أرشيف الوسم: جورج أورويل

جورج أورويل في قراءات جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين (1935-2018) عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل.

يُعد كتاب (تجديد جورج أورويل) من أواخر كتب المفكر العربي (جلال أمين)، وفيه تحدث بإعجاب شديد عن الكاتب البريطاني. فيبتدئ المقالة بقوله:

معظم الكتب يطويها النسيان بعد فترة طويلة أو قصيرة، وقليل جدًا من الكتب ما يظل عالقًا بالأذهان، رغم مرور الزمن، تُطبع ثم يُعاد طبعها، وتظل نسخ منها على رفوف المكتبات لأن أصحاب المكتبات واثقون من أن هناك من سيأتي لطلبها، ولا تتوقف الإشارة إليها في الكتب والمجلات والصحف، دون الحاجة إلى التعريف بها، إذ يفترض أن القراء يعرفونها ولديهم فكرة ما عن مضمونها.

من هذا النوع الأخير من الكتب، بلا شك، رواية (١٩٨٤) للكاتب الإنجليزي (جورج أورويل)، التي مر على صدور أول طبعة منها ثلثا قرن، ولا تزال تُعاد طباعتها المرة بعد المرة، وبمختلف لغات العالم.

ثم يذكر (جلال أمين) بأن (أورويل) قد كتب روايته المذكورة مسبقًا، في وقت قصير، نتيجة لإصابة الأخير بمرض السل حينها، في حين كان يعتبر الانتهاء من الرواية أمرًا بالغ الأهمية. ولهذا يقول (أورويل) عن روايته بأنها “فكرة جيدة ولكنني أفسدتها”. يعلّق (جلال أمين) قائلًا:

وأنا أعتقد أن (أورويل) في هذا الوصف كان يقسو على نفسه في الناحيتين، في زعمه بأنه “أفسدها”، وفي أنه لم يستخدم وصفًا أقوى من “جيدة”.

أما أنه “أفسدها” فأظن أن (أورويل) كان يقصد أنه، في مواضع كثيرة من الرواية، كان “مباشرًا” أكثر من اللازم. ففي تعبيره عن ديكتاتورية النظام، وما يمارسه من قهر كان الوصف، أحيانًا، صريحًا أكثر من اللازم، فيما يبدو لي. وفي وصفه للتعذيب في الفصول الأخيرة كان أيضًا قاسيًا على القارئ أكثر مما ينبغي. كان من الممكن، فيما أظن، أن يحقق غرضه من إثارة اشمئزاز القارئ وسخطه لى النظام الشمولي، دون أن يذهب إلى هذا الحد من الوضوح، إذ كثيرًا ما يكون التلميح في هذه الأمور أقوى أثرًا من التصريح. من الممكن أيضًا أن تُنتقد الرواية لتضمنها فصلين، فصلًا في منتصفها، وملحقًا في نهايتها، هما أقرب إلى التحليل العلمي أو النقد الاجتماعي منهما إلى الرواية.

يصف (جلال أمين) في موضع آخر، هدف (أورويل) من الكتابة، فيقول:

إن (أورويل) شخص ملتزم، وصاحب رسالة منذ كتاباته الأولى. إنه لا يكتب لتسلية القارئ أو لتسلية نفسه. بل ولا يكتب لمجرد الوصول إلى فهم أعمق للحياة أو الطبيعة الإنسانية. إنه يكتب بهدف “الإصلاح” دائمًا.

ويعزو (جلال) هذا السبب وراء تساهل (أورويل) أحيانًا “فيما يتعلق بالشروط المألوفة للرواية الجيدة، ويعطي أولوية لتوصيل رسالته إلى القارئ”. ولهذا السبب، نجد بأن (أورويل) هو كاتب كاره للكذب، كما يصفه (جلال):

ذلك أن للكذب أشكالًا وألوانًا. هناك طبعًا قول عكس الحقيقة، ولكن هناك أيضًا قول الحقيقة ناقصة نقصًا مهمًا، مما يوحي بعكس الحقيقة. وهناك الكلام الغامض أو الأسلوب المعقد في الكلام بغرض إخفاء الحقيقة. وهناك الكلام، ليس هو الموضوع الأجدر بالكلام فيه، لصرف النظر عن الحقيقة. والكذب ليس فقط في الكلام أو الكتابة، بل أيضًا في السلوك، فما أكثر التظاهر بعكس الحقيقة، أو بغرض إخفاء الحقيقة.

ولهذا السبب، برأي (جلال أمين)، نجد أن (أورويل) يفضل حياة الفقر على الترف، إذ أن الفقر أكثر صدقًا، وأضعف رغبة في التظاهر بغير الحقيقة. ومن هذا الدافع، انضم (أورويل) إلى طبقة الفقراء، “عاش عيشتهم، وجاع جوعهم، ودخل معهم السجن”. وكتب عنهم كتابًا شهيرًا بعنوان (حياة التشرد في باريس ولندن).

إن رجلًا لديه هذه الدرجة من كراهية الكذب، لا بد أن يكون لديه أيضًا ميل قوي للنفاذ إلى أعماق الأمور، ولا يكتفي بملاحظة ما يجري على السطح. فما يظهر على السطح قد يكون خادعًا، ولا بد من معرفة ما يجري وراءه. وأظن أن شيئًا كهذا، هو السبب في كراهية (أورويل) للقهر كانت تتجاوز القهر المادي، وترتكز أساسًا في القهر المعنوي أو الروحي. نعم، السجن فظيع إذا كان بغير حق، والتعذيب أفظع، ولكن الأفظع من هذا وذاك القهر الروحي، والإذلال.

