أرشيف الوسم: جلال أمين

جورج أورويل في قراءات جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين (1935-2018) عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل.

يُعد كتاب (تجديد جورج أورويل) من أواخر كتب المفكر العربي (جلال أمين)، وفيه تحدث بإعجاب شديد عن الكاتب البريطاني. فيبتدئ المقالة بقوله:

معظم الكتب يطويها النسيان بعد فترة طويلة أو قصيرة، وقليل جدًا من الكتب ما يظل عالقًا بالأذهان، رغم مرور الزمن، تُطبع ثم يُعاد طبعها، وتظل نسخ منها على رفوف المكتبات لأن أصحاب المكتبات واثقون من أن هناك من سيأتي لطلبها، ولا تتوقف الإشارة إليها في الكتب والمجلات والصحف، دون الحاجة إلى التعريف بها، إذ يفترض أن القراء يعرفونها ولديهم فكرة ما عن مضمونها.

من هذا النوع الأخير من الكتب، بلا شك، رواية (١٩٨٤) للكاتب الإنجليزي (جورج أورويل)، التي مر على صدور أول طبعة منها ثلثا قرن، ولا تزال تُعاد طباعتها المرة بعد المرة، وبمختلف لغات العالم.

ثم يذكر (جلال أمين) بأن (أورويل) قد كتب روايته المذكورة مسبقًا، في وقت قصير، نتيجة لإصابة الأخير بمرض السل حينها، في حين كان يعتبر الانتهاء من الرواية أمرًا بالغ الأهمية. ولهذا يقول (أورويل) عن روايته بأنها “فكرة جيدة ولكنني أفسدتها”. يعلّق (جلال أمين) قائلًا:

وأنا أعتقد أن (أورويل) في هذا الوصف كان يقسو على نفسه في الناحيتين، في زعمه بأنه “أفسدها”، وفي أنه لم يستخدم وصفًا أقوى من “جيدة”.

أما أنه “أفسدها” فأظن أن (أورويل) كان يقصد أنه، في مواضع كثيرة من الرواية، كان “مباشرًا” أكثر من اللازم. ففي تعبيره عن ديكتاتورية النظام، وما يمارسه من قهر كان الوصف، أحيانًا، صريحًا أكثر من اللازم، فيما يبدو لي. وفي وصفه للتعذيب في الفصول الأخيرة كان أيضًا قاسيًا على القارئ أكثر مما ينبغي. كان من الممكن، فيما أظن، أن يحقق غرضه من إثارة اشمئزاز القارئ وسخطه لى النظام الشمولي، دون أن يذهب إلى هذا الحد من الوضوح، إذ كثيرًا ما يكون التلميح في هذه الأمور أقوى أثرًا من التصريح. من الممكن أيضًا أن تُنتقد الرواية لتضمنها فصلين، فصلًا في منتصفها، وملحقًا في نهايتها، هما أقرب إلى التحليل العلمي أو النقد الاجتماعي منهما إلى الرواية.

يصف (جلال أمين) في موضع آخر، هدف (أورويل) من الكتابة، فيقول:

إن (أورويل) شخص ملتزم، وصاحب رسالة منذ كتاباته الأولى. إنه لا يكتب لتسلية القارئ أو لتسلية نفسه. بل ولا يكتب لمجرد الوصول إلى فهم أعمق للحياة أو الطبيعة الإنسانية. إنه يكتب بهدف “الإصلاح” دائمًا.

ويعزو (جلال) هذا السبب وراء تساهل (أورويل) أحيانًا “فيما يتعلق بالشروط المألوفة للرواية الجيدة، ويعطي أولوية لتوصيل رسالته إلى القارئ”. ولهذا السبب، نجد بأن (أورويل) هو كاتب كاره للكذب، كما يصفه (جلال):

ذلك أن للكذب أشكالًا وألوانًا. هناك طبعًا قول عكس الحقيقة، ولكن هناك أيضًا قول الحقيقة ناقصة نقصًا مهمًا، مما يوحي بعكس الحقيقة. وهناك الكلام الغامض أو الأسلوب المعقد في الكلام بغرض إخفاء الحقيقة. وهناك الكلام، ليس هو الموضوع الأجدر بالكلام فيه، لصرف النظر عن الحقيقة. والكذب ليس فقط في الكلام أو الكتابة، بل أيضًا في السلوك، فما أكثر التظاهر بعكس الحقيقة، أو بغرض إخفاء الحقيقة.

ولهذا السبب، برأي (جلال أمين)، نجد أن (أورويل) يفضل حياة الفقر على الترف، إذ أن الفقر أكثر صدقًا، وأضعف رغبة في التظاهر بغير الحقيقة. ومن هذا الدافع، انضم (أورويل) إلى طبقة الفقراء، “عاش عيشتهم، وجاع جوعهم، ودخل معهم السجن”. وكتب عنهم كتابًا شهيرًا بعنوان (حياة التشرد في باريس ولندن).

