أرشيف الوسم: جان جاك روسو

الفكر التنويري في قضية النوع

دوريندا أوترام

يرى (كانط) التنوير أنه خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام عقله دون أن يشوهه التعصب ودون أن يوجهه الآخرون. فالتنوير حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية. تقوم على إعمال العقل ونبذ الجهل والخرافة، نشأت في إنجلترا في القرن الثامن العشر بينما كان تطورها الحقيقي في فرنسا، كما أن الثورة الفرنسية استلهمت أفكار التنوير الذي لم يكن مقصوراً على أوروبا وحدها  بل امتدا إلى أمريكا.

(دوريندا أوترام)، تدرس التاريخ في جامعة كورك، وكانت أستاذة زائرة في جامعة هارفارد وقامت بتدريس مادة تاريخ العلوم، صدر لها كتاب (الجسم والثورة الفرنسية). وفي كتابها (التنوير)، من ترجمة د. (ماجد موريس إبراهيم)، تناولت الكاتبة في الفصل السادس “الفكر التنويري في قضية النوع” تستفتح حديثها بقتباس لـ(ماري وولستون كرافت): 

من ذا الذي جعل من الرجل الحكم الأوحد إذا كانت المرأة تشاركه في نعمة العقل؟

عند كل من الرجل والمرأة لا بد وأن تكون “الحقيقة” واحدة، هذا لو أنني أعرف الحكمة بمعناها الصحيح، إلا أنه في الشخصية الخيالية للمرأة والتي رسم صورتها الشعراء والروائيون بطلاوة بالغة كان من المتطلب تنحية الحقيقة والصدق وهكذا أصبحت الفضيلة فكرة نسبية لا تقوم إلا على ما تجلبه من فائدة، وبناء على هذا المنطلق يتظاهر الرجال بارتجالية أنهم يطلقون أحكامهم وأنهم يشكلونها كي تتفق مع ما يؤدي إلى راحتهم. الرجل يكون رجلاً في بعض اللحظات فقط أما المرأة فهي المرأة على مدى سني عمرها .. كل شيء وبصفة مستمرة يستدعي أنوثتها إليها .. المرأة الكاملة والرجل الكامل لم يعد عليهما أن يشابه أحدهما الآخر من ناحية العقل بأي قدر أكثر مما يفرضه التشابه الشكلي بينهما.

كرس التنوير جهداً عظيماً من أجل تعريف “النوع” – الذكر والأنثى. وكان هذا الجهد عظيماً فعلاً حتى إن بعض المؤرخين ما لبثوا أن رأوا أن هذه الفترة كانت مصباً لمحاولات الثقافة الأوروبية لتعرف على الاختلاف بين الجنسين.

بذل جهد كبير في التنوير من أجل تعريف الأنوثة. الصور الشائعة للمرأة في سالف الزمان والتي صورتها سليطة اللسان، بغي، أو مسترجلة .. أخذت تتوارى وقد حلت محل هذه الصور محاولات متعددة طبية وعلمية لتعريف الفروق الاجتماعية والثقافية بين الرجل والمرأة باعتبارها فروقاً طبيعية ومن ثم تصبح هذه الفروق صحيحة وحتمية. دار جدل كثير حول التكوين الجسماني للأنثى وحول أهمية دور المرأة كأم. وفي هذه المناقشات شارك كل من العلم والطب بنصيب بالغ الأهمية .

بدا  باضطراد وكأن الكتابات الطبية تعني أن الأنثى كانت حقيقة نوعاً منفصلاً من الجنس البشري مخصصاً للوظائف التناسلية وللممارسة الجنسية التي كانت في الغالب مكبوته أو موضع إنكار. وعلى النقيض من هذا كانت النساء تضطلعن بمهمة الحرص على الأخلاق والدين في الحياة الأسرية. كانت هذه الصورة للمرأة تتضمن عناصر كثيرة لا تتفق مع بعضها لبعض. إنها الصورة التي تنكر على المرأة حقها الكامل كفرد، وفي الوقت نفسه الذي كان الرجال يتمادون فيه في تعريف أنفسهم كأفراد مستقلين يلعبون دورهم على الصعيد القانوني والاقتصادي. 

ومن الكتب التي كان لها دور في نقاش قضية النوع في فكر التنوير . كان كتاب (وولستون كرافت) مهماً ليس فقط بسبب وضعيته الكلاسيكية التي اكتسبها في فكر المرأة المعاصر ولكن أيضاً بسبب أنه كان واحداً من الكتب الأولى التي واجهت مباشرة تلك التناقضات المتضمنة في فكر التنوير عن  النوع وأبرزت مشاكلها “المرأة” فيما يختص ببناء فكر التنوير. أوضحت (وولستون كرافت) أن الأفكار عن الأنوثة، مدعمة من قبل كتاب من أمثال (روسو) والتي صورت المرأة بحال أدنى من الرجال ومختلف عنه، ولم تفعل أكثر مما سبق وأن أشار إليه (فولتير) من حيث إنها كررت في الحياة العائلية النظام السياسي نفسه، الذي تأسس على الأفضلية والقوة الافتراضية التي تمتعت بها السلالات الحاكمة والطبقة الارستقراطية مقارنة بالأفراد العاديين، أو ما تمتع به ملاك الرقيق من سلطان على عبيدهم، وهوما كان الكتاب أنفسهم على أتم استعداد لمهاجمته في مواقف أخرى. وضعت (وولستون كرافت) يدها أيضاً على تناقضات أكثر خطورة في فكر التنوير حال تناوله لموضوع “النوع“. أوضحت أن التنوير قام على مثاليات مثل العقل والفضيلة والتي كان من المفترض أنها فطرية أو يمكن التماسها بواسطة كل البشر. إلا أن العقل كان هو بالتحديد ما أنكر على المرأة من قبل كتاب (روسو) ومن قبل كتاب الطبيعيين حيث تم التعريف “الفضيلة” عند المرأة من منطلق جنسي بحت. ومع هذا وكما توضح (وولستون كرافت) فإن هذه الأساليب تؤدي فقط إلى إلى نسبية أخلاقية خطيرة من شأنها أيضاً أن تعوق تقدم التنوير بسبب أنها أضفت على الأخلاق صفة جنسية. وإذا عرفنا الفضيلة تعريفاً خاصاً بالرجل وآخر يختص بالمرأة فإن أي محاولة لربط التنوير بالدين يمكن أيضاً أن تتداعى حتى إنها تقول .. لو أن النساء كن بالطبيعة أدنى من الرجل فإن الفضائل يجب أن تكون متماثلة في الكيفية لو لم تكن متماثلة من حيث الكم .. أم هل يمكن اعتبار الفضيلة فكرة نسبية، لا بد وأن يكون للفضيلة مقياس أبدي واحد .. إنه لمن المضحك أن نشيد بفضيلة أي امرئ لا تنتج فضيلته من أعمال عقله هو.

