

فأقول: كيف نفسر أن هذه أمور خاصة بروسيا، ومع ذلك ومع ذلك يتفهمها القارئ في المغرب واوروبا والصين وأمريكا اللاتينية؟

أظن وهذا هو رأيي، أن هذه النقطة ليست خاصة بروسيا وإنما هنا يكمن الإبداع، فهذه النقطة نجد مايشبهها في الآداب الأوروبية الأخرى. نجدها، مثلاً، في انجلترا في قصص الروايات التاريخية لوالترسكوت. لكن حين كتبها هذا الأخير كانت مشكلة قديمة مرت عليها 3 قروون، وصار يتكلم عنها كشيء من ماض في روايات تاريخية. كذلك نجد الشيء نفسه عند الفرنسيين أو الألمان، لكن، وباستمرار، باعتبارها مشكلة متجاوزة، في حين إن روسيا تتداخل فيها الأزمنة وتصبح المشكلة قديمة بالنسبة للآخرين. ولكنها حاضرة بالنسبة لروسيا، ومستقبلية بالنسبة لشعوب أخرى. فهي دائمًا في برنامج العمل يقرأها الأوروبي الغربي، ويتفهمها لأنها من ماضيه. ويقرأها السلافي ويتفهمها لأنها حاضرة، وباستمرار تجد الشعوب الأخرى تجاوبًا معها عندما تحس الشعوب أنها تمر بالأزمة نفسها. ففي نظري هذا هو السر في مايمكن أن نسميه وقتية (ديستوفسكي) الدائمة، لاتتجاوز أبدًا.

ولكن، وكما نرى، هذه ظاهرة تاريخية واجتماعية، مالجانب الفني؟

قيل، مرة لـ(همنغواي)، اقرأ (ديستوفسكي). وبعد قراءته قال: كيف يمكن لكاتب كبير مثله أن يكون أسلوبه بهذه السهولة، وعدم الدقة في انتقاء الكلمات والتعابير المناسبة؟ وهذا واضح في رواياته، ومع ذلك نعتبره من كبار الكتّاب، مع أننا لانجد عنده جملة واحدة يمكن أن نعتبرها دقيقة في تعبيرها .. نقول إن ذلك يدل، فقط، على أن الرواية في بعض الأحيان تكون قصة طويلة يتغلب فيها الجانب التاريخي والاجتماعي على الجانب الفني. عندما يقال، مثلا، شاعرية (دستوفسكي)، يجب أن نعلم أننا نتكلم عن هذه الشاعرية كما لو كنّا نتكلم عن شاعرية فيلم أو مسلسل سينمائي، وليست شاعرية اللغة وإنما شاعرية المناظر .. على أي حال، في نظري، لايمثل (دستوفسكي) في فصل من روايته (المراهق) وهي قصة غير معروفة، لكن تعتبر من أروع ماكتب، أقصر من رواياته الأخرى لكنها عميقة جدًا، وفيها قسم لم ينشر، فيه ثمان صفحات يميز فيه عمله وعمل (تولستوي). يقال أن (تولستوي)، باعتباره سليل أسرة نبيلة، سليل روسيا الحاكمة، يعيش في جو الجمال، ويعبر عن الجمال دون إرهاق أو مجاهدة، أما أنا – سليل المسعبدين- فلا أعرف من الجمال شيئا، وأحاول أن أصل إلى جمال آخر، جمال لم يحلم به أبدًا (تولستوي)، وبالفعل لمّا تفكر في جو دوستوفسكي تجده بعيدا عن الهاجس الجمالي، جو الحزن والفقر والقتامة، ولكن، من خلال كل ذلك له هاجس من نوع آخر، الجمال الروحي. فعنده صفحة من أروع ماكتب عن جمال المرأة الروسية. فهي لاتكون جميلة إلا مدة عشر سنوات بين عشرين وثلاثين سنة؛ ولهذا السبب فجمال المرأة الروسية جمال عابر جدًا. فهذاالحس بالجمال لا أجده عند (نجيب محفوظ).