إن رجلًا لديه هذه الدرجة من كراهية الكذب، لا بد أن يكون لديه أيضًا ميل قوي للنفاذ إلى أعماق الأمور، ولا يكتفي بملاحظة ما يجري على السطح. فما يظهر على السطح قد يكون خادعًا، ولا بد من معرفة ما يجري وراءه. وأظن أن شيئًا كهذا، هو السبب في كراهية (أورويل) للقهر كانت تتجاوز القهر المادي، وترتكز أساسًا في القهر المعنوي أو الروحي. نعم، السجن فظيع إذا كان بغير حق، والتعذيب أفظع، ولكن الأفظع من هذا وذاك القهر الروحي، والإذلال.

وهذا ما نشهده في تفاصيل روايته (١٩٨٤).

وحدة المعرفة، المعلومة، والمفكِّر، جمال حمدان أنموذجًا

 

جمال حمدان

جمال حمدان (1928-1993) قد يكون أحد المثقفين والكُتاب العرب المعاصرين، الأكثر شأنًا، والأقل حظًا وشهرة اليوم. اشتهر بكتابه المكوّن من أربعة مجلدات، والذي حمل اسم (شخصية مصر)، وله العديد من الكتب والكتيبات الصغيرة، المنشورة قديمًا، والتي توقفت أغلب دور النشر حاليًا عن تداولها، للأسف الشديد. في كتاب (شخصيات لها تاريخ)، أفرد الدكتور (جلال أمين) مقالة باسم “جمال حمدان وضمير المثقفين المصريين”، تحدث فيها عن حياته، وعن عمله الأشهر (شخصية مصر)، يقول د. (جلال أمين):

قرأت في الكتاب لأول مرة عندما ظهر الجزء الرابع والأخير منذ عشر سنوات، فوجدته ينتمي إلى ذلك الصنف النادر جدًا من الكتب، المؤهل بحق للبقاء عشرات من السنين دون أن يبلى أو يفقد أهميته. وربما كان أهم ما يميزه هو تلك الفكرة الكامنة في عقل المؤلف والحاكمة لمنهجه واتجاهات تفكيره، وهي ما يمكن أن نسميه بـ”وحدة المعرفة“. فالقارئ يشعر منذ الصفحات الأولى بأن مختلف فروع المعرفة تتداخل طرقاتها وتؤدي بعضها إلى بعض، بل وتتفاعل بعضها مع بعض بحيث لا يمكن لمن يقتصر على فرع واحد من فروع المعرفة أن يفهم أي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية فهمًا حقيقيًا.

ثم يورد بعض الكلمات يتحدث فيها عن حياة (جمال حمدان) الشخصية:

كان من البديهي أن عملًا من نوع هذا العمل الذي عقد (جمال حمدان) العزم على القيام به، يتطلب حياة أقرب إلى حياة الرهبان، وزهدًا في المال والمنصب، ودرجة كبيرة من العزلة والابتعاد عن خضم الحياة الاجتماعية والسياسية. وهكذا كانت حياة (جمال حمدان) بالفعل حتى انتهت فجأة، بسبب حادث أليم. كان من الطبيعي أيضًا أن يشعر المثقفون المصريون بصدمة عنيفة إذ علموا بموته المفاجئ، ومن ثم لم تتوقف المقالات الحزينة التي تبكيه وترثيه وتتحدث عن مناقبه وعمى أسدى إلى الثقافة المصرية من أياد، وكأن كل مثقف مصري يتمنى في دخيلة نفسه لو كان قد فعل مثلما فعل (جمال حمدان).

ثم يقول عنه:

لقد كان (جمال حمدان) يمثل دائمًا ما يشبه “الضمير” للمثقفين المصريين، يتذكرونه من حين لآخر، خصوصًا عندما تقسوا الحياة لدرجة يتمنى المرء معها لو كان قد خاضها من وقت بعيد، كما خاضها (جمال حمدان).

ثم يتطرق أكثر لحياة (جمال حمدان) التي اتسمت بالتقشف، والاستغناء عن متارف الحياة:

كنت أعرف مما سمعته عنه أنه يعيش عيشة متقشفة للغاية، ولكني دهشت أشد الدهشة عندما رأيت صورة حجرة نومه ومطبخه. فلم أكن أتصور أن هناك من لا يزال يعيش في القاهرة بمثل هذا التقشف، فما بالك بأستاذ جامعي وكاتب شهير؟ […] مرة أخرى يذكرنا (جمال حمدان) بما تتكون منه حاجات الإنسان الحقيقية، وبقول أحد فلاسفة اليونان القدماء إذ سار في الأسواق متعجبًا: “كم تمتلئ هذه الأسواق بأشياء لست في أدنى حاجة إليها!“.

