أرشيف الوسم: جمانة حداد

ماذا تعني الترجمة برأي جمانة حداد؟


جمانة حداد

 

جمانة حداد (مواليد 6 ديسمبر 1970) كاتبة ومترجمة وصحافية لبنانية.

في كتابها (سيجيء الموت وستكون له عيناك)، ُردت جزءًا من المقدمة للحديث عن الترجمة، والترجمة الشعرية على وجه التحديد. فتتساءل مبتدئة “ماذا تعني الترجمة؟”، ثم تتابع:

الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي: “أن نقول الشيء نفسه بلغة أخرى”. لكن، هل يمكن أن نحصر الترجمة، وخصوصًا الأدبية والشعرية منها، في هذا المعنى الضيّق؟ ألا توازي الترجمة على الأرجح إعادة الخلق أو الاختراع؟ أليست عملية استنباط خلاقة للغة جديدة داخل اللغة وتشييدًا للجسر رابط بين اللغات المختلفة؟ بلى. فالنص المترجم شبيه بجنين يولد مرتين، ولكل ولادة بروقها وصعقاتها. إنهما هويتان للوطن ذاته، بل أكاد أقول: شقيقان توأمان من أم واحدة، مخيلة الكاتب وتجربته وأفكاره، ولكن من رحمين – لغتين مختلفتين، وكانتا لتكونا منفصلتين تمامًا لولا حبل السرّة – نار المعنى الرابطة بينهما.

ثم تكمل بعد ذلك قائلة:

لهذه الأسباب وغيرها تشكّل الترجمة، الشعرية تحديدًا، والتي هي شغفي وميدان تخصصي الأكاديمي، رحلة استكشاف فنية. مغامرة غالبًا ما يساور الكشاف فيها شعور بعدم الرضى عند نهايتها، نظرًا إلى صعوبة القبض على جميع خفاياها.

ثم تتساءل، عن حقيقة العلاقة بين الترجمة وفعل الخيانة، وعن الترجمة الحرفية، فتقول:

لقد قيل الكثير عن العلاقة التي تربط بين الترجمة وفعل الخيانة، ولكن إلى أي مدى يشكّل عامل “الأمانة” البحتة معيارًا لتقويم عملية ترجمة الشعر؟ أليس صحيحًا أن ترجمة الشعر لا يمكن أن تحيى إذا كانت حرفية؟ طبعًا، فهي تفقد الكثير من وهجها إذا كان معيارها التبجّح بالإخلاص والموضوعية الخالصة اللذين يفرغان النص من روحه فلا يبقى منه سوى جثته، وإن لم يقترنا بالموهبة والحساسية الموضوعتين في خدمتهما. هذا لأقول إن معرفة العالم السري للنص الشعري ليس شأنًا علميًا وأكاديميًا بحتًا، بل هي خصوصًا معيارٌ حدوسي ورؤيوي نفاذ. ومثل هذه المعرفة هي الترجمة الشعرية: حيث أن الحدس يخترق أسرار القصيدة ويضع نفسه في خدمة التقنيات والمعايير الأكاديمية.

أهمية الروايات والشعر عند يوسا

يوسا

ماريو باراغاس يوسا، هو روائي وصحفي وسياسي بيروفي، من مواليد عام 1936، حاصل على جائزة نوبل للآداب في عام 2010، إضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية، من أشهرها حصوله على جائزة ثيرفانتس للآداب عام 1994، والتي تعد أهم جائزة للآداب الاسبانية.

في حوار صحفي أقامته معه، الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد)، نشرته في كتابها (صحبة لصوص النار) بالإضافة إلى عدد من اللقاءات المميزة مع عدد من الكتّاب والروائيين، ننشر منه هنا جزءًا تناولت فيه أهمية الروايات والشعر:

ماذا تستطيع الكتابة؟

الكتابة تغيّر الحياة، تروّس الوعي، تدفع إلى التأمل. الكتب الجيدة التي قرأتها جعلت حياتي أفضل من دون شك. ولكن رغم اللذة الهائلة التي تمنحها القراءة، هي لا تجعل الإنسان أكثر سعادة، بل ربما أكثر عرضة للحزن والهشاشة في رأيي، لأنها تحوله أكثر حساسية. إن مجتمعًا مشبعًا بالأدب هو مجتمع أكثر غنىً وإبداعًا وحياة. ومن الصعب أن تتلاعب أي سلطة بمجتمع قارئ، وأن تخدعه، إذ يصبح الفكر النقدي فيه متطورًا للغاية. الرواية وسيلة تغيير فاعلة، شرط ألا تكون أداة ترويجية أيدولوجية أو سياسية أو دينية، بل أن تستخدم بجدية ونزاهة.

