أرشيف الوسم: ثقافة

المنفى الثقافي عند إدوارد سعيد

408195b

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

أما عن كتاب (الآلهة تفشل) فهو مجموعة من المحاضرات التي ألقاها (إدوارد سعيد) في برنامج ريث في الولايات المتحدة عام 1993م، نُشِرت في هذا الكتاب واقتبست منها بعض ماجاء في الفصل الثالث بعنوان: المنفى الثقافي – مُبعدون ومهمّشون. وقال في مقدمته للمنفى:

النفي واحد من المصائر الأكثر حزناً. قبل الأزمنة الحديثة كان النفي على وجه الخصوص عقوبة فضيعة نظراً لأنها لم تكن تعني سنوات من التجوال بلا هدف بعيداً عن الأهل و الأمكنة المألوفة فقط. بل عنت أيضاً نوعاً من منبوذ باستمرار ؛ شخصاً لم يشعر بالألفة و دائماً في نزاع مع البيئة، لا عزاء له حول الماضي. ويشعر بالمرارة حول الحاضر والمستقبل. كان ثمة ربط دائم بين فكرة النفي ومظاهر الذعر من أن يكون المرء مصاباً بالجذام، منبوذاً اجتماعياً وأخلاقياً.

خلال القرن العشرين، تحوّل النفي من عقوبة مختارة بعناية، و أحياناً حصرية لأفراد محددين – مثل الشاعر اللاتيني العظيم أوفيد، الذي نفي من روما إلى بلدة نائية على البحر الأسود – إلى عقاب وحشي لجماعات و شعوب بكاملها، وفي أحوال كثيرة نتيجة غير متعمدة لقوى غير شخصية كالحرب والمجاعة والمرض.

أما عن الرؤية السائدة للمنفى فقال فيها:

ثمة فرضية شعبية لكنها خاطئة بالكامل أن المنفي مجتث تماماً، منعزل، منفصل عن موطنه الأصلي على نحو ميؤوس منه. لو أنه فصل حراحي تام لكان ذلك صحيحاً، لأنك عندئذٍ على الأقل تستطيع أن تحصل على عزاء معرفة أن ماتركته وراءك، في معنى مّا، لا يمكن التفكير به و لايمكن شفاؤه أبداً. أما الواقع بالنسبة لمعظم المنفيّين هو أن الصعوبة لاتكمن ببساطة في الإجبار على العيش بعيداً عن الوطن، بل الأصح مفترضاً عالم اليوم، العيش مع أشياء كثيرة تذكرك أنك منفي، و أن وطنك في الواقع ليس بعيداً جداً، وأن الحركة العادية للحياة اليومية المعاصرة تبقيك في اتصال دائم مع المكان القديم لكنه اتصال معذب لأنه يقرب أشياء لا سبيل إلى تحقيقها. لذلك فإن المنفي يحيا في حالة وسط، ليس وحيداً تماماً مع البيئة الجديدة ولا هو تخلّص بالكامل من القديمة، محاصراً بنصف ارتباط ونصف انفصال، مشتاقاً إلى الماضي وعاطفياً من جهة ومقلداً بارعاً أو منبوذاً غامضاً من جهة أخرى.

فتصبح براعة البقاء المطلب الرئيسي ومعها يشكل الرخاء والأمان خطرًا يجب الاحتراس منه باستمرار.

و يطرح نقطتين عن المثقف الذي لا يستطيع بسبب المنفى أو الأقرب إلى القصد لن يخلق تكيفاً مفضلاً بدلاً من ذلك البقاء خارج الاتجاه السائد، غير متكيف، غير مستوعب، مقاوماً، فيقول:

الأولى ؛ هي بينما المنفى حالة واقعية، هو أيضاً بالنسبة لأهدافي حالة مجازية بذلك أعني أن تشخيصي للمثقف في المنفى ينشأ من التاريخ الاجتماعي والسياسي للتشريد والهجرة الذي بدأت به هذه المحاضرة، لكنه غير محدود به. فحتى المثقفون الذين هم أعضاء مجتمع طوال عمرهم يمكن، لنقل أن ينقسموا إلى مندمجين ودخلاء: من جهة هؤلاء الذين ينتمون بالكامل إلى المجتمع كما هو، الذين ازدهروا فيه دون حس غامر بالتنافر أو الخلاف، هؤلاء الذين يمكن أن نسميهم القائلين نعم، و هناك من جهة أخرة القائلين لا، الأفراد الذين هم على خلاف مع مجتمعهم و لذلك دخلاء و منفيون طالما كانت الامتيازات و السلطة و الألقاب هي الشاغل. النموذج الذي يشرع الطريق للمثقف كدخيل تمثله حالة المنفى جيداً، حالة عدم التكيف على نحو تام أبداً، شاعراً دائماً أنه خارج العالم المهذار، المألوف والمسكون بالأصليين، لنقل هكذا , ميّالاً إلى تفادي وحتى كره زخارف التكيف والرفاهية القومية.