جلال أمين

قد يكون هذا الحال، مع الأمور التي لا تهم الكاتب أو المثقف، لكن إذا ما سألنا عن حال مكتبته الخاصة نجده يجيبنا:

ولكن شيئًا أخر استرعى انتباهي ودهشتي. لقد قال بعض من زار شقته بعد وفاته إنهم فوجئوا بحجم مكتبته. كانوا يظنون من روعة ما كتب (جمال حمدان)، أن مكتبته تضم الآلاف المؤلفة من الكتب، فإذا بها من حيث العدد مكتبة متواضعة للغاية، مثلها منل حجرة نومه ومطبخه. بعض الكتب الأساسية تشغل عددًا صغيرًا من الرفوف أو مكومة على الأرض، وهذا كل ما في الأمر. قال معارفه إنه كان يتخلص من حين لآخر من الكتب التي لا يحتاج إليها، كما أنه كان كثيرًا ما يستعير الكتب أو يطلب نسخًا من مقالات منشورة في الخارج، ثم لا يستبقي منها إلا ما يعرف أنه سوف يحتاج إليه من جديد. أيًا كان الأمر، فإن قليلًا من التروي يبين لنا أنه ليس ثمة غرابة في قلة ما لديه من كتب. فمع كل ثراء (جمال حمدان) بالمعلومات، لم يكن هذا هو المميز الحقيقي لها، وما جعل منه هذه الظاهرة الفريدة التي استولت على إعجابنا. كان الرجل يفكر ويبحث عما خفي من الروابط بين الأشياء، وليس مجرد جامع للمعلومات أو شارحًا لها، ولهذا جاء كتابه فريدًا بين الكتب، إذ لم يكن من تلك المؤلفات التي تزخر بها الأسواق والمكتبات والتي لا تفعل أكثر من “تجميع ما افترق وتفريق ما اجتمع” على حد تعبير أحد الأدباء.

فباختصار، يمكن القول عن حياة طبيعة جمال حمدان:

أضف إلى هذا بالطبع أن الرجل، كما هو واضح، لم يكن مغرمًا بالاقتناء، ولم تسيطر عليه رغبة عارمة في الاستحواذ والتملك. كان الكتاب في نظره يُكتب ليُقرأ، لا ليُقتنى ويوضع على الرف. فإذا قرأ الكتاب واستوعب، انتهت مهمته وجاز الاستغناء عنه.

 

ننتثل إلى كتاب (رحلتي الفكرية) والذي يعد سيرة ذاتية للدكتور (عبدالوهاب المسيري). يحكي فيه الدكتور (عبدالوهاب المسيري) عن نفسه عندما كان يعد رسالته “أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي والشعر الرمزي الفرنسي على شعر إبراهيم ناجي“، بأنه تأثر بـ(جمال حمدان)، فيقول:

وفي دراستي عن (جمال حمدان) درست قضية “الأثر” مرة أخرى، قزأت كتابه (اليهود أنثروبولوجيًا). لكنني حين قرأته كنت أبحث ساعتها عن المعلومات شأني شأن أي باحث، ولكن يبدو أيضًا أنني استوعبت منظومة فكرية كاملة ثم استنبطتها تمامًا دون أن أدري. ولذا حينما تأملت في علاقتي بـ(جمال حمدان) هالني حجم تأثري به في طريقة تفكيره. لقد جاء في كتابه الكثير من المعلومات والوقائع، فأخذت منها ما أخذت، واستبعدت ما استبعدت، ثم تبدلت المعلومات وتحورت، كما تتبدل المعلومات وتتحور، ولكن بقي ما هو أهم، بقي فكره ورؤيته ومنهجه.

فيقول بعد ذلك عن أثر (جمال حمدان) في كتابات (المسيري):

أثر (جمال حمدان) لا يمكن أن تجده في سطر أو سطرين أو صفحة أو صفحتين مع كتاباته، وإنما هو بين السطور، وهذا هو أعمق أثرًا. ولكن مع سيطرة النموذج التراكمي المعلوماتي، أهملت أهمية هذا النوع من التأثر. إن مجال البحث العلمي بالنسبة للكثيرين هو الحقائق وليس الحقيقة. هو المعلومات وليس الأنماط الكامنة وراءها، ولذا فحينما يُدرس أثر كاتب على آخر فإن الدارسين عادةً ما يبحثون عن عدة جمل وعبارات واقتباسات مباشرة نقلها الكاتب المتأثر من الكاتب المؤثر.

يطرح (المسيري) سؤالًا آخرًآ: لماذا لم يشتهر (جمال حمدان) ولم تُنشر كتبه بكثرة، ككتابه العظيم (استراتيجية الاستعمار والتحرير

كما أنني يمكنني أن أثير قضية أخرى، وهي: لِم لم يؤثر (جمال حمدان) في هؤلاء الذين يكتبون دراسات في نفس الموضوع بطريقة تتناسب مع حجمه الفكري؟ يمكنني القول إن النموذج المعلوماتي التراكمي سيطر تمامًا وخوّل كل شيء (الآراء والرؤى والأحلام والآلام) إلى معلومات. ولذا تحوّلت كتابات هذا المفكر الفذ إلى مادة أرشيفية، يتناولها بنهم الكتَّاب المعلوماتيون. وأعتقد أن معظم ما يُكتب هذه الأيام يُكتب صدورًا عن هذا النموذج، ولكن الأسوأ من هذا أن ما يُقرأ الآن يُقرأ بنفس الطريقة، وهكذا تضيع الحقيقة ولا يبقى سوى الحقائق.

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

فأغلب الكتب اليوم تضخ المعلومات بدلًا من المعرفة، وتراكم الأفكار بدلًا من إيجاد نسق فكري كامل.

