أرشيف الوسم: جان جاك روسو

الأخلاق والسياسة عند توماس هوبز

توماس هوبز

توماس هوبز (1588 – 1679) هو عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي. يعد (هوبز) أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصا في المجال القانوني، حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيها قانونيا ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي. كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دورًا كبيرًا ليس فقط على مستوى النظرية السياسية، بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، حاول الأخير تلخيص وتبسيط أفكار (هوبز) حول السياسة وعلاقتها بالأخلاق. يقول في بداية حديثه:

يرى (هوبز) أن كل إنسان، في الحالة الطبيعية، تلك الحالة السابقة على تكوين الدولة السياسية، كان يبحث عن البقاء، وإشباع رغباته الخاصة بلذات أنانية، مثل المغنم والمجد. ولا وجود للأخلاق كما نعرفها. ولكل واحد الحق الكامل فيما يستطيع الحصول عليه والمحافظة عليه. لا وجود لشيء لشيء مثل القانون أو الظلم. والنتيجة الحتمية لذلك هي “حرب الكل ضد الكل” ؛ لأن الناس إما أن يكونوا في حالة حرب فعلية بصورة مستمرة، أو يكونوا في خوف دائم من أن يهاجم بعضهم بعضًا. لأن الحرب لا تكمن فقط في القتال، بل تكمن أيضًا في الخوف الدائم والاستعداد للصراع ؛ “وكما أن طبيعة الطقس الممطر العاصف لا تتمثل في وابل المطر ينزل مرة أو مرتين، بل في استمرار سوء الطقس لعدة أيام، فكذلك الأمر بالنسبة للحرب لا تتمثل في القتال الفعلي، بل في الميل للقتال في جميع الأوقات التي لا يكون العكس فيها مضمونًا“، ليس هناك معنى للأمان، وليس هناك حافز على الصناعة. الكل في خوف وفقر دائمين. ولابد أن تكون الحياة البشرية “منعزلة، فقيرة، بدائية، وحشية، وقصيرة الأمد“. أما ما إذا كان (هوبز) يعتقد أن تلك الحالة كانت موجودة بالفعل، وأنها حالة تاريخية، فذلك أمر مشكوك فيه، فهو يقول من المحتمل أنها لم تكن عامة أبدًا. ولكنه يعتقد بأنها حالة قريبة من حالة الطبيعة يمكن ملاحظتها بين الهمج، ولكنها متضمنة في سلوك الإنسان المتمدين.

وجود مثل هذه الحالة من الصراع الدائم، أمرٌ مرهق في النهاية، يقول:

إن الناس يرغبون بصورة طبيعية في السلام والأمن، والهروب من البؤس والفزع من حالتهم الطبيعية. فدفعهم ذلك إلى تأسيس دولة تقوم على رضى متبادل، يوافق فيها كل فرد على طاعة أوامر صاحب السيادة، الذي يكون رجلًا واحدًا وخلفاؤه (النظام الملكي)، أو مجموعة من الناس (الارستقراطية أو الديموقراطية، وفقًا لحجم المجموعة). وكان صاحب السيادة في إنجلترا شخصًا واحدًا. وسلطة صاحب السيادة مطلقة، وهو لا يمكن أن يرتكب خطأ يمكن أن يخضع بسببه للمساءلة من الناحية القانونية ؛ فهو ليس مسؤولًا إلا أمام الله وضميره. ويتعهد الآخرون بطاعته، وهو لم يتعهد لهم بشيء. بل له سلطة سن القوانين، وتعيين القضاة، وإعلان الحرب والسلم، وتوقيع العقوبات، وتحديد دين الدولة. وجميع رعاياه تطيعه، وإلا كان هناك صراع، وحرب، وعودة إلى بؤس الحالة الطبيعية. ولما كانت الدولة قد تكونت بوصفها مصلحة أنانية فردية، فإن “خضوع الرعايا لصاحب السيادة يجب أن يفهم على أنه يدوم ما دام يملك من القوة المستمرة ما يمكنه من حمايتهم وليس أطول من ذلك“، فإذا فقد قوته وهزمه صاحب سيادة آخر، وخضع له، فإن خضوع رعاياه يتحول إلى المنتصر.

بذلك يمكن تلخيص الركيزة الأساسية للسياسة عند (هوبز)، بأنها:

تقوم على مذهبي الأنانية واللذة تمامًا. فالناس يسلكون ويجب أن يسلكوا وفقًا لمصالحهم الخاصة فحسب.

