أرشيف الوسم: ثقافة

اقتراح (بهاء طاهر) لتجديد الخطاب الثقافي

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي أورد فيها فصلًا عن الثقافة العربية وكيفية تجديد الخطاب الثقافي.

كانت آرائي صادمة.

أقول أنه لا يوجد خطاب ثقافي من الأساس، الخطاب يحتاج لمُرسل ومستقبِل؛ المرسل أصابه العطب، والمستقبل لم يعد موجودًا.

يتابع بعد ذلك:

كثيرًا ما أذكرهم بقصة (جان فالجان) لـ(فيكتور هوغو)، وأقول لو أن الثقافة في العموم مهتمة بأن تتحول المواقف الثقافية الكبرى لجزء من مناهج التعليم لتبدّل الحال، ولكانت الثقافة العربية تغيرت كثيرًا، لو تعلمنا منذ الصغر بشكل ملموس معاني العدالة والخير والمساواة، كان العالم بأسره سيتغير، فمن غير المؤثر أن نكتب عن هذه المعاني فقط، دون تطبيق حقيقي ومخلص، بل الأهم والمؤثر أكثر أن يعيش الصغار -الذين لهم حقّ علينا نحن الكبار- هذه القصص والمواقف الملهمة، ليس بالتلقين فحسب، وإنما بالمحاكاة.

علينا أن ننبذ الأفكار الجامدة من قبيل: “كل شيء على ما يرام .. نتعامل كأننا مثقفون .. كأننا ديموقراطيون .. كأننا لسنا لا متعصبين ولا عنصريين!”

أي آسف!

على الإعلام الحقيقي ووزارة التربية والتعليم والمختصين والنخبة التحرك حثيثًا لوضع مناهج وأطر جديدة فكرية، وإنقاذ الهوية الثقافية.

لا بدّ من البعد عن الإنساء، كفانا إنشاءً .. وأن نسعى لتطبيق جوهر الوعي الخالص في حياتنا الثقافية بشكل فاعل.

من حوالي ربع قرن تقريبًا، كتبت في جريدة (الليموند) الفرنسية جملة لا تُنسى: “الحكومة المصرية تتظاهر بأنها تمنح الموظفين مرتبات، وفي المقابل الموظفون يتظاهرون أنهم يعملون”. 

ينتقل بعد ذلك، (بهاء طاهر) إلى حالة التعليم والقراءة الحرة، فيقول:

بالطبع، أبسط الأحلام التي أتمنى تحقيقها، تغيير الخطاب الثقافي برمّته، هذا الخطاب المتكلّس، فما زلنا نتعامل مع الثقافة كأنها أمر شرفي، جوائز ومهرجانات واحتفالات ليس أكثر ولا أقل.

لكننا لم نفكر أبدًا كيف تتحول الثقافة إلى جزء من حياة المجتمع؟

أتذكر وأنا تلميذ في ثانوي أن د. (طه حسين) كان وزيرًا للمعارف، وكان من رأيه -وهذا ما كتبه في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) سنة 1937- أن القراءة الحرة ينبغي أن تكون بمثابة ثلث المناهج التعليمية على الأقل. 

تم بالفعل تطبيق هذا في العام والنصف الذي كان فيه وزيرًا، وقد وُزّعت علينا في المدارس كتب مجانية للقراءة فقط، وبفضل هذه التجربة بدأ أناس كثيرون جدًا الاهتمام بالقراءة والثقافة.

لا أذكر أن هذا الأمر تكرر إلا مرة واحدة، عندما قرروا تدريس أحد كتب العبقريات لـ(عباس محمود العقاد) ورواية (كفاح طيبة) لـ(نجيب محفوظ). ولم يتكرر الأمر منذ سنوات بعيدة.

في الغرب يعلمون التلاميذ اللغة من خلال كلمات لكبار الكتّاب، مثلًا يشرحون جملة للطلبة استعملها (ألبير كامو) أو (تشيخوف) أو (دوماس) أو (دوستويفسكي) في إحدى رواياته، وهنا يبقى جزء من الوعي الكامن لثقافة التلميذ أن هذه اللغة صنعها كبار الأدباء والمثقفين، لكن الآن للأسف يتم فرض نصوص على التلاميذ عفا عليها الدهر، نصوص مرهقة، غير فعالة على الإطلاق.

وأخيرًآ، يتحدث (بهاء طاهر) عن اقتراحه لتجديد الخطاب الثقافي، فيقول:

كيف يمكن أن نجعلهم على صلة بثقافتهم المعاصرة؟

اقترحت من قبل أن يقرأ المسؤولون كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لـ(طه حسين)، وأن ينفذوا أفكاره بحذافيرها، لأنه -للأسف- لا يوجد برنامج لتغيير ثقافة مصر إلا برنامج (طه حسين) الذي كُتب عام 1937.

اقترحت الاهتمام بالمعلم، بطريقة التعليم، فالتعليم لا يعتمد على أسلوب التلقين قدر أن يكون نوعًا من التدريب على الديموقراطية، ألا ننادي جميعًا بالديموقراطية؟

[…] ليتنا طبقنا أفكار (طه حسين) منذ هذا الوقت!

لو كانت طُبّقت لكنا أنقذنا الوطن من براثن التطرف الديني، هذا الكتب كان سيعلّم المصريين احترام الاختلاف، أي الرأي العام يتم الرد عليه بالرأي وليس بالهمجية والقنبلة والتطرف والتمرد.

يتحدث (طه حسين) في هذا الكتاب عن كيفية تحويل الديموقراطية إلى أسلوب حياة فاعل، وليس مجرد مفاهيم راكدة جامدة مكتوبة داخل الكتب ولا يتم تطبيقها أو الاستفادة منها، فبدون تطبيق الديموقراطية، تختنق المجتمعات، ووجهة نظري أنه لن لتم القضاء على الفقر ولا على الأمية إلا بتطبيق الديموقراطية.

والديموقراطية في أساسها أن يكون كل الناس جزءًا من عملية التغيير. كم عامًا أمامنا لنصبح هكذا؟

عبدالرحمن منيف وأحاديث حول الثقافة الوطنية

منيف

عبد الرحمن منيف (1933 – 2004) روائي سعودي. يعد (منيف) أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين؛ حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي العربي، والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في دول الخليج العربي أو ما يدعى بالدول النفطية، ربما ساعده في هذا أنه أساسا خبير بترول عمل في العديد من شركات النفط مما جعله مدركا لاقتصاديات النفط، لكن الجانب الأهم كان معايشته وإحساسه العميق بحجم التغيرات التي أحدثتها الثورة النفطية في صميم وبنية المجتمعات الخليجية العربية.

في كتابه (بين الثقافة والسياسة)، والذي طرح فيه (منيف) عددًا كبيرًا من الأسئلة بلا جواب، تحدث فيه عن عدة أمور، منها بعض من الأفكار حول الثقافة. يقول منيف عن مكانة الثقافة للمجتمع:

إن ثقافة أي شعب تمثل السمات الأساسية التي تكوّن وجدانه، وتعكس مدى صلابته، وتحدد كيف يفكر وكيف يواجه الأزمات، وأخيرًا كيف يعبر عن موقفه، خاصة وأن الثقافة لا تستطيع الهروب من المشاكل والهموم الحقيقية للناس، ولا التنكر لطموحاتهم وأحلامهم، كما أنها خير معبّر عن الروابط الأساسية وتطلعات المستقبل أكثر مما ترتهن للطارئ والجزئي، كما تفعل السياسة غالبًا.

ويتابع حديثه:

ولأن جوهر الثقافة الوطنية هو الوعي التاريخي للعصر والواقع معًا، وإدراك حقيقة الأخطار والتحديات، فمن خلالها إذن نستطيع قراءة الأفكار وآمال المستقبل، ومن قولها الجهير أو الرامز نلتقط الهموم، كما نحس المخاوف، مخاوف الأيام القادمة، كما نقرأ من خلالها التحديات، وما يدبره لنا العدو لكي يوقع بنا، وهكذا تصبح الثقافة الوطنية مواجهة واسعة وكبيرة بين خيارين وإرادتين، خيار وطني دافعه الحرية والكرامة الوطنية ومقاومة التبعية، وخيار العدو الذي يريد الهيمنة والإلحاق والاستغلال. ومن خلال صراع الإرادتين تتحدد المواقف ويحكم عليها. وبذلك تتجاوز الثقافة مجرد تسجيل المواقف أو البراعات اللغوية والأسلوبية، لأن حقيقتها تتجلى في رفض ما يريد العدو فرضه أو تكريسه، وفي انتهاج فعل مغاير لمسار الإلحاق والتبعية، وتحريض القوى الحية في المجتمع لكي تختار ما يعبر عن مصلحتها وطموحها.