المنفى للمثقف في هذا المعنى الميتافيزيقي هو القلق، و الحركة، وعدم الاستقرار بشكل متواصل، وإقلاق الآخرين. لا تستطيع أن تعود إلى حالة مّا مضت وربما مستفرة أكثر من الوجود في البيت، وللأسف لا يمكنك أبداً أن تنجح على نحو كامل، و تنسجم مع ملجئك أو وضعك الجديد.

ثانياً ؛ و أجدني بطريقة مّا مندهشاً بهذه الملاحظة حتى عندما أقدّمها أنا – يميل المثقف كمنفي لأن يكون سعيداً بفكرة التعاسة، وبالتالي ذلك الاستياء المتاخم لسوء الهضم، ضرب من سوء الطبع على نحوٍ نزِق، يمكن أن يصبح ليس أسلوب تفكير فقط، بل أيضاً سكنى جديدة ولو مؤقتة.

 و من ناحية إيجابية للمنفى والهامشية يقول إدوارد سعيد:

 أحد – الإيجابيات- طبعاً هو فرح الاندهاش، وعدم قبول أي شيء كبديهي، و تعلم البديل المؤقت في ظروف عدم الاستقرار المتزعزع التي تربك وتروع معظم الناس. إن المثقف يبحث عن المعرفة والحرية بشكل أساسي، بيد أن ذلك يتطلب معنى ليس كأشياء مطلقة – كما في التعبير المبتذل ” يجب أن تحصل تعليماً جيداً كي تستطيع أن تستمتع بحياة هانئة ” – بل كتجربتين معاشتين. فالمثقف يشبه شخصاً غرقت سفينته يتعلم كيف يعيش بمعنى محدد مع الأرض، ليس عليها، لا (كروبنسون كروزو) الذي كان هدفه أن يعمر جزيرته الصغيرة بل أشبه بـ(ماركو بولو) الذي لم يخذله إحساسه بالرائع أبداً وهو المسافر دوماً، والضيف العابر، لا طفيلي ولا فاتح أو قرصان.

و لأن المنفي يرى الأشياء في شرط ماتركه خلفه وماهو واقع له فعلاً، فثمة منظور مزدوج لا يرى الأشياء في العزلة أبداً. كل مشهد أو وضع في البلد الجديد يستحضر بالضرورة نظيره في البلد القديم. ثقافياً هذا يعني أن فكرة ما أو تجربة مّا توازن دائماً بأخرى و ذلك يجعلهما تظهران في صورة جديدة لا يمكن التنبّؤ بها أحياناً.

الفائدة الثانية لما في الواقع هي أن وجهة نظر المنفى بالنسبة للمثقف هي أنك تميل إلى رؤية الأشياء، ليس ببساطة كما هي، بل كيف تطورت لتكون كذلك.

و في ختام محاضرته يقول:

إن كون المثقف هامشياً و غير مدجّن مثل شخص ما في منفى حقيقي عليه أن يكون مستجيباً على نحو غير عادي للخبير بالسفر لا لصاحب السلطة، للمؤقت والمنذر بالخطر لا للمعتاد، للابتكار والتجربة لا لشرط الوضع القائم بقوة السلطة. إن المثقف المنفي لا يستجيب لمنطق التقاليد بل لجرأة المغامرة، وتمثيل التغيير والسير قدماً، لا للسكون الراكد.