أنت تقول أيضًا أنها “أسلوب رائع للهو”.

صحيح، هي ذلك أيضًا، إذ أنها تتيح لنا اكتشاف أسرار العالم واللغة بألذ طريقة ممكنة. الرواية تمنح الحياة بُعدًا استثنائيًا. إنها إما تعبير عن حياة لا نملكها ونحلم بها، أو عن الرواية الأشد حلكة ودناءة ومأتمية من التجربة الإنسانية. الرواية لا تروي الحقيقة، وإن أوهمت بذلك، فهي مملكة الخيال والفانتازيا والكذب.

وأين ترى الشعر؟

الشعر ضمير العالم. به نسير طبقات غامضة من الحياة ليست في متناول المعرفة العقلانية والذكاء المنطقي، أي هاويات التجربة التي لا يمكن أحدًا الانحناء عليها من دون أن يعرّض نفسه لأخطار جدية. لا يمكن الوصول إلى الشعر عن طريق العقل، وإنما عن طريق الحدس والباطن.

 

ساراماغو، في مديح التشاؤم، ودوره في التغيير

saramago

جوزيه ساراماغو (1922 – 2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

في كتاب (صحبة لصوص النار)، قامت الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد) بحوار مع (ساراماغو)، نقتبس منه شيئًا متعلقًا بمديح التشاؤم، الذي اشتهر به الأخير. وعن دور هذا التشاؤم في إحداث التغيير الحياتي الذي نصبو إليه. ونبدأ بسؤال الصحفية:

هل تعتقد أن الحضارة الجديدة التي توشك على الظهور، والتي سوف يكون عنوانها العريض على الأرجح حضارة العولمة الاقتصادية، سوف تسدد ضربة قاضية للإنسان في إنسانيته؟

كيف لا والعولمة الاقتصادية وحقوق الإنسان عنصران غير منسجمين، بل متنافران إلى أقصى الحدود. هرّ العولمة سوف يلتهم فأر حقوق الإنسان، نقطة على السطر. نحن نعيش في عصر تبدو فيه حقوق الإنسان، من وجهة النظر الرسمية، راسخة ومحترمة ومطالبًا بها ومدافعًا عنها، لكن الواقع غير ذلك؛ وهذا قد يحملنا إلى ديكتاتورية من نوع جديد، مختلفة عن سابقتها في أنها ليست مثلها بيّنة وواضحة، سهلة الرصد مما يتيح لنا الكفاح ضدها، بل هي مستترة كسرطان خبيث لن نستطيع أن نرصد هول خرابه إلا بعد فوات الأوان.

تبدو رؤيتك متشائمة للغاية…

تعرفين، يقولون لي دائمًا: “يا لك إنسانًا متشائمًا يا (جوزيه ساراماغو)”، فأجيبهم: “لا، بل هو عالمنا المشؤوم“. في أي حال أرى التشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة، وأن التفاؤل شكل من أشكال الغباء. أن يتفاءل المرء في أوقات كهذه ينمّ إما عن انعدام أي إحساس أو عن بلاهة فظيعة.

ولكن ألا تعتقد أن هذه السلبية تحرض على مزيد من السلبية؟

لست أقول إن كل شيء سلبي وقاتم، لكني أعني أن الأمور السلبية في العالم هي أكثر من أن نتجاهلها أو أن نغض الطرف عنها. يبدو لي خطأً جسيمًا أن نحتمل وجود الأمور السلبية بسبب بعض الإيجابيات المقابلة لها. هذه لا تشفع بتلك.