ثم يكمل بعد ذلك، فيُعرّف القوانين الطبيعية:

فالقانون الطبيعي هو فكرة أو قاعدة عامة، يكتشف الإنسان عن طريق عقله أن من مصلحته طاعتها، ومن ثم فهو مُلزم بأن يفعل ذلك (فالمصلحة والواجب الأخلاقي هما شيء واحد في هذا المذهب الطبيعي الأخلاقي).

يشرع بعد ذلك في تبسيط القوانين الطبيعية والأساسية، فيقول:

القانون الطبيعي والأساس الأول هو أن الناس ينبغي عليهم أن “يبحثوا عن السلام ويتبعوه“.

وينتج عن ذلك القانون الثاني وهو “ينبغي أن يكون لدى الإنسان الرغبة في السلام، عندما يكون لدى الآخرين نفس هذه الرغبة، وأن تكون لديه الرغبة في الدفاع عن نفسه عندما يجد أنه لابد أن يفعل ذلك، وأن يتنازل عن هذا الحق (الطبيعي) في ملكيته لجميع الأشياء، وأن يقنع بذلك القدر من الحرية إزاء الآخرين الذي يسمح به للآخرين إزاءه“.

أما القانون الثالث فيقول: “ينبغي أن يلتزم الناس بتنفيذ ما يبرمونه من عقود” التي بدونها تصبح العقود، بالطبع، عديمة الجدوى.

ثم يتبع ذلك عشر قوانين طبيعية أخرى، وهي:

1. الالتزام بالإرادة الخيرة.

2. التكيف المتبادل.

3. العفو عن التائب.

4. العقوبات لا تكون إلا من أجل إصلاح المعتدين أو ردع الآخرين، وليس من أجل الانتقام.

5. الامتناع عن ازدراء أو كراهية الآخرين.

6. الاعتراف بأن جميع الناس متساوون.

7. امتناع الإنسان عن الاحتفاظ بأي حقوق لنفسه دون غيره، أي أن ينبغي على المرء ألا يرضى لنفسه أن يحتفظ بأي حق لا يرضى أن يحتفظ به كل إنسان آخر لنفسه.

8. التوزيع العادل أو النسب الصحيحة للخيرات التي تكون ملكًا للجميع.

9. السلوك الآمن.

10. حل المنازعات عن طريق الجهة القضائية.

ختامًا، يقول (هوبز) عن هذه القوانين الطبيعية التي وضعها:

وقوانين الطبيعة تلك قوانين ثابتة وأبدية ؛ لأن الظلم، ونكران الجميل، والتكبر، والكبرياء، والبغي، والمحاباة، وغيرها، لا يمكن أن تكون على الإطلاق أمورًا مشروعة وقانونية. لأنه لا يمكن مطلقًا القول بأن الحرب يمكن أن تحافظ على الحياة، وأن السلام يدمرها.

د. علاء جواد، وتطور مفهوم الفرد

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) أورد فصلًا يتتبع فيه مفهوم الفرد، وتطور المفهوم على مر العصور.