ويقول:

الثقافة هي الرصيد الروحي لحضارة من الحضارات. هي تراثها وطاقتها على التجدد والمتابعة والإبداع، وهي القدرة على التحدي والاستمرار. أي أن الثقافة تصنع عقل الأمة ووجدانها، وبالتالي فهي التي تحمي هذا العقل وتزيده معرفة وإدراكًا، وهي التي تغني الوجدان وتجعله أكثر ثراء وأسرع استجابة لقيم الحق والعدل والجمال.

يستمر (منيف) بعد ذلك، فيشرح “الثقافة الوطنية”، قائلًا:

الثقافة الوطنية هي مجموعة من الأفكار والقيم والصيغ والتعبيرات التي لا تقتصر على الكتابة، أيًا كان نوعها، فقط، وإنما تشمل أيضًا المعايير القيمية والسلوكية التي تُعتمد وتوجّه، مضافًا إليها الطاقات والنشاطات التي يمارسها الناس تعبيرًا عن موقف، أو تحديدًا لعلاقة، خاصة مع الآخر. وهي بمقدار ما تكون فكرًا فإنها ممارسة أيضًا. أي بكلمات أخرى: إن الثقافة الوطنية هي مجموعة من القيم الأساسية، والمتطورة في نفس الوقت، المرتكزة جوهريًا غلى مبادئ الحق والعدالة والحرية والكرامة، إن على المستوى العالمي، أو على مستوى كل بلد، أي الوطني، بما في ذلك مقاومة الظلم أيًا كان مصدره، والدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية تجاه أية قوة خارجية غازية، وهي تعبير عن الحق في الوطن والحرية، ومسؤولية في الدفاع عن الوطن والحرية.

هذه القيم، وما يماثلها والتي يفترض أن تشكل جوهر الثقافة الوطنية، تتطلب مقارنة بما كان سائدًا ونقده، لاستخلاص المواقف أكثر صحة وأكثر فعالية، من أجل إقامة معادلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار أخطاء الماضي، ولترميم العلاقة بين أطراف يفترض أن تكمّل بعضها، وأن تساهم معًا في دور وطني من أجل بناء ثقافة وطنية جديدة تلائم طبيعة المرحلة وتحدياتها.

الثقافة: الراقي والشعبي

tumblr_inline_mnj0v7VyVa1qz4rgp

أمبرتو إيكو (Umberto Eco)، فيلسوف ايطالي،روائي وباحث، يُعرف بروايته الشهيرة اسم الوردة، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

تحدث امبرتو ايكو في أحد المقالات التي كانت تصدر له في نيوورك تايمز وتمت ترجمتها من قبل جريدة الاتحاد الإمارتية بعنوان الثقافة: الراقي والشعبي قائلاً:

أثناء مناقشة “أنجيلو أكوارو” و”مارك أوجيه” كتاب فريديريك مارتل الجديد، وعنوانه “الاتجاه السائد”، في إصدارٍ حديثٍ لصحيفة “لاريبابليكا” الإيطالية، تطرّقا إلى مسألةٍ غالباً ما يتم تناولها، لكن دائماً من زوايا مختلفة، وبوجهٍ خاص في ما يتعلق بمستويي الثقافة، الراقية والمتدنية. ولا شك في أنّ شخصاً شاباً يستمع اليوم لموسيقى موزار وللموسيقى الفولكلورية من دون تمييز، يعتقد أن لا علاقة لهذه المسألة بالموضوع. لكن من الضروري الإشارة إلى أنّ المسألة كانت بالغة الأهمية منذ نصف قرنٍ. ففي عام 1960، كتب الناقد الثقافي الأميركي، دوايت ماكدونالد، مقالاً مميزاً بعنوان “ماسكلت أند مدكلت”، (أي الثقافة الشعبية والثقافة المتوسطة)، ولم يظهر من خلاله مستويين من الثقافة وحسب بل ثلاثة مستويات.

أكّد ماكدونالد أنّ جويس وبيكاسو وسترافنسكي يمثلون الثقافة الراقية، في حين تمثّل أفلام هوليوود وموسيقى الروك وغلافات مجلة “ساترداي إيفنينغ بوست” (ومعظمها للرسام الأميركي نورمن روكول) “الثقافة الشعبية”. غير أن ماكدونالد قام أيضاً بتعريف مستوى ثالثٍ من الثقافة، وهو “الثقافة المتوسطة”، التي شبّهها بمنتجات الترفيه التي استعانت ببعض أنماط الطليعيين، في حين بقيت في أساسها رديئة. ومن بين الأمثلة القديمة على الثقافة المتوسطة، ذكر ماكدونالد أعمال الرسام الفكتوري الهولندي الأصل السير لورنس ألما تاديما، والشاعر الفرنسي العظيم إدمون روستان الذي أحدث تغييراً بارزاً في نصف القرن الماضي. أما بالنسبة للفنانين المصنفين ضمن الثقافة المتوسطة، وهم من جيل ماكدونالد، فقد أشار هذا الأخير إلى إرنست همنغواي في حياته مؤخراً، والكاتب الأميركي ثورنتون ويلدلر، الذي فازت مسرحيته في عام 1938 بعنوان “أور تاون” بجائزة بوليتزر. ومن المرجح أن يكون ماكدونالد قد أضاف الكاتب المسرحي وليام سمرست موم، والهنغاري ساندور بيتوفي والروائي البلجيكي الأصل والرفيع الشأن والكثير الإنتاج جورج كرستشن سايمنن. كما اعتبر ماكدونالد روايات سايمنن البوليسية التي تتميز بالمحقق البوليسي جول ميغريه، من ضمن الثقافة الشعبية، وأعمال سايمنن الأخرى التي تخلو من المحقق ميغريه من ضمن الثقافة المتوسطة.

لا يعود الفرق بين الثقافة الشعبية والثقافة الراقية إلى زمنٍ بعيدٍ كما يتخيّله الكثير من الأشخاص. فقد ذكر أوجيه في صحيفة “لا ريبابليكا” مأتم الكاتب الفرنسي فكتور هوغو، والذي حضره مئات الآلاف من الناس (هل كانت أعمال هوغو من الثقافة المتوسطة أم الراقية؟)، في حين كان تجار السمك في بيريوس حتى، يستمتعون بمآسي سوفوكليس. وما إن تم نشر رواية “ذو بتروثد” في أوائل القرن التاسع عشر للكاتب ألساندرو مانزوني، حتى صدرت عدة نسخ تدلّ على شعبية هذه الرواية. ولا ننسى القصة الشهيرة للحداد المنشد الذي اختلط بسطور قصائد دانتي، الأمر الذي أغاظ الشاعر من جهة لكنّه أظهر أيضاً من جهةٍ أخرى أنّه حتى الأمّيين يدركون أعماله.

وهذا الأمر صحيح، ففي روما القديمة كان الناس يتخلون عن مسرحيات تيرينس للذهاب إلى السيرك ومشاهدة الدببة. لكن حتى في أوقاتنا هذه، يتخلّى المفكرون العظماء عن حفلةٍ موسيقيةٍ ما لمشاهدة مباراة كرة قدم مهمة. وفي الواقع، لا يتضح الفرق بين مستويي الثقافة (أو المستويات الثلاث) عادةً إلا عندما يثير الطليعيون القدامى البرجوازية عن قصد من خلال تمجيد غموض الأداء أو رفضه كقيم فنية.

هل يحدث هذا الفرق بين الثقافة الراقية والمتدنية في أوقاتنا هذه؟ لا. فمؤلفو الموسيقى الكلاسيكية في القرن العشرين، مثل لوتشيانو بيريو وهنري بوسور، يولون موسيقى الروك أهمية كبيرة في حين يضطلع العديد من موسيقيي الروك بالموسيقى الكلاسيكية إلى حدٍّ كبير. فانتشار “البوب آرت” في منتصف القرن وضع حداً لتسلسل الثقافة التقليدية: ويُعزى اليوم عدم القراءة إلى الغموض الكبير لبعض الكتب الكوميدية (وما يعرف اليوم بـ”الروايات القصصية”)، في الوقت الذي يعتبر فيه العديد من مسارات صوت الأفلام الغربية والإيطالية كموسيقى الحفلات. واليوم، كل ما عليك القيام به هو مشاهدة مزادٍ علني على التلفزيون لرؤية أشخاص يقومون بشراء “غير راقٍ” (وبرأيي، كل من يشتري لوحةً على التلفزيون لا يصنّف عضواً في نخبة المثقفين) للوحاتٍ زيتيةٍ مجرّدة من الفن العريق، كان ليرفضها أهلهم وليعتبرونها كصورٍ رُسمت بذيل حمار. وكما بيّنها أوجيه: “ثمة دائماً تبادل سرّي بين الثقافة الراقية والثقافة الشعبية، وغالباً ما تغني الثقافة الشعبية الثقافة الراقية” (وأود أن أضيف قائلاً، “والعكس صحيح”).