رسائل بين تولستوي والإمام محمد عبده

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%87-2

كان الأديب الروسي (تولستوي) والإمام (محمد عبده) يعيشان في نفس العصر، فـ(تولستوي) عاش بين الفترتين (1828م-1910م) وكان الإمام أيضاً قد عاش بين الفترتين نفسهما (1828م-1910م).
وقد كان الاثنان كل منهما “كاتباً” يقر مكانة الكلمة ويعتبرها وثيقة آدميتنا حتى لو كان (تولستوي) نبيلاً إقطاعياً.. والإمام داعية إسلامياً.

هناك رسالة كان قد كتبها (محمد عبده) إلى (تولستوي) وهي موجودة حالياً كمخطوطة عربية في متحف (توليستوي) قال فيها:

أيها الحكيم الجليل مسيو (تولستوي)، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل، ولأن تكون ثمرته تعبأ ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويرقى بها جنسه.
شعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، استعملوا قواهم التي لم يمنحوها ليسعدوا بها فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم، نظرت نظرة في الدين، فرقت حجب التقاليد، وصلت بها إلى حقيقة التوحيد ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ماهداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه.
فكما كنت يقومك هادياً للعقول، كنت بعلمك حاثاً للعزائم والهمم. وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي به الضالون، كان مثالك في العمل إماماً اهتدى به المسترشدون. وكما كان وجود توبيخاً من الله للأغنياء، كان مداداً من عنايته للفقراء.
هذا وأن نفوسنا لشيقة إلى مايتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك والسلام.

(محمد عبده، مفتي الديار المصرية 2 أبريل 1904).

854

كان لـ(تولستوي) رداً على تلك الرسالة.. فقد تجاوب مع الإمام بشكل لائق كما ترجمت في كتاب (ورثة تولستوي)، مبتدئاً رسالته بـ”صديقي العزيز“:

لقد تلقيت رسالتكم الطيبة الحافلة بالمديح وها أنذا أسارع بالرد عليها مؤكدا لكم أولا السعادة الكبرى التى أعطتنى إياها إذ جعلتنى على اتصال برجل متنور.. حتى ولو كان ينتمى إلى إيمان يختلف عن إيمانى الذى ولدت فيه وترعرعت عليه.. ومع هذا فإنى أشعر بأن ديننا واحد ـ لأنى أعتقد أن ضروب الإيمان مختلفة ومتعددة. وإنى لآمل ألا أكون مخطئا إذ أفترض ـ عبر ما يأتى فى رسالتكم ـ بأننى أدعو إلى الدين نفسه الذى هو دينكم.. الدين الذى يقوم على الاعتراف بالله وبشريعة الله التى هى حب القريب ومبادرة الآخر بما نريد من الآخر أن يبادرنا به.. إننى مؤمن بأن كل المبادئ الدينية الحقيقية تنبع من هذا المصدر والأمر ينطبق على كل الديانات.. وإننى لأرى أنه بمقدار ما تمتلئ الأديان بضروب الجمود الفكرى والأفكار المتبعة والأعاجيب والخرافات.. بمقدار ما تفرق بين الناس بل تؤدى إلى توليد العداوات فيما بينهم.. وفى المقابل بمقدار ما تخلد الأديان إلى البساطة وبمقدار ما يصيبها النقاء تصبح أكثر قدرة على بلوغ الهدف الأسمى للإنسانية ووحدة الجميع. وهذا هو السبب الذى جعل رسالتكم تبدو لى ممتعة وفى النهاية ارجو أن تتقبلوا يا جناب المفتى تعاطف صديقكم .. تولستوي.