إلا أن بعض التفاؤل نابع من الشجاعة. ألا يعني التشاؤم نوعًا من الخضوع والاستسلام وعدم الرغبة في الكفاح؟

بلى، أحيانًا، ولكن لنكن منطقيين بعض الشيء؛ المتفائل يظن أن العالم في حال جيدة، أو أنه في حال سيئة لكنه سوف يتحسن لا محالة. أما المتشائم، فيرى من جهته أن العالم في حال يرثى لها، لكن ذلك لا يعني إنكاره الإيجابيات الموجودة في هذا العالم. ربما ثمة كما تقولين نوع من التشاؤم يحث على اليأس وعلى الجمود، ولكن ليس كل متشائم مرشحًا لكي يطلق النار على نفسه. ثمة تشاؤم من نوع آخر، وهو تشاؤمي أنا. تشاؤم قائم على هذه الفكرة؛ “لأن الواقع بهذا السوء، سأحاول ضمن قدراتيو تغييره”. وإذا لم أكن قادرًا على تغييره، أقله أشير بإصبعي وأقول: “انظروا، هذا سيء”، مثلما أفعل الآن مع الديموقراطية مثلًا. إنه لتعميم أن نقول إن كل متشائم شخص يائس.

إنه لتعميم آخر أن نقول إن كل متفائل شخص غبي. فمثلما هناك المتشائمون الجيدون والمتشائمون السيئون، يصح تطبيق التمييز نفسه على جماعة المتفائلين، أليس كذلك؟

(يبتسم) حسنًا، سوف أرضح لعنادك وأسلّم بأن المتفائلين غير الأغبياء جيدون بقدر المتشائمين غير اليائسين، وبأن هاتين الفئتين يجب أن تتكاثفا وتعملا معًا لكي تحاولا الذهاب بواقعنا إلى مكان أرقى وأفضل. وذلك ما أسعى إليه في كتاباتي.

أن تكون متشائمًا لا يعني أن رواياتك يجب أن تكون بالضرورة متشائمة.

طبعًا لا. لقد حكى الكثير عن أعمالي بأنها مفرطة التشاؤم، وأنا لا أوافق على هذا التصنيف، صحيح بأنها أعمال تواجه قسوة الواقع بقسوة تعادلها، لكنها تهدف إلى تحسين العلاقة التي نقيمها مع الحياة المعاصرة، وإلى تغييرها.

وهل تعتبر أن المفكرين يملكون الدور الأكبر في عملية التغيير هذه؟

سوف أسرّ لك بشيء؛ أنا ضد التمييز بين المفكّر وغير المفكّر؛ كلنا مفكرون، كلنا نتصرف بناءً على ما يمليه علينا فكرنا، ولا يمكننا أن نزيح شعرة واحدة من مكانها من دون استخدام عقلنا، ولذلك يبدو لي هذا التصنيف نوعًا من التمييز المهين.

ولكن أليس ثمة ضرورة أن تؤدي فئة معينة من الناس تحديدًا دور المحرّك والمحفز في مجتمع يزداد جمودًا يومًا بعد يوم؟

بلى، ولكن لا أحد يفعل شيئًا، لا أحد يحتج أو يثور، أو يتدخل أو يناقش. لقد أدركنا درجة استيعاب مرعبة للفظاعات التي تدور حولنا. ثمة خمول وبلادة خطيران، لا بل ثمة خدر شامل. الناس تتململ أحينًا إثر بعض الصدمات العنيفة، لكنها تعبّر عن ردود فعلها في شكل مؤقت، وبعد يوم أو أسبوع على الأكثر تعود إلى روتينها الأعمى واالأصم والأبكم.

كما لو أننا فقدنا القدرة على أن يثور سخطنا…

صحيح، في حين أن مبررات السخطلا تنقص من حولنا. في زمن الفاشية، عانى الناس من الاضطهاد والتعذيب والسجن بغية الكفاح من أجل ولادة زمن جديد؛ زمن الحرية والديموقراطية. والمذهل في الأمر أنه زمن هاتين الحرية والديموقراطية بالذات، بات الناس أقل ميلًا إلى الاعتراض والتظاهر والاستنكار من ذي قبل. عندما أصبح في وسعنا أن ننتقد ونجادل، أدرنا ظهورنا وانحنينا على أنانيتنا المفترسة.

هل تموت الكتب الورقية؟ أمبيرتو إيكو في حديثه عن الإنترنت والكتب الإلكترونية

أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، وُلد في 1932، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم. في كتاب (صحبة لصوص النار)، قامت الكاتبة الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد) بمحاوراته، ونقاشه في عدد من المواضيع المهمة، اجتزأنا لكم منه بعض أسئلتها عن الكتب الإلكترونية والكتب الورقية، وعن الإنترنت وعن كم المعلومات الهائل الذي نجده.