وهذا ما نشهده في تفاصيل روايته (١٩٨٤).

جورج أوريل يشرح معنى الفاشية

 

جورج أورويل

ريك آرثر بلير (1903-1950)، الاسم الحقيقي لـ(جورج أورويل) ، وهو الاسم المستعار له والذي اشتهر به. هو صحافي وروائي بريطاني. عمله كان يشتهر بالوضوح والذكاء وخفة الدم والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الشمولي وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية. يعتبر القرن العشرين أفضل القرون التي أرّخت الثقافة الإنجليزية، كتب (أورويل) في النقد الأدبي والشعر الخيالي والصحافة الجدلية.

في مقالة له نشرتها (مجلة تريبيون) في عام 1944، حملت عنوان “ما هي الفاشية؟” يحاول (أورويل) أن يقوم بتبيين معالم هذا المفهوم، وشرح مدلولاته. وقد قام الأستاذ (أمير زكي) بترجمتها على مدونته الشخصية، ننقلها لكم هنا. يقول (أورويل) في مقالته:

من ضمن جملة الأسئلة غير المجاب عليها في زمننا، وربما يكون السؤال الأهم هو سؤال: “ما هي الفاشية؟

واحدة من منظمات الإستطلاع الإجتماعي في أمريكا سألت هذا السؤال مؤخرا لمائة شخص مختلف، وحصلوا على إجابات تنوعت ما بين “الديمقراطية البحتة” و”الشيطانية” البحتة. إن سألت شخص ذو تفكير عادي في بلدنا بأن يعرف الفاشية، سيجيب عادة بالإشارة إلى النظامين الألماني والإيطالي. ولكن هذا غير مرض على الإطلاق، لأنه حتى البلاد الفاشية الرئيسية تختلف عن بعضها البعض بشكل كبير في البناء والأيدولوجيا.

فليس من السهل على سبيل المثال أن تضع ألمانيا واليابان في نفس الإطار، وهذا يكون أصعب بالنسبة للبلاد الصغيرة التي يمكن وصفها بالفاشية. على سبيل المثال يُعتقَد عادة أن الفاشية مطبوعة على الميل للحرب؛ إنها تنمو في مناخ الحرب الهيستيري وتستطيع فقط أن تحل مشاكلها الاقتصادية بوسائل الإعداد للحرب والغزوات الخارجية. ولكن من الواضح أن هذا ليس صحيحا، قل، في البرتغال وديكتاتوريات أمريكا الجنوبية المختلفة. أو – كمثال آخر – أن معاداة السامية من المفترض أن تكون واحدة من العلامات المميزة للفاشية؛ ولكن بعض الحركات الفاشية ليس معادية للسامية. جدالات مثقفة، تتردد لمدة سنوات بلا توقف في المجلات الأمريكية، لم تكن قادرة على تحديد إن كانت الفاشية هي شكل من الرأسمالية. ولكن مع ذلك فعندما نطبق مصطلح “الفاشية” على ألمانيا أو اليابان أو إيطاليا موسوليني، فنحن نعلم بشكل كبير ما الذي نعنيه. ولكن في السياسة الداخلية فهذه الكلمة فقدت الأثر الأخير لمعناها. فلو ألقيت نظرة على الصحافة  ستجد أنه على الأغلب لا توجد مجموعة من الناس – في الحقيقة لا يوجد حزب سياسي أو مجموعة منظمة من أي نوع – لم تتهم بالفاشية في ظل العشر سنوات السابقة. أنا لا أتحدث عن الاستخدام الدقيق لمصطلح “الفاشية“. أنا أتحدث عما أراه في المطبوعات. أرى كلمات: “التعاطف مع الفاشية“، “عن الميل الفاشي“، أو فقط “الفاشية“، تطبق بجدية تامة على الجماعات التالية:

المحافظون: كل المحافظين، سواء كانوا مسالمين أو غير مسالمين، يتم اعتبارهم بأنهم في ذاتهم مؤيدين للفاشية. الحكم البريطاني في الهند والمستعمرات يتم اعتباره غير مختلف عن النازية. المنظمات التي يمكن ان يعتبرها المرء من النوع الوطني والتقليدي تصنف كفاشية متخفية أو “ذات ذهنية فاشية“. الأمثلة هي الكشافة، شرطة المتروبوليتان، المكتب الخامس[1]، رابطة المحاربين القدامى البريطانية. الجملة الأساسية هي: “المدارس العامة هي مساحات لتنشئة الفاشية“.

الاشتراكيون: المدافعون عن الرأسمالية بالطريقة القديمة (سير إرنست بِن[2] على سبيل المثال) أكد على أن الاشتراكية والفاشية هما نفس الشيء. الصحفيون الكاثوليكيون أكدوا على أن الاشتراكيين كانوا المتعاونين الأساسيين في البلاد التي احتلها النازي. نفس الاتهام ألقي من زاوية مختلفة من قبل الحزب الشيوعي أثناء الفترات المتطرفة يساريا. في الفترة ما بين 1930-1935 صحيفة “ذا ديلي ووركر”[3] عادة ما كانت تدعو حزب العمل بفاشيو العمل. هذا تم ترديده من قبل اليساريين المتطرفين كالأناركيين. بعض القوميين الهنود يعتبرون اتحادات التجارة البريطانية منظمات فاشية.

