أرشيف الوسم: جمانة حداد

ماذا تعني الترجمة برأي جمانة حداد؟

في كتابها (سيجيء الموت وستكون له عيناك)، ُردت (جمانة حداد) الكاتبة والمترجمة والصحافية الناشطة جزءًا من المقدمة للحديث عن الترجمة، والترجمة الشعرية على وجه التحديد. فتتساءل مبتدئة “ماذا تعني الترجمة؟”، ثم تتابع:

الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي: “أن نقول الشيء نفسه بلغة أخرى”. لكن، هل يمكن أن نحصر الترجمة، وخصوصًا الأدبية والشعرية منها، في هذا المعنى الضيّق؟ ألا توازي الترجمة على الأرجح إعادة الخلق أو الاختراع؟ أليست عملية استنباط خلاقة للغة جديدة داخل اللغة وتشييدًا للجسر رابط بين اللغات المختلفة؟ بلى. فالنص المترجم شبيه بجنين يولد مرتين، ولكل ولادة بروقها وصعقاتها. إنهما هويتان للوطن ذاته، بل أكاد أقول: شقيقان توأمان من أم واحدة، مخيلة الكاتب وتجربته وأفكاره، ولكن من رحمين – لغتين مختلفتين، وكانتا لتكونا منفصلتين تمامًا لولا حبل السرّة – نار المعنى الرابطة بينهما.

ثم تكمل بعد ذلك قائلة:

لهذه الأسباب وغيرها تشكّل الترجمة، الشعرية تحديدًا، والتي هي شغفي وميدان تخصصي الأكاديمي، رحلة استكشاف فنية. مغامرة غالبًا ما يساور الكشاف فيها شعور بعدم الرضى عند نهايتها، نظرًا إلى صعوبة القبض على جميع خفاياها.


ثم تتساءل، عن حقيقة العلاقة بين الترجمة وفعل الخيانة، وعن الترجمة الحرفية، فتقول:

لقد قيل الكثير عن العلاقة التي تربط بين الترجمة وفعل الخيانة، ولكن إلى أي مدى يشكّل عامل “الأمانة” البحتة معيارًا لتقويم عملية ترجمة الشعر؟ أليس صحيحًا أن ترجمة الشعر لا يمكن أن تحيى إذا كانت حرفية؟ طبعًا، فهي تفقد الكثير من وهجها إذا كان معيارها التبجّح بالإخلاص والموضوعية الخالصة اللذين يفرغان النص من روحه فلا يبقى منه سوى جثته، وإن لم يقترنا بالموهبة والحساسية الموضوعتين في خدمتهما. هذا لأقول إن معرفة العالم السري للنص الشعري ليس شأنًا علميًا وأكاديميًا بحتًا، بل هي خصوصًا معيارٌ حدوسي ورؤيوي نفاذ. ومثل هذه المعرفة هي الترجمة الشعرية: حيث أن الحدس يخترق أسرار القصيدة ويضع نفسه في خدمة التقنيات والمعايير الأكاديمية.


تحرير: أحمد بادغيش

أهمية الروايات والشعر عند يوسا

(ماريو باراغاس يوسا) من مواليد عام 1936، هو روائي وصحفي وسياسي بيروفي. يُعد واحدًا من أهم روائيي أمريكا اللاتينية وصحفييها، وأحد رواد كتّاب جيله، حاصل على جائزة نوبل للآداب في عام 2010، إضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية، من أشهرها حصوله على جائزة ثيرفانتس للآداب عام 1994، والتي تعد أهم جائزة في الأدب الاسباني.

في حوار صحفي أقامته معه، الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد)، نشرته في كتابها (صحبة لصوص النار) بالإضافة إلى عدد من اللقاءات المميزة مع عدد من الكتّاب والروائيين، ننشر منه هنا جزءًا تناولت فيه أهمية الروايات والشعر:

ماذا تستطيع الكتابة؟

الكتابة تغيّر الحياة، تروّس الوعي، تدفع إلى التأمل. الكتب الجيدة التي قرأتها جعلت حياتي أفضل من دون شك. ولكن رغم اللذة الهائلة التي تمنحها القراءة، هي لا تجعل الإنسان أكثر سعادة، بل ربما أكثر عرضة للحزن والهشاشة في رأيي، لأنها تحوله أكثر حساسية. إن مجتمعًا مشبعًا بالأدب هو مجتمع أكثر غنىً وإبداعًا وحياة. ومن الصعب أن تتلاعب أي سلطة بمجتمع قارئ، وأن تخدعه، إذ يصبح الفكر النقدي فيه متطورًا للغاية. الرواية وسيلة تغيير فاعلة، شرط ألا تكون أداة ترويجية أيدولوجية أو سياسية أو دينية، بل أن تستخدم بجدية ونزاهة.