أن نقول إن الفضيلة عند بعض الكائنات البشرية “المرأة” غير مؤسسة على العقل وإنها معرفة تعريفاً يختلف عما تمارسه كائنات بشرية أخرى “الرجل” يعني أنك تضفي على الفضيلة خصائص تعني أنها لا يمكن أن تنبع من عند الله. حيث إن الله واحد أبدي عاقل.

تقول (وولستون كرافت) إنه لو كانت المرأة في الحقيقة غير عاقلة لكان من المفضل كثيراً أن نبتعد عن التظاهر وأن نستبعدها كلية من الحياة الاجتماعية بالطريقة نفسها التي نستبعد بها الحيوانات، ولو أن النساء كن عاقلا فعلاً فلا بد حينئذ ان يشاركن في الحياة نفسها الأخلاقية والمعرفية التي يعيشها الرجال:

إن خطابي ليس إلا من أجل هذا المبدأ البسيط “النضال من أجل المرأة” لو أن المرأة كانت غير مؤهلة تعليمياً كي تكون شريكاً للرجل فسوف يتوقف النمو العقلي في المعرفة والفضيلة لأن الحقيقة يجب أن تكون واحدة عند الجميع, وإلا فستصبح المرأة عديمة الفاعلية في تأثيرها على الحياة العامة.

اهتمام الفكر التنويري بالتعريفات الطبية والعلمية النوع:

في الآونة الأخيرة قال المؤرخون من أمثال (توماس لاكويير) إنه فيما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأ تعريف كل من الرجل والمرأة يعاد صياغته بطريقة شديدة التأثر بالتعريف الطبي لطبيعة التكوين الجسمي. وقد هيأت المكانة الثقافية المميزة للعلم والطب أن تحل حقائق “علم الحياة” كي تحل محل التعريفات السابقة التي اعتمدت على التسلسلات الهرمية المقننة إلهياً أو على العادات الطاعنة في القدم كقواعد لخلق أو لتوزيع القوى في العلاقات بين الرجال والنساء.

بحلول العقد الأخير من القرن الثامن عشر كان الكتاب من أمثال (هوكننر) يكررون فقط أفكار شديدة الشبه استعملها الكتاب المؤثرون من أمثال (جان جاك روسو) في وقت مبكر من القرن. واصفاُ (صوفيا) بالمرأة المثالية التي أبدعها في عمله التعليمي إميل [1762]. يتحدث (روسو) عن الطريقة التي يختلف بها بناء الجسماني لصوفيا وبطريقة حاسمة عن جسم إميل رفيقها المنتظر، ويمضي مؤكداً أولاً خضوعها له وثانياً تكريسها باتجاه الأمومة والبيتية.

وعن التفكير في قضية النوع في القرن العشرين ترى (أوترام) أنه:

أصبح معظم الناس يعتقدون أن الاختلافات بين الذكر والأنثى ترجع بدرجة كبرى إلى الاختلاف في التدريب والتعليم وتوقعات المجتمع أكثر من كونها ذات جذور في الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، على العكس من هذا نجد أنه في التنوير كانت الاختلافات البيولوجية و الأدوار التي تمليها البيئة على كل نوع على حدة تعتبر شيئاً واحداً. عند معظم مفكري القرن الثامن عشر أدت الاختلافات البيولوجية مباشرة إلى تحديد الدور الاجتماعي المطلوب من كل جنس على حدة، مثال ذلك التشديد على القدرة المميزة للمرأة كي تلعب دور الزوجة والأم. اختلاف أساسي آخر مع أسلوبنا في التفكير هو التعميم المعلن لدور النوع بينما في وقتنا هذا فإنه من المقرر غالباً أن كل شخص يتفرد في خليط ما به من الخصائص “الذكرية” و”الأنثوية“.

 

اللغة العربية بين المعنى والتكلف اللفظي، في رأي توفيق الحكيم

توفيق الحكيم ٢

توفيق الحكيم (1898-1978) كاتب وأديب مصري، من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث. في كتابه (زهرة العمر) والذي يقول عنه:

هذه رسائل حقيقية كُتبت بالفرنسية في ذلك العهد الذي يسمونه “زهرة العمر”، وهي موجهة إلى مسيو (أندريه) الذي جاء وصفه في كتابي (عصفور من الشرق). وقد بدأنا نتراسل بعد مغادرته (باريس) للعمل في مصانع (ليل) بشمال فرنسا. ولبثنا على ذلك ما بعد عودتي إلى مصر، والتحاقي بالسلك القضائي.

