أرشيف الوسم: جان جاك روسو

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.

 

أيهما يسبق الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ تودوروف يجيب

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي، بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام حتى وفاته، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

ضمن كتابه (نحن والآخرون)، تساءل (تودوروف)؛ أيهما يُقدّم على الآخر، الوطنية أم الإنسانية؟ فيتحدث مستفتحًا عن “محبة الوطن”، أهي في علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبية؟

هل تعتبر محبة الوطن، ضمن علاقتها مع القيم، مطلقة أم نسبوية؟ يفضل المحب لوطنه، دون شك، بعض القيم على بعضها الآخر، لكن ذلك لا يحدث باسم نظم مطلق. قد يتوجب على محب الوطن المنطقي قبول أن لكل واحد الحق في تفضيل القيم التي اختارها بلده. فمحبة الوطن هي نسبوية، ولكنها نسبوية معتدلة. يتخلّى النسبوي الأصلي تمامًا عن إصدار أحكام تقويمية، ويتفق المحب لوطنه معه في رفض كل إرجاع إلى معايير مطلقة وشمولية، لكنه يعتمد أساسًا آخرًا للأحكام.

ربما نستطيع أن نقول، مقلدين ومفسرين ما قاله (باسكال)، إن ولادة المرء في هذه الجهة من جبال البيرينيه، توجب عليه أن يقدّم الولاء المطلق للقيم الفرنسية، وولادته في الجهة الأخرى توجب عليه الولاء المطلق للقيم الاسبانية.


ثم يسترسل بعد ذلك في تساؤله؛ ما هو المفضل بين عاطفتي الوطنية والإنسانية؟ فيقول مستعرضًا فكر (هيلفسيوس) أولًا:

ينفي (هيلفسيوس) وجود الحق الطبيعي، بما أن العدالة ليست سوى ما يناسب على الوجه الأفضل جماعة ما، أو دولة. “في كل العصور وفي كل البلدان المختلفة، لا يمكن للنزاهة أن تكون إلا عادة الأفعال المفيدة للأمة”. تظهر النزاهة الشمولية إذًا كتناقض في الإصلاحات؛ لا يسعنا تصوّر أن فعلًا ما قد يكون مفيدًا، بصورة متماثلة لكل الأمم، فالفضيلة الإنسانوية، مثلها في ذلك مثل كل الكليات، ليست حتى الآن إلا وهمًا أفلاطونيًا.

لا تتطابق محبة الوطن مع الحب الشمولي إذًا: “من البديهي أن الشغف بمحبة الوطن، وهو شغف مرغوب به جدًا، فاضل جدًا، ومحترم جدًا عند مواطن ما، يستبعد حتمًا، الحب الشمولي. ربما ينبغي […] أن تخضع مصلحة الأمم لمصلحة أكثر عمومية، وأن يشعل حب الوطن في القلوب أخيرًا، وهو يطفئ نار حب شمولي؛ وهذه فرضية لن تتحقق قبل وقت طويل”.

فـ(هيلفسيوس) بهذا، يقدِّم المشاعر الوطنية، على مشاعر الحب الشمولية، أو المشاعر الإنسانية بكلمات أخرى. وهو يعتقد بأنه من المستحيل التوفيق بين هذين الشعورين، إذ أنهما متضادان.


ينتقل (تودوروف) بعد ذلك إلى (ڤولتير) ليشرح آراؤه في هذا الخصوص، فيقول:

أما (ڤولتير) فهو يتخذ موقفًا معاكسًا في هذا الخصوص. هو أيضًا يعتقد بأن حب الوطن وحب الإنسانية متعارضان، وهذا يحزنه: “من المحزن أنه لكي يكون المرء وطنيًا صالحًا، لا بد له من أن يكون عدوًا لباقي البشر. […] ذلك هو الشرط الإنساني، الذي يجعل تمني المرء العظمة لبلده، تمنيًا للشر لجيرانه. ذلك الذي يريد ألا يكون وطنه أكبر ولا أصغر، ولا أغنى ولا أفقر، على الإطلاق، قد يكون مواطن الكون”. ولكن، ومن بين هذين الاصطلاحين، يقدِّر (ڤولتير) الشمولي أكثر، رغم معرفته بأنه، لا سيما عند تقدمه بالعمر، يرق قلب الإنسان على وطنه ويفضل الخبز في بلده على الحلوى في الغربة.