[المصدر]

من هو الكاتب الحقيقي؟

0703_writing_cog            

منذ أن كتب مؤلف مجهول (ملحمة جلجامش) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد -وهي أقدم قصة كتبها الإنسان- وحتى شيوع الإنترنت قبل حوالي عشرين عاماً، كان كتّاب النثر الفني قلة نادرة من أصحاب المواهب، والمعرفة الموسوعية، والخيال الخصب، والحس الجمالي، والأفكار الجديرة بالقراءة والتأمل. وإلى عهد قريب كان مثل هؤلاء الكتاب في العالم العربي محل إعجاب واحترام المثقفين الذين يتابعون أعمالهم الجديدة بشغف. وقد قيل: “القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ”. رغم ما في هذه المقولة من إجحاف بحق بيروت الرائدة دائما في مجالات الفكر والأدب والفن. أما بغداد فلم تعد تقرأ كثيرًا هذه الأيام، رغم تكاثر الكُتّاب كالفطر بعد المطر، بحيث بات من الصعوبة بمكان فرز الكتّاب الحقيقيين عن الأدعياء، الذين لا أثر في كتاباتهم  لأي فكرأو ابداع. ولم يعد الجيل الجديد يهتم بالنتاجات الإبداعية الأصيلة فكراً وفناً، فهو يبحث في الإنترنت وفي المجلات الخفيفة المزوقة عن توافه المعارف، وغرائب الحوادث، وطرائف النوادر وهي كلها أشبه بوجبات “الفاست فود” لا تترك أثرًا في النفس ولا حاصلًا  في الذهن. ثمة سمات يتصف بها الكاتب الحقيقي من خصائص نفسية ومعايير فنية وجمالية وأخلاقية  يلتزم بها، على خلاف الكاتب الاستهلاكي السطحي الذي لا يهمه سوى تسويق نفسه و“كتاباته” كأي سلعة في السوق. والفروق بين الاثنين جذرية، لعل أهمها ما يلي:

أولًا: دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يكتب من أجل المال، أو المجد، أو الشهرة، أو بدافع آيديولوجي معين، بل لأنه مصاب بـ“مرض” الكتابة، ويشتعل حماسًا للتعبير عما يختلج في ذاته ويشعر بضرورة ملحة في البوح للناس بما لم يكتبه أحد من قبل، ولكونه قد التقى أناسًا وتملكته إحساسات ليس بوسعه أن لا يعبر عنها، هكذا تظهر للوجود النتاجات الإبداعية الممتعة.

سأل أحدهم (ليو تيلستوي) ذات مرة: “كيف يستطيع الإنسان أن يكتب بشكل جيد؟”. فقدّم له الكاتب نصيحتين ثمينتين:

أولًا: على الكاتب أن لا يكتب مطلقًا عن موضوع غير شائق بالنسبة إليه شخصيًا.

ثانيًا: إذا أراد الكاتب أن يكتب عملًا  إبداعيًا ما، ولكن كان بوسعه ألا يكتبه، فمن الممكن أن يتخلى عن فكرته.

 

ثانيًا: الموهبة

الموهبة الأدبية وحدها، أو الميل الى التعبير عن الأفكار والأحاسيس عن طريق الكتابة، غير كافية لخلق كاتب متمكن من أدواته، الموهبة قد تظهر في مجال الموسيقى والشعر في سن مبكرة؛ (موتسارت)، (رامبو)، (يسينين). أما في القصة والرواية، فأنها تحتاج الى الصقل والعمل الدؤوب لتنتج أثراً ذا قيمة.

لو كانت الموهبة الفطرية وحدها كافية لكتب (تولستوي) (الحرب والسلام)، و(فلوبير) (مدام بوفاري)، و(ستندال) (الأحمر والأسود) في مقتبل العمر، رغم ان هؤلاء الثلاثة يعدون من العباقرة الأفذاذ في فن الرواية. تاريخ الأدب العالمي لا يقدم لنا مثلاً واحداً على ظهور رواية عظيمة لكاتب يافع!