ولذا فكل كتب (جمال حمدان) هي كتب إشكالية، محاولة للإجابة عن سؤال ما، وتصب كل الأسئلة في مشروع فكري واحد، محوره مصر. فـ(جمال حمدان) صاحب فكر وليس ناقلًا للأفكار (مثل عدد لا يُستهان به ممن يسمون بالمفكرين في بلادنا، ممن حعلوا همهم نقل آخر فكرة وآخر صيحة، عادةً من الغرب). صاحب الفكر هو إنسان قد طوَّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلي، فهي تعبر عن قلقه وآماله، ويكمن وراؤها نموذج معرفي واحد، رؤية واحدة للكون. أما ناقل الأفكار، فهو إنسان ينقل أفكارًا متناثرة لا يربطها بالضرورة رابط، وتنتمي كل فكرة إلى منظومة فكرية مستقلة.

ثم يعقب قائلًآ:

(جمال حمدان) لا ينتمي إلى هذه المدرسة المعلوماتية التراكمية التي استشرت تمامًا في صفوف الباحثين بسبب سهولة الإنتاج العلمي من خلالها (استبيانات – جداول – تحليل سطحي للمضمون – استطلاع رأي – أرقام). ولا شك في أن غياب المشروع الحضاري المستقل يزيد من انتشار هذا النموذج، إذ يحل التفكير السهل المباشر من خلال الكم المصمت محل التفكير المركب من خلال الرؤية والهوية والحلم والأمل، ويصبح التلقي المهزوم والإذعان (الموضوعي) للأمر الواقع بديلًا لمحاولة رصد الواقع بأمل تغييره وإعادة صياغته.

فالمدرسة المعلوماتية التراكمية، هي مدرسة تلقينية، تقف من العالم موقف المتفرج.

إن المدرسة المعلوماتية التراكمية معادية للفكر والإبداع. إنها تدور في إطار الموضوعية المتلقية، السلبية. العقل عندها آلة ترصد وتسجل، وليس طاقة إنسانية مبدعة تعيد صياغة العالم. وهي لا تكترث بالحق أو الحقيقة ؛ فهي قد غرقت تمامًا في الحقائق والوقائع والأفكار المتناثرة، ترصدها من الخارج دون تعمق ودون اجتهاد وكأنها أشياء مرصوصة، كم لا هوية له، ولذا تفقد الظواهر شخصيتها ومنحناها الخاصين.

 

ما هو سبب التعصب الديني المعاصر؟ جلال أمين يجيب

جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل. من هذه التغيرات التي تطرق إلى كان التعصب الديني، والذي يقول بأنه كان ظاهرة فردية بالسابق، إلا أنه والآن صار ظاهرة مجتمعية تستحق الدراسة، ولذا أفرد فصلًا في كتابه للحديث عنها. يقول مبتدئًا حديثه:

إن مطلبًا أساسيًا من مطالب الإنسان، في كل زمان ومكان، وأيًا كان جنسه أو لونه أو سنّه، ومهما كانت درجة “تقدمه” أو “تخلفه“، الشعور بأنه “ذو قيمة” أو الشعور باحترام الذات. إنه مطلب يكاد يعادل إشباع حاجته الجنسية أو حاجته إلى الغذاء. وهو يبدو مستعدًا للذهاب إلى أبعد مدى لتحقيقه، وأن يضحي بأغلى الأشياء من أجله. وإنه قد يشقى العمر كله من أجل أن يشعر بأنه “ذو قيمة“، ومن أجل هذا الشعور، ولا لسبب غيره، قد يدخر الإنسان ويجمع الثروات، ويحرم نفسه من متع الحياة، ويسافر إلى أقصى أطراف الأرض، وقد يتزوج أو يمتنع عن الزواج بسببه، ينجب الأطفال أو يتبناهم، ويسعى لوظيفة أو يرفضها .. إلخ. ومن أجل هذا الشعور يرتدي الإنسان رداء دون غيره، ويتزين أو لا يتزين، ويبالغ في هذا أو لا يبالغ. بل إنه قد يضرب أو يقتل أقرب الناس إليه إذا كان هذا يقربه من الشعور بأنه “ذو قيمة“، وقد يلجأ إلى خلق الأوهام لنفسه وقد يعيش طول حياته في عالم موهوم تمامًا، لا علاقة له بالحقيقة، بل قد يجنّ ويفقد عقله كلية إذا فقد الشعور بأنه ذو قيمة، بل قد يكون الجنون نفسه هو وسيلته الوحيدة للحصول على هذا الشعور.

أما بالنسبة إلى هذا الشعور، فهو شعورٌ يعتمد على الآخر بشكل كبير، ويستمد وجوده من الآخرين بشكل كبير، يقول:

فالشعور بأني “ذو قيمة” يفترض وجود شخص واحد غيري على الأقل، أي وجود مجتمع (إذ نادرًا ما يعتمد الإنسان في الحصول على هذا الشعور على الحيوان، وإن كان تعلق البعض بحيواناتهم الأليفة وسرورهم الشديد بأن حيواناتهم تميّزهم عن بقية الناس وتفتقدهم وتسرّ برؤيتهم يستند على الأرجح إلى هذا الشعور نفسه). إني أستمد شعوري بأنني “ذو قيمة” من نظرة الناس إليّ، ورأيهم فيّ، وموقفهم مني، ومن ثم فنجاحي أو فشلي في الحصول على هذا الشعور يتوقف على نجاحي أو فشلي في إقناع الناس بأني ذو قيمة، ومن ثم يتوقف أولًا وأخيرًا على سلوك اجتماعي.

