أرشيف الوسم: جون ستيوارت ميل

ستيوارت ميل، في حديث عن المُتع الدنيا والعليا

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في كتابه الشهير (النفعية)، والذي يُعد أساسًا لفهم النظرية الأخلاقية المعاصرة، تحدث عن الكائن الحي، والمتعة، فيقول:

لا نزاع حول الحقيقة المفيدة أن الكائن الذي قدرات تمتعه منخفضة، له الحظ الأعظم بتحقيقها وإشباعها بشكل كامل. والكائن ذو القدرات العالية سيشعر، وبشكل دائم، بأن أي سعادة يتمكن من طلبها هي ناقصة، كما هو تركيب العالم. غير أنه غير قادر على أن يتعلم وأن يتحمل عيوبه وشوائبه، إذا أمكن تحملها، وهي لن تجعله يحسد الكائن الذي ليس واعيًا بالعيوب والشوائب، فالأفضل أن يكون إنسانًا مستاءً وغير راض لا خنزيرًا راضيًا. الأفضل أن يكون سقراط المستاء ولا يكون مغفلاً راضيًا. وإذا كان للمغفل أو الخنزير رأي مختلف، فمرد ذلك أنهما لا يعرفان سوى ناحيتهم من المسألة. أما الطرف الآخر فهو، بالمقارنة معهم، يعرف الناحيتين.

وقد يُعترض بالقول، إن كثيرين قادرين على اللذات العليا وقد يؤجلونها أحيانًا من أجل الدنيا. غير أن هذا يتسق مع تقدير كامل للعلو الحقيقي للذات العليا. وغالبًا مايختار الناس، لعيب في الشخصية، الخير القريب، بالرغم من معرفتهم أنه الأقل قيمة. وهذا لا يحصل عندما يكون الخيار بين لذتي جسديتين بأقل مما يحصل عند الخيار بين لذة جسدية ولذة عقلية. فهم يسعون وراء الانغماسات الحسية لحد الأذية بصحتهم، مع وعيهم الكامل بأن الصحة هي الخير الأعظم.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

وقد يُعترض باعتراض إضافي بالقول، إن الكثيرين الذين يبدأون بحماس شبابي لكل شيء نبيل، يغرقون مع تقدم الزمن في الكسل والأنانية. غير أني لا أظن أن أولائك الذين يمرون بذلك التغيير العام يختارون طوعيًا الوصف الأدنى للذات بدلاً من الوصف الأعلى لها. وأعتقد أنهم قبلوا تكريس أنفسهم، حصريًا، لإحداهما، ذلك أنهم صاروا عاجزين عن الآخر. فالقدرة على المشاعر النبيلة هي عند معظم الطبيعيات كنبته سريعة العطب، وقتلها سهل، ولا يكون ذلك مقتصرًا على المؤثرات المعادية، وإنما للحاجة إلى التغذية والإعالة وهي تموت بسرعة عند أكثرية الشبان، إذا كانت الوظائف التي وضعهم فيها مركزهم في الحياة، والمجتمع الذين رموا فيه غير صالحين للحفاظ على تلك القدرة العليا على التمرين. فالبشر يفقدون مطامحهم العليا حالما يفقدون ميولهم الفكرية، لعدم وجود وقت أو فرصة لديهم للانغماس فيها، ويكرسون نفوسهم للذات الدنيا، ولا يكون ذلك لأنهم يفضلونها عن قصد، وإنما لأنها تكون الوحيدة المتاحة لهم، أو لأنها الوحيدة التي لم يبق لهم سواها ليتمتعوا بها.

التجربة أم الفلسفة ؟ منهج جون ستيوارت ميل والمنطق

 

John_Stuart_Millإذا أردت أن تختبر فرضية ما، فهل تلجأ للتجربة المباشرة أم تجلس في غرفتك وتحاول أن تختبرها بمجرد التفكير ؟ هذا التفريق بين المنهج التجريبي والمنهج الفلسفي العقلاني مسألة احتدم الجدل واللغط حولها كثيراً. وحاول بعضهم أن يستغني بأحد المنهجين عن الآخر تطرفاً ، لكننا نضع بعض النقاط التي توضح العلاقة المنطقية بين المنهجين كما أوضحها بطريقة مبتكرة وبسيطة ، الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه “أصوله البحث” حينما تعرض لمنهج جون ستيورات مِل التجريبي.

يقوم منهج (جون ستيوارت مِل) على الإستقراء عن طريق الملاحظة والتجربة .

ومجاله : المعرفة التي مصدرها الحس. أما خطواته فكالتالي :

١- تحديد المشكلة / موضوع البحث .
٢- صياغة الفرضية ، و هي مقولة مؤقتة عن صلة بين حادثتين أو أكثر ، أو متحولَين ِ أو أكثر.
٣- إجراء الملاحظة أو التجربة.
٤- النتيجة.