كان (ميخائيل شولوخوف) في الثالثة والعشرين من العمرفي عام 1928، حين نشر الجزء الأول من رواية (الدون الهاديء). وقد شكك النقاد على الفور في ان يكون (شولوخوف) مؤلف هذه الرواية حقا، لأن شابا يافعاً من أعماق الريف، لم يشترك في الحرب الأهلية، ولم يتلقى تعليما يعتد به، ولا يمتلك الا القليل من  التجربة الحياتية لا يمكن أن يؤلف رواية طويلة وعظيمة كـ(الدون الهاديء)، وقد صدق حدسهم فقد تبين لاحقًا، بعد البحث والتدقيق، أن مخطوطة  الرواية تعود لضابط روسي قتل خلال الحرب الأهلية، واستولى (شولوخوف) على المخطوطة واعاد كتابتها بخط يده. وقد سخر الكاتب الروسي (سولجنيتسن) الحائز على جائزة نوبل في الأداب لعام 1970 ، من شولوخوف قائلاً : “بالطبع فإن ميشا -تصغير اسم ميخائيل- ليس مؤلف  الدون الهاديء قطعًا”.

ثالثًا: العمل الشاق

أن العباقرة لا يولدون، بل يصبحون كذلك، عن طريق العمل اليومي الدؤوب المثابر على مدى فترة طويلة من الزمن  والأصرار على تحقيق الأهداف.

لا نجد بين كبار الكتاب من أصبح معروفا بين ليلة وضحاها. كل الكتاب العظام كانوا في البداية يجربون طاقاتهم وأدباء غير معروفين، وكانت نتاجاتهم رديئة ودون مستوى النشر وتطورت فطرتهم الإبداعية بالممارسة والتجريب ومحاولتهم التعلّم لاكتساب التقنيات والأدوات، وإدمان المزاولة وطول العلاج. الذي لا يكتب يوميا – وان كان كاتبا جيدا – تجف قريحته وينضب تدفق أفكاره وما يكتبه بين حين وآخر يكون غثاً.

ليست الكتابة، هواية يمارسها الكاتب بين حين وآخر حسب المزاج، ولا طريقة لتزجية الفراغ والتسلي، ولا مهنة عادية كسائر المهن، بل عمل شاق يلتهم حياة الكاتب وينهك قواه. فهو يعيش حياتين – حياة عادية كالآخرين، وحياة إبداعية مرهقة تستنزف طاقاته وتختلف كثيراً عن حياة الناس العاديين.

الأدب يملأ حياة الكاتب وليس خلال الساعات التي يكتب فيها فقط. الأدب يزيح كل الأعمال الأخرى. ليكرس نفسه ووقته وطاقته للأدب.

الكاتب الحقيقي يراجع ما كتبه أكثر من مرة. فالكتابة عموما، والفنون السردية خصوصًا تتطلب إرادة قوية، وأقوى الإرادات هي التي تنتج أفضل النصوص. قد يقول بعض الكتّاب انهم يكتبون بسهولة ويسر، ويقصدون بذلك الكتابة السطحية الرائجة التي يقبل عليها من يريد الأستمتاع بالقصص الميلودرامية أو روايات الحب الخفيفة، التي لن تصمد أمام الزمن.

سُئل الكاتب الأميركي (مارك توين): “كيف تُكْتَبُ الكتب الرائجة؟”. فأجاب:

أوه …! إنه أمر جد بسيط. خذ قلما وورقة واكتب الأفكار التي ترد إلى ذهنك. ولكن المهم في الأمر هو نوع الأفكار التي تكتبها.

الأفكار موجودة عند كل الناس، ولكن ليس عند الكل القدرة على التعبير عن أي فكرة بوضوح وسلاسة وكثافة في جملة واحدة موجزة، وكما قال (تشيخوف) فأن “الإيجاز صنو الموهبة”.

الكاتب الحقيقي  من يجيد التعبير – الواضح والجميل في آن واحد عن أفكاره وعواطفه، وعن زمانه، ورؤيته للحياة والعالم، ويمتلك حساسية مرهفة قادرة على تحويل الكلمات المألوفة إلى كلمات يبعث على التفكير، أو يلهب العاطفة والشعور.