الشيوعيون: مدرسة لها اعتبارها في التفكير (أمثلتها: روشنينج[4]، بيتر دراكر[5]، جيمس برنهام[6]، ف. أ. فويجت[7]) ترفض أن تميز بين النظامين النازي والسوفيتي، وهم مقتنعون بأن كل الفاشيين والشيوعيين يستهدفون تقريبا نفس الشيء وحتى نفس الأشخاص إلى حد ما. قيادات “التايمز” (قبل الحرب) كانت تشير للاتحاد السوفيتى على أنه “دولة فاشية“. ومرة أخرى فمن زاوية مختلفة تردد هذا الرأي من قبل الأناركيين والتروتسكيين.

التروتسكيون: الشيوعيون يتهمون أداء التروتسكيين، على سبيل المثال منظمة تروتسكي الخاصة، بأنه تنظيم فاشي متخف لحساب النازيين. هذا كان مقتنعا به بشكل كبير أثناء فترة الجبهة الشعبية[8]. في مراحلهم المتطرفة يمينيا الشيوعيون مالوا لإلقاء نفس الاتهام إلى كل الفصائل اليسارية عنها: مثال: حزب الكومون ويلث[9] أو حزب العمل المستقل[10].

الكاثوليكيون: بعيدا عن مجموعهم، غالبا تعتبر الكنيسة الكاثوليكية مؤيدة للفاشية، على المستويين الموضوعي والذاتي.

مقاومو الحرب: السلاميون والآخرون الذين هم ضد الحرب كثيرا ما يتهمون ليس فقط بجعل الأمور أسهل بالنسبة للمحور، ولكن بكونهم متأثرين بالمشاعر المؤيدة للفاشية.

مؤيدو الحرب: مقاومو الحرب عادة ما يبنوا حجتهم على دعوى أن الإمبريالية البريطانية أسوأ من النازية، ويميلون لتطبيق مصطلح “الفاشية” على أي أحد يطمح للانتصار العسكري. داعمو “حكومة الشعب[11] مالوا للإعتقاد بأن الرغبة في مقاومة الغزو النازي هو علامة على التعاطف مع الفاشية. الدفاع الوطني[12] اتهم بأنه منظمة فاشية في الوقت الذي ظهر فيه. بالإضافة إلى ذلك فاليسار كله يميل لمساواة العسكرية بالفاشية. بوعي سياسي غالبا ما يشير العساكر لضباطهم بأنهم “ذوي عقلية فاشية” أو “فاشيون بطبعهم“. المدارس العسكرية، الالتزام بالأوامر، التحية للرؤساء كلها تعتبر متجهة نحو الفاشية. قبل الحرب كان التطوع في الجيش يعتبر علامة على الميول الفاشية. التجنيد الإجباري والجيش النظامي يتهم كلاهما بكونهما ظواهر فاشية.

القوميون: القومية تعرف عالميا أنها فاشية بطبعها، ولكن هذا يتم تطبيقه فقط على بعض الحركات القومية، وصادف أن يعترض عليها كاتب المقال. القومية العربية، القومية البولندية، القومية الفنلندية، حزب الكونجرس الهندي، الاتحاد الإسلامي، الصهيونية، الجيش الوطني الأيرلندي، كلها توصف بأنها فاشية ولكن ليس من قبل نفس الناس.

***

يبدو من ذلك أن استخدام كلمة “فاشية” غالبا ما يكون بلا معنى على الإطلاق. بالطبع في الحوارات تستخدم بشكل أكثر غرابة من المطبوعات. سمعت الكلمة مطبقة على الفلاحين، البقالين، حزب الائتمان الاجتماعي[13]، العقاب البدني، صيد الثعالب، مصارعة الثيران، لجنة 1922 [14]، لجنة 1941 [15]، كيبلنج، غاندي، شيانج كاي-شيك[16]، المثلية الجنسية، برنامج بريستلي[17]، بيوت الشباب، التنجيم، المرأة، الكلاب، ولا أعرف ما الأشياء الأخرى.

بالطبع تحت كل هذه الفوضي يوجد نوع من المعنى المدفون. ما يمكن أن نبدأ به أنه من الواضح أن هناك اختلافا كبيرا، بعضه سهل الإشارة إليه وبعضه من الصعب شرحه، بين الأنظمة التي يطلق عليها فاشية والأنظمة التي يطلق عليها ديمقراطية. ثانيا، إن كانت “الفاشية” تعني “التعاطف مع هتلر“، فبعض الاتهامات التي وضعتها تصير متطابقة مع ذلك بشكل كبير وواضح أكثر من البعض الآخر. ثالثا، حتى الناس الذي يلقون كلمة “فاشية” في كل اتجاه بدون حرص يضيفون فى كل الأحوال دلالة انفعالية إليها. هم يعنون بالفاشية غالبا، شيء قاسي، مجرد من الشرف، متعجرف، ظلامي، مضاد لليبرالية وللطبقة العاملة. باستثناء عدد صغير نسبيا من المتعاطفين مع الفاشية، فكل إنجليزي سيقبل بكلمة بلطجي كمرادف لفاشي. هذه الكلمة المهينة تقترب من أن تكون تعريفا.

ولكن الفاشية هي أيضا نظام سياسي واقتصادي. لماذا إذن لا نستطيع أن نجد معنى عام واضح ومقبول لها؟ للأسف فلن نحصل على واحد- ليس الآن على كل حال. معرفة “لماذا” سيأخذ وقتا طويلا، ولكن بشكل أساسي فذلك بسبب أنه من المستحيل أن نعرف الفاشية بشكل مرض بدون تقديم اعترافات لن يرغب في تقديمها الفاشيون أنفسهم ولا المحافظون ولا الاشتراكيون بمختلف ألوانهم. كل ما نستطيع فعله في هذه اللحظة هو أن نستخدم الكلمة بنوع من الحذر، ولا أن نختصرها في مستوى تبادل اللعنات كما يحدث عادة.