ينتقل بعد ذلك إلى محور حديثه الأساسي، ألا وهو التعصب الديني، فيتساءل بدايةً معلقًا على بعض الأحداث التي كانت في تلك الفترة:

ما الذي يجعل مجموعة من الناس تسير في الشوارع وهي تهتف بأن أفراد طائفة أخرى، مخالفة لها في الدين، هم “أعداء الله“؟ ثم يهاجمون دور العبادة لهذه الطائفة المخالفة فيشعلون فيها النار، ويبعثون الخوف في هؤلاء إلى درجة تدفع امرأة منهم إلى أن تلقي بنفسها من ارتفاع عشرة أمتار، أو أن يلقوا هم بها من هذا الارتفاع، كما روت بعض الصحف؟

الأمر يصل إلى درجة الهوس الحقيقي، وهو يحمل في طياته درجة لا يستهان بها من الغضب أو الحقد أو الكراهية المستمدة في رأيي من هذا الشعور الذي وصفته في البداية، تلك الحاجة الماسة لدى المرء إلى الشعور بأنه ذو قيمة: حاجة استبدت به إلى تأكيده أو خوف مستطير من أن يفقده.

يبتدئ هذا التعصب -كان دينيًا أو غير ذلك- من لغة الخطاب، وطريقة نظرة الإنسان إلى غيره، وتحول فكرته عن غيره من المخالفين. وبذلك يستمد الإنسان هويته وتقديره الذاتي من الانتقاص من غيره. يقول د. (جلال أمين):

قد يلجأ المرء لاكتساب هذا الشعور أو تأكيده، إلى ارتكاب كثير من الصغائر. فكثير جدًا من ميلنا إلى التقليل من شأن الآخرين، بما في ذلك الإمعان في انتقاد الناس من وراء ظهورهم، والمبالغة في تضخيم أخطائهم الصغيرة، والتغاضي عن حسناتهم، والميل إلى رؤية عيوب الآخرين بدلًا من حسناتهم، كل هذا يؤكد لنا شعورنا بأننا “ذو قيمة“، وذلك عندما يعز علينا أن نكتسب هذا الشعور من أي طريق آخر غير التقليل من قيمة الآخرين. قد يكون هذا بالضبط أحد المشاعر الأساسية وراء هذا الحماس المفرط لدى المتعصب لإهانة أفراد الطوائف الأخرى والتقليل من شأنهم، ووصفهم بأنهم “أعداء الله“، فهنا يستمد المتعصب شعوره بأنه ذو قيمة في الإمعان في تقليل قيمة الآخرين. والتجاؤه إلى ذلك هو التجاء اليائس إلى التعلق بآخر طوق للنجاة يمكن أن ينقذ به نفسه، إذ قد يبدو غريبًا أن يكون المصدر الأساسي أو الوحيد لشعور المرء بأنه ذو قيمة ليس التدين نفسه، ولا رؤية الآخرين له وهو “يتدين“، بل مجرد انتسابه اسمًا إلى دين يختلف عن دين بعض الناس الآخرين، مع أن مجرد انتسابه إلى هذا الدين لا يرجع إلى فضل خاص له هو شخصيًا، أو إلى أي جهد أو عمل قام به، بل لقد وُلد عليه لأن أباه كان كذلك.

يتساءل بعد ذلك: ما هي الظروف الاجتماعية التي قد تساعد على انتشار هذا التدني من محاولة إثبات الذات، ومحاولة اكتساب الرضا عن النفس عن طريق تحقير الآخرين وإذلالهم إلى هذا الحد؟

وبحكم تخصصه، فيميل تفسيره إلى الجانب الاقتصادي-الاجتماعي أكثر. فيقتبس د. (جلال أمين) بدايةً من دراسة اجتماعية عن الجماعات المتطرفة، قام بها د. (سعد الدين إبراهيم)، خلصت في النهاية إلى أنه “من الممكن أن نقول باطمئنان أن معظم أفراد هذه الجماعات المتطرفة ينتسبون إلى الطبقة الوسطى، أو المتوسطة الصغيرة“، كما تشير إلى أنه “من الواضح تمامًا أن المستوى التعليمي لأفراد هذه الجماعات هو أعلى من المستوى التعليمي الذي حققه آباءهم“، أي أنهم من الشرائح التي حققت درجة من الصعود الاجتماعي في غمار عملية الحراك الاجتماعي.

يعلق د. (جلال أمين) على تلك المقولات بنظرته الاجتماعية-الاقتصادية:

إن هذه الشرائح الاجتماعية من الطبقة المتوسطة، لا تتمتع بالرضا عن النفس الذي تتمتع به الطبقة الجالسة على قمة الهرم الاجتماعي، أو تلك الشرائح العليا من الطبقة الوسطى الفخورة بما حققته من صعود حديث، والسعيدة بما حققته من نجاح سريع، ولا تتمتع بشعور الطمأنينة والرضا الذي تشعر به الطبقات القابعة في أسفل السلم الاجتماعي لأنها تتطلع كثيرًا إلى أعلى، وتستمد رضاها عن نفسها من أشياء أخرى ليس من بينها تحقيق مركز نسبي معين في السلم الاجتماعي.