معاني الثقافة عند إليوت

إليوت

توماس ستيرنز إليوت (1888-1065) هو شاعر ومسرحي وناقد أدبي. حائز على جائزة نوبل في الأدب في عام 1948. افتتح كتابه (ملاحظات حول تعريف الثقافة) بتحديد المعاني الملتصقة بلفظة الثقافة. فيقول بداية:

تختلف ارتباطات كلمة “الثقافة” بحسب ما نعنيه من نمو الفرد، أو نمو فئة أو طبقة، أو نمو مجتمع بأسره. وجزء من دعواي أن ثقافة الفرد تتوقف على ثقافة فئة أو طبقة، وأن ثقافة الفئة أو الطبقة تتوقف على ثقافة المجتمع كله، الذي تنتمي إليه تلك الفئة أو الطبقة. وبناء على ذلك فإن ثقافة المجتمع هي الأساسية، ومعنى كلمة “ثقافة” بالنسبة إلى المجتمع كله هو المعنى الذي يجب بحثه أولًا.

وحين تستعمل كلمة “الثقافة” للدلالة على التصرف في كائنات حية دنيا – كما هي الحال في عمل البترويولوجي أو الزراعي – فإن المعنى يكون واضحًا إلى درجة كافية، لأننا نجد اتفاقًا تامًا في الرأي بالنسبة إلى الغايات التي يراد الوصول إليها، ويمكننا أن نتفق إذا وصلنا إليها أو لم نصل. أما حين تُستعمل لترقية العقل البشري والروح البشرية، فإن احتمال اتفاقنا على ما هي الثقافة يكون أقل. وتاريخ الكلمة باعتبارها دالة على شيء يقصد إليه قصدًا واعيًا في أمور البشر، ليس بالتاريخ الطويل. وكلمة “الثقافة” بمعنى شيء يتوصل إليه بالجهد المقصود، تكون أقرب إلى الفهم حين نتكلم عن تثقيف الفرد، الذي ننظر إلى ثقافته منسوبة من ثقافة الفئة والمجتمع.

ماهي الثقافة إذًا؟ وكيف تُكتسب؟ من هو المثقف؟

قد نفكر في تهذيب السلوك أو الذوق أو الأدب، وفي هذه الحالة نفكر أولًا في طبقة اجتماعية، وفي الفرد الممتازعلى أنه ممثل لخير ما في هذه الطبقة. وقد نفكر في العلم والمعرفة الوثيقة بذخائر حكمة الماضي، وفي هذه الحالة يكون ذو الثقافة هو العالم. وقد نفكر في الفلسفة بأعم معانيها -أي الاهتمام بالأفكار المجردة، مع شيء من القدرة على معالجتها- وفي هذه الحالة قد نعني من يمسمى بالمثقف (مع ملاحظة أن هذه الكلمة تستخدم الآن استخدامًا مطاطًا جدًا، بحيث تشمل أشخاصًا كثيرين لا يتميزون بثقافة العمل). وقد نفكر في الفنون، وفي هذه الحالة نعني الفنان والهاوي.

ولكننا قلما نعني هذه الأشياء كلها مجتمعة. فنحن لا نجد مثلًا أن لفهم الموسيقى أو الرسم مكانًا ظاهرًا في وصف الرجل المثقف، ومع ذلك فلا أحد ينكر أن لاكتسابهما دورًا في الثقافة. وإذا نظرنا إلى مناشط الثقافة المختلفة التي أوردناها في الفقرة السابقة فيجب أن نستنتج أن الكمال في أي واحدة منها من دون الأخريات لا يمكن أن يسبغ الثقافة على أحد. فنحن نعلم بأن السلوك المهذب دون تعليم أو فكر أو حساسية للفنون يجنح بالمرء إلى آلية مجردة، وأن العلم بدون سلوك مهذب أو حساسية إنما هو حذلقة، وأن القدرة الفكرية مجردة من الصفات الأكثر إنسانية لا تستحق الإعجاب إلا كما يستحقه طفل معجزة في لعب الشطرنج، وأن الفنون بدون إطار فكري زيف وخواء.

وإذا كنا لا نجد الثقافة في أي واحدة من هذه الكمالات بمفردها، فإننا كذلك يجب ألا نتوقع في أي فرد واحد أن يكون كاملًا في جميعها، وإذن نستنتج أن الفرد الكامل الثقافة هو محض خيال، ونبحث عن معنى الثقافة لا في فرد أو جماعة من الأفراد، بل في نطاق أوسع وأوسع، وتنتهي أخيرًا بأن نجدها في هيئة المجتمع ككل.