(ڤولتير) هنا يتفق مع (هيلفسيوس) في كون المشاعر الوطنية والإنسانية متضادتين، إلا أنه يقدّم المشاعر الإنسانية، على عكس (هيلفسيوس) كما يقول (تودوروف).


وأخيرًا، ينتقل (تودوروف) في استعراضه للأجوبة، إلى (جان جاك روسو)، فيقول:

أما (روسو)، الذي قرأنص (هيلفسيوس) وتأمل فيه، فيستحق أن نتوقف عنده لوقت أطول. يتمفضل التعارض في كتاباته حول اصطلاحي “مواطن” و”إنسان”. ويدل هذا الاصطلاح الأخير، بطريقة مبهمة أحيانًا، على الكائن الإنساني كساكن للكون، تمامًا كما يدل على الفرد بعينه. لا تتطابق سُبُل المواطن والإنسان، وذلك لأسباب بديهية: “فهدف جهودهما ليس واحدًا، إنه سعادة المجموعة هناك، وسعادة الشخص هنا”.

فبرأي (روسو) أن الإنسانية والوطنية، هما شعورين مختلفين. يستكمل (تودوروف) شروحاته:

لا يكتفي (روسو) بالإشارة إلى الاختلاف بين هذين السبيلين؛ بل ويؤكد على تعارضها الجذري؛ هذا على الأقل ما اعتقده في عهد كتابه (إميل): “لأننا مجبورون على مصارعة الطبيعة أو الاأنظمة الاجتماعية، يجب الاختيار بين صنع الإنسان أو صنع المواطن، إذ أنه من غير الممكن صنع الاثنين في الآن نفسه”. ويتناسب نجاح الوطنية عكسًا مع نجاح الإنسانوية. “الأنظمة الاجتماعية الجيدة هي تلك التي تعرف على نحو أمثل كيف تفقد الإنسان طبيعته البشرية”.

 

ويستطرد قائلًا:

ما يزيد الأمور سوءًا هو أن (روسو) مقتنع بأنه في هذا التناقض، تمامً ككل تناقض آخر على كل حال، مصدرًا للتعاسة لا يمكن استدراكه، يقدّم عنده الحنين الذي يثيره فقدان الوحدة كمسلّمة دون إقامة براهين؛ بل إن هذا التناقض هو المصدر الرئيسي لتعاسة البشر. “ما يصنع البؤس الإنساني هو التناقض […] بين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية، بين الإنسان والمواطن”.

الأخلاق والفلسفة الاجتماعية في فكر هيوم

هيوم

ديفيد هيوم (1711 – 1776)، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي وشخصية مهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) قام الفيلسوف (ويليم كيلي رايت) بتلخيص محاور الفكر عند (هيوم)، ومنها أفكاره الأخلاقية والاجتماعية. فيقول في شارحًا هذا الفرع من أفكار (هيوم):

لم يعتقد (هيوم) أن هناك أي مبادئ أبدية وثابتة بصورة مطلقة للأخلاق يمكن معرفتها عن طريق الحدس والبرهان. فالأخلاق تختلف عن الرياضيات من هذه الزاوية. ومع ذلك فإن (هيوم) يعتقد في علم تجريبي للأخلاق. وترتبط معالجة (هيوم) للأخلاق، كما قد نتوقع، ارتباطًا وثيقًا بالسيكلوجيا الموجودة عنده.

لإيضاح الارتباط السايكولوجي بالأخلاق عند (هيوم)، يقول:

يوجد من بين انطباعات الفكر عندنا انطباعات عن اللذة والألم، يصاحبان بصورة مباشرة كل إدراكاتنا الأخرى. وتأتي العواطف والانفعالات في الأهمية بعد اللذات والآلام، وتلي ظهور الأفكار. (لا تختلف الانفعلات عن العواطف عند (هيوم) إلا في كونها أكثر شدة، وهو يستخدم مصطلح “الانفعالات” ليعني ما يتحدث عنه علماء النفس اليوم باسم “العواطف”).

فهو يقسم العواطف إلى قسمين ؛ العواطف المباشرة وغير المباشرة.