والجدير بالذكر أن التمييز الحديث بين مستويات الثقافة انتقل من التركيز على محتوى عمل معيّن أو شكله إلى طريقة الاستمتاع به. وبعبارةٍ أخرى، لم يعد من وجود لأي فرق بين بيتهوفن و”جنغل بلز”. فاليوم يستمتع السامعون بموسيقى بيتهوفن، والتي يتم تصوّرها كخلفيات موسيقية وسلسة نغمات رنين، من دون إدراكهم بذلك (كما أوضحها الناقد الثقافي ووتر بنجامن)، وبالتالي، باتت شبيهة بنغمات الإعلانات. لكن النغمة المعدة لإعلان سائل تنظيف قد تصبح موضوع تحليل مهماً وتكتسب تقديراً نظراً للإيقاع أو اللحن أو التناغم.

وبالإضافة إلى العمل الفني، فقد تغيّرت أيضاً مقاربتنا للأمر. فالأشخاص الذين لا يبالون بالموسيقى، قد يستمعون إلى ووغنر كمسارٍ موسيقي لعرضٍ واقعي، في حين قد يجلس رفيعو الذوق ويستمتعون بمشاهدة فيلم “تريستان وإيزولد” حتى النسخ القديمة منه كتسجيلات الفينيل.

جدل الثقافة و الحضارة عند برهان غليون

Syrian National Council 's President Bur

برهان غليون مفكر سوري فرنسي، يشغل منصب مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس. لديه العديد من المؤلفات الهامة في مسألة النهضة والتحول الديموقراطي في البلدان العربية. في كتابه (اغتيال العقل) ناقش جدل الثقافة و الحضارة.

فقال في توطيده لفهم مسار الثقافة:

في عصرنا الرّاهن، أكثر من أية حقبة أخرى، لم تعد الثقافات القوميّة المختلفة تعيش في زجاجة مغلقة، و إذا كانت هذه الثقافات مازالت قائمة و مستقلّة نسبياً فهي لا تتمتّع بالدرجة نفسها من الانسجام و التكامل و الحيويّة و القوّة الذاتيّة. و ليس لها حظوظ متساوية فيما بينها من التطوّر و النموّ و الازدهار و التجدد. و كما أن الأنماط الثقافيّة المختلفة تتنازع فيما بينهما داخل كل ثقافة موقع الهيمنة و تؤكد تقدم فريق اجتماعي على الآخر أو تراجعه في النظام الاجتماعي، فإن الثقافات القوميّة تتصارع أيضاً فيما بينها للوصول إلى موقع الثقافة العالمية، أي الثقافة التي تصبح مصدر القيم الإنسانية الأساسية و مرجعها و كفيلها، و هذا الموقع هو الذي يعطي لقيمها مصداقيّة راسخة، و يؤكد بالتالي مصداقيّة و تفوّق الشعوب التي تتماهى معها. وهو الذي يجعلها منبع القيم و المعارف و العلوم التي تنهل منها الثقافات الأخرى الخاضعة و تقيس نفسها عليها.

أمّا عن طموح الثقافات في هذا فيُعقب بقوله:

كل الثقافات تطمح في الواقع إلى أن تكون عالميّة، إذ حتى تستطيع أن تعمل كمنبع لقيم إنسانية عامّة، لا بدّ لها أن تنكر طابعها القومي أو المحلّي و الشروط الاجتماعية و التاريخية التي ظهرت فيها. فالثقافات الحيّة هي التي تنظر إلى الإنسان كإنسان، وتخاطبه كمثال و نموذج للإنسانيّة جمعاء، قبل أن تنظر إليه كواقع قومي و محلّي ضيّق.
ومن خصائص لثقافات المتراجعة أنها تبرّر قيمها الخاصة من وجهة نظر قومية و تربطها بخصائصها الحلّية و لاتؤكدها كمنبع لقيم إنسانية عامّة و كونيّة.

و هذه الثقافة الحية أو العالميّة هي الثقافة الحاملة للحضارة و المدنيّة. ونظرتها الإنسانية الشاملة هي التي تسمح لها بالادّعاء و التّحقق كمنبع لقيم تتجاوز التأكيد على الهويّة في وجه الجماعات الأخرى، لتكون مصدر تكوين كل اجتماع بشري. فالحرية الفردية ليست اليوم، ولا تُرى كقيمة أساسية لبناء المجتمع الغربي، بل هي قيمة أساسية في قيام كل مجتمع مدنيّ في العصر الحديث.

و التناقض القائم في كل ثقافة بين واقعها كثمرة و نتيجة لسيرورة اجتماعيّة – تاريخية خاصة، و بين نزوعها لأن تكون ثقافة عالمية صالحة لكل زمان و مكان، هو مصدر الصراع و التفاعل و التبادل أيضاً بين الثقافات.
و الثقافة التي تؤمن بمحلّيتها تنغلق على نفسها، و هذا التبادل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفّر لدى الجماعة الثقافية الاعتقاد بأن منظومة قيمها هي الأصلح إنسانياً، و أن على انتشارها يتوقف مصير تقدم البشرية وتطورها.

يُلخص ذلك بقوله:

نستطيع أن نقول بشكل عام إن الثقافات التي لاتتمتع بنظرة إنسانية عالمية، ولا تتصارع مع غيرها، لا تتبادل شيئاً و لا تطمح إلى معرفة الثقافات المحيطة بها.
إنها تعيش خارج التاريخ العام، وتحكم على نفسها بالتقهقر و الموت البطيء.
إن الثقافات الكبرى التي مازالت قائمة حتى اليوم هي تلك التي خرجت من صراعات عنيفة إقليمية و عالمية، و مازالت مستمرّة فيها إلى اليوم.

إن أحد مصادر الفهم الخاطئ للثقافة هو الخلط الدارج بينها و بين الحضارة. و لهذا الخلط عدّة أشكال تبدأ بخلط المعنيين بحيث تصبح الثقافة رديفاً للحضارة، و عندئذٍ تُستخدم للتمييز بين الشعوب البدائيّة التي تفتقر إلى الثقافة بمعنى الكلمة و تلتصق بالطبيعة أو الفطرة و الغريزة. و الشعوب التاريخية التي تشكل الثقافة بعداً أساسياً من حياتها السياسية و المادية و الروحيّة.

و الشكل الثاني لهذا الخلط هو اعتبار الحضارة الترجمة الماديّة للقيم الأساسية الكامنة في كل ثقافة، واستخدامها في هذه الحالة كمؤشّر على صلاحية هذه الثقافة أو أهليّتها.
و في هذه الحالة الأخيرة لاتكون الحضارة إلا امتداداً للثقافة وتجسيداً تاريخياً لها. و الشعوب التي لم تسطع أن تماشي الحضارة الحديثة يجب أن تعترف بعدم صلاحيّة ثقافتها، و ليس لها إذا أرادت أن تستوعب الحضارة التقنية أو العلمية الراهنة الصّادرة عن ثقافة توصف عادةً بأنها عقليّة أو علميّة، إلا أن تترك ثقافتها و تتبنّى قيم و أنماط الثقافة الجديدة.

و الثقافة العالميّة ليس الشرط الوحيد لنشوء الحضارة. فتقدم الثقافات كثيراً مايرتبط هو نفسه بمحصّلة الصراعات التاريخية الاقتصادية و العسكرية. و لكن الحضارة لا يمكن أن تخصب بدون هذه الثقافة العالمية، وقد يكون تقدّم هذه الثقافة و توسّعها ثمرة لهزيمة عسكرية أكثر مما هو ثمناً للنصر. فالثقافة الغربية انتشرت في بلدان العالم الثالث بعد الاستقلال أكثر بكثير مما انتشرت قبله.