ثم يكمل بعد ذلك فيقول:

وإذا كان من الظاهر أن تقدم المدنية يستتبع ازدياد الفئات الثقافية المتخصصة، فإننا يجب ألا ننتظر خلو هذا التطور من المخاطر. فقد بأتي التفكك الثقافي على آثار التخصص الثقافي، وهو أقصى ما يمكن أن يعانيه مجتمع من تفكك جذري.

ويتبع ذلك بإيضاحه عن التفكك الثقافي، الذي يقود إلى التفكك الجذري للمجتمع فيقول:

والتفكك الثقافي يوجد عندما تنفصل مرحلتين تاريخييتين أو أكثر بحيث يصبحان في الواقع ثقافتين متيزتين، وكذلك عندما تنقسم الثقافة في مستوى الفئة العليا أقسامًا يمثل كل منها منشطًا واحدًا من المناشط الثقافية.

وإذا لم أكن مخطئًا فثمة الآن في المجتمع الغربي تفكك يحدث للطبقات التي تبلغ الثقافة فيها، أو ينبغي أن تبلغ، أعلى درجات نموّها، كما أن هناك انفصالًا بين المراحل التاريخية في المجتمع. فالتفكير الديني والعادات الدينية، والفلسفة والفن، كلها تميل إلى أن تصبح مناطق منعزلة تتعهدها فئات لا صلة بين بعضها البعض. والحساسية الفنية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الدينية، والحساسية الدينية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الفنية وإثارة “السلوك المهذب” تترك لقلة متبقية من طبقة آخذة في الاختفاء، قلة لم يصقل الدين أو الفن حساسيتها، ولم تزد عقولها بمادة المحادثة الذكية، ولذلك فإن حياتهم ليس لها سياق يجعل لسلوكهم قيمة. والانتكاس في المستويات العليا لا يعني الجماعة التي يصيبها فحسب، بل يعني الشعب كله.

كلمة أخيرة مختصرة، عن ماهية الثقافة:

إن الثقافة يمكن أن توصف وصفًا مختصرًا بأنها ما يجعل الحياة تستحق أن تُحيا. وهي التي تجعل الشعوب والأجيال على حق حين تقول وهي تتأمل آثار مدينة بائدة: إن هذه المدينة كانت تستحق أن توجد.

شروط المثقف عند أنطون تشيخوف

1537064a67eefba5d87d7b

 

أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904) هو طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، يصفه البعض بأنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس. كتب المئات من القصص القصيرة التي اعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. تم تجميع عدد من رسائله العائلية في كتاب يحمل اسم (رسائل إلى العائلة)، يرد فيه (تشيخوف) في رسالة إلى أخيه (نيكولاي) حين أرسل إليه يشتكي بأن الناس لا يفهمونه، فقال له:

إن الناس يفهمونك جيداً، وإذا لم تفهم نفسك، فذلك ليس خطأهم.

ثم خلال الرسالة يحاول (تشيخوف) أن يشرح له أن هذا بسبب أمر واحد وهو الإخفاق الوحيد في نظره فقال:

لديك إخفاق واحد، ويعود إليه زيف وضعك، وتعاستك واضطراب أمعائك. ويتمثل هذا الإخفاق في افتقارك التام للثقافة. سامحني، من فضلك، لكن-كماتعرف- للحياة شروطها. فمن أجل أن تعيش نرتاحاً بين المتعلمين، ولتتمكن من معايشتهم بسعادة، يجب أن تحوز قدراً محدداً من الثقافة. إن الموهبة لتدخلك في مثل هذه الدائرة، فأنت تنتمي إليها، لكن، يتم سحبك بعيداً عنها للتأرجح بين المثقفين والمستأجرين.

ومن ثم يبدأ تشيخوف بوضع شروط يجب أن يستوفيها المثقفين في ٨ نقاط وهي :

١) احترم الجانب الإنساني في الشخصية، ولهذا السبب هم دائماً ودودون، دمثون، ومستعدون للعطاء. إنهم لا يتشاجرون بسبب مطرقة أو قطعة مفقودة من المطاط الهندي، وإذا عاشوا مع أحد لا يعدون ذلك منحة منهم، ويرحلون دون أن يقولوا “ليس بوسع أحد أن يعيش معك”، إنهم يصفحون عن الضوضاء والبرودة واللحم المقدد والنكات ووجود غرباء في منزلهم.

٢) يتعاطفون، ليس فقط مع المتسوليين والقطط. وتتفطر قلوبهم لما يرونه أو لا يرونه. إنهم يسهرون الليل لمساعدة شخص ما، ولدفع نفقات الإخوة في الجامعة، ولشراء الملابس لأمهاتهم.