ماذا عمّا يحكى من التهديد الذي تطرحه الكتب الإلكترونية، التي تشرّع، رغم عدم نجاحها الكبير تجاريًا إلى الآن، آفاقًا جديدة للنصوص بعيدًا عن الطباعة على الورق؟
طبعًا يجب ألا نتجاهل أهمية بعض العناصر الإيجابية التي ستتجسد قريبًا في مجال النشر الإلكتروني، على غرار إمكان مراجعة كاتالوج دار النشر على الإنترنت ومن ثم طباعة الكتاب المختار “على الطلب”، وبالمواصفات والخط والتصاميم المرغوبة. ذلك أمر سوف يغيّر من دون شك معالم قطاع نشر الكتب، كما أنه سيهدد وجود المكتبات إذ سيصبح العرض والتخزين إلكترونيين، أي أقل مساحة وأكثر فعالية وسرعة. أما الكتاب الإلكتروني في ذاته، أي ذاك الذي يتوجّب الاطلاع عليه من خلال شاشة الكمبيوتر، فلا حظوظ كبيرة لنجاحه في رأيي ؛ هل تتخيلين شخصًا يقرأ (الكوميديا الإلهية) على شاشة كمبيوتر؟ يا للهول! الأوراق ضرورية للتأمل في النص. وماذا عن الكتب التي نحب قراءتها في السرير قبل النوم؟ أو تلك التي يحلو لنا تصفحها في حضن كرسينا الهزاز الأثير؟ لا، إنها في رأيي مخاوف غير مبررة، علمًا أنه كثيرًا ما يُطرح عليّ هذا السؤال، وتفاجئني النظرة الخائبة واليابسة في عيني الصحافي السائل إذ أجيبه: “لا، الكتب لن تختفي”. سبب الخيبة طبعًا هو أنني أحرمه بجوابي “الخبطة”، أو السبق. فالموت دائمًا أكثر إثارة للاهتمام من البقاء على قيد الحياة. مثلًا، إذا نشرت خبر وفاة أحد حائزي جائزة نوبل، سيكون ذلك خبرًا مثيرًا وجاذبًا بالتأكيد. أما إذا كتبت مقالًا مفاده أن ذاك الرجل بصحة جيدة ولم يزل حيًا يرزق، لن تلفتي الكثير من الأنظار، باستثناء أنظاره هو، على ما أفترض!
لكنك أنت من يتحدث باستمرار، ومنذ وقت ليس بقصير، عن انعكاسات التكنولوجيا المعلوماتية على ثقافتنا، وتحديدًا عن مزايا “الهايبرتكست” (النص الإلكتروني المتفاعل) الكثيرة.
أجل صحيح، فالهايبرتكست يهمني في صفته شبكة كلمات متعددة البعد والطبقة، أو متاهة يمكن فيها ربط كل نقطة بأي نقطة أخرى. الهايبرتكست يجسّد بامتياز نظرة حرية تفسير النص، فهو قادر حتى على فتح أكثر النصوص انغلاقًا وتقيّدًا؛ إذا أخذنا في الاعتبار مثلًا قصة بوليسية مكتوبة بطريقة الهايبرتكست، سوف تكون مبنية على نحو يسمح للقارئ بأن يختار الحل الذي يريد، وأن يقرر في النهاية ما إذا كان المذنب هو اللحام أو الأسقف أو التحري أو الكاتب أو القارئ نفسه! ولكن إذا أمعنا التفكير ستكتشف أن اختراع الهايبرتكست ليس بالجديد حقًا. إنه حلم قديم جدًا في الواقع nihil sub sole novi (لا جديد تحت الشمس). فأول أداة سمحت لنا باختراع عدد لا متناه من النصوص عبر استخدام عدد محدود من العناصر موجودة منذ آلاف السنين، ألا وهي الأبجدية. وحتى قبل اختراع الكمبيوتر، سعى الكتّاب والشعراء إلى اختراع نص مفتوح يمكن تفسيره وإعادة تركيبه إلى ما لا نهاية. تلك كانت فكرة “الكتاب” كما مجدها (مالارميه) مثلًا. (ريمون كونو) اخترع بدوره نظامًا حسابيًا تركيبيًا يمكن بناء