يصِل بنا من ذلك إلى قوله:
الحضارة، بعكس الثقافة، ظاهرة عالمية بالضرورة، شرطها الأساسي تجاوز الثقافات و امتزاجها و انفتاحها بعضها على البعض الآخر، وغالباً مايحصل هذا الانفتاح بالقوة و العنف. و هي بعكس الثقافة أيضاً لا تقوم على توازنات روحيّة و عقلية ثابتة، إنما تنطلق بحصول ديناميّة تراكميّة و منتجة تنقل هذه التوازنات القلقة التي تعيش عليها الثقافات إلى توازنات و مؤسسات مادية و موضوعية و إلى نظم متميزة لتحرر الفرد من قبود التماهي الآلي مع الجماعة و تحرر الجماعة من التماهي مع الطبيعة و الخضوع لها. فإذا كانت الثقافة هي الفهم، فالحضارة هي العلم بما هو تنظيم للمعارف أي وضعها و صياغتها في نظام لا يخضع لحدس الفرد العالم ولا لنفاذ بصيرته، و إنما لأسس تسمح لكل متعلم أن يدركه ويستفيد منه.
وفي العلم تجاوز عظيم للمعرفة من الخاص إلى العام، و من الذاتي إلى الموضوعي، و للجماعة القوميّة الضيقة إلى الإنسانية الواسعة وهذا مايسهّل انتثال المعارف عبر الثقافات و انتشار الخبرة و تعميمها على نطاق المعمورة.

إن تاريخ الحضارة مرتبط بتاريخ تطوّر التنظيم الإنساني، تنظيم المعرفة أو تنظيم النشاطات الأخرى، و إن هذا التنظيم بقدر ما يتحول إلى منظومة مستقلّة عن كل الثقافات و متميّزة عنها، أي إلى منظومة علمية و قائمة بذاتها و موضوعية يصبح في متناول كل مجتمع بشري. ولا تقوم الثقافات المختلفة التي تحتضن الحضارة بين فترة و أخرى، إلا بتطوير هذه المنظومة ووضع مساهمتها و تجربتها فيها قبل أن تنتقل إلى منطقة أخرى.

إن العلاقة بين الحضارة العالميّة و الثقافات، تختلف حسب قدرة كل ثقافة على إدماجها في بنية مفاهيمها و قيمها الخاصّة، وحسب البيئة التي تعيش فيها هذه الثقافة. وعن هذا الاختلاف تثدر المدنيات و تتميز داخل نطاق كل حضارة، أي تتحدد درجة تمدّن كل مجتمع و أسلوبه. فقد فجرت الحضارة الصناعية مثلاً البنية العائلية في أوروبا وحلت كل التجمعات الاقطاعية التقليدية، بينما ساهمت في اليابات في تدعيم القيم الجماعية، و أصبح المصنع ذاته إطاراً جديداً لترسيخ علاقات التبعية الشخصية.
ولم يؤثر ذلك سلباً على نموّ النظام الصناعي، بل فتح له آفاق تطور أكبر كما هو معروف، وذلك على عكس ماتردده بعض النظريات الاجتماعية.

و بالمثل، ذكر علماء الاجتماع في بداية هذا القرن و أهمهم (ماكس فيبر)، أن الصناعة لا يمكن أن تتطور إلا في إطار منظومة قيم تركز على الفردية وتشجّع عليها.
بيد أن التطور الصناعي في بلدان الكتلة الشرقية لم يظهر فقط أن من الممكن قيام عملية تصنيعية ناجحة على أساس تعميق القيم الجماعية، بل إن ترسيخ هذه القيم يمكن أن يشكل قاعدة لنمو صناعي أسرع، ويساهم في تجاوز العديد من التناقضات الاجتماعية التي تفرزها العملية التصنيعية، خاصة في مراحلها الأولى.

و بيّنت تجربة البلدان النامية اليوم أن من الممكن نقل وسائل الحضارة و منتجاتها و نظمها الصناعية و العلمية دون الحصول على أي تطور حقيقي و ذاتي، أي دون أن تؤدي إلى نشوء المدنية، بل مع تعميق الاتجاهات نحو التحلّل و الانحلال الاجتماعي و الثقافي.
وهذا يعني أن دراسة الصيرورة الحضارية هنا أو هناك تقتضي دراسة شروط التفاعل بين الحضارة و الثقافة، وهي شروط خاصة بكل جماعة تبعاً لتاريخها و بيئتها السياسية و الاجتماعية و الطبيعية.

و يمكن لهذه الدراسة وحدها أن تُبين لنا مشكلات النهضة و التخلف، أي الصراعات و المشكلات و التناقضات التي يتوجب على المجتمع أن يجد لها حلاً كي يحقق توازنه الذاتي و يستكمل تطوره.
فلا تستطيع جماعة أن تتطّور، أي أن تحظى بدينامية تراكمية إلا إذا نجحت في التوفيق بين السيرورة الحضارية العالمية و سيرورتها الثقافية الخاصّة.

و حول الصراع بين الثقافات يقول:

كل ثقافة ليست مؤهلة ذاتياً وموضوعياً كي تكون ثقافة الحضارة، أي الثقافة التي تستقطب الإبداعات و المكتشفات العقلية و التقنية للبشرية و توطّنها. و الثقافات التي نجحت في حقبة أو كان بإمكانها أن تنجح في الماضي لا تنجح بالضرورة في الحاضر أو المستقبل. ولا تعتمد الفتوح الثقافية على وسائل واحدة أيضاً.

و يتطرّق أخيراً إلى عامل أساسي في تقرير مستقبل الأمم و الشعوب و الجماعات و مصيرها ألا وهو: التنافس الثقافي. ويقول فيه:

و لاتتخلى جماعة عن ثقافتها أو تمايزها الثقافي مهما كانت درجة هذه الثقافة من الضعف, إلا إذا قررت الانتحار الذاتي و الاندماج في غيرها من الجماعات.

 

 

 

اقرأ أيضًا عن الفرق الدقيق بين الثقافة والحضارة كما يراه بيغوفيتش.

التعايش مع الثقافات عند تودوروف

42391

تزفيتان تودوروف فيلسوف فرنسي-بلغاري، مواليد ١٩٣٩، يكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب (تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية) و الذي نشرته مجلة الدوحة في عددها 82، أغسطس 2014م من ترجمة محمد الجرطي.
و هو تأملات عن كتب تودوروف و مقالاتٍ منه و حوارات معه.
قال في مقالةٍ مُعنْوَنة “بالتعايش مع ثقافات مختلفة”:

كل جماعة إنسانيّة تمتلك ثقافة؛ إنها الاسم الذي يُطلق على مجموع خصائص الحياة الاجتماعية، على طرق العيش و التفكير الجماعيَّين، على أشكال و أساليب تنظيم الوقت و الفضاء, الشيء الذي يتضمَّن اللغة, الدين, البنى الأسريّة، طرق بناء المنازل، الأدوات، طرق تناول الطعام أو ارتداء الملابس. بالإضافة إلى ذلك, إن أعضاء الجماعة، مهما كانت أبعادهم, فإنهم يستبطنون هذه السّمات في شكل تمثيلات. توجد الثقافة – إذاَ – على مستويين مترابطين بشكل وثيق: مستوى الممارسة الخاصّة بجماعة مّا، ومستوى الصورة التي تتركها هذه الممارسات في أذهان أعضاء الجماعة.

كل فرد متعدِّد الثقافة:

إن الكائن البشريّ، و هنا تكمن إحدى خصائصه الأكثر بروزاً، يولد ليس فقط في حضن الطبيعة بل، أيضاً ودوماً و بالضرورة في حضن الثقافة.
تبقى السّمة الأولى لهويّة ثقافية ما أنها مفروضة على الطفل عوض أن يتمّ اختيارها من طرفه. يجيء الطفل إلى العالم، يجد نفسه منغمساً في ثقافة جماعة سابقة على ولادته. الواقعة الأكثر جلاءً، بل – ربما – الأكثر حسماً، هي أننا نولد بالضرورة في حضن اللغة, اللغة التي يتكلّمها آباؤنا أو الأشخاص الذين يتكفّلون برعايتنا. لن يكون بمقدور الطفل أن يتجنّب تبنّي اللغة. و الحالة هذه, فاللغة ليست أداة محايدة.

إن اللغة مشبعة و متشرّبة لأفكار، لسلوكيات و لأحكام متوارثة من الماضي. تقوم اللغة بتقطيع الواقع بطريقة خاصّة، و تنقل إلينا – بطريقة خفيّة- رؤية للعالم.
تظهر بجلاء – أيضاً – السمة الثانية للانتماء الثقافي لكل فرد؛ ذلك أننا لانملك هويّة ثقافية واحدة, بل هويات متعدِّدة قادرة على الاندماج أو الظهور في شكل مجموعات متقاطعة.