وتنشأ العواطف المباشرة بصورة مباشرة من انطباعات اللذة والألم، مثل: الرغبة، النفور، الحزن، السرور، الأمل، الخوف واليأس. أما العواطف غير المباشرة فهي أكثر تعقيدًا، وتتضمن ارتباط كيفيات “صفات” أخرى متنوعة، مثل الاعتداد بالذات، والضعة، والطموح، والزهو، والحب، والكراهية، والحقد، والشفقة، ،الضغينة، والكرم. وتحليل (هيوم) للعواطف كثيرًا ما يكون دقيقًا، فقد قدّم إسهامات دائمة لما نسميه اليوم بـ(سيكولوجيا السلوك) أو (سيكولوجيا العواطف).

يستكمل بعد ذلك كلامه قائلًا:

والإرادة البشرية هي باستمرار محصّلة الانفعالات والعواطف. ولا يمكن لشيء أن يعارض أو يعوق دافع الانفعال أو العاطفة سوى دافع مضاد. “والذهن لا يكون، ولا ينبغي له أن يكون سوى عبد للعواطف، ولا يمكن أن يزعم على الإطلاق أي عمل سوى أن يخدمها ويطيعها”. وهناك معنيان فقط يمكن أن يكون بهما الفعل غير معقول: أولهما أنه قد يُؤسس على وجود افتراض لموضوعات غير موجودة فعلًا، وثانيهما أنه قد يستخدم وسيلة غير فعالة من أجل غاية مدبرة ومخططة، بسبب الحكم الخاطئ على الأسباب والنتائج.

قد يمكن تصنيف (هيوم) بأنه فيلسوف لذِّي أحيانًا، أي يميل إلى تفسير الدوافع البشرية من ناحية اللذة المضافة، وقد يشرح الخير والشر أحيانًا كمرادفتين للذة والألم، إلا أنه لم يصل إلى اللذّية التي كان عليها (هوبز) كما ذُكر في تدوينة سابقة.

إن ما يجلب اللذة على المدى البعيد، سواء للفرد أو للآخرين، له منفعة، عند (هيوم). والمنفعة تسبب لنا لذة بطريقة معينة وخاصة، باستقلال عن – وبالإضافة إلى – أي تجربة مباشرة عن نتائجها السارة. ويفسر (هيوم) أحيانًا الاستحسان المحايد لأفعال مفيدة عن طريق وجود حاسة خلقية، يطورها تداعي الأفكار، تلجأ إليها المنفعة. فالفضائل خيرة بسبب منفعتها ؛ فإذا لم تحقق الفضائل الرخاء العام، فإنها لا تكون خيرة. وبعض الفضائل، مثل محبة الآباء، والإريحية هي فضائل طبيعية، طالما أنها تتطور تلقائيًا، وتلجأ مباشرة إلى الحاسة الخلقية، بينما العدالة هي – من ناحية أخرى – نتاج اصطناعي للوسائل البشرية الواعية، على الرغم من أنها غير مرغوبة على نحو أقل نتيجة لهذا السبب.

أما عن نظريات العقد الاجتماعي (يمكنك القراءة عن العقد الاجتماعي في مقالتنا السابقة)، فـ(هيوم) غير مؤمن تمامًا بها، يقول (ويليم كيلي رايت):

والدولة السياسية – كما يراها (هيوم) – هي نتيجة لتطور تدريجي يمكن مقارنته بنمو اللغة ؛ فليست أي منهما نتاج اتفاق اجتماعي متعمد. ومع ذلك فإن القصة المختلقة عن العقد الاجتماعي أفادت في توجيه الانتباه إلى واقعة مؤداها أن الدولة، ومعها فضيلة العدالة، وتأسيس الملكية الخاصة، والاعتراف بالإلزام الأخلاقي لحفظ العهود والعقود، قد تطورت جميعها من غرائز وحاجات بشرية، وأن التأمل الفطن ساعد في نموها.

ولدى (هيوم) معنى للتطور التاريخي للمؤسسات الاجتماعية يندر أن يوجد عند مفكري التنوير الآخرين. فلقد أدت الوقائع التي تقول أن الموجودات البشرية بطبيعتها أنانية إلى حد كبير، ومع ذلك فهي قادرة على كرم محدود، وأن الطبيعة تقدم زادا طفيفًا للاحتياجات البشرية – نقول أدت تلك الوقائع بالناس بصورة تدريجية إلى أن يعترفوا بأن تأسيس الملكية الخاصة أمر مرغوب فيه، ومعه فضيلتا العدل والأمانة اللتان تدعمانه. ومن هنا كان الالتزام الطبيعي أو الذي يحث على العدالة هو مصلحة مشتركة للمحافظة على الملكية والقواعد العامة للسلوك، أما الإلزام الأخلاقي فهو مستمد من التعاطف ؛ وهما معًا تدعمهما التربية الخاصة والعامة.