Continue Reading →

هل تموت الكتب الورقية؟ أمبيرتو إيكو في حديثه عن الإنترنت والكتب الإلكترونية

أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، وُلد في 1932، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم. في كتاب (صحبة لصوص النار)، قامت الكاتبة الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد) بمحاوراته، ونقاشه في عدد من المواضيع المهمة، اجتزأنا لكم منه بعض أسئلتها عن الكتب الإلكترونية والكتب الورقية، وعن الإنترنت وعن كم المعلومات الهائل الذي نجده.

ماذا عمّا يحكى من التهديد الذي تطرحه الكتب الإلكترونية، التي تشرّع، رغم عدم نجاحها الكبير تجاريًا إلى الآن، آفاقًا جديدة للنصوص بعيدًا عن الطباعة على الورق؟
طبعًا يجب ألا نتجاهل أهمية بعض العناصر الإيجابية التي ستتجسد قريبًا في مجال النشر الإلكتروني، على غرار إمكان مراجعة كاتالوج دار النشر على الإنترنت ومن ثم طباعة الكتاب المختار “على الطلب”، وبالمواصفات والخط والتصاميم المرغوبة. ذلك أمر سوف يغيّر من دون شك معالم قطاع نشر الكتب، كما أنه سيهدد وجود المكتبات إذ سيصبح العرض والتخزين إلكترونيين، أي أقل مساحة وأكثر فعالية وسرعة. أما الكتاب الإلكتروني في ذاته، أي ذاك الذي يتوجّب الاطلاع عليه من خلال شاشة الكمبيوتر، فلا حظوظ كبيرة لنجاحه في رأيي ؛ هل تتخيلين شخصًا يقرأ (الكوميديا الإلهية) على شاشة كمبيوتر؟ يا للهول! الأوراق ضرورية للتأمل في النص. وماذا عن الكتب التي نحب قراءتها في السرير قبل النوم؟ أو تلك التي يحلو لنا تصفحها في حضن كرسينا الهزاز الأثير؟ لا، إنها في رأيي مخاوف غير مبررة، علمًا أنه كثيرًا ما يُطرح عليّ هذا السؤال، وتفاجئني النظرة الخائبة واليابسة في عيني الصحافي السائل إذ أجيبه: “لا، الكتب لن تختفي”. سبب الخيبة طبعًا هو أنني أحرمه بجوابي “الخبطة”، أو السبق. فالموت دائمًا أكثر إثارة للاهتمام من البقاء على قيد الحياة. مثلًا، إذا نشرت خبر وفاة أحد حائزي جائزة نوبل، سيكون ذلك خبرًا مثيرًا وجاذبًا بالتأكيد. أما إذا كتبت مقالًا مفاده أن ذاك الرجل بصحة جيدة ولم يزل حيًا يرزق، لن تلفتي الكثير من الأنظار، باستثناء أنظاره هو، على ما أفترض!
لكنك أنت من يتحدث باستمرار، ومنذ وقت ليس بقصير، عن انعكاسات التكنولوجيا المعلوماتية على ثقافتنا، وتحديدًا عن مزايا “الهايبرتكست” (النص الإلكتروني المتفاعل) الكثيرة.
أجل صحيح، فالهايبرتكست يهمني في صفته شبكة كلمات متعددة البعد والطبقة، أو متاهة يمكن فيها ربط كل نقطة بأي نقطة أخرى. الهايبرتكست يجسّد بامتياز نظرة حرية تفسير النص، فهو قادر حتى على فتح أكثر النصوص انغلاقًا وتقيّدًا؛ إذا أخذنا في الاعتبار مثلًا قصة بوليسية مكتوبة بطريقة الهايبرتكست، سوف تكون مبنية على نحو يسمح للقارئ بأن يختار الحل الذي يريد، وأن يقرر في النهاية ما إذا كان المذنب هو اللحام أو الأسقف أو التحري أو الكاتب أو القارئ نفسه! ولكن إذا أمعنا التفكير ستكتشف أن اختراع الهايبرتكست ليس بالجديد حقًا. إنه حلم قديم جدًا في الواقع nihil sub sole novi (لا جديد تحت الشمس). فأول أداة سمحت لنا باختراع عدد لا متناه من النصوص عبر استخدام عدد محدود من العناصر موجودة منذ آلاف السنين، ألا وهي الأبجدية. وحتى قبل اختراع الكمبيوتر، سعى الكتّاب والشعراء إلى اختراع نص مفتوح يمكن تفسيره وإعادة تركيبه إلى ما لا نهاية. تلك كانت فكرة “الكتاب” كما مجدها (مالارميه) مثلًا. (ريمون كونو) اخترع بدوره نظامًا حسابيًا تركيبيًا يمكن بناء عليه تأليف ملايين القصائد انطلاقًا من عدد محدود من الأسطر. وفي أوائل الستينات، كتب (ماكس سابورتا) ونشر رواية يمكن تغيير تسلسل صفحاتها على نحو ينتج قصصًا مختلفة. ولكن طبعًا شكل الكمبيوتر حليفًا قويًا للهايبرتكست منذ ظهوره، وأذكر في هذا الإطار تجارب الشاعر (ناني بالستريني) الرائدة على هذا المستوى. إن بنية الهايبرتكست لا تملك نقطة مركزية ولا أطرافًا، بل هي متناهية بامتياز؛ وفي رأيي أن مفتاح اكتشاف العالم لا يكمن في الخطوط المستقيمة، بل في المتاهات تحديدًا.
إلا أن هذه البنية المتاهية التفاعلية التي تتكلم عليها قد تشكل عائقًا أيضًا رغم غناها. خصوصًا أمام القارئ غير المستعد لاستيعابها واستثمارها. فأنت تعلم طبعًا أن ليس لدى كل قارئ الرغبة في المشاركة في عملية الكتابة، وثمة كثير يفضلون تلقي ما يٌعطى لهم، بدلًا من استغلال “حرية تفسير النص” المتاحة. ألا يمثل الهايبرتكست، ومثله الرنترنت، من هذا المنظار، نوعًا من الحرية السلبية؟