أنت تقول أيضًا أنها “أسلوب رائع للهو” صحيح؟

صحيح، هي ذلك أيضًا، إذ أنها تتيح لنا اكتشاف أسرار العالم واللغة بألذ طريقة ممكنة. الرواية تمنح الحياة بُعدًا استثنائيًا. إنها إما تعبير عن حياة لا نملكها ونحلم بها، أو عن الرواية الأشد حلكة ودناءة ومأتمية من التجربة الإنسانية. الرواية لا تروي الحقيقة، وإن أوهمت بذلك، فهي مملكة الخيال والفانتازيا والكذب.

وأين ترى الشعر؟

الشعر ضمير العالم. به نسير طبقات غامضة من الحياة ليست في متناول المعرفة العقلانية والذكاء المنطقي، أي هاويات التجربة التي لا يمكن أحدًا الانحناء عليها من دون أن يعرّض نفسه لأخطار جدية. لا يمكن الوصول إلى الشعر عن طريق العقل، وإنما عن طريق الحدس والباطن.

ساراماغو، في مديح التشاؤم، ودوره في التغيير

saramago

جوزيه ساراماغو (1922 – 2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

في كتاب (صحبة لصوص النار)، قامت الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد) بحوار مع (ساراماغو)، نقتبس منه شيئًا متعلقًا بمديح التشاؤم، الذي اشتهر به الأخير. وعن دور هذا التشاؤم في إحداث التغيير الحياتي الذي نصبو إليه. ونبدأ بسؤال الصحفية:

هل تعتقد أن الحضارة الجديدة التي توشك على الظهور، والتي سوف يكون عنوانها العريض على الأرجح حضارة العولمة الاقتصادية، سوف تسدد ضربة قاضية للإنسان في إنسانيته؟

كيف لا والعولمة الاقتصادية وحقوق الإنسان عنصران غير منسجمين، بل متنافران إلى أقصى الحدود. هرّ العولمة سوف يلتهم فأر حقوق الإنسان، نقطة على السطر. نحن نعيش في عصر تبدو فيه حقوق الإنسان، من وجهة النظر الرسمية، راسخة ومحترمة ومطالبًا بها ومدافعًا عنها، لكن الواقع غير ذلك؛ وهذا قد يحملنا إلى ديكتاتورية من نوع جديد، مختلفة عن سابقتها في أنها ليست مثلها بيّنة وواضحة، سهلة الرصد مما يتيح لنا الكفاح ضدها، بل هي مستترة كسرطان خبيث لن نستطيع أن نرصد هول خرابه إلا بعد فوات الأوان.

تبدو رؤيتك متشائمة للغاية…

تعرفين، يقولون لي دائمًا: “يا لك إنسانًا متشائمًا يا (جوزيه ساراماغو)”، فأجيبهم: “لا، بل هو عالمنا المشؤوم“. في أي حال أرى التشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة، وأن التفاؤل شكل من أشكال الغباء. أن يتفاءل المرء في أوقات كهذه ينمّ إما عن انعدام أي إحساس أو عن بلاهة فظيعة.

ولكن ألا تعتقد أن هذه السلبية تحرض على مزيد من السلبية؟

لست أقول إن كل شيء سلبي وقاتم، لكني أعني أن الأمور السلبية في العالم هي أكثر من أن نتجاهلها أو أن نغض الطرف عنها. يبدو لي خطأً جسيمًا أن نحتمل وجود الأمور السلبية بسبب بعض الإيجابيات المقابلة لها. هذه لا تشفع بتلك.