وهذه أحد رسائله إلى صديقه (أندريه)، الذي حمل اسم (إيڤان) في روايته (عصفور من الشرق). في رسالته هذه تحدث عن الأدب العربي، وبعض أفكاره في تراثها، يقول:

عزيزي (أندريه)،

إني الآن غارق في الأدب العربي .. أريد أن أدرس قضيته من أساسها .. أريد أن أعيد النظر في أمر اللغة العربية -لغتي- وأكشف أسرارها وأضع أصبعي على مواطن ضعفها وقوتها .. هذا الوقت هو خير وقت أستطيع في أن أرى وأميز وأحسن الحكم فلي عينان قد طافتا -منذ أمد ليس بالبعيد- بمختلف الآداب العالمية. ولقد نجحت فكرتي حقًا! .. إني أقرأ نصوص هذا الأدب في عصوره المتعاقبة بعين جديدة، عين عامرة بالصور، حافلة بالمقارنات، وبنفس رحيمة عادلة صابرة، تلتمس العلل والأسباب، وتطيل التريث والبحث، قبل أن تصدر الأحكام.

قبل كل شيء أحب أن أقول لك إن أولئك الذين علمونا اللغة العربية، في المدارس الابتدائية والثانوية، كانوا يجهلون لا معنى اللغة العربية وحدها. بل معنى اللغة على الإطلاق .. إنك لن تجد مستنيرًا في مصر لا يقول لك إن اللغة العربية -للأسف- قاصرة على التعبير في شتى ضروب العلوم والفلسفة والتفكير العالي، بل منهم من يقول أنها ليست لغة تفكير، إنما هي لغة بهرج وتنميق. لماذا؟ السبب بسيط: هو أن النماذج التي وضعت بين أيدينا -ونحن صغار- للبلاغة في اللغة العربية كانت كتبًا غثة المعنى متكلفة المبنى، لو كتب بها شخص اليوم لأثار سخرية الناس! .. نعم .. إنهم يعلموننا في المدرسة لغة إذا ما استعملناها في الحياة ضحك منا الناس! .. من ذا يستطيع بعد انتهاء دراسته أن يكتب رسالة على نمط (عبدالحميد الكاتب)، أو مقالًا أو بحثًا أو تقريرًا على طريقة (الحريري) دون أن يتعرض لسخرية الساخرين؟

ليس من اليسير أن أطلعك أو أترجم لك مثل هذا الأسلوب “النموذجي” .. ولكني أقول لك إنه أسلوب يستخدم اللغة استخدام الجواري للعود في مجالس الأنس والسكر.

أسلوب غايته قبل كل شيء أن يبهر السمع النائم ويطرب الأذن المسترخية! .. لست أدري! .. أيجوز أن تجعل لغة من اللغات وسيلة لهو وأداة براعة؛ كفنون المغنيين، وألعاب الحواة، أم أن اللغة أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة؟ .. إني أفهم أن يضرب مثل هذا الأسلوب مثلا للضعف والسقم، لا للسلامة والبلاغة، فإن التكلف أبرز عيوب الفن، كان (جويو) يقول: “إن الرشاقة في فن الرقص هي أداة الحركة الجثمانية العسيرة، دون تكلف يشعرك بما بذل فيها من مجهود” .. تلك أولى خصائص الأسلوب السليم في كل فن .. حتى الحاوي الماهر هو ذاك الذي يخفي عن الأعين مهارته، ويحدث الأعاجيب في جو البساطة والبراءة .. لعل الكاتب الوحيد الذي ضربوه للطلاب مثلًا  فصدقوا هو (ابن المقفع) هي ترجمته (كليلة ودمنة). هذا الكاتب تصنع في أسلوبه هو الآخر ولكن بخفة ومهارة، وطلاه وجمّله ولكن بذوق وكياسة، فلم يبد عليه سماجة التكلف ولا ثقل الصناعة!

إنه ذلك الحاوي البارع! .. أو تلك الحسناء الذكية التي تطلي وجهها بالأصباغ، ثم تمسح أثرها الصارخ، فتظهر وكأن نضارتها نضارة الأصل والفطرة.

ثم يقول بعد ذلك:

على أنك إذا أردت أن تعرف حقًا جلال اللغة العربية ؛ في بساطتها وسيرها قدمًا نحو الغرض: فاقرأ عند الفلاسفة والمؤرخين العرب! .. أولئك عندهم حقيقة ما يقولون ؛ فهم لا يضيعون أوقاتهم وأوقاتنا في العبث اللفظي والطلاء السطحي ؛ إنما هم يحدثوننا في شؤون فكرية واجتماعية وأخلاقية دينية في لغة سهلة مستقيمة، لا لعب فيها ولا لهو ولا ادعاء.

وإني لأدهش كيف أن مؤلفين مثل (ابن خلدون) و(الطبري) و(ابن رشد) و(الغزالي) لم يعرضوا علينا قط في دراستنا للأدب العربي بالمدارس؟! […] لو أنه عرضت علينا صفحة واحدة مع شرحها، لكل فيلسوف بارز أو مؤرخ مشهور من فلاسفة العرب ومؤرخيهم ؛ لتغير رأي أكثر المستنيرين عندنا في اللغة العربية، وقدرتها على التعبير عن أدق الأفكار وأعلاها وأعمقها وأنبلها. أو ليس بهذه اللغة نقل (ابن رشد) و(ابن سينا) أعمق آراء فلاسفة الإغريق إلى أوروبا المتعطشة للمعرفة؟! .. أنتم معشر الفرنسيين فعلتم ذلك في تدريس الأدب الفرنسي!