رابعًا: تقنيات الكتابة

ليس للأدب –كأي فن آخر- قواعد محددة ولكن استيعاب تجارب الكتاب الكبار والتقنيات الفنية المستخدمة في نتاجاتهم ضرورية للكاتب – أي كاتب، فالروائي او القاص الذي لم يدرس التقنيات السردية من خلال تحليل الأعمال الأدبية الخالدة لكبار الكتاب، كأنه يبدأ من الصفر. وكل كاتب حقيقي هو قاريء نهم ومتميز بالضرورة، لا يكتفي بقراءة النتاج الأدبي لمرة واحدة كأي قاريء عادي، بل يعيد قراءته أكثر من مرة ليعرف “كيف تمت صناعته”. واذا لم يكن عنده وقت للقراءة فلا يمكن أن يكون كاتبًا.

يقال بأن التقنيات الفنية يمكن تعلمها –إلى حد ما- عن طريق التعليم أيضًا. وهذا يفسر انتشار الورش الإبداعية في أنحاء العالم التي يتحدث فيها كبار الروائيين عن تجاربهم ويقدمون النصح والأرشاد للمبتدئين في عالم الأدب. ولكني لا أعتقد بأن مثل هذه الورش يمكن أن تخلق كاتبًا مبدعًا، ما لم يتوافر على بذرة الموهبة وهوس الحكي. ثمة طريقة واحدة لتكون كاتبًا جيدًا أن تجلس وتكتب وتجرّب إلى أن تكتب نصاً ذا قيمة فنية.

ذات مرة كان الكاتب (سنكلير لويس) يحاضر عن المهارات الأدبية في احدى الورش الإبداعية ووجه سؤالاً المتدربين: “هل أنتم جادون في أن تصبحوا كُتابًا؟”

فأجابوا بصوت واحد : “أجل”

فرد عليهم (سنكلير) قائلاً: “إذًا لماذا أنتم هنا ولستم في بيوتكم لتكتبوا !”

الكاتب يتعلم من محاولاته وتجاربه الشخصية في المقام الأول وممارسته الدؤوبة للكتابة يومًا بعد يوم، لأن ترك الكتابة لفترة طويلة يؤدي إلى جفاف القريحة ونضوب الطاقة الإبداعية تدريجيًا .. إن القاعدة الذهبية للنجاح تكمن في أن يطور الكاتب نفسه ويتعلم من إنجازاته ومن أخطائه أيضًا، لأن من المهم له أن يعرف أيضًا، ما لا ينبغي كتابته، وأن يعيد كتابة نتاجه المرة تلو المرة. من يصدق أن عبقريًا مثل (تولستوي) كان يعيد كتابة نتاجاته وتعديلها وتنقيحها عشرات المرات أحيانًا.

يقول (إيليا اهرنبورغ) في محاضرة ألقاها في معهد الأدب العالمي في موسكو عام 1949:

عندما أنجز رواية ما، اعيد النظر فيها: أحذف وأعدل وأنقح، وبالنتيجة يتقلص حجم الرواية إلى أقل من نصف حجمها الأولي. ولا أنشرها إلا بعد أن أكون راضياً عنها.

خامسًا: العزلة  

الحكمة تولد في الصمت والأفكار تتدفق والمخيلة تنشط في العزلة الإيجابية المنتجة، ولهذا فإن سمة مهمة أخرى للكاتب الحقيقي؛ العزلة أو الاختلاء بالنفس. وبطبيعة الحال فإننا لا نقصد بذلك العزلة عن حياة المجتمع، بل الابتعاد عن المشاغل اليومية وعدم هدر الوقت الثمين وإيجاد الوقت الكافي للكتابة. وثمة قول لـ(فرانز كافكا) ورد في إحدى رسائله، يقول فيها: “إن كل أعمالي هي نتاج الوحدة”.