بدأ بداية بتعريف كلمة الفرد حسب القواميس العربية، معتمدًا على موسوعة (لسان العرب) و(الوافي معجم وسيط اللغة العربية)، فيقول:
لقد ظهر الفرد في اللغة العربية الكلاسيكية بمعنى “الوتر، والجمع أفرادًا وفرادى، والفرد نصف الزوج ولا نظير له. وتأتي كلمة تفرّد بمعنى انعزل وتميز عن غيره” والفرد “هو المتفرد والمتميز عن القطيع أو الجماعة، فنقول أفرد زيد بالأمر تفرد به، وتفرد بالأمر أي كان فيه فردًا لا نظير له”. وشكل الفرد بوصفه اصطلاحًا إنسان أحادي منفرد، ويحوي هذا المفهوم معنى آخر، هو الكلية التي لا يمكن تجزئتها إلى مكوّن أصغر.
ثم يعيد تعريف الفرد اصطلاحًا:
أما الفرد على وفق المنظور الأنثرو-سوسيولوجي ؛ فيُعرف بشكل عام في هذا المجال استنادًا إلى علاقته بالمجتمع والجماعة، أو بوصفه الوحدة المرجعية الأساسية، سواء إليه بالذات أو بالنسبة إلى المجتمع.
ويشرح ذلك قائلًا:
بمعنى آخر، إنه يعيد إنتاج نفسه على مستوى الذات والموضوع والعلاقة مع الآخر المجتمعي، استنادًا إلى قراراته الذاتية، وبالتالي هو يصنع مصيره الخاص وفقًا لتلك القرارات والأفعال والعلاقات التي يمدها مع وحدات المجتمع الأخرى، إنه قادر على بيان مصيره الخاص، وفقًا إلى قدرته المتمايزة على تغير عوالمه الذاتية ومن ثم إعادة تشكيل العالم.
أما تاريخيًا، فقد كان الإنسان مرتبطًا بالجماعة، سواء كانت القبيلة أو الفصيلة أو غيرها:
وتميز الدراسات الأنثروبولوجية حقيقة أن الكائنات الإنسانية تولد وهي تنتمي إلى عوائل محددة، وطوائف وعشائر وجماعات دينية، وإلى المجتمع الأوسع. أما في المجتمعات القبيلية، كانت منزلتهم الاجتماعية تحدد هويتهم بحيث يعرفون أنفسهم ويعرفهم الآخرون بأنهم أبناء فلان وبناته. وأفراد تلك الطائفة المعينة، أو المقيمين في قرية بذاتها، أو أتباع دين بعينه. ونادرًا ما كانوا يرون أنفسهم كأشخاص فريدين لديهم حياتهم الخاصة وأهدافهم الشخصية.
أما عن بداية ظهور مصطلح الفرد فيقول:
من هنا، إن الغرب وبالتحديد أثينا وروما هما بالتحديد أول المدن التي شهدت انبثاق فكرة الفرد أو الشخص، بالرغم من أن منزلتهم الاجتماعية كانت تعني الكثير لهم، وتحدد جزءًا من هويتهم، فقد رأى الأفراد أيضًا أنفسهم كأشخاص فريدين، يتمتعون بجزء من الحياة الخاصة بهم، وما كانوا فيه عرضة لمساءله أحد.
ويعقب قائلًا موضحًا:
لكن هناك مسألة أساسية جدًا يجب ملاحظتها بتروي، تلك هي أن الفرد بوصفه كائنًا بايولوجيًا كان موجودًا على الدوام. أما الفرد بوصفه انكشافًا ذاتيًا، فتلك قضية مرتبطة إلى حد كبير بمسائل ومظاهر الحداثة الاجتماعية التي رافقت الانفتاح الاقتصادي منذ القرن الثامن عشر، وهذا على الأقل رأي (دو توكفيل) الذي دعمه كثيرًا (بيكو بارك) في تحليله أن الحداثة كانت قد أشرت انبثاق تصور جديد عن الشخص، وهو يدعم أهمية فكرة الحداثة ويجعلها الأساس الذي تنبثق عنه فكرة الفرد أو الشخص أو الذات. لقد أشرت الحداثة انبثاق فكرة الفرد، التي دمرت كثيرًا من المؤسسات الاجتماعية التقليدية، وحولت غيرها تحويلًا جذريًا، وحررت الرجال والنساء لاحقًا من الهويات الموروثة أو النسبية، وعرفتهم بأنهم أفرادًا أحرارًا يمتلكون قرارة أنفسهم، ويرغبون في اتخاذ خياراتهم، ويشكلون حياتهم، ويكونون علاقاتهم من الآخرين.
ويقول بعد ذلك عن الفردية أو الفرادة، بمعنى التميز الفردي:
أما الفردية أو الفرادة كفكرة أو كلمة جديدة فهي تشير بالدرجة الأساس إلى ما يميز الأفراد ويفرزهم عن الآخرين. وهي لا تنطوي على الكثير من السمات الطبيعية التي يشترك بها الجميع في الولادة بقدر ما تنطوي على إنجازاتهم العقلية والأخلاقية الفريدة، ونوع الشخص الذي صاغوا به أنفسهم، وفكرة الفردنة لها تأريخها الخاص. […] لقد كتب (لويس دمون) : “إن الفردانية هي القيمة الأساسية للمجتمعات الحديثة”، وكتب أيضًا: “ما إن يطرح على هذا الأساس التعارض بين النزعة الفردانية والفيضية فجأة، كل عودة مزعومة إلى الفيضية على صعيد الأمة الحديثة تظهر بوصفها مشروع كذب وقمع .. الواقع أن الشمولية تعبر بطريقة درامية عن شيء ما نلقاه دومًا ومن جديد في العالم المعاصر، هو أن الفردانية كلية القدرة من جهة، ومسكونة باستمرار، وبصورة نهائية، بضدها من جهة أخرى”.
ثم يذكر رأي (دوركايم) عن الفردية:
يفضل (دوركايم) استعمال مفهوم الأنانية على مفهوم الفردية، على الرغم من أن المفهومين لا يتطابقان، فإنهما مترابطان بقوة الواحد مع الآخر في تحليلاته. ويؤشر (دوركايم) في كتابه (الانتحار) على مجموعة من المعايير التي نلخصها هنا حول بروز ظاهرة الفردية وفق (دوركايم) على الشكل الآتي:
معيار (١) تظهر الفردية متلازمة مع زعزعة المعتقدات التقليدية. لكن تطور الفردية لا يتعلق فقط بالمتغيرات الثقافية.
معيار (٢) إنه نتيجة لدرجة اندماج المجموعات الاجتماعية التي يشكل الفرد جزءًا منها.
معيار (٣) تميل الفردية إلى النمو في المجتمعات الحديثة.
يعود بعد ذلك إلى تأريخ الفكرة وتطورها، فيستشهد بالفيلسوف (إيريك فروم) في مقولته:
إن التاريخ الأوروبي والأمريكي مند نهاية العصور الوسطى هو تاريخ ظهور الفرد الكامل […] ولكن على حين أن الفرد قد نما في وجوه عديدة، فقد نما انفعاليًا وعقليًا وهو يشارك في منجزات ثقافية إلى حد غير مسموع به من قبل
يوضح ذلك، فيقول:
لقد اختفى الفرد في مجتمع العصور الوسطى لأنها كانت -كما يخبرنا (كافيين)- مجتمعات مقسمة إلى طبقات شديدة التنظيم والاستقرار والثبات، مرورًا إلى طبقات تتصف بالانغلاق المطلق على نفسها، وهذا يعني أن الفرد كان عاجزًا تقريبًا عن شق طريقه من طبقة إلى أخرى. ومن ثم كانت نظرة الفرد إلى نفسه في المحل الأول هي أنه عضو في طبقة مغلقة أو مهنة ومن ثم إن هويته الأساسية تتشكل تبعًا على ذلك. […] وبما أن الأفراد يستمدون هويتهم من الجماعات التي يولدون ويموتون بين ظهرانيها، فقد تركزت آمالهم ومطامحهم على الجماعة لا على أنفسهم ويترتب على ذلك أنهم كانوا ينعمون بشعور الانتماء والأمن أكبر بكثير مما يشعر به أفراد العصر الحديث. ويفسر (فروم) هذه الحالة وفق التالي: “إن ما يميز مجتمع القرون الوسطى في تباينه عن المجتمع الحديث هو انعدام الحرية الفردية. فقد كان الفرد في تلك الفترة الباكرة مقيدًا بدوره في النظام الاجتماعي. وكانت لدى المرء فرصة ضئيلة للانتقال اجتماعيًا من طبقة إلى طبقة أخرى، ويكاد لا يكون في مقدوره حتى أن ينتقل جغرافيًا من مدينة إلى أخرى أو من بلد إلى آخر. فكان عليه أن يبقى حيث وُلد مع استثناءات قليلة”.
ينتقل بعد ذلك إلى عصر النهضة، والتطور الكبير في تطبيق مفهوم الفردية، فيقول:
لقد ابتدأنا بمناقشة عصر النهضة لأن هذا العصر هو فعلًا بداية الفرد الحديث الذي تحول في عصر (جان جاك روسو) وتوج الفرد ملكًا على نفسه وعلى العالم. […] إن المسلمات الفردية لعصر الرومانسية من (روسو) إلى منتصف القرن التاسع عشر التي شكلت ذخيرة من الصور والأفكار التي أصبحت منذ ذلك الحين جوهر النزعة والفكرة الفردية، هي بعينها مسلمات (أميرسون) في مقاله ؛ الاعتماد على الذات “إن إيمانك برأيك واعتقادك بأن ما تعتقد به في صميم فؤادك أنه حق هو عند الناس جميعًا، لهو عبقرية بعينها، فلتثق بنفسك فإن الأفئدة لتهتز لهذا الوتر العنيد”.
شهدت هذه المرحلة تطورًا في مفهوم الفرد، ويذيّل فكرته باستشهاد آخر من (كافيين):
بعد هذه المرحلة شهدت مقولة [الفرد] منتصف القرن التاسع عشر تطورًا وانتشارًا سريعًا، “فالعبقري، والبطل والرافض والفنان والمفكر والرائد والمخترع إنما هي من بنات خيال القرن التاسع عشر. إنه القرن الذي أظهر أهمية الخيال والإبداع والشخصية والتعبير عن الذات والأحلام واللاشعور والوعي بالذات في الثقافة الأوروبية والأمريكية”.
هذا التغيير شهد بعد فترة ما تحولًا  سلبيًا لم يكن في الحسبان:
لكن ظهور هذا النوع من الاستقلال الذاتي كان مشوبًا بالكثير من القلق، ورافقته الكثير من الأزمات التي ربما أطاحت به من جديد مع ظهور المجتمعات الصناعية في مراحلها التكنولوجية، ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية التي شكلت تدهورًا دراميتيكيًا للفكرة الإنسانية برمتها، وبموازاتها تحطمت من جديد الأسس الغضة، حديثة العهد للفردانية. فلقد ظهرت مع تقادم التطور الرأسمالي للعمل وتطور الآلة، انتكاسة أخرى للفرد المختلف والمتمايز. لقد سحق المجتمع الصناعي الفردَ نهائيًا. وأصبح الأمر على النحو التالي ؛ لقد زادت الآلة والتنظيم الصناعي الصارم في المجتمع الرأسمالي من قدرة العامل على إنجاز عمله بدقة وسرعة بدت في تزايد مطرد، لكن المشكلة بحسب عالم الاجتماع الاقتصادي (ثورشتاين فيبلن) تكمن أن عمل الآلة بدأ السيطرة على العمل ويهمن على مقدراته.
يشرح بعد ذلك الأزمة الحاصلة للفرد في ظل الآلة، يقول:
وهذا يعكس الأزمة الجديدة التي يعانيها الفرد في المجتمعات الحديثة القائمة على الصناعة المتقدمة، فالمصنع الحديث وأنماط العمل فيه التي ترتكز على الآلات لا يشجع العمال على التعبير عن مقدرتهم على الخلق، وهو ما كانت تقوم به الآلات والأدوات البسيطة في أنظمة العمل التقليدية، وإنما يتطلب انتباهًا دائمًا وتفكيرًا آليًا ومسايرة لما هو موجود. لقد أصبحت مهمة العامل مسارة الآلة والانقياد المطلق لمتطلباتها ما يؤدي إلى تنميط الحياة الذهنية للعامل في إطار العملية الآلية التي تزداد إحكامًا وثباتًا كلما زاد شمول وكمال العملية الصناعية التي يلعب فيها دورًا.
كل ذلك أنتج شكلًا جديدًا للفرد:
إن هذه التحولات الاجتماعية أنتجت نمط [الإنسان المعذب]. المأزوم الذي نجم بلا شك عن حقيقة جديرة بالفحص والدراسة، وهي أن نجاح الأنظمة الرأسمالية الحديثة كان قد حطم الأمان التقليدي الذي كانت تتمتع به الأسرة والقرية والطائفة الحرفية والكنسية في المجتمع التقليدي.
وكان بعد ذلك التحول الحديث للمفهوم:
لكن بعد التسعينيات سنشهد مجددًا انبثاق صورة أخرى عن الفرد، لا هي صورة الفرد التي تحدث عنها (ليبوفتسكي): المؤطرة بالمتعية الأنانية، والمظهرة للفرد على أنه الأناني المنطوي على نفسه، ولا هي صورة الذات المريدية، التي تستثمر حياتها، ثمت صيغة أخرى فرضت نفسها، أكثر تمزقًا، وقلقًا وانفجارًا وعذابًا. إنها صورة الفرد غير الأكيد من نفسه، الحائر الذي وصفه (آلان اهرنبورغ) قائلًا: “يبدو أن الفرد المتألم قد أخذ مكان الفرد المنتصر”.