ما من كتاب مدرسي -صغر أو كبر- لا يذكر فيه نماذج من أسلوب (مونتابي) الفلسفي، وأسلوب (روسو) الاجتماعي و(بوسويه) الديني و(فولتير) التاريخي ؛ بل حتى أسلوب (موليير) الفكاهي أحيانًا إلى حد التهريج!

ذلك أن المدارس الفرنسية أدركت أن تدريس اللغة يجب أن يشمل كل نواحي التعبير بها .. أما قصر تعليمها على نماذج البلاغة اللفظية الجوفاء ؛ فهو امتهان لكرامة اللغة، وانتقاص من قدرتها على الأداء!

الأخلاق والفلسفة الاجتماعية في فكر هيوم

هيوم

ديفيد هيوم (1711 – 1776)، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي وشخصية مهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) قام الفيلسوف (ويليم كيلي رايت) بتلخيص محاور الفكر عند (هيوم)، ومنها أفكاره الأخلاقية والاجتماعية. فيقول في شارحًا هذا الفرع من أفكار (هيوم):

لم يعتقد (هيوم) أن هناك أي مبادئ أبدية وثابتة بصورة مطلقة للأخلاق يمكن معرفتها عن طريق الحدس والبرهان. فالأخلاق تختلف عن الرياضيات من هذه الزاوية. ومع ذلك فإن (هيوم) يعتقد في علم تجريبي للأخلاق. وترتبط معالجة (هيوم) للأخلاق، كما قد نتوقع، ارتباطًا وثيقًا بالسيكلوجيا الموجودة عنده.

لإيضاح الارتباط السايكولوجي بالأخلاق عند (هيوم)، يقول:

يوجد من بين انطباعات الفكر عندنا انطباعات عن اللذة والألم، يصاحبان بصورة مباشرة كل إدراكاتنا الأخرى. وتأتي العواطف والانفعالات في الأهمية بعد اللذات والآلام، وتلي ظهور الأفكار. (لا تختلف الانفعلات عن العواطف عند (هيوم) إلا في كونها أكثر شدة، وهو يستخدم مصطلح “الانفعالات” ليعني ما يتحدث عنه علماء النفس اليوم باسم “العواطف”).

فهو يقسم العواطف إلى قسمين ؛ العواطف المباشرة وغير المباشرة.

وتنشأ العواطف المباشرة بصورة مباشرة من انطباعات اللذة والألم، مثل: الرغبة، النفور، الحزن، السرور، الأمل، الخوف واليأس. أما العواطف غير المباشرة فهي أكثر تعقيدًا، وتتضمن ارتباط كيفيات “صفات” أخرى متنوعة، مثل الاعتداد بالذات، والضعة، والطموح، والزهو، والحب، والكراهية، والحقد، والشفقة، ،الضغينة، والكرم. وتحليل (هيوم) للعواطف كثيرًا ما يكون دقيقًا، فقد قدّم إسهامات دائمة لما نسميه اليوم بـ(سيكولوجيا السلوك) أو (سيكولوجيا العواطف).

يستكمل بعد ذلك كلامه قائلًا:

والإرادة البشرية هي باستمرار محصّلة الانفعالات والعواطف. ولا يمكن لشيء أن يعارض أو يعوق دافع الانفعال أو العاطفة سوى دافع مضاد. “والذهن لا يكون، ولا ينبغي له أن يكون سوى عبد للعواطف، ولا يمكن أن يزعم على الإطلاق أي عمل سوى أن يخدمها ويطيعها”. وهناك معنيان فقط يمكن أن يكون بهما الفعل غير معقول: أولهما أنه قد يُؤسس على وجود افتراض لموضوعات غير موجودة فعلًا، وثانيهما أنه قد يستخدم وسيلة غير فعالة من أجل غاية مدبرة ومخططة، بسبب الحكم الخاطئ على الأسباب والنتائج.

قد يمكن تصنيف (هيوم) بأنه فيلسوف لذِّي أحيانًا، أي يميل إلى تفسير الدوافع البشرية من ناحية اللذة المضافة، وقد يشرح الخير والشر أحيانًا كمرادفتين للذة والألم، إلا أنه لم يصل إلى اللذّية التي كان عليها (هوبز) كما ذُكر في تدوينة سابقة.

إن ما يجلب اللذة على المدى البعيد، سواء للفرد أو للآخرين، له منفعة، عند (هيوم). والمنفعة تسبب لنا لذة بطريقة معينة وخاصة، باستقلال عن – وبالإضافة إلى – أي تجربة مباشرة عن نتائجها السارة. ويفسر (هيوم) أحيانًا الاستحسان المحايد لأفعال مفيدة عن طريق وجود حاسة خلقية، يطورها تداعي الأفكار، تلجأ إليها المنفعة. فالفضائل خيرة بسبب منفعتها ؛ فإذا لم تحقق الفضائل الرخاء العام، فإنها لا تكون خيرة. وبعض الفضائل، مثل محبة الآباء، والإريحية هي فضائل طبيعية، طالما أنها تتطور تلقائيًا، وتلجأ مباشرة إلى الحاسة الخلقية، بينما العدالة هي – من ناحية أخرى – نتاج اصطناعي للوسائل البشرية الواعية، على الرغم من أنها غير مرغوبة على نحو أقل نتيجة لهذا السبب.

أما عن نظريات العقد الاجتماعي (يمكنك القراءة عن العقد الاجتماعي في مقالتنا السابقة)، فـ(هيوم) غير مؤمن تمامًا بها، يقول (ويليم كيلي رايت):

والدولة السياسية – كما يراها (هيوم) – هي نتيجة لتطور تدريجي يمكن مقارنته بنمو اللغة ؛ فليست أي منهما نتاج اتفاق اجتماعي متعمد. ومع ذلك فإن القصة المختلقة عن العقد الاجتماعي أفادت في توجيه الانتباه إلى واقعة مؤداها أن الدولة، ومعها فضيلة العدالة، وتأسيس الملكية الخاصة، والاعتراف بالإلزام الأخلاقي لحفظ العهود والعقود، قد تطورت جميعها من غرائز وحاجات بشرية، وأن التأمل الفطن ساعد في نموها.