ربما، وهذا طبيعي، ومنتظر، فالكمبيوتر، على غرار كل الأدوات الأخري، يولّد عصابه النفسي الخاص؛ ثمة مثلًا فيما يتعلق بالإنترنت ظاهرة “الإبحار القهري” التي يعدو معها الإنسان غير مهتم بما يراه بقدر ما هو مهتم بالقفز من مكان إلى مكان آخر إلى حد يفقد معه السيطرة على نفسه. يذكّرني ذلك بظاهرة الـzipping المرضية التي برزت مع اختراع الريموت كنترول. أولَم يوجد اختراع السيارة كذلك أشخاصًا استخدموها للسباق الجنوني على طريقة (جيمس دين) ولقتل أنفسهم والآخرين؟ من شأن كل أداة إذا أن تولّد نوعًا من الهستيريا. أما في ما يتعلق بالهايبرتكست، فأهم ما يفعله أنه يجعل عملية التصفح والمراجعة أسرع وأفعل. كنّا في ما مضى نلحس إصبعنا لكي نجول في الصفحات فنعود تارة إلى الوراء وطورًا نقفز إلى القسم الأخير من كتاب ما؛ وتلك الإصبع هي أيضًا أداة من أدوات الهايبرتكست. أما اليوم فيكفي أن نضغط على زر أو اثنين ويتم الأمر. تمامًا مثلما أتاح اختراع العجلة أداء وظيفة القدمين ولكن بسرعة وفاعلية أكبر. المشكلة الأخطر التي أرصدها شخصيًا في هذا التفاعلية هي إفساح مجال التعبير الشاسع حتى أمام الأشخاص الذين ليس لديهم ما يقولونه على الإطلاق، وذلك أمر ينضوي تحت لواء الحرية السلبية التي ذكرتها للتو. ففي المجتمع التقليدي، ثمة فصل واضح بين من ينتج الثقافة من جهة، ومن يستهلكها من ثانية، بين من يكتب الكتب، ومن يقرأها. أما مع الإنترنت فقد تغيرت المعادلة؛ يمكن أيًا كان أن يكتب أي شيء، وأن يوصله إلى شريحة كبيرة من الناس. ولا بأس في ذلك، إن لم يكن يؤدي في الوقت نفسه إلى الغوص في كمّ مرعب من المعلومات المتراكمة التي تتضمن خطر أن يلغي بعضها بعضًا. المشكلة تكمن تاليًا في كيفية اختيار المعلومات.
الأولوية إذًا، للتثقيف الإلكتروني، أو لنوع من حملة “محو الأمية” الإلكترونية.
بالضبط، فقدنا مع الإنترنت مفهوم “الأستاذ”، أي الموجّه أو المربّي. وإذا لم نعن بالتثقيف سوف نصل قريبًا إلى عالم يشبه عالم (1984) لـ(أورويل)، قائم على مجتمع منقسم ثلاث فئات؛ في الطبقة السفلى “البروليتاريا” الجديدة المؤلفة من أشخاص لا يعرفون استخدام الكمبيوتر ويستقون كل معلوماتهم من التلفزيونات. ثم في الوسط “البرجوازية” الجديدة التي تعرف استخدام الكمبيوتر لكنها عاجزة عن برمجته. وأخيرًا في القمة ثمة “النومنكلاتورا”، بالمعنى السوفياتي للكلمة، التي تضم مجموع الأشخاص الذين يجيدون التفاعل مع الكمبيوتر. إن هذا العالم يجب اجتنابه بأي ثمن.
إذًا أنت مؤمن بالديموقراطية الإلكترونية لدرء خطر التمييز ومساوئ النخبة؟
أجل، لنقل، أقله، بقدر إيماني بالديموقراطية نفسها. فنحن نعلم جميعًا أنه نظام غير كامل، لا بل مثلما قال (تشرشل)، هو نظام سيء لكن جميع الأنظمة الأخرى تبزّه سوءًا. يجب أن نعرف أن التمييز لطالما كان موجودًا، لا بل كان أكثر تفشيًا من الآن عند ولادة الكتاب المطبوع، لأن الإنترنت ينتشر بسرعة أكبر بكثير من انتشار الكتاب في الماضي. ينبغي أن نعي كذلك أن الديموقراطية لا تعني فقط الفرص المتساوية، بل هي أيضًا (هايد بارك)؛ أي إتاحة الفرص أمام أي كان ليقول ما يريد قوله، وسيكون ثمة من يقول أشياء مثيرة للاهتمام، وآخر يقول تفاهات لا قيمة لها. لذلك يجب أن يكون اهتمامنا منصبًا في الأعوام القليلة المقبلة على تلقين الناس مبادئ الفلترة والاختيار، وإلا سيكون توافر كل هذه المعلومات عديم الفائدة. تلك هي المشكلة الحقيقية.
وما السبيل إلى حل هذه المشكلة؟ كيف يمكن تلقين الناس، كما تقول، تقنيات الفلترة من دون تعزيز نوع من ثقافة الرقابة؟
أجهل حقًا سبل الحل، ولو أعرفها لكتبتُ بست سيللر ولكان اعتمد في كل مدارس العالم. ولكن بالحديث عن الرقابة، وهي وجهة نظر مثيرة للاهتمام، أميل إلى القول إن مفهوم “الأستاذ” أو المربّي بصيغته القديمة كان بدوره شكلًا من أشكال الرقابة. الأب أو الأم هما أيضًا رقباء. فالرقابة هي مزيج من إخفاء المعلومات وتسيير الأذهان لتحقيق غايات مختلفة؛ طبعًا غاية الأب، ألا وهي الحماية، مناقضة تمامًا لغاية الرقيب السياسي، التي غالبًا ما تكون التلاعب بفكر الناس ووعيهم. لذلك ينبغي ألا تؤخذ الفلترة بمعنى المأسسة والتنظيم والقوننة. إن أحد أجمل كنوز الإنترنت هي فوضاها بالذات. فإذا افترضنا أن استخدام الإنترنت يجب أن يكون متاحًا حصرًا لأعضاء الجهاز الأكاديمي مثلًا، دون سواهم من الناس، ثمة فرصة كبيرة في أن نحرم عبقريًا حقيقيًا من خارج هذا الجهاز إيصال رسالته، ناهية بواقع أن الجامعة تضم عددًا غير قليل من المغفلين، وهو نموذج غير نادر الوجود فيها. ما هو الخيار الأفضل إذًا؟ أن نحصر استخدام الإنترنت بالأحزاب السياسية؟ أو ربما بالكنيسة؟ أو بكبار الناشرين؟ لا، قطعًا لا. إذا كنا لنحمي فوضى الإنترنت البهية من التدهور، يجب علينا أن نكون مستعدين لمواجهة انعكاساتها السلبية بالاستعداد الملائم. تلك هي الفلترة التي كنتُ أعنيها؛ أي تعزيز ذكاء المبحرين.