إلا أن بعض التفاؤل نابع من الشجاعة. ألا يعني التشاؤم نوعًا من الخضوع والاستسلام وعدم الرغبة في الكفاح؟

بلى، أحيانًا، ولكن لنكن منطقيين بعض الشيء؛ المتفائل يظن أن العالم في حال جيدة، أو أنه في حال سيئة لكنه سوف يتحسن لا محالة. أما المتشائم، فيرى من جهته أن العالم في حال يرثى لها، لكن ذلك لا يعني إنكاره الإيجابيات الموجودة في هذا العالم. ربما ثمة كما تقولين نوع من التشاؤم يحث على اليأس وعلى الجمود، ولكن ليس كل متشائم مرشحًا لكي يطلق النار على نفسه. ثمة تشاؤم من نوع آخر، وهو تشاؤمي أنا. تشاؤم قائم على هذه الفكرة؛ “لأن الواقع بهذا السوء، سأحاول ضمن قدراتيو تغييره”. وإذا لم أكن قادرًا على تغييره، أقله أشير بإصبعي وأقول: “انظروا، هذا سيء”، مثلما أفعل الآن مع الديموقراطية مثلًا. إنه لتعميم أن نقول إن كل متشائم شخص يائس.

إنه لتعميم آخر أن نقول إن كل متفائل شخص غبي. فمثلما هناك المتشائمون الجيدون والمتشائمون السيئون، يصح تطبيق التمييز نفسه على جماعة المتفائلين، أليس كذلك؟

(يبتسم) حسنًا، سوف أرضح لعنادك وأسلّم بأن المتفائلين غير الأغبياء جيدون بقدر المتشائمين غير اليائسين، وبأن هاتين الفئتين يجب أن تتكاثفا وتعملا معًا لكي تحاولا الذهاب بواقعنا إلى مكان أرقى وأفضل. وذلك ما أسعى إليه في كتاباتي.

أن تكون متشائمًا لا يعني أن رواياتك يجب أن تكون بالضرورة متشائمة.

طبعًا لا. لقد حكى الكثير عن أعمالي بأنها مفرطة التشاؤم، وأنا لا أوافق على هذا التصنيف، صحيح بأنها أعمال تواجه قسوة الواقع بقسوة تعادلها، لكنها تهدف إلى تحسين العلاقة التي نقيمها مع الحياة المعاصرة، وإلى تغييرها.

وهل تعتبر أن المفكرين يملكون الدور الأكبر في عملية التغيير هذه؟

سوف أسرّ لك بشيء؛ أنا ضد التمييز بين المفكّر وغير المفكّر؛ كلنا مفكرون، كلنا نتصرف بناءً على ما يمليه علينا فكرنا، ولا يمكننا أن نزيح شعرة واحدة من مكانها من دون استخدام عقلنا، ولذلك يبدو لي هذا التصنيف نوعًا من التمييز المهين.

ولكن أليس ثمة ضرورة أن تؤدي فئة معينة من الناس تحديدًا دور المحرّك والمحفز في مجتمع يزداد جمودًا يومًا بعد يوم؟

بلى، ولكن لا أحد يفعل شيئًا، لا أحد يحتج أو يثور، أو يتدخل أو يناقش. لقد أدركنا درجة استيعاب مرعبة للفظاعات التي تدور حولنا. ثمة خمول وبلادة خطيران، لا بل ثمة خدر شامل. الناس تتململ أحينًا إثر بعض الصدمات العنيفة، لكنها تعبّر عن ردود فعلها في شكل مؤقت، وبعد يوم أو أسبوع على الأكثر تعود إلى روتينها الأعمى واالأصم والأبكم.

كما لو أننا فقدنا القدرة على أن يثور سخطنا…

صحيح، في حين أن مبررات السخطلا تنقص من حولنا. في زمن الفاشية، عانى الناس من الاضطهاد والتعذيب والسجن بغية الكفاح من أجل ولادة زمن جديد؛ زمن الحرية والديموقراطية. والمذهل في الأمر أنه زمن هاتين الحرية والديموقراطية بالذات، بات الناس أقل ميلًا إلى الاعتراض والتظاهر والاستنكار من ذي قبل. عندما أصبح في وسعنا أن ننتقد ونجادل، أدرنا ظهورنا وانحنينا على أنانيتنا المفترسة.