حرية الإنسان عند جان جاك روسو

arton12646

جان جاك روسو (1712 – 1778) هو كاتب وفيلسوف جنيفي، يعد من أهم كتاب عصر التنوير، وهي فترة من التاريخ الأوروبي، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين، وهي حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية واسعة، اشتهرت فترة التنوير بكل أشكال الفكر الذي يريد تنوير عقول من الظلام والجهل والخرافة، مستفيدا من نقد العقل ومساهمة للعلوم. الجدير بالذكر أن فلسفة (روسو) قد ساعدت في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة. يقول (جان جاك روسو) في كتابه الشهير (دين الفطرة):

الإنسان فاعل حر. فعله إذن منه، ومايفعله بإرادة حرة لايدخل في النظام الذي اختاره الخالق بتدبيره وحكمته، فلا يجب إضافته إليه. الرب، المدبر للكون والساهر عليه، لايريد الشر الذي يقترفه الإنسان بالإسراف في استغلال الحرية المخولة إليه. لايمنع حدوثه، إما لأنه بلا تأثير نظراً لتفاهة فاعله، وإما لأن منع الشر لا يتم إلا بنفي حرية البشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختاراً. ولكي يختار وفر له القوى الضرورية لذلك، مع وضع حد لها حتى لا يُخل الإفراط في الحرية بتوازن الكون. الشر الذي يفعله الإنسان يعود عليه بالضرر بدون أن يؤثر سلباً على النظام العام وبدون أن يمنع الجنس البشري من أن يواصل، مهما فعل، مسيرته. من يتذمر من أن الرب لا يثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفاً و تكريماً، إذ بها ندبه إلى التحلي بالفضيلة. أيه سعادة أكبر من الشعور بالرضى على النفس؟ وحتى نستحق تلك الغبطة وضعنا فوق هذه الأرض أحراراً لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها. هل كان في وسع القدرة الربانية نفسها أن تهب لنا أكثر مما فعلت؟ أكان وارداً أن تضع الصراع والتناقض في قلب طبيعتنا وتجازي على الخير من لا يقوى على الشر؟ ويحك أيها المتذمر! حتى لا يكون الإنسان شريراً أكان على الباري أن يسجنه في حدود الغريزة ويجعل منه بهيمة؟ جاشاك ربي ومالك روحي أن ألومك أبداً إذ جعلتني على صورتك لأكون مثلك حراً وخيراً وسعيداً.

 

حول الشعور بالجميل والسامي لدى كُانت.

إيمانويل كانت
إيمانويل كانت (1724 – 1804)، فيلسوف من القرن الثامن عشر ألماني من بروسيا ومدينة كونغسبرغ تحديدًا. يُعد كانت آخر فيلسوف مؤثر في أوروبا الحديثة في التسلسل الكلاسيكي لنظرية المعرفة خلال عصر التنوير. وتعد أهم أعماله هي ثلاثيته “نقد العقل الخالص”، “نقد العقل العملي” وهو ما نقلنا لكم منه هذا الاقتباس، وأخيرًا كتابه المتعلق بالجمال ؛ “نقد القدرة على التحكيم”.
عُثرَ على ورقةٍ في أرشيف إمانويل كَانْت مكتوبةً بخط يده يعود تاريخها إلى سنة ١٧٦٤ وفيها ملاحظة ( حول الشعور بالجميل والسامي ) جاء فيها:

يجب أن نُعلِّمَ الشبيبة احترام الفهم العامِّي، لأسبابٍ أخلاقية ومنطقيةٍ على حدٍ سواء. أنا، شخصياً، بطبيعة ميلي باحثٌ أشعر بتعطُّشٍ شاملٍ للمعرفة وبقلقٍ متلهِّفٍ للتقدم فيها، أو بالرضا عن كلِّ تقدِّم أقومُ به. لقد ولَّى زمنٌ كنتُ فيه أعتقد أنَّ هذا يمكن أن يكفي وحده ليصنع شرفَ الإنسانية وكنتُ أحتقرُ الرعاعَ الذين يجهلون كلَّ شيء. جان جاك روسو هو الذي قادني إلى الصواب. تلاشت هذه المزية التي تعمي القلبَ، وأخذتُ أتعلَّمُ احترام الناس. وإنني سأجدُ نفسي عديم المنفعة وأقلَّ بكثيرٍ من العاملِ البسيط، إن لم أؤمن بأن الاعتبار قابلٌ لأن يَمنح كلَّ مَن تبقى قيمةً تعمل على إقامةِ حقوق الإنسانية