الأخلاق والسياسة عند توماس هوبز

توماس هوبز

توماس هوبز (1588 – 1679) هو عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي. يعد (هوبز) أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصا في المجال القانوني، حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيها قانونيا ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي. كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دورًا كبيرًا ليس فقط على مستوى النظرية السياسية، بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، حاول الأخير تلخيص وتبسيط أفكار (هوبز) حول السياسة وعلاقتها بالأخلاق. يقول في بداية حديثه:

يرى (هوبز) أن كل إنسان، في الحالة الطبيعية، تلك الحالة السابقة على تكوين الدولة السياسية، كان يبحث عن البقاء، وإشباع رغباته الخاصة بلذات أنانية، مثل المغنم والمجد. ولا وجود للأخلاق كما نعرفها. ولكل واحد الحق الكامل فيما يستطيع الحصول عليه والمحافظة عليه. لا وجود لشيء لشيء مثل القانون أو الظلم. والنتيجة الحتمية لذلك هي “حرب الكل ضد الكل” ؛ لأن الناس إما أن يكونوا في حالة حرب فعلية بصورة مستمرة، أو يكونوا في خوف دائم من أن يهاجم بعضهم بعضًا. لأن الحرب لا تكمن فقط في القتال، بل تكمن أيضًا في الخوف الدائم والاستعداد للصراع ؛ “وكما أن طبيعة الطقس الممطر العاصف لا تتمثل في وابل المطر ينزل مرة أو مرتين، بل في استمرار سوء الطقس لعدة أيام، فكذلك الأمر بالنسبة للحرب لا تتمثل في القتال الفعلي، بل في الميل للقتال في جميع الأوقات التي لا يكون العكس فيها مضمونًا“، ليس هناك معنى للأمان، وليس هناك حافز على الصناعة. الكل في خوف وفقر دائمين. ولابد أن تكون الحياة البشرية “منعزلة، فقيرة، بدائية، وحشية، وقصيرة الأمد“. أما ما إذا كان (هوبز) يعتقد أن تلك الحالة كانت موجودة بالفعل، وأنها حالة تاريخية، فذلك أمر مشكوك فيه، فهو يقول من المحتمل أنها لم تكن عامة أبدًا. ولكنه يعتقد بأنها حالة قريبة من حالة الطبيعة يمكن ملاحظتها بين الهمج، ولكنها متضمنة في سلوك الإنسان المتمدين.

وجود مثل هذه الحالة من الصراع الدائم، أمرٌ مرهق في النهاية، يقول:

إن الناس يرغبون بصورة طبيعية في السلام والأمن، والهروب من البؤس والفزع من حالتهم الطبيعية. فدفعهم ذلك إلى تأسيس دولة تقوم على رضى متبادل، يوافق فيها كل فرد على طاعة أوامر صاحب السيادة، الذي يكون رجلًا واحدًا وخلفاؤه (النظام الملكي)، أو مجموعة من الناس (الارستقراطية أو الديموقراطية، وفقًا لحجم المجموعة). وكان صاحب السيادة في إنجلترا شخصًا واحدًا. وسلطة صاحب السيادة مطلقة، وهو لا يمكن أن يرتكب خطأ يمكن أن يخضع بسببه للمساءلة من الناحية القانونية ؛ فهو ليس مسؤولًا إلا أمام الله وضميره. ويتعهد الآخرون بطاعته، وهو لم يتعهد لهم بشيء. بل له سلطة سن القوانين، وتعيين القضاة، وإعلان الحرب والسلم، وتوقيع العقوبات، وتحديد دين الدولة. وجميع رعاياه تطيعه، وإلا كان هناك صراع، وحرب، وعودة إلى بؤس الحالة الطبيعية. ولما كانت الدولة قد تكونت بوصفها مصلحة أنانية فردية، فإن “خضوع الرعايا لصاحب السيادة يجب أن يفهم على أنه يدوم ما دام يملك من القوة المستمرة ما يمكنه من حمايتهم وليس أطول من ذلك“، فإذا فقد قوته وهزمه صاحب سيادة آخر، وخضع له، فإن خضوع رعاياه يتحول إلى المنتصر.