و القوانين التي وضعها مِل لضبط عمليات البحث التجريبي لتؤدي إلى نتائج سليمة ومعرفة علمية صحيحة ، هي – كما جاءت في موسوعة الفلسفة ٢/٤٧٠ الطبعة ١٩٨٤ م :

١- منهج الإتفاق Method of agreement :

ومُفادُهُ : أن ننظر في مجموع الأحوال المولِّدة لظاهرةٍ ما نريد دراسة أسبابها، فإذا وجدنا أن هناك عاملاً  واحداً يظلُّ موجوداً باستمرار على الرغم من تغير بقية العناصر أو المقوِّمات ، فيجب أن نُعدَّ هذا الشيء الثابتَ الواحدَ هو علة حدوث هذه الظاهرة .

٢- منهج الإفتراق Method of difference :

ولكي نتأكد من صحة الإستنتاج وفقاً للمنهج السابق – منهج الإتفاق – لا بُدَّ أن نأتي بمنهج مضاد في الصورة ، لكنه مؤيد في النتيجة ، فنجري ما يُسمى بالبرهان العكسي .

ويقول : إذا اتفقت مجموعتان من الأحداث من جميع الوجوه إلا وجهاً واحداً ، فتغيَّرت النتيجة من مجرد اختلال هذا الوجه الواجد فإن ثمةَ صلة علية بين هذا الوجه وبين الظاهرةِ الناتجة .

٣- منهج المتغيرات المُساوقة Method of concomitant variations ويُمكن أن يُسمى أيضا باسم ( منهج المتغيرات المتضايفة ) أو ( التغيرات المساوقة النسبية ) :

يقول هذا المنهج : إننا لو أتينا بسلسلتين من الظاهر فيها مقدمات ونتائج ، وكان التغير في المقدمات في كلتا السلسلتين من الظاهر ينتج تغيراً في النائج في كلتا السلسلتين كذلك ، وبنسبةٍ معينة ، فلا بُدَّ أن تكون ثمة صلة عليِّة بين المقدمات وبين النتائج .

٤- المنهج المشترك ( للإتفاق والإفتراق ) The joint method of agreement and difference :

ويصوغه ( مِل) هكذا : إذا كان شاهدان أو أكثر من الشواهد التي تتجلى فيها الظاهرة تشترك في ظرفٍ  واحدٍ ، بينما شاهدان أو أكثر من الشواهد التي لا تتجلى فيها الظاهرة ليس فيها شيءٌ مشترك غير الخلو من هذا الظرف ، فإن هذا الظرف الذي فيه وحده تختلف مجموعتا الشواهد هو المعلول أو العلة أو جزء لا غنى عنه من الظاهرة .

٥- منهج البواقي Method of residues :

وهو منهج للتكهن بالعلة استنتاجاً من فحص موقف يحتوي على ظاهرة واحدة بقي علينا أن نفسرها .
وهذا المنهج يتضمن تطبيقاً لمبدأ الإفتراق ابتداءً من المعلول لنكشف العلة .

ونستخلص من هذه المناهج :

١- أن ستيوارت مِل اعتمد في وضع قوانينه الخمسة المذكورة على ( مبدأ العليِّة / السببية ) و ( مبدأ الإطراد في الحوادث ) .
٢- يريد بمنهج الإتفاق : التلازم في الوجود بين العلة والمعلول ، بمعنى أنه إذا وجدت العلة وجد المعلول .
٣- يريد بمنهج الإفتراق : التلازم في العدم بين العلة والمعلول ، بمعنى أنه إذا عُدمت العلة عُدم المعلول . وبتعبير آخر : إذا لم توجد العلة لم يُوجد المعلول .
٤- يريد بالمنهج المشترك : أنّ العلة إذا وجدت وجد المعلول ، وإذا عدمت عُدم المعلول .
٥- يريد منهج التغيرات المتساوقة : أن أي تغير يحدث في العلة لا بُدَّ أن يحدث في المعلول .
٦- يريد بمنهج البواقي : أن علةَ الشيء لا تكون علة – في الوقت نفسه – علة لشيء آخر مختلف عنه .

ونلاحظ أن ما خلص إليه وهو أن الزبدة المرادة من المنهج التجريبي هي قوانين منطقية / ميتافيزيقية أصلاً.. فهل هناك فرق فعلي بين المنهج التجريبي والمنهج الفلسفي ؟ أم أن خلف المنهج التجريبي فلسفة لم نحدد ملامحها فحسب ؟

للاستزادة حول أصول المنطق والمنهج من د. عبد الهادي الفضلي: كتاب أصول البحث / كتاب مذكرة المنطق