٣) إنهم يحترمون ممتلكات الآخرين، ولهذا يسددون ماعليهم من ديون.

٤) إنهم مخلصون، ويخشون الكذب كما تخشى النار. إنهم لا يكذبون حتى ولو في الأشياء الصغيرة. فالكذب إهانة للمستمع ويضعه في منزلة أدني بالنسبة للمتحدث. لا يتظاهرون، بل لا يتغير سلوكهم في الشارع عنه في المنزل، ولا يتعمدون الاستعراض أمام رفاقهم الأقل منزلة. لا يثرثرون. ولا يثقلون على الآخرين بثقتهم بأنفسهم. واحتراماً منهم للآخرين، فإنهم يميلون إلى الصمت أكثر من الكلام.

٥) لا يحطون من قدر أنفسهم للحصول على شفقة الآخرين. ولا يلعبون على شغاف قلوب الآخرين، ليجعلوهم يتنهدون ويستحوذون عليهم. ولا يقولون “يساء فهمي” أو “لقد أصبحت شخصاً من الدرجة الثانية”، لأن كل ذلك ليس سوى سعي وراء تأثير رخيص، ومبتذل وتافه وزائف.
هم لا يعانون من الخيلاء والغرور. ولا يحفلون بتلك الماسات الزائفة (أقصد المشهورين)، ولا يأنفون من مصافحة السكير، وينصتون إلى صيحات إعجاب مشاهد مشتت في معرض للصور الفتوغرافية، ويترددون كثيراً إلى الحانات.

٦) وإذا أبرموا صفقة متواضعة، فإنهم لا يتباهون كما لو كانوا عقدوا صفقة بمئة روبيل، ولا يعطون لأنفسهم أولوية على الآخرين. إن الموهوب الحقيقي دائماً مايحافظ-دوماً- على اندماجه بين الجموع، وبعيداً قدر المستطاع عن الإعلان، وحتى كرايلوف، قال- سابقاً- إن البرميل الفارغ يصدر عنه صدى صوت أكثر من البرميل الممتلئ.

٧) إذا كانت لديهم موهبة يحترمونها، ويضحون في سبيلها بالراحة والنساء والخمر والخيلاء. إنهم فخورون بموهبتهم، وبالإضافة إلى ذلك من الصعب إرضاؤهم.

٨) ينمون الحس الجمالي داخلهم. ولايستطيعون الذهاب إلى النوم بملابسهم، ولايتحملون رؤية الشروخ ممتلئة بالحشرات، أو تنفس هواء فاسد، أو السير على أرض عليها بصاق، أو أن يطهوا وجباتهم في موقد زيتي. ويسعون قدر استطاعاتهم إلى كبح جماح رغباتهم الجنسية والسمو بها. وليس مايرغبونه في المرأة أن تكون رفيقة فراش، ولايطلبون المهارة التي تظهر عبر المضاجعات المتتالية. إنهم يرغبون،- خاصة الفنانيين منهم- بالأناقة، والإنسانية، والاحتواء، والأمومة. إنهم لايشربون الفودكا طوال ساعات النهار والليل، ولايتشممون رفوف الخزانات، لأنهم ليسوا خنازير، ويعلمون أنهم ليسوا كذلك. ويتناولون الشراب-فقط- عندما يكونوا غير مرتبطين بعمل أو في عطلة.

ثم بعد ذلك يعقب (تشيخوف) قائلاً:

لا يكفي على المثقف أن يقرأ “أوراق بيكويك” أو أن يحفظ منولوجاً من “فاوست”، فإن مايحتاجه المثقف هو العمل الدائم، ليل نهار، والقراءة المستمرة، والدراسة، والإرادة، فكل ساعة هي ثمينة بالنسبة له.

Screen Shot 2014-11-23 at 2.33.14 PM

للاطلاع على الرسالة

أدلة عربية للأفلام الوثائقية يجب عليك زيارتها

film-slate

تقوم الأفلام الوثائقية بدور كبير في تبسيط المعارف والعلوم والقضايا، وتحظى بكثير من الأهمية خصوصا في هذا الزمن الذي طغت عليه ثقافة الشاشة. في هذه التدوينة سنجمع المواقع العربية التي تجمع الأفلام الوثائقية لكي لا يكون لأحد عذر في عدم وجود الفيلم المناسب له. وخصوصاً مع أوقات الفراغ الكثيرة ربما لا يوجد أخف ولا أجمل من أن تشاهد فيلماً وثائقياً يعيد الكثير من تصوراتك إلى مكانها الصحيح. جميع الأفلام متوفرة مجاناً على الانترنت.