قد يقول البعض أن ثمة العائلة وزملاء العمل والأقارب، والأنشطة الاجتماعية. كل هذا يمكن ان يكون موجودًا. العزلة الحقيقية التامة؛ هي في الداخل. إنها إحساس لا يفارق الكاتب أبدًا وطوال حياته يتعلم كيف يستخدمها على نحو صائب وصحيح. يتعلم النظر إلى الأشياء من زاويته الخاصة حيث يرى فيها ما لا يراه الآخرون.

سادسًا: الأسلوب والصوت

لا يقتصر مفهوم الأسلوب على الطريقة التي يسلكها الكاتب للتعبير عن أفكاره وعواطفه، ففي العمل الفني، تؤدي الكلمة وظيفتان، أولهما حمل معلومة معينة، وثانيها التأثير الجمالي في القاريء من خلال الصور الفنية، وكلما كانت الصور أكثر إشراقًا، كان تأثيرها أعمق وأقوى.

الكاتب الجيد يمتلك أسلوبه الخاص وصوته المتميز، ولا يقلد كاتبًا آخرًا، لأن لكل شخص تجربته ورؤيته للعالم .. على الكاتب أن يعتمد على تجربته الخاصة. كتب (جون براين)، مؤلف رواية (غرفة على السطح):

إذا كان لصوتك أن يُسمع وسط آلاف الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئاً بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك قدمتَ تجربتك الخاصة صادقًا.

قال الشاعر الروسي (سيرجي يسينين):

لا تقلد صوت الكروان. بل غن بصوتك، ولو كان أشبه بصوت الضفدعة.

الكاتب الذي لا يتميز بأسلوبه وموضوعاته وأفكاره، لن يحظى بإعجاب القارئ واهتمامه، ويطويه النسيان، عاجلًا  أم آجلًا.

نصائح إلى الأديب من تولستوي وغيره

0703_writing_cog

كتاب (لعبة الأدب) هو: مجموعة من الرسائل والمقالات والحوارات لكتاب كبار أو عنهم. يتحدثون فيها عن الأدب والكتابة بشكل عام من جوانب شتى باتجاهات مختلفة وغنية. وأيضا بعض تجاربهم الشخصية معها. عباقرة فن الكتابة يشرحون أسرار اللعبة.

نصائح إلى الأديب من (تولستوي):

كل أديب حين يكتب شيئاً جيداً، فإنه يكتب ما يُريد أن يكتبه.

أريد أن أُركّز على هذه النقطة ..

كل عمل فني هو وليد الحاجة والرغبة في خلق شيء .. هذا هو الفرق بين الدافع الفني والدافع العلمي.

 العلم فهم وتجربة، خلاصة تجربة. إنه الفكرة والاكتشاف. والفن هو خبرة الحياة الشخصية، الخبرة كما ترويها الصور والأحاسيس. إنه الخبرة الشخصية التي تحاول أن تصل إلى التعميم.

و الأديب يعلم من التجربة أن الكتابة عمليّة يُسيطر فيها على مادته ومن خلال ذلك يُسيطر على نفسه أو يصبح سيّد نفسه.

و تجربة الكتابة تواجهها دائمًا عقبات يجب حلّها. هناك دائمًا صعوبة ينبغي التغلّب عليها.

لا يوجد أديب يفيض قلمه بسهولة بغير متاعب.

إن الكتابة صعبة و كلما كانت صعبة كلما جاءت نتائجها طيّبة.

كيف نتغلب على هذه العقبات؟

هناك نصيحة يمكن إسداؤها بثقة بالنسبة لكافّة المشاكل الغنيّة التي تتطلّب الحل.

هذه النصيحة هي أن تختار الحل الذي يعجبك أنت، و الذي يجذبك إليه من دون الحلول الأخرى.

و بتعبير آخر، عليك أن تجرّب الموقف الفنّي و أن تختار الحل الذي تهواه.

الحل الذي يضايقك لا تقربه، و إذا جرّبته فإن النتيجة ستكون زائفة و سيئة.