أصل الكتابة كما يراها جان جاك روسو

arton12646

في صدد حديثه عن أصل اللغات، يقدّم الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712 – 1778) نظرته عن تكوّن الكتابة، أنواعها وأثرها على اللغات ذاتها، فيقول في كتابه “محاولة في أصل اللغات [تحميل]”:

إن كل من يدرس تاريخ اللغات وتقدّمها يجد أنه بقدر ما تزداد رتابة التصويتات تتضاعف الحروف الصوامت والتركيبات النحوية والتمفصلات الجديدة. ولكن هذه التغيّرات لا تتم إلا بمفعول الزمن. فبقدر ما تنمو الحاجات وتتعقد الأعمال وتمتدّ الأنوار تغيّر اللغة من طابعها، فتصبح أشدّ معقولية وأقل عاطفية، وتعوَّض المشاعر بالأفكار وتكفّ عن مخاطبة القلب لمخاطبة العقل. ومن ثمّ بالذات تنطفئ النّبرة وتتعدد المقاطع؛ فتصير اللغة أشدّ ضبطًا وأشدّ وضوحًا، ولكنّها تصير أفتر أيضًا، وأصمّ وأبرد. يبدو لي هذا التدرّج طبيعيًا جدًا. ثمّة طريقة أخرى في المقارنة بين اللغات والتعرّف على قدمها، وهذه الطريقة تؤخذ من الكتابة، وذلك عن طريق المقارنة عكسيًا مع مدى اكتمال هذا الفنّ، فبقدر ما تكون الكتابة خشنة تكون اللغة قديمة. إن الأسلوب الأول في الكتابة لم يكن رسم الأصوات، بل كان رسم الأشياء نفسها، رسمًا مباشرًا مثلما كان يفعل المكسيكيون، أو رسمًا غير مباشر مثلما كان يفعل المصريون قديمًا. وتوافق هذه الحالة زمن اللغة العاطفية.

أما الأسلوب الثاني فيكون بتمثيل الكلمات أو القضايا بأحرفٍ اصطلاحية، وهو ما لايمكن إنجازه إلا عندما يبلغ تكوين اللغة كماله، وعندما يتحدّ شعبٌ برمته في ظلّ قوانين مشتركة، كما هو الشأن في اللغة الصينية، وذلك بحقّ هو رسم الأصوات ومخاطبة العيون.

أما الأسلوب الثالث فيكون بتقطيع الصوت المتكلم إلى عدد معيّن من الأجزاء الأساسية التصويتية والتمفصلية، بحيث يمكن استخداها في تركيب كلّ ما يمكن تخيلّه من الكلمات والمقاطع. إن هذا الأسلوب في الكتابة لابدّ أن تخيلته شعوب تشتغل بالتجارة اضطرّها ذلك كونها تسافر إلى عديد من البلدان وكونها ملزمة بالتكلم بعدّة لغات، إلى اختراع أحرف تكون مشتركة بين كل اللغات. ليس هذا رسمّا للكلام بل هو تقطيعٌ له.

إن الكتابة التي يبدو من مهاماتها تثبيت اللغة، هي عينها التي تغيّرها. فهي لا تغيّر كلماتها بل عبقريتها. إنّها التعبير بالدقة، فالمرء يؤدي أفكاره عندما يكتب ومشاعره عندما يتكلّم. فهو عند الكتابة ملزم أن يحمل كل الألفاظ على معناها العام، ولكن الذي يتكلم ينوّع بين الدلالات بواسطة النبرات، ويعيّنها مثل ما يحلو له. ولا يمكن للغة نكتبها فقط أن تحتفظ طويلًا بحيوية تلك التي نتكلمها فقط. فإنما يكتب المرء التصويتات لا النغم، غير أن النغم والنبرات ومختلف انعطافات الصوت في اللغة ذات النبر هي التي تمنح التعبير أقصى ماله من طاقة، وهي القادرة على تحويل الجملة من جملة شائعة الاستخدام إلى جملة لا تستقيم في غير الموضوع الذي هي فيه. أما الأساليب التي تتخذ للتعويض عن ذلك – علامات الترقيم – فما هي إلا توسيع لمجال اللغة المكتوبة وتمديد لها، وهي بانتقالها من الكتب للخطاب تشنّج الكلام عينه. إذا المرء أضحى كل شيء يقوله كما لو كان يكتبه لم يعد إلا قارئًا يتكلّم.

قد يكون لأصل الكتابة علاقة بما قاله جان جاك روسو عن أصل اللغات.