بذلك يمكن تلخيص الركيزة الأساسية للسياسة عند (هوبز)، بأنها:

تقوم على مذهبي الأنانية واللذة تمامًا. فالناس يسلكون ويجب أن يسلكوا وفقًا لمصالحهم الخاصة فحسب.

ثم يكمل بعد ذلك، فيُعرّف القوانين الطبيعية:

فالقانون الطبيعي هو فكرة أو قاعدة عامة، يكتشف الإنسان عن طريق عقله أن من مصلحته طاعتها، ومن ثم فهو مُلزم بأن يفعل ذلك (فالمصلحة والواجب الأخلاقي هما شيء واحد في هذا المذهب الطبيعي الأخلاقي).

يشرع بعد ذلك في تبسيط القوانين الطبيعية والأساسية، فيقول:

القانون الطبيعي والأساس الأول هو أن الناس ينبغي عليهم أن “يبحثوا عن السلام ويتبعوه“.

وينتج عن ذلك القانون الثاني وهو “ينبغي أن يكون لدى الإنسان الرغبة في السلام، عندما يكون لدى الآخرين نفس هذه الرغبة، وأن تكون لديه الرغبة في الدفاع عن نفسه عندما يجد أنه لابد أن يفعل ذلك، وأن يتنازل عن هذا الحق (الطبيعي) في ملكيته لجميع الأشياء، وأن يقنع بذلك القدر من الحرية إزاء الآخرين الذي يسمح به للآخرين إزاءه“.

أما القانون الثالث فيقول: “ينبغي أن يلتزم الناس بتنفيذ ما يبرمونه من عقود” التي بدونها تصبح العقود، بالطبع، عديمة الجدوى.

ثم يتبع ذلك عشر قوانين طبيعية أخرى، وهي:

1. الالتزام بالإرادة الخيرة.

2. التكيف المتبادل.

3. العفو عن التائب.

4. العقوبات لا تكون إلا من أجل إصلاح المعتدين أو ردع الآخرين، وليس من أجل الانتقام.

5. الامتناع عن ازدراء أو كراهية الآخرين.

6. الاعتراف بأن جميع الناس متساوون.

7. امتناع الإنسان عن الاحتفاظ بأي حقوق لنفسه دون غيره، أي أن ينبغي على المرء ألا يرضى لنفسه أن يحتفظ بأي حق لا يرضى أن يحتفظ به كل إنسان آخر لنفسه.

8. التوزيع العادل أو النسب الصحيحة للخيرات التي تكون ملكًا للجميع.

9. السلوك الآمن.

10. حل المنازعات عن طريق الجهة القضائية.

ختامًا، يقول (هوبز) عن هذه القوانين الطبيعية التي وضعها:

وقوانين الطبيعة تلك قوانين ثابتة وأبدية ؛ لأن الظلم، ونكران الجميل، والتكبر، والكبرياء، والبغي، والمحاباة، وغيرها، لا يمكن أن تكون على الإطلاق أمورًا مشروعة وقانونية. لأنه لا يمكن مطلقًا القول بأن الحرب يمكن أن تحافظ على الحياة، وأن السلام يدمرها.

د. علاء جواد، وتطور مفهوم الفرد

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) أورد فصلًا يتتبع فيه مفهوم الفرد، وتطور المفهوم على مر العصور.