على سبيل المثال، ينحدر الفرنسي دوماً من منطقة ما – لنفترض أنه من منطقة بروتون – و من ناحية أخرى، يتقاسم العديد من السّمات مع كل الأوروبيين. و من ثمّ يسهم – في الآن نفسه – في الثقافة البريتونية و الفرنسية و الأوروبية. من جهة أخرى، فداخل كل كيان جغرافي واحد، تبفى الطبقات الاجتماعية الثقافية متعددة.
هناك ثقافة المراهقين، و ثقافة المتقاعدين، ثقافة الأطباء، و ثقافة مكنّسي الشوارع، ثقافة النساء، وثقافة الرجال، ثقافة الأغنياء، وثقافة الفقراء، مثل هذا الفرد يتعرّف إلى نفسه في لثقافة المتوسطية (ماله علاثة بالشعوب القاطنة حول البحر الأبيض المتوسط)، و المسيحية، و الأوروبية: معايير جغرافية و دينية و سياسية واحدة. لكن – وهذا أمر جوهري- هذه الهويّات الثقافية المحتلفة لاتتوافق فيما بينها، ولاتشكل أوطاناً واضحة الحدود تتطابق بداخلها هذه المكوّنات المتعددة.

يبقى كل فرد متعدّد الثقافة. لاتُشبه ثفافته جزيرة متجانسة، بل تبدو كنتيجة لقرائن متشابكة.

كل الثقافات خلاسية:

الثقافة المشتركة، ثقافة جماعة إنسانية مّا، ليست مختلفة في هذا الصدد. إن ثقافة بلد كفرنسا تبقى في الواقع مجموعة معقّدة و منسوجة من ثقافات خاصّة، تلك الثقافات التي يتعرّف فيها الفرد إلى نفسه: ثقافات المناطق و المهن, الأعمار، والجنسين، الأوضاع الاجتماعية و التوجّهات الروحية. فضلاً عن هذا، كل ثقافة يُسميا الاتصال مع جيرانها. فأصل ثقافة ما يكون دوماً حاضراً في الثقافات السالقة: في التلاقي بين العديد من الثقافات ذات الأبعاد متناهية الصغر، أو في تفكّك ثقافة أكثر انتشاراً، أو في التفاعل مع ثقافة مجاورة. لا يمكن أبداً الولوج إلى حياة إنسانية سابقة على ظهور الثقافة. و لسبب وجيه:
تبقى الخصائص “ الثقافية ” حاضرة بالفعل، عند حيوانات أخرى، خصوصاً عند الرئيسات (رتبة من الثدييات منها البشرية و القردية)، لا وجود لثقافات خالصة أو ثقافات ممزوجة، فجميع الثقافات مخلوطة (إما “هجينة” أو “خلاسية “)

ثقافة سكونية هي ثقافة ميتة:

هنا إلى الخاصية الثالثة المميزة للثقافة: تبقى الثقافة – بالضرورة – متغيّرة و قابلة للتحول. جميع الثقافات تتغير وتتحول، حتى لو كان من المؤكد أن الثقافات المسمّاة “تقليدية” تبقى أقلّ استعداداً و أقلّ استجابة من الثقافات المسماة “حديثة“. هذه التغييرات أو هذه التحولات لها دواعٍ متعددة. بما أن كل ثقافة تفرز ثقافات أخرى، أو تتقاطع مع ثقافات أخرى، فإن مكوناتها المختلفة تشكّل توازناً غير مستقرّ، على سبيل المثال، منح حق التصويت للنساء في فرنسا غام 1944، سمح للنساء بالمشاركة في نشاط الحياة العامة للبلد، و من ثم طرأ تحوّل في الهوية الثقافية الفرنسية. و بالمثل حين تمّ منح المرأة، بعد مرور 23 سنة على حق التصويت، الحق في منع الحمل أو في الإنجاب، أحدث هذا الأمر طفرة جديدة في الثقافة الفرنسية. لو لم يكن لزاماً على الهوية الثقافية أن تتغيّر، لما استطاعت فرنسا أن تصبح بلداً مسيحياً في مرحلة أولى، ثم بلداً علمانياً في مرحلة ثانية. بالإضافة إلى هذه التفاعلات الداخلية، هناك أيضاً اتصالات خارجية مع ثقافات قريبة أو بعيدة أحدثت، بدورها, تعديلات في منحى الهويّة. قبل أن تؤثر الثقافة الأوروبية في ثقافات العالم الأخرى. فإنها تشرَّبت، من قبل تأثيرات الثقافة المصرية، ثقافة بلاد مابين النهرين، الثقافة الفارسية، والهندية و الصينية وهلمّ جرّاً.

ثم يُضيف:

إذا كان يتعيّن علينا الأخذ بعين الاعتبار هذه السمات الأخيرة للثقافة، تعدّدها و تنوّعها، فإننا نرى كم تبقى هذه الاستعارات الأكثر شبوعاً و المستخدمة في مكان الثقافة استعارات مربكة. نقول – على سبيل المثال- عن كائن بشري إنه “ مجتثّ من جذوره “، و نرثي لحاله، لكن هذه المماثلة للإنسان مع النبات غير شرعية؛ فالإنسان يتميّز بحركيّته لثقافة واحدة؛ فالثقافات لاتتمتّع بماهيّة أو ” روح ” رغم ماكُتب من صفحات جميلة في هذا الصدد، كما نتحدث عن “بقاء” لثقافة ما، معنى المحافظة عليها بقاُ للأصل. غير أن الثقافة التي لاتتغيّر هي على وجه التحديد، ثقافة ميّتة.
إن مصطلح لغة ميّتة هو مصطلح أكثر دقّة وحصافة. اللاتينيّة لغة ميتة، لا لأننا عاجزون عن استعمالها، بل لأن تلك اللغة لم تعد قادرة على التغيير. ليس هناك ماهو أكثر بداهة و أكثر شيوعاً من اختفاء حالة سابقة للثقافة وتعويضها بحالة جديدة.

يجب أن نميّز الآن، الهوية الثقافية عن شكلين آخرين للهويّة الجماعية: الانتماء المدني أو الوطني من جهة، والالتزام بالقيم الأخلاقية و السياسية من جهة أخرى. لا أحد منا سيكون بمقدوره أن يغيّر طفولته، حتى لو رغب في ذلك، حتى لو طُلب منه ذلك بإلحاح، بالمقابل، سيكون بمقدورنا أن نغيّر الولاء الوطني دون أن نعاني، بالضرورة، من جرّاء ذلك. لا يمكن للمرء أن يختار ثقافته الأصلية، لكن بإمكان المرء أن يختار أن يكون مواطناً لهذا البلد عوض ذلك البلد الآخر. إن اكتساب ثقافة جديدة – كما يعرف كل المهاجرين – يتطلّب سنوات عديدة، و إن كان هذا الاكتساب في الأساس لايتوقف أبداً، اكتساب مواطنية جديدة فد يحدث بين عشيّة وضحاها بفعل قوّة مرسوم ما. الدولة ليست “ثقافة” شبيهة بحالة الناس، إنها كيات إداري وسياسي له حدود قائمة من قبل، و يضمّ طبعاً أفراداً حاملين لثقافات عديدة، بما أننا نجد داخل هذا الكيان؛ الرجال و النساء، الشباب و الشيوخ، يمارسون كل المهن وفي أوضاع مختلفة، ينحدرون من مناطق ودول متعددة، ويتكلمون لغات متعددة، ويمارسون ديانات مختلفة ويراعون عادات متنوّعة.

المنفى الثقافي عند إدوارد سعيد

408195b

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

أما عن كتاب (الآلهة تفشل) فهو مجموعة من المحاضرات التي ألقاها (إدوارد سعيد) في برنامج ريث في الولايات المتحدة عام 1993م، نُشِرت في هذا الكتاب واقتبست منها بعض ماجاء في الفصل الثالث بعنوان: المنفى الثقافي – مُبعدون ومهمّشون. وقال في مقدمته للمنفى:

النفي واحد من المصائر الأكثر حزناً. قبل الأزمنة الحديثة كان النفي على وجه الخصوص عقوبة فضيعة نظراً لأنها لم تكن تعني سنوات من التجوال بلا هدف بعيداً عن الأهل و الأمكنة المألوفة فقط. بل عنت أيضاً نوعاً من منبوذ باستمرار ؛ شخصاً لم يشعر بالألفة و دائماً في نزاع مع البيئة، لا عزاء له حول الماضي. ويشعر بالمرارة حول الحاضر والمستقبل. كان ثمة ربط دائم بين فكرة النفي ومظاهر الذعر من أن يكون المرء مصاباً بالجذام، منبوذاً اجتماعياً وأخلاقياً.

