أرشيف الوسم: جيرولد ليفينسون

فلسفة الجمال برأي فيليب هيبل

صدر مؤخراً عن مجموعة النيل، الطبعة العربية لكتاب “مدخل إلى علم الفلسفة الحديثة: اتبع خطوات الأرنب” لـ(فيليب هيبل) و من ترجمة (رانيا خليف).
 ومما أفرد فيه فصلاَ ماتعاً عَنْونه بالمتعة: فن الجمال، حيث طرح من خلاله تساؤلات حول ماهيّة الجمال.
 وبادئ ذي بدء تطرّق إلى علم الجمال الفلسفي، ووضّح بقصده بأنه علم الجمال والفن، ولكنه فضّل فصْل الجمال والشهوة والمتعة من ناحية، والفن والإبداع من ناحية أخرى.
و هذا الخليط تناوله (سقراط) في شخصية (إيروس): إله الحب و الرغبة، وحول تأثيره في حياة الناس، أو بتعبير أدق حياة الرجل. وفقاً لما رآه (سقراط) فإن بداخل كل رجل (إيروس)، أو شغف بالجمال.
يبدأ هذا الشغف بحب الأطفال الجميلين، ثم يتحول إلى حس جمالي تجاه الأشياء والأفعال، وعدد قليل من الناس يتطوّر إلى شغف بالمعرفة أو بالفلسفة، وبالتالي فإن التأمل باعتباره علامة من علامات النضج الفكري شيء يتميز به الجميع، ولكنه يقتصر على أولئك الأشخاص أصحاب الذوق الرفيع.
يرى (هيبل) بالفصْل بين الجمال و الفن، ويؤكد ذلك بقوله:
هناك فنون غير جميلة، وهناك جمال ليس فناً، مثل جمال الطبيعة.
وهذا يطرح تساؤلات حول علم الجمال الفلسفي منها:
ماهو الجمال؟ و ماهو الفن؟ 
ظلّ هناك ارتباط وثيق بين الاثنين لفترة طويلة، فقد ظل الفنانون يصنعون أعمالاً تخاطب الحواس بصورة إيجابية حتى عصرنا الحديث: مثل تماثيل الرخام الرشيقة، و السيمفونيات التي تدغدغ الآذان، و القصور الفخمة، وحركات الرقص السلسة، أما اليوم؛ فالجمال منفصل عن الفن، فالتصوير الفوتوغرافي للموضة والتصميم وموسيقى البوب مازالوا يخاطبون حاسة الجمال لدينا بصورة مباشرة، لكن الكثير من أعمال الفن لم تعد كذلك.
سؤال آخر وهو: هل هناك شيء جميل على المستوى العالمي، بمعنى: هل هناك شيء مّا يراه الناس جميلاً؟
قد تبدو أسئلة (سقراط) صالحة بالنسبة لرجال أثينا الأحرار القدماء، لكن السؤال هنا: هل يمكن تطبيقها على الرجال و النساء في كل العصور و كل الثقافات؟
يقول (هيبل):
إن من المثير للدهشة أن سقراط لم يتطرق في حواراته إلى السؤال عمّا يجعل الإنسان جميلاً!
هل يُمكننا الثقة في الأحكام التي نطلقها؟ 
تشير التجارب إلى أن ألفة الشعار، والاسم، والعلامة التجارية، قد تتفوق على تجربة المذاق الأصلي، فكلما كنا نرى الشعار كثيراً بدا لنا طعم ذلك المشروب الأسود أفضل. أو ربما نتخيل ذلك، إذن لن يستطيع مشروب أفري كولا أن يُجاري بيبسي أو كوكا كولا.
هناك خبر مفرح لصناع الإعلانات، وهو أن الحملة الدعائية الجيدة تستطيع التأثير على الأحكام المعروفة حول إحدى التجارب الأساسية، ألا وهي تجربة التذوق، وهذا يعني من منظور علم الجمال أننا كثيراً مّانخدع أنفسنا و بالتالي لا يمكننا أن نثق في أحكام الذوق التي نصدرها، إننا نادراً مانقول عن الكولا أن مذاقها جيد، لكن من حيث المبدأ يبدو أن تفضيلنا للمشروبات المنعشة لايختلف عن تفضيلنا للروائح، الألوان وحتى الأصوات.
يُطلق على هذا التناقض بين الشعور و الأحكام مصطلح: التنافر الإدراكي، فقد نخطئ في تقييم تجاربنا الجميلة و الممتعة لكثير من الأسباب:
لأننا نخدع أنفسنا، أو لأن ثمة إجابة معينة هي المتوقعة، أو لأننا تعودنا على التحدث بهذه الطريقة، وكي يصبح المرء أكثر وعياً فيجب عليه أن يثق في تجربته الشخصيّة.