عن أدب السجون

 

prison

ممدوح عدوان (1941-2004) كاتب وشاعر ومسرحي سوري. قام بترجمة عدد من الكتب، كما تنوعت أعماله بين المسرحيات والروايات والمجموعات الشعرية والنثرية. في كتابه الأشهر (حيونة الإنسان) تطرق إلى أدب السجون، فقام بتعريف أدب السجون بداية بأنه:

نوع من الأدب الذي استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن و التعذيب، خلال فترة سجنهم و تعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم.

ثم قام بعد ذلك بتعريف التعذيب:

ذلك الفعل المؤذي الذي يمارسه الإنسان على الإنسان الآخر عقوبةً ردعية أو قمعية أو تربوية أو لإجباره على أمرٍ مّا، كفعل معين أو البوح بمعلومات في التحقيق، و أحياناً كطقس ديني أو تجميلي أو لسبب اقتصادي و أحياناً كممارسة تدريبية.

فالتعذيب لانتزاع الاعترافات أو المعلومات، هو أسلوب يلجأ إليه العدو عند السيطرة على الأسرى لمعرفة أكثر ما يستطيع عن الطرف الآخر، يريد معرفة عدد القوات و أنواع الأسلحة و أسرارها و مناطق التمركز و الانتشار و أسماء القادة و كلمات السر الخ

كما تلجأ إليه السلطات عند اعتقال عناصر شبكة معيّنة ( سياسية أو إجراميّة ) لمعرفة بقية العناصر و أسلوب العمل و المتعاونين و أماكن الاختباء و أسلوب التواصل… الخ

ثم يكمل أحاديثه، فيقول:

هذا يعني أن هناك شخصاً لديه معلومات لا يريد الكشف عنها، وهناك طرف يريد انتزاع هذه المعلومات، و لو بالقوة.

و ” لوبالقوة” هذه تستمل على التعذيب بكافة أنواعه التي ابتكرها الإنسان في مسيرته ” الحضارية “. إنها معركة بين صمود صاحب المعلومات و قدرته على تحمل الألم، و بين المحقق و جماعته الذين يوقعون بالمعنيّ أصناف الآلام.

ويتطرق إلى انتزاع الاعترافات بمثل هذه الطرق:

أمّا بالنسبة للاعترافات المأخوذة بهذه الطريقة فليس لها صفة قانونية، فالتعذيب قد يضطر من يتعرّض له إلى الاستجابة لطلبات المشرفين على التعذيب بتحمل مسؤوليات لاعلاقة له بها أصلاً، و ربما اضطر إلى اختلاق معلومات لكي يخفف مسؤوليات لاعلاقة له بها أصلاً، و ربما اضطر إلى اختلاق معلومات لكي يُخفف التعذيب عن نفسه و لو إلى حين.

و قد يحدث امتزاج بين طلب المعلومات و الرغبة الخالصة في الإيذاء و إيقاع الألم و الرعب، ويصل الأمر أحياناً إلى نسيان سبب التعذيب، فيظل التعذيب هدفاً ووسيلة و غاية مستقلّة.

و يحار ضحيّة التعذيب في وسيلة للخلاص منه، فلا الاعتراف يكفي، ولا الاستسلام حتى مشارفة الموت يكفي!

و أحياناً يصل الضحيّة إلى درجة الاستعداد لتبنّي أي جريمة تُنسب إليه أو يُراد منه تبنّيها.