خلال القرن العشرين، تحوّل النفي من عقوبة مختارة بعناية، و أحياناً حصرية لأفراد محددين – مثل الشاعر اللاتيني العظيم أوفيد، الذي نفي من روما إلى بلدة نائية على البحر الأسود – إلى عقاب وحشي لجماعات و شعوب بكاملها، وفي أحوال كثيرة نتيجة غير متعمدة لقوى غير شخصية كالحرب والمجاعة والمرض.

أما عن الرؤية السائدة للمنفى فقال فيها:

ثمة فرضية شعبية لكنها خاطئة بالكامل أن المنفي مجتث تماماً، منعزل، منفصل عن موطنه الأصلي على نحو ميؤوس منه. لو أنه فصل حراحي تام لكان ذلك صحيحاً، لأنك عندئذٍ على الأقل تستطيع أن تحصل على عزاء معرفة أن ماتركته وراءك، في معنى مّا، لا يمكن التفكير به و لايمكن شفاؤه أبداً. أما الواقع بالنسبة لمعظم المنفيّين هو أن الصعوبة لاتكمن ببساطة في الإجبار على العيش بعيداً عن الوطن، بل الأصح مفترضاً عالم اليوم، العيش مع أشياء كثيرة تذكرك أنك منفي، و أن وطنك في الواقع ليس بعيداً جداً، وأن الحركة العادية للحياة اليومية المعاصرة تبقيك في اتصال دائم مع المكان القديم لكنه اتصال معذب لأنه يقرب أشياء لا سبيل إلى تحقيقها. لذلك فإن المنفي يحيا في حالة وسط، ليس وحيداً تماماً مع البيئة الجديدة ولا هو تخلّص بالكامل من القديمة، محاصراً بنصف ارتباط ونصف انفصال، مشتاقاً إلى الماضي وعاطفياً من جهة ومقلداً بارعاً أو منبوذاً غامضاً من جهة أخرى.

فتصبح براعة البقاء المطلب الرئيسي ومعها يشكل الرخاء والأمان خطرًا يجب الاحتراس منه باستمرار.

و يطرح نقطتين عن المثقف الذي لا يستطيع بسبب المنفى أو الأقرب إلى القصد لن يخلق تكيفاً مفضلاً بدلاً من ذلك البقاء خارج الاتجاه السائد، غير متكيف، غير مستوعب، مقاوماً، فيقول:

الأولى ؛ هي بينما المنفى حالة واقعية، هو أيضاً بالنسبة لأهدافي حالة مجازية بذلك أعني أن تشخيصي للمثقف في المنفى ينشأ من التاريخ الاجتماعي والسياسي للتشريد والهجرة الذي بدأت به هذه المحاضرة، لكنه غير محدود به. فحتى المثقفون الذين هم أعضاء مجتمع طوال عمرهم يمكن، لنقل أن ينقسموا إلى مندمجين ودخلاء: من جهة هؤلاء الذين ينتمون بالكامل إلى المجتمع كما هو، الذين ازدهروا فيه دون حس غامر بالتنافر أو الخلاف، هؤلاء الذين يمكن أن نسميهم القائلين نعم، و هناك من جهة أخرة القائلين لا، الأفراد الذين هم على خلاف مع مجتمعهم و لذلك دخلاء و منفيون طالما كانت الامتيازات و السلطة و الألقاب هي الشاغل. النموذج الذي يشرع الطريق للمثقف كدخيل تمثله حالة المنفى جيداً، حالة عدم التكيف على نحو تام أبداً، شاعراً دائماً أنه خارج العالم المهذار، المألوف والمسكون بالأصليين، لنقل هكذا , ميّالاً إلى تفادي وحتى كره زخارف التكيف والرفاهية القومية.

المنفى للمثقف في هذا المعنى الميتافيزيقي هو القلق، و الحركة، وعدم الاستقرار بشكل متواصل، وإقلاق الآخرين. لا تستطيع أن تعود إلى حالة مّا مضت وربما مستفرة أكثر من الوجود في البيت، وللأسف لا يمكنك أبداً أن تنجح على نحو كامل، و تنسجم مع ملجئك أو وضعك الجديد.

ثانياً ؛ و أجدني بطريقة مّا مندهشاً بهذه الملاحظة حتى عندما أقدّمها أنا – يميل المثقف كمنفي لأن يكون سعيداً بفكرة التعاسة، وبالتالي ذلك الاستياء المتاخم لسوء الهضم، ضرب من سوء الطبع على نحوٍ نزِق، يمكن أن يصبح ليس أسلوب تفكير فقط، بل أيضاً سكنى جديدة ولو مؤقتة.

 و من ناحية إيجابية للمنفى والهامشية يقول إدوارد سعيد:

 أحد – الإيجابيات- طبعاً هو فرح الاندهاش، وعدم قبول أي شيء كبديهي، و تعلم البديل المؤقت في ظروف عدم الاستقرار المتزعزع التي تربك وتروع معظم الناس. إن المثقف يبحث عن المعرفة والحرية بشكل أساسي، بيد أن ذلك يتطلب معنى ليس كأشياء مطلقة – كما في التعبير المبتذل ” يجب أن تحصل تعليماً جيداً كي تستطيع أن تستمتع بحياة هانئة ” – بل كتجربتين معاشتين. فالمثقف يشبه شخصاً غرقت سفينته يتعلم كيف يعيش بمعنى محدد مع الأرض، ليس عليها، لا (كروبنسون كروزو) الذي كان هدفه أن يعمر جزيرته الصغيرة بل أشبه بـ(ماركو بولو) الذي لم يخذله إحساسه بالرائع أبداً وهو المسافر دوماً، والضيف العابر، لا طفيلي ولا فاتح أو قرصان.

و لأن المنفي يرى الأشياء في شرط ماتركه خلفه وماهو واقع له فعلاً، فثمة منظور مزدوج لا يرى الأشياء في العزلة أبداً. كل مشهد أو وضع في البلد الجديد يستحضر بالضرورة نظيره في البلد القديم. ثقافياً هذا يعني أن فكرة ما أو تجربة مّا توازن دائماً بأخرى و ذلك يجعلهما تظهران في صورة جديدة لا يمكن التنبّؤ بها أحياناً.

الفائدة الثانية لما في الواقع هي أن وجهة نظر المنفى بالنسبة للمثقف هي أنك تميل إلى رؤية الأشياء، ليس ببساطة كما هي، بل كيف تطورت لتكون كذلك.

و في ختام محاضرته يقول:

إن كون المثقف هامشياً و غير مدجّن مثل شخص ما في منفى حقيقي عليه أن يكون مستجيباً على نحو غير عادي للخبير بالسفر لا لصاحب السلطة، للمؤقت والمنذر بالخطر لا للمعتاد، للابتكار والتجربة لا لشرط الوضع القائم بقوة السلطة. إن المثقف المنفي لا يستجيب لمنطق التقاليد بل لجرأة المغامرة، وتمثيل التغيير والسير قدماً، لا للسكون الراكد.

معاني الثقافة عند إليوت

إليوت

توماس ستيرنز إليوت (1888-1065) هو شاعر ومسرحي وناقد أدبي. حائز على جائزة نوبل في الأدب في عام 1948. افتتح كتابه (ملاحظات حول تعريف الثقافة) بتحديد المعاني الملتصقة بلفظة الثقافة. فيقول بداية:

تختلف ارتباطات كلمة “الثقافة” بحسب ما نعنيه من نمو الفرد، أو نمو فئة أو طبقة، أو نمو مجتمع بأسره. وجزء من دعواي أن ثقافة الفرد تتوقف على ثقافة فئة أو طبقة، وأن ثقافة الفئة أو الطبقة تتوقف على ثقافة المجتمع كله، الذي تنتمي إليه تلك الفئة أو الطبقة. وبناء على ذلك فإن ثقافة المجتمع هي الأساسية، ومعنى كلمة “ثقافة” بالنسبة إلى المجتمع كله هو المعنى الذي يجب بحثه أولًا.