نحن نقيّم تجاربنا بكل حكم نصدره، شئنا ذلك أم أبينا، وفي بعض الأحيان يستخدم الناس نفس معيار التقييم، فمن منا لم يجد خطاب أوباما في برلين قوياً و رائعاً؟
لكن المعيار غالباً ما يكون فردياً للغاية، فنحن نعبر في كل حالة عن علاقة بين الإنسان والجماد، على سبيل المثال: سلمى ترى الورود جميلة، وليست قبيحة أو عادية.
أما في المتعة الخالصة: 
فيعتبر (كانط) من رواد نظرية الجمال السببية الحديثة، والتي تقول: أن الشيء الجميل هو الذي يسبب المتعة. وحتى يومنا هذا وأفكار (كانط) الأساسية تهيمن على علم الجمال، لكن في نقده لقوة الحكم لم يتحدث عن “المتعة” و لكنه تحدث عن  “الإعجاب غير المغرض”، لأن الشيء يكون جميلاً عندما يعجبنا بصرف النظر عن مصالحنا و ميولنا، وإليك المثال التالي:
الآباء يجدون رسومات أبنائهم جميلة، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يعتقدون أن لوحة مّا جميلة و هم لا يعرفون صاحبها فذلك هو الإعجاب غير المغرض.
حتى اليوم يتساءل الفلاسفة: مالذي يميز متعة الجمال عن المتعة العادية، لكن هل هذا الاختلاف موجود فعلا؟
إن رؤية الشيء جميلاً تعتمد على أمرين. أولاً: خصائصه، ففي بلاد العجائب كانت (أليس) تعتبر ملكة القلوب بنوافيرها وأحواض زهورها الجميلة. و لم يحدث ذلك مع الحدائق القاحلة المقفرة.
ثانياً: صفات الإنسان، فلو أن (أليس) كانت مكتئبة أو محبطة لما وجدت حديقة الزهور جميلة، والكثير من الفلاسفة ينظرون فقط إلى الأشياء الجميلة و ينسون الرائي.
كل تجربة تسجل لدى الرائي قيمة معينة على مقياس المتعة، سواءً كانت إيجابية أو سلبية، و في بعض الأحيان من الصعب تحديد التجربة، لكن معظم الحالات تكون واضحة، وعندما يخلق فينا شيء ما السرور و المتعة، فإننا ننقل الجمال من التجربة إلى المصدر، فنحن نصف بعض الأشياء مثل سوناتات البيانو أو المناظر الطبيعية بأنها جميلة، لأنها تحدث دائماً نفس المعايشة، ويمكن أن تصف أكثر من شخص بأنه جميل، ويخمن أن ذلك الثبات يجعلنا نعتاد التركيز على الحواس البعيدة و هي النظر و السمع، ونتجاهل الحواس القريبة مثل اللمس أو اشم أو التذوق لأن مصادر التحفيز هنا تتلاشى بصورة أسرع.
يعقب ذلك بقوله: 
تعتمد المتعة على العوامل الذاتية: على شكل اليوم وخصائصنا الفردية وألفتنا للأشياء وتوقعاتنا.
يعتقد بعض الفلاسفة أن المتعة لابد أن تظهر مع التجربة في نفس الوقت، ولكن هذا ليس صحيحاً، فقد يظل الإنسان مأخوذاً لساعات بعد خروجه من حفلة موسيقية حتى و إن كانت الموسيقى قد تلاشت من وعيه منذ فترة طويلة، فليس من الضروري أن تتطابق مرحلة السمع مع مرحلة المتعة.
كان (إدموند بيرك) المعاصر لـ(كانط) أقل حساسية، ووفقاً لرأيه تكون الأشياء جميلة لأنها مشرقة أو صغيرة أو شفافة أو ملساء، و من الأمثلة التي ساقها على ذلك: الأحجار الكريمة و الحمام و النساء صاحبات الشعر الأملس والجلد الخالي من العيوب.
ومن الواضح أن هذه القائمة تكشف عن اهتمامات (بيرك) الشخصية و التفضيلات التي كانت سائدة في عصره.
و ينتقد رأي (بيرك) بقوله:
الخطأ الذي ارتكبه (بيرك) و غيره أنهم اعتبروا الجمال شيئاً مجسماً، ولذلك لم تعد النظريات الحديثة تركز على الأشياء المفردة، و لكنها تتحدث عن الانسجام والتعقيد والتماثل، عن العلاقات والبساطة. أي أنها تتناول بُنية الأشياء الجميلة، فقد تتغير الموضة أو أنواع الموسيقى لكن مبادئ التصميم الأساسية تظل كما هي، فليس هناك من يُعجب بالتنافر، هذا مايقوله أنصار النظريات، كما أن كل شخص يرغب في أن تبدو ملابسه مقنعة.