و من أجمل الشهادات على مواقف من هذا النوع ماورد في رسالة مايرخولد إلى مولوتوف قبل إعدامه. يقول:

” وجدت نفسي منفصماً إلى شخصين: الشخص الأول يحاول أن يعثر على أثر للجرائم التي يتهم بها فلا يجد، و الشخص الثاني يخترع الجرائم حين يعجز الشخص الأول عن اختراعها، وفي هذا المجال كان ضابط التحقيق يقدم لي عوناً لا يقدر بثمن حيث رحت، أنا و هو، نخترع معاً في عمل ثنائي ناجح، وهكذا حين كانت مخيلتي تعجز عن اختراع الجرائم كان المحققون يهرعون لنجدتي” .

و في كتاب ” العسف ” عن الثورة الجزائرية، عرض لتجارب أناس تعرّضوا للتعذيب و فيه استنتاجات:

” نميّز بين صنفين من الجلادين: هناك الذين قبلوا أن يجعلوا من هذه المهنة القذرة وسيلة للحصول على خبزهم اليومي، وهناك الذين يدافعون بشعور منهم أو غير شعو، عن المواقف الاجتماعية و الامتيازات التي تخصهم بها سلطة مثل هذه الأجهزة.. و كما في كل مكان، الأوائل يعتصمون خلف أدوارهم كمنفذين. و الآخرون يجدون مسوّغات لأعمالهم في الترسانة الإيدلوجيّة “

يعلّق ممدوح هنا بأننا:

عثرنا على سبب آخر غير إطاعة الأوامر، أو أننا نضع أيدينا على الخطوة الأولى في إعداد القتلة و تدريبهم و تأهيلهم.

إن منفذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معيّن و عواطف و أحقاد خاصة، يشعر بأنه يؤدي خدمة خاصة ” للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها ” أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. وهذه السلطة هنا، هي الحكومة أو الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة ( الإثنية ).

و يقول سارتر في تقديمه لكتاب فرانز فانون (معذبو الأرض):

” لما كان لا يستطيع أحد أن يسلب رزق أخيه الإنسان أو أن يستعبده أو أن يقتله إلا ويكون قد اقترف جريمة فقد أقرّوا

[ يقصد المستعمرين ] هذا المبدأ: و هو أن المستعمر ليس شبيه الإنسان.

وعُهد إلى قواتنا [ يقصد القوات الاستعمارية الأوروبية ]. بمهمة تحويل هذا اليقين المجرد إلى واقع. صدر الأمر بخفض سكان البلاد الملحقة إلى مستوى القرود الراقية من أجل تسويغ أن يعاملهم المستوطن معاملته للدواب.

إن العنف الاستعماري لا يردي المحافظة على إخضاع هؤلاء البشر المستعبدين؛ و إنما يحاول أن يجردهم من إنسانيتهم “.

 

و يقول هيرمن هسّه في (ذئب السهوب):

” العالم الذي تبحثون عنه هو عالم أرواحكم ذاتها ” فالشخصيات ” هي السجن الذي وُضعتم فيه” و ” الروح الذئبية التي تتبقى حتى في نفوسنا المتحضرة هي ضمان الإذعان الاجتماعي ”

أمّا في الأرياف؛ فكانوا يوصون المتنقل في مناطق غير مأهولة ألا يخاف، أو يُظهر خوفه، لأن هذا الخوف سيُغري الوحوش بمهاجمته، كأن لهذا الخوف رائحة مهيجة!

 

و يُشير الدكتور مصطفى حجازي في كتابه القيّم و الهام، (التخلف الاجتماعي : دراسة في سيكولوجية الإنسان المقهور):

إلى الانتفاضة المسلّحة للمقهورين، و التي قد لا يكون لعناصرها وعي سياسي، ” فالإنسان المسحوق الذي حمل السلاح، من دون ثقافة سياسية توجه وضعه الجديد، قد يقلب الأدوار في تعامله مع الجمهور، أو مع من هم في إمرته، فيتصرف بذهنية المتسلط القديم، يبطش، يتعالى، يتعسّف، يزدري، وخصوصاً يستغل قوته الجديدة للتسلط و الاستغلال المادي و التحكم بالآخرين “.

يُعقَّب ممدوح عدوان بقوله:

هنا شيء يُمكن أن نسميه الانتقام من الماضي، فللأثرياء الجدد، مثلاً ، سلوكية خاصة تميّزهم و تدل عليهم. إنهم يريدون في كل حركة من حركاتهم أن يثبتوا لأنفسهم قبل الآخرين، أنهم أثرياء حقاً، إنهم يستعرضون القدرة الجديدة على الإنفاق، تلك هي سلطتهم الجديدة التي توصلوا إليها، إنها سلطة المال الجديد، وهم يضطهدون الآخرين بسلطتهم تلك. وتستطيع أن تستدل عليهم من تصرفاتهم في الأمكنة المبتذلة التي يستعرضون غناهم فيها، وهؤلاء يختلفون عن أصحاب المال الموروث: أبناء الطبقات الغنية الواثقة من غناها و المتعودة عليه. إنهم ليسوا في حاجة إلى استعراض ثرائهم أو إثباته في كل مناسبة.