وحين تستعمل كلمة “الثقافة” للدلالة على التصرف في كائنات حية دنيا – كما هي الحال في عمل البترويولوجي أو الزراعي – فإن المعنى يكون واضحًا إلى درجة كافية، لأننا نجد اتفاقًا تامًا في الرأي بالنسبة إلى الغايات التي يراد الوصول إليها، ويمكننا أن نتفق إذا وصلنا إليها أو لم نصل. أما حين تُستعمل لترقية العقل البشري والروح البشرية، فإن احتمال اتفاقنا على ما هي الثقافة يكون أقل. وتاريخ الكلمة باعتبارها دالة على شيء يقصد إليه قصدًا واعيًا في أمور البشر، ليس بالتاريخ الطويل. وكلمة “الثقافة” بمعنى شيء يتوصل إليه بالجهد المقصود، تكون أقرب إلى الفهم حين نتكلم عن تثقيف الفرد، الذي ننظر إلى ثقافته منسوبة من ثقافة الفئة والمجتمع.

ماهي الثقافة إذًا؟ وكيف تُكتسب؟ من هو المثقف؟

قد نفكر في تهذيب السلوك أو الذوق أو الأدب، وفي هذه الحالة نفكر أولًا في طبقة اجتماعية، وفي الفرد الممتازعلى أنه ممثل لخير ما في هذه الطبقة. وقد نفكر في العلم والمعرفة الوثيقة بذخائر حكمة الماضي، وفي هذه الحالة يكون ذو الثقافة هو العالم. وقد نفكر في الفلسفة بأعم معانيها -أي الاهتمام بالأفكار المجردة، مع شيء من القدرة على معالجتها- وفي هذه الحالة قد نعني من يمسمى بالمثقف (مع ملاحظة أن هذه الكلمة تستخدم الآن استخدامًا مطاطًا جدًا، بحيث تشمل أشخاصًا كثيرين لا يتميزون بثقافة العمل). وقد نفكر في الفنون، وفي هذه الحالة نعني الفنان والهاوي.

ولكننا قلما نعني هذه الأشياء كلها مجتمعة. فنحن لا نجد مثلًا أن لفهم الموسيقى أو الرسم مكانًا ظاهرًا في وصف الرجل المثقف، ومع ذلك فلا أحد ينكر أن لاكتسابهما دورًا في الثقافة. وإذا نظرنا إلى مناشط الثقافة المختلفة التي أوردناها في الفقرة السابقة فيجب أن نستنتج أن الكمال في أي واحدة منها من دون الأخريات لا يمكن أن يسبغ الثقافة على أحد. فنحن نعلم بأن السلوك المهذب دون تعليم أو فكر أو حساسية للفنون يجنح بالمرء إلى آلية مجردة، وأن العلم بدون سلوك مهذب أو حساسية إنما هو حذلقة، وأن القدرة الفكرية مجردة من الصفات الأكثر إنسانية لا تستحق الإعجاب إلا كما يستحقه طفل معجزة في لعب الشطرنج، وأن الفنون بدون إطار فكري زيف وخواء.

وإذا كنا لا نجد الثقافة في أي واحدة من هذه الكمالات بمفردها، فإننا كذلك يجب ألا نتوقع في أي فرد واحد أن يكون كاملًا في جميعها، وإذن نستنتج أن الفرد الكامل الثقافة هو محض خيال، ونبحث عن معنى الثقافة لا في فرد أو جماعة من الأفراد، بل في نطاق أوسع وأوسع، وتنتهي أخيرًا بأن نجدها في هيئة المجتمع ككل.

ثم يكمل بعد ذلك فيقول:

وإذا كان من الظاهر أن تقدم المدنية يستتبع ازدياد الفئات الثقافية المتخصصة، فإننا يجب ألا ننتظر خلو هذا التطور من المخاطر. فقد بأتي التفكك الثقافي على آثار التخصص الثقافي، وهو أقصى ما يمكن أن يعانيه مجتمع من تفكك جذري.

ويتبع ذلك بإيضاحه عن التفكك الثقافي، الذي يقود إلى التفكك الجذري للمجتمع فيقول:

والتفكك الثقافي يوجد عندما تنفصل مرحلتين تاريخييتين أو أكثر بحيث يصبحان في الواقع ثقافتين متيزتين، وكذلك عندما تنقسم الثقافة في مستوى الفئة العليا أقسامًا يمثل كل منها منشطًا واحدًا من المناشط الثقافية.

وإذا لم أكن مخطئًا فثمة الآن في المجتمع الغربي تفكك يحدث للطبقات التي تبلغ الثقافة فيها، أو ينبغي أن تبلغ، أعلى درجات نموّها، كما أن هناك انفصالًا بين المراحل التاريخية في المجتمع. فالتفكير الديني والعادات الدينية، والفلسفة والفن، كلها تميل إلى أن تصبح مناطق منعزلة تتعهدها فئات لا صلة بين بعضها البعض. والحساسية الفنية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الدينية، والحساسية الدينية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الفنية وإثارة “السلوك المهذب” تترك لقلة متبقية من طبقة آخذة في الاختفاء، قلة لم يصقل الدين أو الفن حساسيتها، ولم تزد عقولها بمادة المحادثة الذكية، ولذلك فإن حياتهم ليس لها سياق يجعل لسلوكهم قيمة. والانتكاس في المستويات العليا لا يعني الجماعة التي يصيبها فحسب، بل يعني الشعب كله.

كلمة أخيرة مختصرة، عن ماهية الثقافة:

إن الثقافة يمكن أن توصف وصفًا مختصرًا بأنها ما يجعل الحياة تستحق أن تُحيا. وهي التي تجعل الشعوب والأجيال على حق حين تقول وهي تتأمل آثار مدينة بائدة: إن هذه المدينة كانت تستحق أن توجد.

شروط المثقف عند أنطون تشيخوف

1537064a67eefba5d87d7b

 

أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904) هو طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، يصفه البعض بأنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس. كتب المئات من القصص القصيرة التي اعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. تم تجميع عدد من رسائله العائلية في كتاب يحمل اسم (رسائل إلى العائلة)، يرد فيه (تشيخوف) في رسالة إلى أخيه (نيكولاي) حين أرسل إليه يشتكي بأن الناس لا يفهمونه، فقال له:

إن الناس يفهمونك جيداً، وإذا لم تفهم نفسك، فذلك ليس خطأهم.

ثم خلال الرسالة يحاول (تشيخوف) أن يشرح له أن هذا بسبب أمر واحد وهو الإخفاق الوحيد في نظره فقال:

لديك إخفاق واحد، ويعود إليه زيف وضعك، وتعاستك واضطراب أمعائك. ويتمثل هذا الإخفاق في افتقارك التام للثقافة. سامحني، من فضلك، لكن-كماتعرف- للحياة شروطها. فمن أجل أن تعيش نرتاحاً بين المتعلمين، ولتتمكن من معايشتهم بسعادة، يجب أن تحوز قدراً محدداً من الثقافة. إن الموهبة لتدخلك في مثل هذه الدائرة، فأنت تنتمي إليها، لكن، يتم سحبك بعيداً عنها للتأرجح بين المثقفين والمستأجرين.

ومن ثم يبدأ تشيخوف بوضع شروط يجب أن يستوفيها المثقفين في ٨ نقاط وهي :

١) احترم الجانب الإنساني في الشخصية، ولهذا السبب هم دائماً ودودون، دمثون، ومستعدون للعطاء. إنهم لا يتشاجرون بسبب مطرقة أو قطعة مفقودة من المطاط الهندي، وإذا عاشوا مع أحد لا يعدون ذلك منحة منهم، ويرحلون دون أن يقولوا “ليس بوسع أحد أن يعيش معك”، إنهم يصفحون عن الضوضاء والبرودة واللحم المقدد والنكات ووجود غرباء في منزلهم.

٢) يتعاطفون، ليس فقط مع المتسوليين والقطط. وتتفطر قلوبهم لما يرونه أو لا يرونه. إنهم يسهرون الليل لمساعدة شخص ما، ولدفع نفقات الإخوة في الجامعة، ولشراء الملابس لأمهاتهم.

٣) إنهم يحترمون ممتلكات الآخرين، ولهذا يسددون ماعليهم من ديون.

٤) إنهم مخلصون، ويخشون الكذب كما تخشى النار. إنهم لا يكذبون حتى ولو في الأشياء الصغيرة. فالكذب إهانة للمستمع ويضعه في منزلة أدني بالنسبة للمتحدث. لا يتظاهرون، بل لا يتغير سلوكهم في الشارع عنه في المنزل، ولا يتعمدون الاستعراض أمام رفاقهم الأقل منزلة. لا يثرثرون. ولا يثقلون على الآخرين بثقتهم بأنفسهم. واحتراماً منهم للآخرين، فإنهم يميلون إلى الصمت أكثر من الكلام.