بدأ بداية بتعريف كلمة الفرد حسب القواميس العربية، معتمدًا على موسوعة (لسان العرب) و(الوافي معجم وسيط اللغة العربية)، فيقول:
لقد ظهر الفرد في اللغة العربية الكلاسيكية بمعنى “الوتر، والجمع أفرادًا وفرادى، والفرد نصف الزوج ولا نظير له. وتأتي كلمة تفرّد بمعنى انعزل وتميز عن غيره” والفرد “هو المتفرد والمتميز عن القطيع أو الجماعة، فنقول أفرد زيد بالأمر تفرد به، وتفرد بالأمر أي كان فيه فردًا لا نظير له”. وشكل الفرد بوصفه اصطلاحًا إنسان أحادي منفرد، ويحوي هذا المفهوم معنى آخر، هو الكلية التي لا يمكن تجزئتها إلى مكوّن أصغر.
ثم يعيد تعريف الفرد اصطلاحًا:
أما الفرد على وفق المنظور الأنثرو-سوسيولوجي ؛ فيُعرف بشكل عام في هذا المجال استنادًا إلى علاقته بالمجتمع والجماعة، أو بوصفه الوحدة المرجعية الأساسية، سواء إليه بالذات أو بالنسبة إلى المجتمع.
ويشرح ذلك قائلًا:
بمعنى آخر، إنه يعيد إنتاج نفسه على مستوى الذات والموضوع والعلاقة مع الآخر المجتمعي، استنادًا إلى قراراته الذاتية، وبالتالي هو يصنع مصيره الخاص وفقًا لتلك القرارات والأفعال والعلاقات التي يمدها مع وحدات المجتمع الأخرى، إنه قادر على بيان مصيره الخاص، وفقًا إلى قدرته المتمايزة على تغير عوالمه الذاتية ومن ثم إعادة تشكيل العالم.
أما تاريخيًا، فقد كان الإنسان مرتبطًا بالجماعة، سواء كانت القبيلة أو الفصيلة أو غيرها:
وتميز الدراسات الأنثروبولوجية حقيقة أن الكائنات الإنسانية تولد وهي تنتمي إلى عوائل محددة، وطوائف وعشائر وجماعات دينية، وإلى المجتمع الأوسع. أما في المجتمعات القبيلية، كانت منزلتهم الاجتماعية تحدد هويتهم بحيث يعرفون أنفسهم ويعرفهم الآخرون بأنهم أبناء فلان وبناته. وأفراد تلك الطائفة المعينة، أو المقيمين في قرية بذاتها، أو أتباع دين بعينه. ونادرًا ما كانوا يرون أنفسهم كأشخاص فريدين لديهم حياتهم الخاصة وأهدافهم الشخصية.
أما عن بداية ظهور مصطلح الفرد فيقول:
من هنا، إن الغرب وبالتحديد أثينا وروما هما بالتحديد أول المدن التي شهدت انبثاق فكرة الفرد أو الشخص، بالرغم من أن منزلتهم الاجتماعية كانت تعني الكثير لهم، وتحدد جزءًا من هويتهم، فقد رأى الأفراد أيضًا أنفسهم كأشخاص فريدين، يتمتعون بجزء من الحياة الخاصة بهم، وما كانوا فيه عرضة لمساءله أحد.
ويعقب قائلًا موضحًا:
لكن هناك مسألة أساسية جدًا يجب ملاحظتها بتروي، تلك هي أن الفرد بوصفه كائنًا بايولوجيًا كان موجودًا على الدوام. أما الفرد بوصفه انكشافًا ذاتيًا، فتلك قضية مرتبطة إلى حد كبير بمسائل ومظاهر الحداثة الاجتماعية التي رافقت الانفتاح الاقتصادي منذ القرن الثامن عشر، وهذا على الأقل رأي (دو توكفيل) الذي دعمه كثيرًا (بيكو بارك) في تحليله أن الحداثة كانت قد أشرت انبثاق تصور جديد عن الشخص، وهو يدعم أهمية فكرة الحداثة ويجعلها الأساس الذي تنبثق عنه فكرة الفرد أو الشخص أو الذات. لقد أشرت الحداثة انبثاق فكرة الفرد، التي دمرت كثيرًا من المؤسسات الاجتماعية التقليدية، وحولت غيرها تحويلًا جذريًا، وحررت الرجال والنساء لاحقًا من الهويات الموروثة أو النسبية، وعرفتهم بأنهم أفرادًا أحرارًا يمتلكون قرارة أنفسهم، ويرغبون في اتخاذ خياراتهم، ويشكلون حياتهم، ويكونون علاقاتهم من الآخرين.
ويقول بعد ذلك عن الفردية أو الفرادة، بمعنى التميز الفردي:
أما الفردية أو الفرادة كفكرة أو كلمة جديدة فهي تشير بالدرجة الأساس إلى ما يميز الأفراد ويفرزهم عن الآخرين. وهي لا تنطوي على الكثير من السمات الطبيعية التي يشترك بها الجميع في الولادة بقدر ما تنطوي على إنجازاتهم العقلية والأخلاقية الفريدة، ونوع الشخص الذي صاغوا به أنفسهم، وفكرة الفردنة لها تأريخها الخاص. […] لقد كتب (لويس دمون) : “إن الفردانية هي القيمة الأساسية للمجتمعات الحديثة”، وكتب أيضًا: “ما إن يطرح على هذا الأساس التعارض بين النزعة الفردانية والفيضية فجأة، كل عودة مزعومة إلى الفيضية على صعيد الأمة الحديثة تظهر بوصفها مشروع كذب وقمع .. الواقع أن الشمولية تعبر بطريقة درامية عن شيء ما نلقاه دومًا ومن جديد في العالم المعاصر، هو أن الفردانية كلية القدرة من جهة، ومسكونة باستمرار، وبصورة نهائية، بضدها من جهة أخرى”.
ثم يذكر رأي (دوركايم) عن الفردية:
يفضل (دوركايم) استعمال مفهوم الأنانية على مفهوم الفردية، على الرغم من أن المفهومين لا يتطابقان، فإنهما مترابطان بقوة الواحد مع الآخر في تحليلاته. ويؤشر (دوركايم) في كتابه (الانتحار) على مجموعة من المعايير التي نلخصها هنا حول بروز ظاهرة الفردية وفق (دوركايم) على الشكل الآتي:
معيار (١) تظهر الفردية متلازمة مع زعزعة المعتقدات التقليدية. لكن تطور الفردية لا يتعلق فقط بالمتغيرات الثقافية.
معيار (٢) إنه نتيجة لدرجة اندماج المجموعات الاجتماعية التي يشكل الفرد جزءًا منها.
معيار (٣) تميل الفردية إلى النمو في المجتمعات الحديثة.
يعود بعد ذلك إلى تأريخ الفكرة وتطورها، فيستشهد بالفيلسوف (إيريك فروم) في مقولته:
إن التاريخ الأوروبي والأمريكي مند نهاية العصور الوسطى هو تاريخ ظهور الفرد الكامل […] ولكن على حين أن الفرد قد نما في وجوه عديدة، فقد نما انفعاليًا وعقليًا وهو يشارك في منجزات ثقافية إلى حد غير مسموع به من قبل
يوضح ذلك، فيقول:
لقد اختفى الفرد في مجتمع العصور الوسطى لأنها كانت -كما يخبرنا (كافيين)- مجتمعات مقسمة إلى طبقات شديدة التنظيم والاستقرار والثبات، مرورًا إلى طبقات تتصف بالانغلاق المطلق على نفسها، وهذا يعني أن الفرد كان عاجزًا تقريبًا عن شق طريقه من طبقة إلى أخرى. ومن ثم كانت نظرة الفرد إلى نفسه في المحل الأول هي أنه عضو في طبقة مغلقة أو مهنة ومن ثم إن هويته الأساسية تتشكل تبعًا على ذلك. […] وبما أن الأفراد يستمدون هويتهم من الجماعات التي يولدون ويموتون بين ظهرانيها، فقد تركزت آمالهم ومطامحهم على الجماعة لا على أنفسهم ويترتب على ذلك أنهم كانوا ينعمون بشعور الانتماء والأمن أكبر بكثير مما يشعر به أفراد العصر الحديث. ويفسر (فروم) هذه الحالة وفق التالي: “إن ما يميز مجتمع القرون الوسطى في تباينه عن المجتمع الحديث هو انعدام الحرية الفردية. فقد كان الفرد في تلك الفترة الباكرة مقيدًا بدوره في النظام الاجتماعي. وكانت لدى المرء فرصة ضئيلة للانتقال اجتماعيًا من طبقة إلى طبقة أخرى، ويكاد لا يكون في مقدوره حتى أن ينتقل جغرافيًا من مدينة إلى أخرى أو من بلد إلى آخر. فكان عليه أن يبقى حيث وُلد مع استثناءات قليلة”.
ينتقل بعد ذلك إلى عصر النهضة، والتطور الكبير في تطبيق مفهوم الفردية، فيقول:
لقد ابتدأنا بمناقشة عصر النهضة لأن هذا العصر هو فعلًا بداية الفرد الحديث الذي تحول في عصر (جان جاك روسو) وتوج الفرد ملكًا على نفسه وعلى العالم. […] إن المسلمات الفردية لعصر الرومانسية من (روسو) إلى منتصف القرن التاسع عشر التي شكلت ذخيرة من الصور والأفكار التي أصبحت منذ ذلك الحين جوهر النزعة والفكرة الفردية، هي بعينها مسلمات (أميرسون) في مقاله ؛ الاعتماد على الذات “إن إيمانك برأيك واعتقادك بأن ما تعتقد به في صميم فؤادك أنه حق هو عند الناس جميعًا، لهو عبقرية بعينها، فلتثق بنفسك فإن الأفئدة لتهتز لهذا الوتر العنيد”.
شهدت هذه المرحلة تطورًا في مفهوم الفرد، ويذيّل فكرته باستشهاد آخر من (كافيين):
بعد هذه المرحلة شهدت مقولة [الفرد] منتصف القرن التاسع عشر تطورًا وانتشارًا سريعًا، “فالعبقري، والبطل والرافض والفنان والمفكر والرائد والمخترع إنما هي من بنات خيال القرن التاسع عشر. إنه القرن الذي أظهر أهمية الخيال والإبداع والشخصية والتعبير عن الذات والأحلام واللاشعور والوعي بالذات في الثقافة الأوروبية والأمريكية”.
هذا التغيير شهد بعد فترة ما تحولًا  سلبيًا لم يكن في الحسبان:
لكن ظهور هذا النوع من الاستقلال الذاتي كان مشوبًا بالكثير من القلق، ورافقته الكثير من الأزمات التي ربما أطاحت به من جديد مع ظهور المجتمعات الصناعية في مراحلها التكنولوجية، ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية التي شكلت تدهورًا دراميتيكيًا للفكرة الإنسانية برمتها، وبموازاتها تحطمت من جديد الأسس الغضة، حديثة العهد للفردانية. فلقد ظهرت مع تقادم التطور الرأسمالي للعمل وتطور الآلة، انتكاسة أخرى للفرد المختلف والمتمايز. لقد سحق المجتمع الصناعي الفردَ نهائيًا. وأصبح الأمر على النحو التالي ؛ لقد زادت الآلة والتنظيم الصناعي الصارم في المجتمع الرأسمالي من قدرة العامل على إنجاز عمله بدقة وسرعة بدت في تزايد مطرد، لكن المشكلة بحسب عالم الاجتماع الاقتصادي (ثورشتاين فيبلن) تكمن أن عمل الآلة بدأ السيطرة على العمل ويهمن على مقدراته.
يشرح بعد ذلك الأزمة الحاصلة للفرد في ظل الآلة، يقول:
وهذا يعكس الأزمة الجديدة التي يعانيها الفرد في المجتمعات الحديثة القائمة على الصناعة المتقدمة، فالمصنع الحديث وأنماط العمل فيه التي ترتكز على الآلات لا يشجع العمال على التعبير عن مقدرتهم على الخلق، وهو ما كانت تقوم به الآلات والأدوات البسيطة في أنظمة العمل التقليدية، وإنما يتطلب انتباهًا دائمًا وتفكيرًا آليًا ومسايرة لما هو موجود. لقد أصبحت مهمة العامل مسارة الآلة والانقياد المطلق لمتطلباتها ما يؤدي إلى تنميط الحياة الذهنية للعامل في إطار العملية الآلية التي تزداد إحكامًا وثباتًا كلما زاد شمول وكمال العملية الصناعية التي يلعب فيها دورًا.
كل ذلك أنتج شكلًا جديدًا للفرد:
إن هذه التحولات الاجتماعية أنتجت نمط [الإنسان المعذب]. المأزوم الذي نجم بلا شك عن حقيقة جديرة بالفحص والدراسة، وهي أن نجاح الأنظمة الرأسمالية الحديثة كان قد حطم الأمان التقليدي الذي كانت تتمتع به الأسرة والقرية والطائفة الحرفية والكنسية في المجتمع التقليدي.
وكان بعد ذلك التحول الحديث للمفهوم:
لكن بعد التسعينيات سنشهد مجددًا انبثاق صورة أخرى عن الفرد، لا هي صورة الفرد التي تحدث عنها (ليبوفتسكي): المؤطرة بالمتعية الأنانية، والمظهرة للفرد على أنه الأناني المنطوي على نفسه، ولا هي صورة الذات المريدية، التي تستثمر حياتها، ثمت صيغة أخرى فرضت نفسها، أكثر تمزقًا، وقلقًا وانفجارًا وعذابًا. إنها صورة الفرد غير الأكيد من نفسه، الحائر الذي وصفه (آلان اهرنبورغ) قائلًا: “يبدو أن الفرد المتألم قد أخذ مكان الفرد المنتصر”.