فالطبقة الغنية برأيه معتزة بغناها ومكانتها الاجتماعية، وعلى الجهة الأخرى فالفقراء لا يطيلون النظر فيما ليس بين يديهم. وفي النهاية، فالطبقة الوسطى في ظل العولمة والتسويق المبالغ فيه للأشياء وتوسيع دائرة الاحتياجات، هي الأسهل لأن تصاب بعدم الرضا عن النفس، نتيجة كل ما تعتقد بأنه ينقصها، ولذلك فهي الطبقة الأقل تماسكًا من هذه الناحية. يتابع كلامه عن الرضا الذاتي وعن علاقته بالتشدد، فيقول عن حال الفقراء والطبقة الوسطى مع الإيمان:

إن من بين مصادر الرضا عن النفس لدى تلك الطبقات الدنيا، التدين والإيمان بالله، وإني لأزعم أن تديّن هذه الطبقات الأخيرة هو أصدق وأكثر عمقًا وأقل نفاقًا، بصفة عامة، من تديّن الكثيرين من أفراد تلك الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى التي ارتكز الحديث عليها، والتي تشعر بسخط شديد على المجتمع وعلى نفسها في نفس الوقت لعجزها عن اللحاق بمن لا تعتبرهم أفضل منها، وتفزع أشد الفزع من احتمال سقوطها إلى مستويات دنيا كانت تطمح إلى تمييز نفسها عنها.

إني أزعم أن هذا الاهتزاز العميق للثقة بالنفس، والضعف الشديد الذي أصاب شعور المرء بأنه “ذو قيمة“، وما أصاب أعدادًا غفيرة من الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى من ذعر من أن يكونوا قد فقدوا أي اعتبار في نظر الآخرين، كما فقدوه في نظر أنفسهم، أزعم أن هذا قد يكون السبب الداخلي الأساسي وراء ما يُسمى في مصر بـ”الفتنة الطائفية“.

يختتم حديثه، باقتباس أخير عن الفيلسوف الفرنسي (باسكال)، يقول فيه:

إن هذا الإنسان إذ يود لو كان عظيمًا، ويرى نفسه ضئيلًا، ويود لو كان سعيدًا، ويرى نفسه شقيًا، ويود لو كان كاملًا، ويرى نفسه مليئًا بالنقائص، ويود لو حصل على حب الناس وتقديرهم، ويرى أن نقائصه وأخطاءه لا تستحق منهم إلا الامتعاض والاحتقار، يعاني الشعور بالإحباط والحرج مما يولّد فيه عواطف ومشاعر بها من الحقد والظلم والإجرام ما لا يمكن تخيله، إذ أنه يشعر بكراهية قاتلة إزاء تلك الحقيقة التي اكتشفها، والتي تخبره بأنه هو الملوم، والتي لا تفتأ تذكره بنقائصه.

 

جلال أمين وقصة الصحف والصحافة

Professor of economics, new cairo campus, january 2010, provost lecture speaker

جلال الدين أحمد أمين عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في كتابه (عصر الجماهير الغفيرة) تحدث عن عدد من التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم ككل وفي العالم العربي ومصر على وجه التحديد، فبتدئ كلامه ناقمًا:

ليس هناك أي قانون طبيعي أو وضعي يفرض علينا أن نقرأ صحيفة في صباح كل يوم. وإنما حدث الأمر تدريجيًا نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية معينة، حتى تمكنت منا هذه العادة الغريبة، وشاعت حتى شملت نسبة كبيرة من الناس، خصوصًا في المجتمعات المسماة بالراقية، واستمرت حتى تحولت العادة إلى إدمان.

يقول جلال أمين بأن الصحف المطبوعة لم تظهر إلا في أوائل القرن السابع عشر في بعض البلاد الأوروبية كبداية، مثل ألمانيا والنمسا وإيطاليا. وكان ظهور الصحف يلتزم شرطين أساسيين:

ظهور المطبعة، وهذا تطور تكنولوجي بحث، ووجود عدد كاف من الناس الذين يعرفون القراءة والكتابة ولديهم القدرة على دفع تكاليف كتابة وطباعة هذه الصفحات.

ثم يكمل حديثه عن ظهور الصحف، فيقول:

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فلم يظهر أي شيء يمكن عده صحيفة منتظمة الصدور إلا في أواخر ذلك القرن 1690، عندما ظهرت صحيفة في مدينة (بوسطن) تحمل هذا الاسم الطويل: “الأحداث العامة، خارجية ومحلية” وتصف نفسها بأنها: “تصدر مرة واحدة في الشهر ما لم يحدث من الأحداث ما يستوجب ظهورها أكثر من ذلك”. لم تكن هذه الصحيفة الأمريكية الأولى تتكون من أكثر من أربع صحفات طولها لا يزيد عن 30 سم وعرضها 15 سم، ملئت ثلاث صحفات منها بالأخبار القصيرة، بينما تركت الصفحة الرابعة بيضاء لكي يستخدمها القارئ لمراسلاته الشخصية. على أي حال فإنه لم يصدر من هذه الصحيفة إلا عدد واحد فقط، إذ أصدر حاكم المنطقة أمرًا بإغلاقها بعد أربعة أيام من صدورها. أما الصحف اليومية فقد تأخرت عن ذلك ينحو قرن من الزمان. فلم تظهر أول صحيفة يومية بريطانية إلا في أوائل القرن الثامن عشر 1702، وأول صحيفة يومية أمريكية إلا بعد ثمانين عامًا 1783، ولم تكن هذه الأخيرة تتكون من أكثر من صفحتين.