ولدى (هيوم) معنى للتطور التاريخي للمؤسسات الاجتماعية يندر أن يوجد عند مفكري التنوير الآخرين. فلقد أدت الوقائع التي تقول أن الموجودات البشرية بطبيعتها أنانية إلى حد كبير، ومع ذلك فهي قادرة على كرم محدود، وأن الطبيعة تقدم زادا طفيفًا للاحتياجات البشرية – نقول أدت تلك الوقائع بالناس بصورة تدريجية إلى أن يعترفوا بأن تأسيس الملكية الخاصة أمر مرغوب فيه، ومعه فضيلتا العدل والأمانة اللتان تدعمانه. ومن هنا كان الالتزام الطبيعي أو الذي يحث على العدالة هو مصلحة مشتركة للمحافظة على الملكية والقواعد العامة للسلوك، أما الإلزام الأخلاقي فهو مستمد من التعاطف ؛ وهما معًا تدعمهما التربية الخاصة والعامة.

الأخلاق والسياسة عند توماس هوبز

توماس هوبز

توماس هوبز (1588 – 1679) هو عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي. يعد (هوبز) أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصا في المجال القانوني، حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيها قانونيا ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي. كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دورًا كبيرًا ليس فقط على مستوى النظرية السياسية، بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، حاول الأخير تلخيص وتبسيط أفكار (هوبز) حول السياسة وعلاقتها بالأخلاق. يقول في بداية حديثه:

يرى (هوبز) أن كل إنسان، في الحالة الطبيعية، تلك الحالة السابقة على تكوين الدولة السياسية، كان يبحث عن البقاء، وإشباع رغباته الخاصة بلذات أنانية، مثل المغنم والمجد. ولا وجود للأخلاق كما نعرفها. ولكل واحد الحق الكامل فيما يستطيع الحصول عليه والمحافظة عليه. لا وجود لشيء لشيء مثل القانون أو الظلم. والنتيجة الحتمية لذلك هي “حرب الكل ضد الكل” ؛ لأن الناس إما أن يكونوا في حالة حرب فعلية بصورة مستمرة، أو يكونوا في خوف دائم من أن يهاجم بعضهم بعضًا. لأن الحرب لا تكمن فقط في القتال، بل تكمن أيضًا في الخوف الدائم والاستعداد للصراع ؛ “وكما أن طبيعة الطقس الممطر العاصف لا تتمثل في وابل المطر ينزل مرة أو مرتين، بل في استمرار سوء الطقس لعدة أيام، فكذلك الأمر بالنسبة للحرب لا تتمثل في القتال الفعلي، بل في الميل للقتال في جميع الأوقات التي لا يكون العكس فيها مضمونًا“، ليس هناك معنى للأمان، وليس هناك حافز على الصناعة. الكل في خوف وفقر دائمين. ولابد أن تكون الحياة البشرية “منعزلة، فقيرة، بدائية، وحشية، وقصيرة الأمد“. أما ما إذا كان (هوبز) يعتقد أن تلك الحالة كانت موجودة بالفعل، وأنها حالة تاريخية، فذلك أمر مشكوك فيه، فهو يقول من المحتمل أنها لم تكن عامة أبدًا. ولكنه يعتقد بأنها حالة قريبة من حالة الطبيعة يمكن ملاحظتها بين الهمج، ولكنها متضمنة في سلوك الإنسان المتمدين.

وجود مثل هذه الحالة من الصراع الدائم، أمرٌ مرهق في النهاية، يقول:

إن الناس يرغبون بصورة طبيعية في السلام والأمن، والهروب من البؤس والفزع من حالتهم الطبيعية. فدفعهم ذلك إلى تأسيس دولة تقوم على رضى متبادل، يوافق فيها كل فرد على طاعة أوامر صاحب السيادة، الذي يكون رجلًا واحدًا وخلفاؤه (النظام الملكي)، أو مجموعة من الناس (الارستقراطية أو الديموقراطية، وفقًا لحجم المجموعة). وكان صاحب السيادة في إنجلترا شخصًا واحدًا. وسلطة صاحب السيادة مطلقة، وهو لا يمكن أن يرتكب خطأ يمكن أن يخضع بسببه للمساءلة من الناحية القانونية ؛ فهو ليس مسؤولًا إلا أمام الله وضميره. ويتعهد الآخرون بطاعته، وهو لم يتعهد لهم بشيء. بل له سلطة سن القوانين، وتعيين القضاة، وإعلان الحرب والسلم، وتوقيع العقوبات، وتحديد دين الدولة. وجميع رعاياه تطيعه، وإلا كان هناك صراع، وحرب، وعودة إلى بؤس الحالة الطبيعية. ولما كانت الدولة قد تكونت بوصفها مصلحة أنانية فردية، فإن “خضوع الرعايا لصاحب السيادة يجب أن يفهم على أنه يدوم ما دام يملك من القوة المستمرة ما يمكنه من حمايتهم وليس أطول من ذلك“، فإذا فقد قوته وهزمه صاحب سيادة آخر، وخضع له، فإن خضوع رعاياه يتحول إلى المنتصر.

بذلك يمكن تلخيص الركيزة الأساسية للسياسة عند (هوبز)، بأنها:

تقوم على مذهبي الأنانية واللذة تمامًا. فالناس يسلكون ويجب أن يسلكوا وفقًا لمصالحهم الخاصة فحسب.