نظرة إلى الفن بأعين د.زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود

 د. زكي نجيب محمود (1905-1993) كاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري. في أشهر كتبه المعنوَن بـ(تجديد الفكر العربي) جعَل شيئًا عن أهمية الفن للحضارة فيقول بداية عن أهمية العلم والفن في نهضة الأمم فيقول:
العلم موضوعي والفن ذاتي، والخلط كل الخلط في أن أفسد العلم بأهواء الذات، أو أن أزيف الفن بموضوع يُملى عليه من خارج. وبالعلم المقيّد والفن الحر يتكون الإنسان المعاصر.
فإذا كان العربي متخلفًا عن عصره، فذلك لأنه لا علمًا بالطبيعة اكتسب ولا فنًا معبرًا عن ذاته أنشأ. فالعلم -حتى إذا ألممنا بأطراف منه- هو من اكتساب غيرنا ثم حفظناه حفظ التلميذ لدرسه. والفنّ -إذا زعمناه- هو سلعة منقولة عن سوانا (ولا فرق بين نقل عن أسلافنا ونقل عن معاصرينا) فإذا كان في المنقول فن الفن لغيرنا، عبّر به عن ذاته هو، وأما نحن فذواتنا ما زالت مطمورة تنتظر الفن الأصيل.
 ويقول في موضع آخر عن أهمية الفن:
بالعلم المشترك نعرف العالم ونغيره، وبالفن الذاتي نعرف الإنسان ونقومه
 يقول بعد ذلك عن حال الفن والأدب عند العرب فيقول:
إني لأذكر في شيء من الغموض قول أديب عربي حديث -لعله مصطفى لطفي المنفلوطي- حين قال إنه يفضل أن يقرأ وصفًا جميلًا لبستان، على أن يشهد البستان نفسه، وسواء قالها المنفلوطي، أو قالها سواه، أو لم يقلها أحد، ففي هذه العبارة صدق يكاد يجعل منها مفتاحًا لخصائص الثقافة العربية كما كانت طوال العصور – والكلام هنا بالتعميم والإجمال لا بالتفصيل والتحديد.
 فالإنسان في رأي د.زكي نجيب محمود يعيش في عالمين:
وهي أن هناك في حياة الإنسان عالمين يعيش في أحدهما أو كليهما بنسب متفاوتة: عالم الطبيعة من جهة، وعالم الرموز (وخصوصًا رموز اللغة) التي يبتكرها الإنسان ليشير بها إلى الطبيعة وأشيائها وكائناتها من جهة أخرى
وحال المثقف العربي في هذه العالمين برأيه:
والزعم هنا هو أن المثقف العربي كان يفضل الإقامة في عالم اللغة أكثر جدًا مما يطيل البقاء في عالم الأشياء
 وحال المثقف العربي في هذه العالمين تنعكس وبشدة إلى إنتاجه الفني، فيقول:
إن نظرة طائرة سريعة إلى الفن الإسلامي، كافية للتفرقة بين هذا الفن والفن اليوناني -مثلًا- أو الفن الهندي، أو الفن الفرعوني القديم. الفن الإسلامي هندسي يقيم أشكاله من خطوط وزوايا ومربعات ومثلثات ودوائر. إنه لا يرسم كائنات الطبيعة وأشياءها؛ لأن هذه الكائنات لا تمتزج بنفسه، ولا العربي يسعى إلى مزج نفسه بها، إنه إعلان من الفنان العربي بانفصال ذاته انفصالًا تامًا عن الأرض وكائناتها
 وكتوضيح أخير، فالفوارق بين فنون الأم ليست فوارق تفضيلية كما يقول، بل فوارق تاريخية لها أثرها على فنون الأمة:
إننا لا نقول بهذا إن بين الأمم فوارق بحكم الفطرة أو بحكم التكوين، لكنها فوارق تنشأ نتيجة لعوامل التاريخ ولكل أمة تاريخها، ولكل أمة ماضيها الذي أصبح -أو يجب أن يكون- جزءًا من حاضرها