لكن حتى النظريات المجردة بها ثغرات، ذلك لأن مبادئها غالباً ماتكون عامة للغاية، فأحياناً تكون البساطة جميلة، وأحياناً أخرى يكون التعقيد جميلاً، وأحياناً يكون الشيء الجديد جميلاً، فكل شيء سواءً كان بسيطاً أو معقداً، معروفاً أو جديداً يمكن أن يكون جميلاً، فنحن نعرف ذلك بطريقة أو بأخرى.
و لهذا لم تعد هذه النظرية مُجدية، لو لم ننظر إلى الأشياء ونظرنا إلى المتفرج لوجدنا أن البساطة أو التماثل أو الألفة تكشف لنا عن أفضليات هذا المتفرج.
ماهو الحال مع الألفة؟ 
بعض الباحثين اعتبروا الألفة نوعًا من أنواع الجمال من الدرجة الثانية، لكن هذا الزعم قصير النظر. فغالباً ما تكون الأشياء الجديدة وغير المعروفة أكثر جمالاً من الأشياء المألوفة، والأرجح أن الألفة تعمل كمحفز للذوق، لكن هذا لا يحدث إلا مع الأشياء التي اعتبرناها قبل ذلك جميلة أو على الأقل محايدة، فألفة الأشياء القبيحة والجيران السيئين لا تجعلهم يبدون أكثر جمالاً.
الألفة والبساطة و التماثل ربما يكون ذلك الارتباط الجمالي بسيطاً للغاية، فمثلما يدفعنا الخوف أو الألم إلى تجنب مصادر الخطر فإن المتعة تجعلنا دائماً نبحث عن الأشياء الجميلة و الممتعة.
 وماهي المقوّمات التي يجب أن يمتلكها الفنان كي يصبح مبدعاً؟ 
 يقول الفيلسوف (يوهان جوتفريد هردر): “إن الفن يأتي من المقدرة و المعرفة“. لكن لا يبدو واضحاً ماكان (هيردر) يقصد بذلك الشيء، و قد عبر الممثل الكوميدي (كارل فالنتين) عن تلك العلاقة بصورة أوضح من (هيردر) و ذلك عندما قال: “الفن يأتي من المقدرة، لكن إذا جاء من الرغبة فهو إذن رغبة فنية“
واليوم، أصبح التمييز بين الفنان الحقيقي والغير حقيقي أمراً صعباً، فقد كانت المهارات اليدوية قديماً هي العنصر الحاسم، أما اليوم فالعنصر الحاسم هو موهبتك في الدخول لسوق الفن.
وقد يقول واحد من غير المثقفين على المستوى الفني: “حتى طفلي الصغير يستطيع أن يفعل ذلك!”، لكن الشخص المتذاكي سيقول: “عليك أن تبدأ أولاً“، والاثنان غير محقين، لأنه لا توجد معايير موضوعية لجودة الفن الحديث، فإن الفنان ليس مضطراً لأن يكون أصلياً للغاية، فالفن اليوم يعتمد على فهم سيكولوجية سوق الفن، أي لعبة السلطة التي يمارسها أصحاب المعارض الفنية و منظموها. والسؤال من يحتفي بمن؟ و من الذي يوصي؟ و بمن يوصي؟ و ماهي العداوات المشتعلة داخل مجلس منظمي المعارض؟ و من الذي يكتب النقد المهم؟
يُجيب قائلاً:
سوف تعثر دائماً على سبب واحد على الأقل يجعل العمل جيداً على المستوى الفني: مثلاً أن يكون استفزازياً لأنه خام، أو عميقاً لأنه رقيق، أو مميزاً لأنه يملأ المساحات أو يتركها خالية. فلا توجد معايير، وبالتالي فإن الخطاب الفني يبدو غريباً للغاية.
أما عن الفن المعاصر فيقول:
الكثير من الفنانين المعاصرين يزعمون أنهم لا يريدون صناعة فن جميل، و لكنهم يفضلون التشكيك في عادات الرؤية أو هدم شيء معين مثل الهياكل القديمة. وقد كان لـ(كافكا) نفس الرأي فيما يخص الأدب: “يجب أن يصبح الكتاب هو الفأس الذي يحفر البحر المتجمد بداخلنا”.