ثم يكمل بعد ذلك، فيُعرّف القوانين الطبيعية:

فالقانون الطبيعي هو فكرة أو قاعدة عامة، يكتشف الإنسان عن طريق عقله أن من مصلحته طاعتها، ومن ثم فهو مُلزم بأن يفعل ذلك (فالمصلحة والواجب الأخلاقي هما شيء واحد في هذا المذهب الطبيعي الأخلاقي).

يشرع بعد ذلك في تبسيط القوانين الطبيعية والأساسية، فيقول:

القانون الطبيعي والأساس الأول هو أن الناس ينبغي عليهم أن “يبحثوا عن السلام ويتبعوه“.

وينتج عن ذلك القانون الثاني وهو “ينبغي أن يكون لدى الإنسان الرغبة في السلام، عندما يكون لدى الآخرين نفس هذه الرغبة، وأن تكون لديه الرغبة في الدفاع عن نفسه عندما يجد أنه لابد أن يفعل ذلك، وأن يتنازل عن هذا الحق (الطبيعي) في ملكيته لجميع الأشياء، وأن يقنع بذلك القدر من الحرية إزاء الآخرين الذي يسمح به للآخرين إزاءه“.

أما القانون الثالث فيقول: “ينبغي أن يلتزم الناس بتنفيذ ما يبرمونه من عقود” التي بدونها تصبح العقود، بالطبع، عديمة الجدوى.

ثم يتبع ذلك عشر قوانين طبيعية أخرى، وهي:

1. الالتزام بالإرادة الخيرة.

2. التكيف المتبادل.

3. العفو عن التائب.

4. العقوبات لا تكون إلا من أجل إصلاح المعتدين أو ردع الآخرين، وليس من أجل الانتقام.

5. الامتناع عن ازدراء أو كراهية الآخرين.

6. الاعتراف بأن جميع الناس متساوون.

7. امتناع الإنسان عن الاحتفاظ بأي حقوق لنفسه دون غيره، أي أن ينبغي على المرء ألا يرضى لنفسه أن يحتفظ بأي حق لا يرضى أن يحتفظ به كل إنسان آخر لنفسه.

8. التوزيع العادل أو النسب الصحيحة للخيرات التي تكون ملكًا للجميع.

9. السلوك الآمن.

10. حل المنازعات عن طريق الجهة القضائية.

ختامًا، يقول (هوبز) عن هذه القوانين الطبيعية التي وضعها:

وقوانين الطبيعة تلك قوانين ثابتة وأبدية ؛ لأن الظلم، ونكران الجميل، والتكبر، والكبرياء، والبغي، والمحاباة، وغيرها، لا يمكن أن تكون على الإطلاق أمورًا مشروعة وقانونية. لأنه لا يمكن مطلقًا القول بأن الحرب يمكن أن تحافظ على الحياة، وأن السلام يدمرها.

د. علاء جواد، وتطور مفهوم الفرد

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) أورد فصلًا يتتبع فيه مفهوم الفرد، وتطور المفهوم على مر العصور.