ويستأنف عن الصحف الأمريكية:

بل قيل إن الصحف اليومية في أمريكا لم تظهر إلا لمنافسة المقاهي التي كانت تعلّق على جدرانها آخر الأخبار عن حركة التجارة. نعم، سرعان ما أضيفت الأخبار السياسية المهمة والتعليقات عليها، ولكن ظلت الصحف في الأساس صحف “الطبقة الوسطى”، منذ ظهورها في أوائل القرن السابع عشر وحتى أوائل القرن العشرين: تنشر ما يهم هذه الطبقة معرفته، وتستجيب لأذواق هذه الطبقة ومعاييرها الأخلاقية، وتتجنب ما يؤذيها أو يجرح حسّها الأخلاقي أو الجمالي.

أما عن موضوعات الصحف، وعلاقتها بالمثقفين والكُتّاب:

لم يكن غريبًا بالمرة إذًا، أن تجد هذه الصحف مقالات لكبار كُتّاب العصر أو قصصًا وروايات تُنشر في حلقات لبعض الروائيين العِظام. فالصحف البريطانية اليومية الأولى، التي ظهرت في النصف الأول من القرن الثامن عشر نشرت قصصًا مسلسلة لـ(دانييل ديفو)، صاحب قصة (روبينسون كروز) الشهيرة، وعُدّ أولمن اتبع هذه الطريقة في نشر قصصه، كما كان كاتب المقالة الأساسية في إحداها هو (جونثان سويفت)، صاحب كتاب (رحلات غوليفر) الشهير أيضًا. ولم تكن هذه إلا بداية لمساهمة بعض من أعظم الأدباء والكتاب السياسيين بالكتابة في الصحف، من (صامويل جونسون) و(ديكنز) و(ثاكرى) في إنجلترا، إلى (غوته) و(شيلر) في ألمانيا، إلى (مارك توين) في أمريكا.

وكان التغيير الأول في موضوع ومادة الصحف في بداية القرن العشرين:

في سنة 1900 كانت معرفة القراءة والكتابة والقدرة الشرائية قد انتشرتا إلى حد سمح لجريدة مثل (ديلي ميل) البريطانية Daily Mail أن تطبع وتوزع مليون نسخة يوميًا، الأمر الذي جعل أذهان بعض الأذكياء تتفق على الفكرة الآتية: إن القدرة على تعبئة مثل هذا الطلب الواسع على الصحف (بسبب تحقق القدرة على القراءة والقدرة على الشراء في الوقت نفسه) يمكن أن تكون مصدر ربح وفير لمن يستطيع أن يخاطب هذه الجماهير الواسعة بالطريقة التي تحب أن تخاطب بها. فما هذه الطريقة؟ إن من السهل علينا الآن ونحن ننظر إلى ما حدث بعد مرور قرن من الزمان على بدايته، أن نحدد ما الذي يعجب هذه الجماهير، ولكن لابد أن الأمر في البداية كان اكتشافًا عبقريًا من جانب مصَدّري الصحف: الجماهير تفضّل الجرائد ذات العناوين المثيرة والمكتوبة بخط كبير، والجماهير تحب أن ترى الصور أكثرر مما تحب أن تقرأ الكلام، والجماهير تحب، إذا كان المقال في موضوع علمي، أن يكون المقال مبسطًا للغاية، وإذا كان في السياسة أن يكون مثيرًا وحماسيًا. أما الأخبار، فالأفضل هو ا تعلق بالفضائح وأسرار الناس، وأما القصص فأفضلها قصص الحب والجنس.

فكان التحول كما يصفه بعد ذلك في موضع آخر:

كان من أوائل الصحف الأمريكية التي اكتشفت هذا الاكتشاف صحيفتان تصدران في نيويورك هما (الجريدة) Journal و(العالم) World، وقد دخلتا في منافسة حادة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر في جذب جماهير القراء، فنشرت إحداهما قصة مسلسلة ومصورة بعنوان (الطفل الأصفر) The Yellow Kid حققت نجاحًا جماهيريًا باهرًا، وسرعان ما قلدتها الأخرى، ثم انتشرت الموضة الجديدة إلى صحف خارج نيويورك، ثم خارج الولايات المتحدة، اعتمدت هي الأخرى على الإثارة، وعرفت منذ ذلك الحين، بسبب قصة (الطفل الأصفر) باسم (الصحافة الصفراء).