و كذلك فإن المقموعين تاريخياً، حين يجدون متنفساً و يتوصلون إلى سلطةٍ مّا، فإنهم يريدون أن ينتقموا داخل نفوسهم من كل مشاعر الخوف و التذلل التي عرفوها، ولذلك يُصبحون أشد قسوة من مضطهديهم، وهم يقلدون أولئك الذين اضطهدوهم فهم يضيفون إلى مايعرفونه و يريدون تقليده شحنات من أحلام اليقظة المكبوتة و الانتقام من الذات التي كانت مستكينة، ويمددون صلاحياتهم خارج أسوار المكاتب أو حتى الزنزانات و من ثم تصبح ” نجوم الظهر ” التي كان يحلم بها ذلك السجين، ظاهرة ليس فقط للمساجين الذين سيقعون بين يديه، بل و للمجتمع بأسره.

و قد ابتكر ” أورويل ” كلمة أصبحت جزءاً من المفردات العلمية الحديثة، و هي ” التفكير المزدوج ” و يقصد بها القدرة على الإمساك بمعتقدين متناقضين في عقل المرء في وقت واحد و القبول بكليهما!

هذا التفكير المزدوج معشّش في نفوس المقموعين، حتى و إن بدا بعضهم في أعلى مراتب السلطة.

و في ( الخوف من الحرية ) لإيريك فروم هناك تعريف لسيبون ويل يقول:

” السلطة هي القدرة على تحويل الكائن الحي إلى جثمان و من ثم إلى شيء “.

و قد درَس جوزيه دو كاسترو في ” جغرافية الجوع

خوف الناس من قول الحقيقة حول أوضاعهم الاجتماعية و الاقتصادية و أنه ناجم عن نوع خاص من الخجل.

و يقول آرثر سالزبورغر

 احجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو قدمها إليه مشوّهة أو ناقصة أو وحشوّة بالدعاية و الزيف – إذاً فقد دمرت كل جهاز تفكيره و نزلت به إلى مامن دون مستوى الإنسان.

 

للاستزادة: كتابي “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية” للدكتور مصطفى حجازي. وكتاب الدكتور خالص جلبي “كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد“. وكتاب “أيها المحلفون ،، الله لا الملك” وهو عبارة عن مقالات وبحث عن نخبة من أدباء هذا الجيل. وقد رصد الأستاذ نواف القديمي عدد من أبرز ما كُتب في أدب السجون، نعيد نشرها هنا.

 

جورج أورويل ودوافعه للكتابة

جورج أورويل

جورج أورويل (1903-1950) هو صحافي وروائي بريطاني. كتب أورويل في النقد الأدبي والشعر الخيالي والصحافة الجدلية. اشتهر بروايتيه (1984) و (مزرعة الحيوان)، والتين تم بيع نسخهم معا أكثر من أي كتاب آخر لأي من كتاب القرن الواحد والعشرون. يقول جورج أورويل في مقالة له عن دوافعه للكتابة، وعن السؤال “لماذا أكتب ؟” فيقول:

أعتقد أن هناك أربعة دوافع للكتابة على الأقل عند كل كاتب، وتكون بنسبة متفاوتة من وقت لآخر حسب جو العالم الذي يعيش فيه، وتلك الدوافع هي:

١) حب الذات الصرف: الرغبة في أن تكون ذكياً، أن يتم الحديث عنك، أن تُذكر بعد الموت، أن تنتقم من الكبار الذين وبخوك في طفولتك.. إلخ،، من الهراء التظاهر بأن هذا ليس بدافع، بل دافع قوي. الكتَّاب يتحلون بهذه الصفة إلى جانب العلماء والفنانيين و السياسيين والمحاميين والجنود ورجال الأعمال الناجحين، باختصار لدى كل النخب الإنسانية. الغالبية العظمى من البشر هم أنانيون تماماً، بعد سن الثلاثين يتخلون تقريباً عن وعيهم بفرديتهم بالكامل، ويعيشون بشكل رئيس من أجل الاخرين، أو يسحقون ببساطة تحت وطء العمل الكادح، لكن هناك أيضاً أقلية من الأشخاص الموهبين والجامحين المصممين على عيش حياتهم حتى النهاية، أو الكتاب الذين ينتمون إلى هذه الطبقة، ينبغي على القول أن الكتاب الجادين هم في المجمل أكثر اختيالاً وأنانية من الصحفيين، لكن أقل اهتماماً بالمال.

٢) الحماس الجمالي: إدراك الجمال في العالم الخارجي، أو من ناحية أخرى في الكلمات وترتيبها الصحيح. البهجة من أثر صوت واحد على الاخر. في تماسك النثر الجيد أو إيقاع قصة جيد. الرغبة في مشاركة تجربة يشعر المرء أنها قيمة ويتعين عدم تقويتها. الدافع الجمالي واهن جداً عند الكثير من الكتَّاب، لكن حتى مؤلف الكتيبات أو الكتب المدرسية ستكون لديه كلمات ومصطلحات مدللة تروق له دون أسباب نفعية، أو قد يهتم بقوة بأسلوب الطباعة، واتساع الهامش.. إلخ، فوق مستوى دليل القطارات، لايوجد كتاب يخلو من الاعتبارات الجمالية.

٣) الحافز التاريخي: الرغبة برؤية الأشياء كما هي، لاكتشاف حقائق صحيحة، وحفظها من أجل استخدام الأجيال القادمة.

٤) الهدف السياسي: باستخدام كلمة (سياسي) بأشمل معنى ممكن، الرغبة في دفع العالم في اتجاه معين؛ لتغيير أفكار الآخرين حول نوع المجتمع الذي ينبغي عليهم السعي نحوه. مرة أخرى، لايوجد كتاب يخلو من التحيز السياسي، “الرأي القائل أن الفن ينبغى ألا يربطه شيء بالسياسة هو بحد ذاته موقف سياسي”.