بدأ بداية بتعريف كلمة الفرد حسب القواميس العربية، معتمدًا على موسوعة (لسان العرب) و(الوافي معجم وسيط اللغة العربية)، فيقول:
لقد ظهر الفرد في اللغة العربية الكلاسيكية بمعنى “الوتر، والجمع أفرادًا وفرادى، والفرد نصف الزوج ولا نظير له. وتأتي كلمة تفرّد بمعنى انعزل وتميز عن غيره” والفرد “هو المتفرد والمتميز عن القطيع أو الجماعة، فنقول أفرد زيد بالأمر تفرد به، وتفرد بالأمر أي كان فيه فردًا لا نظير له”. وشكل الفرد بوصفه اصطلاحًا إنسان أحادي منفرد، ويحوي هذا المفهوم معنى آخر، هو الكلية التي لا يمكن تجزئتها إلى مكوّن أصغر.
ثم يعيد تعريف الفرد اصطلاحًا:
أما الفرد على وفق المنظور الأنثرو-سوسيولوجي ؛ فيُعرف بشكل عام في هذا المجال استنادًا إلى علاقته بالمجتمع والجماعة، أو بوصفه الوحدة المرجعية الأساسية، سواء إليه بالذات أو بالنسبة إلى المجتمع.
ويشرح ذلك قائلًا:
بمعنى آخر، إنه يعيد إنتاج نفسه على مستوى الذات والموضوع والعلاقة مع الآخر المجتمعي، استنادًا إلى قراراته الذاتية، وبالتالي هو يصنع مصيره الخاص وفقًا لتلك القرارات والأفعال والعلاقات التي يمدها مع وحدات المجتمع الأخرى، إنه قادر على بيان مصيره الخاص، وفقًا إلى قدرته المتمايزة على تغير عوالمه الذاتية ومن ثم إعادة تشكيل العالم.
أما تاريخيًا، فقد كان الإنسان مرتبطًا بالجماعة، سواء كانت القبيلة أو الفصيلة أو غيرها:
وتميز الدراسات الأنثروبولوجية حقيقة أن الكائنات الإنسانية تولد وهي تنتمي إلى عوائل محددة، وطوائف وعشائر وجماعات دينية، وإلى المجتمع الأوسع. أما في المجتمعات القبيلية، كانت منزلتهم الاجتماعية تحدد هويتهم بحيث يعرفون أنفسهم ويعرفهم الآخرون بأنهم أبناء فلان وبناته. وأفراد تلك الطائفة المعينة، أو المقيمين في قرية بذاتها، أو أتباع دين بعينه. ونادرًا ما كانوا يرون أنفسهم كأشخاص فريدين لديهم حياتهم الخاصة وأهدافهم الشخصية.
أما عن بداية ظهور مصطلح الفرد فيقول:
من هنا، إن الغرب وبالتحديد أثينا وروما هما بالتحديد أول المدن التي شهدت انبثاق فكرة الفرد أو الشخص، بالرغم من أن منزلتهم الاجتماعية كانت تعني الكثير لهم، وتحدد جزءًا من هويتهم، فقد رأى الأفراد أيضًا أنفسهم كأشخاص فريدين، يتمتعون بجزء من الحياة الخاصة بهم، وما كانوا فيه عرضة لمساءله أحد.
ويعقب قائلًا موضحًا:
لكن هناك مسألة أساسية جدًا يجب ملاحظتها بتروي، تلك هي أن الفرد بوصفه كائنًا بايولوجيًا كان موجودًا على الدوام. أما الفرد بوصفه انكشافًا ذاتيًا، فتلك قضية مرتبطة إلى حد كبير بمسائل ومظاهر الحداثة الاجتماعية التي رافقت الانفتاح الاقتصادي منذ القرن الثامن عشر، وهذا على الأقل رأي (دو توكفيل) الذي دعمه كثيرًا (بيكو بارك) في تحليله أن الحداثة كانت قد أشرت انبثاق تصور جديد عن الشخص، وهو يدعم أهمية فكرة الحداثة ويجعلها الأساس الذي تنبثق عنه فكرة الفرد أو الشخص أو الذات. لقد أشرت الحداثة انبثاق فكرة الفرد، التي دمرت كثيرًا من المؤسسات الاجتماعية التقليدية، وحولت غيرها تحويلًا جذريًا، وحررت الرجال والنساء لاحقًا من الهويات الموروثة أو النسبية، وعرفتهم بأنهم أفرادًا أحرارًا يمتلكون قرارة أنفسهم، ويرغبون في اتخاذ خياراتهم، ويشكلون حياتهم، ويكونون علاقاتهم من الآخرين.
ويقول بعد ذلك عن الفردية أو الفرادة، بمعنى التميز الفردي:
أما الفردية أو الفرادة كفكرة أو كلمة جديدة فهي تشير بالدرجة الأساس إلى ما يميز الأفراد ويفرزهم عن الآخرين. وهي لا تنطوي على الكثير من السمات الطبيعية التي يشترك بها الجميع في الولادة بقدر ما تنطوي على إنجازاتهم العقلية والأخلاقية الفريدة، ونوع الشخص الذي صاغوا به أنفسهم، وفكرة الفردنة لها تأريخها الخاص. […] لقد كتب (لويس دمون) : “إن الفردانية هي القيمة الأساسية للمجتمعات الحديثة”، وكتب أيضًا: “ما إن يطرح على هذا الأساس التعارض بين النزعة الفردانية والفيضية فجأة، كل عودة مزعومة إلى الفيضية على صعيد الأمة الحديثة تظهر بوصفها مشروع كذب وقمع .. الواقع أن الشمولية تعبر بطريقة درامية عن شيء ما نلقاه دومًا ومن جديد في العالم المعاصر، هو أن الفردانية كلية القدرة من جهة، ومسكونة باستمرار، وبصورة نهائية، بضدها من جهة أخرى”.
ثم يذكر رأي (دوركايم) عن الفردية:
يفضل (دوركايم) استعمال مفهوم الأنانية على مفهوم الفردية، على الرغم من أن المفهومين لا يتطابقان، فإنهما مترابطان بقوة الواحد مع الآخر في تحليلاته. ويؤشر (دوركايم) في كتابه (الانتحار) على مجموعة من المعايير التي نلخصها هنا حول بروز ظاهرة الفردية وفق (دوركايم) على الشكل الآتي:
معيار (١) تظهر الفردية متلازمة مع زعزعة المعتقدات التقليدية. لكن تطور الفردية لا يتعلق فقط بالمتغيرات الثقافية.
معيار (٢) إنه نتيجة لدرجة اندماج المجموعات الاجتماعية التي يشكل الفرد جزءًا منها.
معيار (٣) تميل الفردية إلى النمو في المجتمعات الحديثة.
يعود بعد ذلك إلى تأريخ الفكرة وتطورها، فيستشهد بالفيلسوف (إيريك فروم) في مقولته:
إن التاريخ الأوروبي والأمريكي مند نهاية العصور الوسطى هو تاريخ ظهور الفرد الكامل […] ولكن على حين أن الفرد قد نما في وجوه عديدة، فقد نما انفعاليًا وعقليًا وهو يشارك في منجزات ثقافية إلى حد غير مسموع به من قبل