إذا كتبت وأنت في حالة ضيق أو بدون حماسة فإنك تسير في الطريق الخطأ، يجب أن تحلّق وتستخدم أجنحتك وتطير.

ضع هذه النصيحة نصب عينيك وفي رأس القائمة دائمًا والفن هو عملية خلق في الوقت الذي يرغب الفنان نفسه أن يخلق، رغبة غير عادية، أكبر من رغبة القارئ نفسه في القراءة.

و أحيانًا يكتب الأديب بحماسةٍ تفوق حماسة القارئ لأدبه.

في هذه الحالة يكون الأدب مفتقراً إلى تجربة الاتصال، و لكن ليس معنى هذا أنه ليس بأديب. إنه يسير في الطريق الصحيح.

إن العمل الفني هو دائمًا عمل ثنائي المفعول، فإن الأديب ينمو مع فنه، و أدبه ينمو مع الناس الذين يُصورهم، والأديب ينمو مع الشخصيات التي يخلقها.

على الأديب أن يُنمّي في نفسه ويعتاد على الملاحظة، و عليه أن يحبّ ذلك .. ألا يتوقف عن ممارستها. عليهِ أن يُخمّن الماضي و الحاضر لرجل من حركة, من عبارة.

يقول الأدباء الرمزيّون الفرنسيون أن الفكرة تجد التعبير عنها في عبارة واحدة دون غيرها و ينبغي الوصول إلى هذه العبارة.

و يُلخص (سومرست موم) قوانين الأسلوب بقوله:

القانون الأول هو : إن الأسلوب الجيّد هو الذي لا يبدو فيه أثر جهد الكاتب و إنما تبدو الكتابة كأنها متعة للكاتب نفسه.

القانون الثاني هو : إن على الكاتب أن يكتب باللغة السائدة في عصره. لأن اللغة كائن حيّ ينبض بالحياة. و هي كالكائن الحيّ دائمة التطوّر و التغيّر.

أمّا في الحديث عن الموهبة الفنية وكيف يُنمّيها الفنان في نفسه ويصقلها فهي عند (تشيخوفمعركة دائمة بين الفنان وبين التخلف سواءً في نفسه أو في الوسط الذي يعيش فيه. وهي معركة ينبغي أن تكون جماعية، أي أن يدعو الفنان زملاءه إليها كما يدعو الجندي زملاءه في العراك. ولهذا فالموهبة الناضجة لاتقتضي من الفنان تقويماً فكرياً فحسب. بل تقويماً خلقياً في الوقت نفسه بعيداً عن كل أثر للهمجية سواءً في الفكر أو في السلوك. 

لهذا يهتم (تشيخوف) بأن يكون الفنان مخلصاً غاية الإخلاص مع نفسه وهو يبدع. أن يكون على علاقة مباشرة وطيدة مع أعماقه. لأن أجمل مافي الفنّ الإخلاص و البساطة.

و” الموهبة هي الشجاعة ” جملة يرددها تشيخوف كثيراً لأن الجبن لا يُنتج فناً، بل مرضاً يلبس مسوح الفن. و إذا كانت الشجاعة تكلف الإنسان الكثير فإن الفن يتطلب من الفنان خصائص شخصية ممتازة و تضحيات لا حصر لها.

و يربط (تشيخوف) بين الموهبة و القيم الخلقية ربطاً محكماً لأن الإبداع الأصيل والخلق هما جناحا الفنان الحقيقي.

و في قصته (مشاعر حادة) يقول: “إن الموهبة قوّة أصلية كالغرائز

أما بالنّسبة لـ(جوركي) فكان الأدب هو وسيلته في الكتابة ويقول في مقدمة كتاب روسي عن تاريخ الأدب الأجنبي: 

إنني أدين للكتب بكل ماهو طيّب في نفسي. حتى في صباي أدركت أن الفن أغزر سخاءً و كرماً من الناس. إنني متيّم بالكتب. كل كتاب هو عندي معجزة. و كاتبه يبدو لي ساحراً