عليه تأليف ملايين القصائد انطلاقًا من عدد محدود من الأسطر. وفي أوائل الستينات، كتب (ماكس سابورتا) ونشر رواية يمكن تغيير تسلسل صفحاتها على نحو ينتج قصصًا مختلفة. ولكن طبعًا شكل الكمبيوتر حليفًا قويًا للهايبرتكست منذ ظهوره، وأذكر في هذا الإطار تجارب الشاعر (ناني بالستريني) الرائدة على هذا المستوى. إن بنية الهايبرتكست لا تملك نقطة مركزية ولا أطرافًا، بل هي متناهية بامتياز؛ وفي رأيي أن مفتاح اكتشاف العالم لا يكمن في الخطوط المستقيمة، بل في المتاهات تحديدًا.
إلا أن هذه البنية المتاهية التفاعلية التي تتكلم عليها قد تشكل عائقًا أيضًا رغم غناها. خصوصًا أمام القارئ غير المستعد لاستيعابها واستثمارها. فأنت تعلم طبعًا أن ليس لدى كل قارئ الرغبة في المشاركة في عملية الكتابة، وثمة كثير يفضلون تلقي ما يٌعطى لهم، بدلًا من استغلال “حرية تفسير النص” المتاحة. ألا يمثل الهايبرتكست، ومثله الرنترنت، من هذا المنظار، نوعًا من الحرية السلبية؟
ربما، وهذا طبيعي، ومنتظر، فالكمبيوتر، على غرار كل الأدوات الأخري، يولّد عصابه النفسي الخاص؛ ثمة مثلًا فيما يتعلق بالإنترنت ظاهرة “الإبحار القهري” التي يعدو معها الإنسان غير مهتم بما يراه بقدر ما هو مهتم بالقفز من مكان إلى مكان آخر إلى حد يفقد معه السيطرة على نفسه. يذكّرني ذلك بظاهرة الـzipping المرضية التي برزت مع اختراع الريموت كنترول. أولَم يوجد اختراع السيارة كذلك أشخاصًا استخدموها للسباق الجنوني على طريقة (جيمس دين) ولقتل أنفسهم والآخرين؟ من شأن كل أداة إذا أن تولّد نوعًا من الهستيريا. أما في ما يتعلق بالهايبرتكست، فأهم ما يفعله أنه يجعل عملية التصفح والمراجعة أسرع وأفعل. كنّا في ما مضى نلحس إصبعنا لكي نجول في الصفحات فنعود تارة إلى الوراء وطورًا نقفز إلى القسم الأخير من كتاب ما؛ وتلك الإصبع هي أيضًا أداة من أدوات الهايبرتكست. أما اليوم فيكفي أن نضغط على زر أو اثنين ويتم الأمر. تمامًا مثلما أتاح اختراع العجلة أداء وظيفة القدمين ولكن بسرعة وفاعلية أكبر. المشكلة الأخطر التي أرصدها شخصيًا في هذا التفاعلية هي إفساح مجال التعبير الشاسع حتى أمام الأشخاص الذين ليس لديهم ما يقولونه على الإطلاق، وذلك أمر ينضوي تحت لواء الحرية السلبية التي ذكرتها للتو. ففي المجتمع التقليدي، ثمة فصل واضح بين من ينتج الثقافة من جهة، ومن يستهلكها من ثانية، بين من يكتب الكتب، ومن يقرأها. أما مع الإنترنت فقد تغيرت المعادلة؛ يمكن أيًا كان أن يكتب أي شيء، وأن يوصله إلى شريحة كبيرة من الناس. ولا بأس في ذلك، إن لم يكن يؤدي في الوقت نفسه إلى الغوص في كمّ مرعب من المعلومات المتراكمة التي تتضمن خطر أن يلغي بعضها بعضًا. المشكلة تكمن تاليًا في كيفية اختيار المعلومات.
الأولوية إذًا، للتثقيف الإلكتروني، أو لنوع من حملة “محو الأمية” الإلكترونية.