وقد دخل الطلب والعرض، فيما يتعلق بالصحافة الصفراء، كما دخلا في أمور كثيرة، في حلقة مفرغة: زيادة عدد القراء، الناجمة عن زيادة الطلب على الصحف، وزيادة حجم الطلب تؤدي إلى الاستجابة إلى القاسم المشترك الأعظم بين القراء، وهو حب كل ما هو مثير وسهل وسريع، ومن ثم يزيد المعروض من مواد الصحافة الصفراء، ولكن بزيادة المعروض من هذه المواد يضاعف من حجم الطلب، الذي يضاعم بدوره حجم العرض.. إلخ

وهكذا، ما إن بلغنا منتصف القرن العشرين، حتى وجدنا أرقام التوزيع لبعض الصحف اليومية في بريطانيا تبلغ بضعة ملايين، فبلغ توزيع ديلي ميل في سنة 1950 مليونين من النسخ يوميًا، وديلي ميرور 3.7 مليون نسخة، وديلي إكسبريس أربعة ملايين.

وأخيرًا يلخص ما حدث، وما أضحت عليه الصحف والصحافة، فيقول:

عندما بلغ عدد القراء هذا الحجم، كان من الطبيعي أن تحدث الخطوة الخطيرة التالية، وهي أنه، بدلًا من أن تقوم الصحيفة ببيع أخباراها ومقالاتها وصورها للقراء، بدأت الصحيفة في (بيع قرائها للمعلنين). قد يبدو التعبير قاسيًا ومبالغًا فيه، ولكنه لا يبعد كثيرًا عن الحقيقة. فالصحيفة عندما يبلغ مستوى انتشارها حدًا معينًا يمكنها أن تعتمد في تحقيق الربح ليس على قارئ الجريدة كقارئ، وإنما كمشرٍ لسلع أخرى كثيرة. ومن ثم فهي الآن قادرة على تقديم خدمة أعلى ثمنًا وأكثر ربحًا بكثير من الخدمة التي قامت في الأصل لتقديمها وهي الإعلام والتثقيف. هذه الخدمة الجديدة هي الإعلان، وهذا هو المقصود من قولنا إن الصحف تقوم الآن ببيع القراء بدلًا من بيع الأخبار. فالمشتري المهم الآن، في نظر الصحيفة، ليس هو قارئ الصحيفة بل هو منتج السلعة الراغب في الإعلان عنها، والشيء المباع ليس هو كمية من الأخبار أو المقالات بل القرّاء أنفسهم.

آلام الشيخوخة كما يصفها جلال أمين

Professor of economics, new cairo campus, january 2010, provost lecture speaker

الكاتب المصري جلال أمين يصف في كتابه “ماذا علّمتني الحياة“ وبقلم مؤثر أواخر أيام والده أحمد أمين، مستعرضاً من خلالها مشاهد الشيخوخة وآلامها الدفينة.

لا زلت أشعر ببعض الألم ووخز الضمير حتى الآن، كلما تذكرت منظر أبي وهو جالس في الصالة وحده ليلا، في ضوء خافت، دون أن يبدو مشغولا بشيء على الإطلاق، لا كتابة ولا قراءة، ولا الاستماع إلى راديو، وقد رجعت أنا لتوي من مشاهدة فيلم سينمائي مع بعض الأصدقاء. أحيي أبي فيرد التحية، وأنا متجه بسرعة إلى باب حجرتي وفي نيّتي أن أشرع فورًا في النوم، بينما هو يحاول استبقائي بأي عذر هروبًا من وحدتهو وشوقًا إلى الحديث في أي موضوع. يسألني أين كنت فأجيبه، وعمن كان معي فأخبره، وعن اسم الفيلم فأذكره، كل هذا بإجابات مختصرة أشد الاختصار وهو يأمل في عكس هذا بالضبط. فإذا طلب مني أن أحكي له موضوع الفيلم شعرت بضيق، وكأنه يطلب مني القيام بعمل ثقيل، أو كأن وقتي ثمين جدًا لا يسمح بأن أعطي أبي بضع دقائق.

لا أستطيع حتى الآن أن أفهم هذا التبرم الذي كثيرًا ما يشعر به شاب صغير إزاء أبيه أو أمه، مهما بلغت حاجتهما إليه، بينما يبدي منتهى التسامح وسعة الصدر مع زميل أو صديق له في مثل سنه مهما كانت سخافته وقلة شأنه. هل هو الخوف المستطير من فقدان الحرية والاستقلال، وتصور أي تعليق أو طلب يصدر من أبيه أو أمه وكأنه محاولة للتدخل في شؤونه الخاصة أو تقييد لحريته ؟ لقد لاحظت أحيانًا مثل هذا التبرم من أولادي أنا عندما أكون في موقف مثل موقف أبي الذي وصفته حالا، وإن كنت أحاول أن أتجنب هذا الموقف بقدر الإمكان لما أتذكره من شعوري بالتبرم والتأفف من مطالب أبي. ولكني كنت أقول لنفسي إذا اضطررت إلى ذلك “لا أرغب في أكثر من الاطمئنان على ابني هذا، أو في أن أعبر له عن اهتمامي بأحواله ومشاعره، فلماذا يعتبر هذا السلوك الذي لا باعث له إلا الحب، وكأنه اعتداء على حريته واستقلاله ؟”.

المصدر