٥) لا يحطون من قدر أنفسهم للحصول على شفقة الآخرين. ولا يلعبون على شغاف قلوب الآخرين، ليجعلوهم يتنهدون ويستحوذون عليهم. ولا يقولون “يساء فهمي” أو “لقد أصبحت شخصاً من الدرجة الثانية”، لأن كل ذلك ليس سوى سعي وراء تأثير رخيص، ومبتذل وتافه وزائف.
هم لا يعانون من الخيلاء والغرور. ولا يحفلون بتلك الماسات الزائفة (أقصد المشهورين)، ولا يأنفون من مصافحة السكير، وينصتون إلى صيحات إعجاب مشاهد مشتت في معرض للصور الفتوغرافية، ويترددون كثيراً إلى الحانات.

٦) وإذا أبرموا صفقة متواضعة، فإنهم لا يتباهون كما لو كانوا عقدوا صفقة بمئة روبيل، ولا يعطون لأنفسهم أولوية على الآخرين. إن الموهوب الحقيقي دائماً مايحافظ-دوماً- على اندماجه بين الجموع، وبعيداً قدر المستطاع عن الإعلان، وحتى كرايلوف، قال- سابقاً- إن البرميل الفارغ يصدر عنه صدى صوت أكثر من البرميل الممتلئ.

٧) إذا كانت لديهم موهبة يحترمونها، ويضحون في سبيلها بالراحة والنساء والخمر والخيلاء. إنهم فخورون بموهبتهم، وبالإضافة إلى ذلك من الصعب إرضاؤهم.

٨) ينمون الحس الجمالي داخلهم. ولايستطيعون الذهاب إلى النوم بملابسهم، ولايتحملون رؤية الشروخ ممتلئة بالحشرات، أو تنفس هواء فاسد، أو السير على أرض عليها بصاق، أو أن يطهوا وجباتهم في موقد زيتي. ويسعون قدر استطاعاتهم إلى كبح جماح رغباتهم الجنسية والسمو بها. وليس مايرغبونه في المرأة أن تكون رفيقة فراش، ولايطلبون المهارة التي تظهر عبر المضاجعات المتتالية. إنهم يرغبون،- خاصة الفنانيين منهم- بالأناقة، والإنسانية، والاحتواء، والأمومة. إنهم لايشربون الفودكا طوال ساعات النهار والليل، ولايتشممون رفوف الخزانات، لأنهم ليسوا خنازير، ويعلمون أنهم ليسوا كذلك. ويتناولون الشراب-فقط- عندما يكونوا غير مرتبطين بعمل أو في عطلة.

ثم بعد ذلك يعقب (تشيخوف) قائلاً:

لا يكفي على المثقف أن يقرأ “أوراق بيكويك” أو أن يحفظ منولوجاً من “فاوست”، فإن مايحتاجه المثقف هو العمل الدائم، ليل نهار، والقراءة المستمرة، والدراسة، والإرادة، فكل ساعة هي ثمينة بالنسبة له.

Screen Shot 2014-11-23 at 2.33.14 PM

للاطلاع على الرسالة

نظرة إلى الفن بأعين د.زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود

 د. زكي نجيب محمود (1905-1993) كاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري. في أشهر كتبه المعنوَن بـ(تجديد الفكر العربي) جعَل شيئًا عن أهمية الفن للحضارة فيقول بداية عن أهمية العلم والفن في نهضة الأمم فيقول:
العلم موضوعي والفن ذاتي، والخلط كل الخلط في أن أفسد العلم بأهواء الذات، أو أن أزيف الفن بموضوع يُملى عليه من خارج. وبالعلم المقيّد والفن الحر يتكون الإنسان المعاصر.
فإذا كان العربي متخلفًا عن عصره، فذلك لأنه لا علمًا بالطبيعة اكتسب ولا فنًا معبرًا عن ذاته أنشأ. فالعلم -حتى إذا ألممنا بأطراف منه- هو من اكتساب غيرنا ثم حفظناه حفظ التلميذ لدرسه. والفنّ -إذا زعمناه- هو سلعة منقولة عن سوانا (ولا فرق بين نقل عن أسلافنا ونقل عن معاصرينا) فإذا كان في المنقول فن الفن لغيرنا، عبّر به عن ذاته هو، وأما نحن فذواتنا ما زالت مطمورة تنتظر الفن الأصيل.
 ويقول في موضع آخر عن أهمية الفن:
بالعلم المشترك نعرف العالم ونغيره، وبالفن الذاتي نعرف الإنسان ونقومه
 يقول بعد ذلك عن حال الفن والأدب عند العرب فيقول:
إني لأذكر في شيء من الغموض قول أديب عربي حديث -لعله مصطفى لطفي المنفلوطي- حين قال إنه يفضل أن يقرأ وصفًا جميلًا لبستان، على أن يشهد البستان نفسه، وسواء قالها المنفلوطي، أو قالها سواه، أو لم يقلها أحد، ففي هذه العبارة صدق يكاد يجعل منها مفتاحًا لخصائص الثقافة العربية كما كانت طوال العصور – والكلام هنا بالتعميم والإجمال لا بالتفصيل والتحديد.
 فالإنسان في رأي د.زكي نجيب محمود يعيش في عالمين:
وهي أن هناك في حياة الإنسان عالمين يعيش في أحدهما أو كليهما بنسب متفاوتة: عالم الطبيعة من جهة، وعالم الرموز (وخصوصًا رموز اللغة) التي يبتكرها الإنسان ليشير بها إلى الطبيعة وأشيائها وكائناتها من جهة أخرى
وحال المثقف العربي في هذه العالمين برأيه:
والزعم هنا هو أن المثقف العربي كان يفضل الإقامة في عالم اللغة أكثر جدًا مما يطيل البقاء في عالم الأشياء
 وحال المثقف العربي في هذه العالمين تنعكس وبشدة إلى إنتاجه الفني، فيقول:
إن نظرة طائرة سريعة إلى الفن الإسلامي، كافية للتفرقة بين هذا الفن والفن اليوناني -مثلًا- أو الفن الهندي، أو الفن الفرعوني القديم. الفن الإسلامي هندسي يقيم أشكاله من خطوط وزوايا ومربعات ومثلثات ودوائر. إنه لا يرسم كائنات الطبيعة وأشياءها؛ لأن هذه الكائنات لا تمتزج بنفسه، ولا العربي يسعى إلى مزج نفسه بها، إنه إعلان من الفنان العربي بانفصال ذاته انفصالًا تامًا عن الأرض وكائناتها
 وكتوضيح أخير، فالفوارق بين فنون الأم ليست فوارق تفضيلية كما يقول، بل فوارق تاريخية لها أثرها على فنون الأمة:
إننا لا نقول بهذا إن بين الأمم فوارق بحكم الفطرة أو بحكم التكوين، لكنها فوارق تنشأ نتيجة لعوامل التاريخ ولكل أمة تاريخها، ولكل أمة ماضيها الذي أصبح -أو يجب أن يكون- جزءًا من حاضرها

ميلغرام يتحدث عن الهدف الخفي للتدريبات العسكرية

4046864-3x2-460x307

عالم النفس الأمريكي ستانلي ميلغرام يحلل التدريبات العسكرية بشكل أعمق، حيث يقول:

إن هدف التدريبات العسكرية هو أن يوضع الجنود المتدربون في بيئة معزولة عن المجتمع المادي، وبعيداً عن المقبول أخلاقياً فيه. ويتعلمون أن يفكروا بمفهوم “العدو” ويتشربون بحب مفهوم “الولاء”، والاعتقاد بانهم يحاربون من أجل قضية كبرى، والخوف الهائل من عصيان الأوامر.

ورغم أن الهدف المعلن هو تعليم المجند الحديث المهارات العسكرية، فإن الهدف الأساسي هو تحطيم أية بقايا للتفرد والذاتية لديه، فتتم برمجة الجنود تحت التدريب على أن يصبحوا عملاء لقضية أعلى، لا أن يفكروا تفكيراً حراً كأفراد.. وهنا يكمن احتمال قيامهم بأفعال بشعة، وهناك أخرون من يكفون عن كونهم بشراً، ويصبحون دماراً

ميلغرام كذلك مشهور بتجربته عن انصياع الفرد للسلطة والتي يقول هو نفسه عن نتائجها:

النتائج كما تابعتها في المختبر، مقلقة. إنها ترجح أن الطبيعة البشرية غير جديرة بالاعتماد عليها لتبعد الإنسان عن القسوة، والمعاملة أللا إنسانية، عندما تتلقى الأوامر من قبل سلطة فاسدة. نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون دون أخذ طبيعة الأمر بعين الاعتبار، وبدون حدود يفرضها الضمير، مادامت الأوامر صادرة عن سلطة شرعية.