بالضبط، فقدنا مع الإنترنت مفهوم “الأستاذ”، أي الموجّه أو المربّي. وإذا لم نعن بالتثقيف سوف نصل قريبًا إلى عالم يشبه عالم (1984) لـ(أورويل)، قائم على مجتمع منقسم ثلاث فئات؛ في الطبقة السفلى “البروليتاريا” الجديدة المؤلفة من أشخاص لا يعرفون استخدام الكمبيوتر ويستقون كل معلوماتهم من التلفزيونات. ثم في الوسط “البرجوازية” الجديدة التي تعرف استخدام الكمبيوتر لكنها عاجزة عن برمجته. وأخيرًا في القمة ثمة “النومنكلاتورا”، بالمعنى السوفياتي للكلمة، التي تضم مجموع الأشخاص الذين يجيدون التفاعل مع الكمبيوتر. إن هذا العالم يجب اجتنابه بأي ثمن.
إذًا أنت مؤمن بالديموقراطية الإلكترونية لدرء خطر التمييز ومساوئ النخبة؟
أجل، لنقل، أقله، بقدر إيماني بالديموقراطية نفسها. فنحن نعلم جميعًا أنه نظام غير كامل، لا بل مثلما قال (تشرشل)، هو نظام سيء لكن جميع الأنظمة الأخرى تبزّه سوءًا. يجب أن نعرف أن التمييز لطالما كان موجودًا، لا بل كان أكثر تفشيًا من الآن عند ولادة الكتاب المطبوع، لأن الإنترنت ينتشر بسرعة أكبر بكثير من انتشار الكتاب في الماضي. ينبغي أن نعي كذلك أن الديموقراطية لا تعني فقط الفرص المتساوية، بل هي أيضًا (هايد بارك)؛ أي إتاحة الفرص أمام أي كان ليقول ما يريد قوله، وسيكون ثمة من يقول أشياء مثيرة للاهتمام، وآخر يقول تفاهات لا قيمة لها. لذلك يجب أن يكون اهتمامنا منصبًا في الأعوام القليلة المقبلة على تلقين الناس مبادئ الفلترة والاختيار، وإلا سيكون توافر كل هذه المعلومات عديم الفائدة. تلك هي المشكلة الحقيقية.
وما السبيل إلى حل هذه المشكلة؟ كيف يمكن تلقين الناس، كما تقول، تقنيات الفلترة من دون تعزيز نوع من ثقافة الرقابة؟
أجهل حقًا سبل الحل، ولو أعرفها لكتبتُ بست سيللر ولكان اعتمد في كل مدارس العالم. ولكن بالحديث عن الرقابة، وهي وجهة نظر مثيرة للاهتمام، أميل إلى القول إن مفهوم “الأستاذ” أو المربّي بصيغته القديمة كان بدوره شكلًا من أشكال الرقابة. الأب أو الأم هما أيضًا رقباء. فالرقابة هي مزيج من إخفاء المعلومات وتسيير الأذهان لتحقيق غايات مختلفة؛ طبعًا غاية الأب، ألا وهي الحماية، مناقضة تمامًا لغاية الرقيب السياسي، التي غالبًا ما تكون التلاعب بفكر الناس ووعيهم. لذلك ينبغي ألا تؤخذ الفلترة بمعنى المأسسة والتنظيم والقوننة. إن أحد أجمل كنوز الإنترنت هي فوضاها بالذات. فإذا افترضنا أن استخدام الإنترنت يجب أن يكون متاحًا حصرًا لأعضاء الجهاز الأكاديمي مثلًا، دون سواهم من الناس، ثمة فرصة كبيرة في أن نحرم عبقريًا حقيقيًا من خارج هذا الجهاز إيصال رسالته، ناهية بواقع أن الجامعة تضم عددًا غير قليل من المغفلين، وهو نموذج غير نادر الوجود فيها. ما هو الخيار الأفضل إذًا؟ أن نحصر استخدام الإنترنت بالأحزاب السياسية؟ أو ربما بالكنيسة؟ أو بكبار الناشرين؟ لا، قطعًا لا. إذا كنا لنحمي فوضى الإنترنت البهية من التدهور، يجب علينا أن نكون مستعدين لمواجهة انعكاساتها السلبية بالاستعداد الملائم. تلك هي الفلترة التي كنتُ أعنيها؛ أي تعزيز ذكاء المبحرين.