يوضح ذلك، فيقول:
لقد اختفى الفرد في مجتمع العصور الوسطى لأنها كانت -كما يخبرنا (كافيين)- مجتمعات مقسمة إلى طبقات شديدة التنظيم والاستقرار والثبات، مرورًا إلى طبقات تتصف بالانغلاق المطلق على نفسها، وهذا يعني أن الفرد كان عاجزًا تقريبًا عن شق طريقه من طبقة إلى أخرى. ومن ثم كانت نظرة الفرد إلى نفسه في المحل الأول هي أنه عضو في طبقة مغلقة أو مهنة ومن ثم إن هويته الأساسية تتشكل تبعًا على ذلك. […] وبما أن الأفراد يستمدون هويتهم من الجماعات التي يولدون ويموتون بين ظهرانيها، فقد تركزت آمالهم ومطامحهم على الجماعة لا على أنفسهم ويترتب على ذلك أنهم كانوا ينعمون بشعور الانتماء والأمن أكبر بكثير مما يشعر به أفراد العصر الحديث. ويفسر (فروم) هذه الحالة وفق التالي: “إن ما يميز مجتمع القرون الوسطى في تباينه عن المجتمع الحديث هو انعدام الحرية الفردية. فقد كان الفرد في تلك الفترة الباكرة مقيدًا بدوره في النظام الاجتماعي. وكانت لدى المرء فرصة ضئيلة للانتقال اجتماعيًا من طبقة إلى طبقة أخرى، ويكاد لا يكون في مقدوره حتى أن ينتقل جغرافيًا من مدينة إلى أخرى أو من بلد إلى آخر. فكان عليه أن يبقى حيث وُلد مع استثناءات قليلة”.
ينتقل بعد ذلك إلى عصر النهضة، والتطور الكبير في تطبيق مفهوم الفردية، فيقول:
لقد ابتدأنا بمناقشة عصر النهضة لأن هذا العصر هو فعلًا بداية الفرد الحديث الذي تحول في عصر (جان جاك روسو) وتوج الفرد ملكًا على نفسه وعلى العالم. […] إن المسلمات الفردية لعصر الرومانسية من (روسو) إلى منتصف القرن التاسع عشر التي شكلت ذخيرة من الصور والأفكار التي أصبحت منذ ذلك الحين جوهر النزعة والفكرة الفردية، هي بعينها مسلمات (أميرسون) في مقاله ؛ الاعتماد على الذات “إن إيمانك برأيك واعتقادك بأن ما تعتقد به في صميم فؤادك أنه حق هو عند الناس جميعًا، لهو عبقرية بعينها، فلتثق بنفسك فإن الأفئدة لتهتز لهذا الوتر العنيد”.
شهدت هذه المرحلة تطورًا في مفهوم الفرد، ويذيّل فكرته باستشهاد آخر من (كافيين):
بعد هذه المرحلة شهدت مقولة [الفرد] منتصف القرن التاسع عشر تطورًا وانتشارًا سريعًا، “فالعبقري، والبطل والرافض والفنان والمفكر والرائد والمخترع إنما هي من بنات خيال القرن التاسع عشر. إنه القرن الذي أظهر أهمية الخيال والإبداع والشخصية والتعبير عن الذات والأحلام واللاشعور والوعي بالذات في الثقافة الأوروبية والأمريكية”.
هذا التغيير شهد بعد فترة ما تحولًا  سلبيًا لم يكن في الحسبان:
لكن ظهور هذا النوع من الاستقلال الذاتي كان مشوبًا بالكثير من القلق، ورافقته الكثير من الأزمات التي ربما أطاحت به من جديد مع ظهور المجتمعات الصناعية في مراحلها التكنولوجية، ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية التي شكلت تدهورًا دراميتيكيًا للفكرة الإنسانية برمتها، وبموازاتها تحطمت من جديد الأسس الغضة، حديثة العهد للفردانية. فلقد ظهرت مع تقادم التطور الرأسمالي للعمل وتطور الآلة، انتكاسة أخرى للفرد المختلف والمتمايز. لقد سحق المجتمع الصناعي الفردَ نهائيًا. وأصبح الأمر على النحو التالي ؛ لقد زادت الآلة والتنظيم الصناعي الصارم في المجتمع الرأسمالي من قدرة العامل على إنجاز عمله بدقة وسرعة بدت في تزايد مطرد، لكن المشكلة بحسب عالم الاجتماع الاقتصادي (ثورشتاين فيبلن) تكمن أن عمل الآلة بدأ السيطرة على العمل ويهمن على مقدراته.
يشرح بعد ذلك الأزمة الحاصلة للفرد في ظل الآلة، يقول:
وهذا يعكس الأزمة الجديدة التي يعانيها الفرد في المجتمعات الحديثة القائمة على الصناعة المتقدمة، فالمصنع الحديث وأنماط العمل فيه التي ترتكز على الآلات لا يشجع العمال على التعبير عن مقدرتهم على الخلق، وهو ما كانت تقوم به الآلات والأدوات البسيطة في أنظمة العمل التقليدية، وإنما يتطلب انتباهًا دائمًا وتفكيرًا آليًا ومسايرة لما هو موجود. لقد أصبحت مهمة العامل مسارة الآلة والانقياد المطلق لمتطلباتها ما يؤدي إلى تنميط الحياة الذهنية للعامل في إطار العملية الآلية التي تزداد إحكامًا وثباتًا كلما زاد شمول وكمال العملية الصناعية التي يلعب فيها دورًا.
كل ذلك أنتج شكلًا جديدًا للفرد:
إن هذه التحولات الاجتماعية أنتجت نمط [الإنسان المعذب]. المأزوم الذي نجم بلا شك عن حقيقة جديرة بالفحص والدراسة، وهي أن نجاح الأنظمة الرأسمالية الحديثة كان قد حطم الأمان التقليدي الذي كانت تتمتع به الأسرة والقرية والطائفة الحرفية والكنسية في المجتمع التقليدي.
وكان بعد ذلك التحول الحديث للمفهوم:
لكن بعد التسعينيات سنشهد مجددًا انبثاق صورة أخرى عن الفرد، لا هي صورة الفرد التي تحدث عنها (ليبوفتسكي): المؤطرة بالمتعية الأنانية، والمظهرة للفرد على أنه الأناني المنطوي على نفسه، ولا هي صورة الذات المريدية، التي تستثمر حياتها، ثمت صيغة أخرى فرضت نفسها، أكثر تمزقًا، وقلقًا وانفجارًا وعذابًا. إنها صورة الفرد غير الأكيد من نفسه، الحائر الذي وصفه (آلان اهرنبورغ) قائلًا: “يبدو أن الفرد المتألم قد أخذ مكان الفرد المنتصر”.