وسواءً كان هذا الفأس هو العتلة أو الزخرفة فإن كل تلك التعبيرات المجازية تتناول تأثير الأعمال علينا سواءً كان تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، و لهذا يمكن تصنيف الفنون وفقاً لتأثيراتها، فهناك الموسيقى، وعلى النهاية الأخرى يوجد الأدب الذي يخاطب أولاً أفكارنا ومخيلتنا وبعدها يثير فينا المشاعر، أما الفنون الجميلة فهي تخدم كل مايقع بين النهايتين المتطرفتين للموسيقى والأدب: فبعض الأعمال تطير العقول وتصيبنا بالاضطراب و تفاجئنا بغتة و بطريقة مباشرة دون أن نعرف لماذا.
أما بعضها الآخر فنلجأ إلى تفسيره و تصنيفه، فلا نفهم السخرية و الرموز إلا بعد تفكير متأنِ، و بعض الأعمال تفتقر إلى متعة الجمال وبعض الأعمال الأخرى تكون متعة الجمال مجرد تأثير واحد. من بين تأثيرات أخرى عديدة، فهل يمكن تفسير التأثيرات الأخرى؟ 
لفترة طويلة ظل النقاد ينظرون إلى الفنون الجميلة من منظور علم الأدب، فكان تفسير الرموز والاستعارات يحتل الصدارة، حيث كان الناقد يتساءل: كيف يمكن تصنيف ذلك العمل الفني في التاريخ؟ و كان الأمر هنا يتعلق بالتناصّ، ويقصد بالتناص إحالة العمل إلى أعمال أخرى، وكان النقد يتناول التلميحات والاقتباسات الواردة في العمل، وعلاقة العمل بالموضوعات الثقافية الكبرى مثل الجنس، الموت، السلطة و الواقع. ولم تكن مشاعر الفنان وحسّيته تلعب دوراً مهماً، أولا لأنها تعتبر ذاتية و بالتالي لا يمكن بحثها بحثاً علمياً، وثانياً لأنه في لحظة التأمل البارد و لحظة التفسير تكون المشاعر الدافئة قد تلاشت.
لقد تبنى الفيلسوف الأمريكي (جيرولد ليفينسون) هذا المنظور الفكري، وهو يرى أننا لا نجد متعة في الفن إلا عندما نفهمه و نمعن التفكير فيه، أما زميله (كيندال والتون) فكان يرى أننا نبحث في الفن عن الأشياء القيّمة، تلك الأشياء التي تثير فينا الإعجاب، لكن الاثنين يبدوان وكأنهما أعضاء في مجلس طلابي يقولان لأحد الطلاب في أثناء إحدى الرحلات إلى المتحف، إن الفن يجب أن يبعث على التفكير، والحقيقة أن الفن قد يبعث على التفكير في بعض الأحيان، لكنه غالباً ما يسبب المتعة. و قد لاتكون له أي تأثيرات مقصودة.
في مواجهة ذلك المنظور التقليدي تبنى الباحثون في العصر الحديث المنظور العاطفي، فهم يسألون عما يمكن أن يثيره الفن بداخلنا: حيث يسألون عن المشاعر والتأثيرات المختبرة، وغالباً مايفعلون ذلك اعتماداً على نتائج بحوث العواطف والوعي و كيف تولد فينا الصور و التماثيل الاشمئزاز أو الإعجاب، المتعة أو الحيرة، الرغبة أو الدهشة، ولماذا تبعث بعض الأعمال الفنية على الراحة بينما تبدو الأخرى مستفزة.
يعتقد الفيلسوف الأمريكي (جيسي برينز) أن تقديرنا الجمالي ينبع من شعور أساسي لدينا، ولا يمكن أن يكون هذا الشعور هو الإعجاب، لأسباب كثيرة منها: أننا على الأرجح نعجب بالأشخاص و ليس بالأعمال الفنية، و لا يمكن أن يكون هذا الشعور هو متعة الجمال، لأن الكثير من الأعمال الفنية لا تكون جميلة على الإطلاق، ولا يمكن أيضًا آن يكون الاهتمام، لأنه وفقاً لما يراه (برينز) فإن تقديرنا للأعمال الفنية يرجع إلى ذلك المزيج، أو الشعور الإيجابي المجهول الذي يثير فينا الاهتمام و العشق.
يعلق على المنظورين بقوله: 
لكن كلا المنهجين -الفكري و العاطفي- يغفلان شيئًا مّا، فالمنهج الأول يصور تأثير الفنون الجميلة بأنه تأثير فكري بحت، حيث يستثني العديد من المشاعر، أما الاتجاه المضاد فيملأ هذه الفجوة، لكنه يفشل في التعرف على العمل الفكري عند النظر إلى أي عمل فني، على الرغم من أن الشيء الذي يميز الإنسان هو قدرته على التفكير و المراجعة.
إن الفن يخاطب كل مافينا، أفكارنا و مشاعرنا، وفي كثير من الأحيان يفاجئنا لكننا في بعض الأحيان قد نعجب بعمل دون أن نصاب بالدهشة. إن الإلمام الجمالي المزدوج بالتفكير و الشعور يلعب دوراً مهماً في فهم أحد الفروع البحثية الحديثة و هو علم الجمال العصبي.
منذ بعض الوقت و العلم يكشف الكثير من الأشياء عن حياتنا الفنية، و في هذا يطرح (هيبل) سؤالاً بقوله:
مالذي كشفته أبحاث الدماغ عن الفن؟
و في ذلك كتب عالم الأعصاب الهندي (فيلاينور راماشاندران) في طيّ أطروحته مقالاً يعتبر أحد أهم المراجع الرئيسية في علم الجمال العصبي وهي: “علم الفن” تناول فيها القوانين العالمية الفعلية للفن ويخلص بنا بأن (راماشانداران) قصد بالفن الفنون الجميلة و لم يتناول الفنون الأخرى مثل الأدب والموسيقى والرقص وتركيب العطور، حيث أنه توجه لبحث الأعمال التصويرية التي يقصد بها تلك الأعمال التي يستطيع المرء أن يميز فيها الأشخاص والأشياء مثل شخصيات المعابد الهندية، ولوحات المناظر الطبيعية، والرسوم الكاريكاتيرية، وصور العراة، وهذا يشرح إحدى مشكلات فن الجمال العصبي: “لقد اقتصر على جزء صغير من الفن، لكن كعادته يمارس التعميم”.
كان (راماشاندران) متأكداً بأن 90% من الفنون الجميلة تتوقف على الأحداث الثقافية العشوائية، وقال أنه يهتم فقط بالـ 10% الباقية التي يستند إليها كل عمل فني، وكانت قوانينه العشرة العالمية هي:
المبالغة (إننا نحب الأشياء التي تتناسب معاً)
المجموعة (إننا نحب الأشياء التي نتناسب معها)
التباين (نحن نحب الأشياء التي تتميز عن الخلفية)
العزل (نحن نحب ما يلفت انتباهنا)
تأثير الفطنة المفاجئة (نحن نحب اكتشاف الأشياء)
التماثل (نحن نحب محاور المرآة)
المنظور (نحن نحب وجهة النظر الطبيعية)
التكرار (نحن نحب الكثير من نفس الشيء)
التوازن (نحن نحب التوازن)
وأخيرا المجاز (نحن نحب نقل جانب إلى جانب آخر).
ثم يسأل (رامشاندران) عن الميزة التي ساهمت بها قدرتنا على إنتاج الفن في التطور، وينتقد بعض الاقتراحات، فيقول: “إن الفن لا يخدم التنسيق بين العين و اليدين، كما أنه لا يوضح الثراء، حتى و إن كان الثراء هو هدف الكثير من الفنانين الآن، إن الفن البديل هو قصور مخيلتنا، فمن خلال الصور الحقيقية كان أجدادنا يستحضرون شيئاً مّآ أصبح باهتاً في خيالنا”.
يعقب بذلك:
ربما كان الأمر هكذا في يوم من الأيام لكن مبادئ (راماشاندران) للفن عامة جداً حتى أنها تشمل العملية الإبداعية بأسرها، فكل عمل إنساني يفعل أحد الأشياء التالية: فهو إما يعزل أو يبالغ أو يكرر أو يتباين أو يصنع مجازاً أو يلفت الانتباه. فدائماً ما يصدق أحد القوانين على أي عمل إنساني، و يبدو وكأن (رامشاندران) يستطيع أن يفسر شيئاً واحداً.
يختم الفصل الذي خصصه لفن الجمال بقوله:
إن الفن يخاطب حواسنا و مشاعرنا، سواءً كان أدباً أو موسيقى أو رسماً، ولكنه أيضًا يخاطب معارفنا الثقافية و أفكارنا، إن الفن يتحدى كل قدراتنا الفكرية، وهو مايجعله مميزاً، ولا بد أن هناك تفسيراً عصبياً لكل تحد من هذه التحديات: تفسير لمتعة الجمال والدهشة أو حتى الحيرة.
والأفكار هي أصعب ما يمكن اكتشافه و بحثه، لأنها متقلبة جداً وتثير أفكاراً أخرى كثيرة، وقد نعجب بمفاجآت الطبيعة، والفنون القادمة كم هي جميلة!