أرشيف الوسم: جيمس جويس

كيف تكتب بأسلوب.. نصائح كورت فونيجت حول الكتابة

إشتُهر الكاتب الأمريكي كورت فونيجت (1922 — 2007) برواياته وقصصه القصيرة. فقد ألَّف أربعة عشر رواية وثلاثة مجموعات قصصية  قصيرة وخمس مسرحيات وأعمالًا غير روائية نُشرت خلال مسيرته المهنية التي امتدت لأكثر من خمسين عامًا. 

إن أكبر جُرم ترتكبه في حقِ نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للإهتمام وما هو دون ذلك.

قدَّم إلينا (كورت فونيجت)، منذ الحادي عشر من نوفمبر من عام 1922 وحتى الحادي عشر من إبريل من عام 2007، جُملةً من النصائح الخالدة حول فن وحرفة الكتابة.

فمن نصائحه الثمانية لكتابةٍ قصصيةٍ رائعة إلى رؤيته حول أشكال القصص وصولًا إلى الروتين اليومي العتيد. لكن كان نادرًا أن يتناول هذا الموضوع أي شيء بفاعلية تمزج بين النصائح العملية والجوهر كما تناولتها مقالة فونجيت «كيف تكتب بأسلوب»، التي نُشرت عام 1985 ضمن مقتطفات أدبية رائعة في كتابه (كيفية استخدام قوة الكلمات المطبوعة). فكانت إضافة مذهلة إلى أفضل نصيحة حول الكتابة عبر التاريخ، نترجمها لكم بشكل حصري في ساقية.

يبدأ (فونيجت) بحملة تقريع ضد التقارير الصحفية الخالية من العواطف – وهو أمرٌ جوهري في خضم النقاشات المعاصرة حول ما يجب أن تكون عليه شخصية الكاتب- بالإضافة إلى تأمل أحد العناصر المهمة جدًا في الأسلوب:

يُدرَب المراسلون الصحفيون والكتّاب الفنيون على عدم إظهار ما يشير إلى شخصياتهم في كتاباتهم. مما يجعلهم غريبي الأطوار في عالم الكتابة؛ في حين أن الكثير من الكتّاب الآخرين يقدمون أنفسهم لقرّائهم من خلال كتاباتهم. ونحن نشير إلى هذه الإيحاءات -بقصد أو من غير قصد- بعناصر الأسلوب.

فهذه الإيحاءات تُخبِرنا نحن القرّاء عن الشخص الذي نقضي وقتنا بالقراءة له. هل الكاتب على قدرٍ من العلم أم جاهلًا، ذكيًا أم غبيًا، جادًا أم هازلًا؟ وغير ذلك الكثير.

لم يجب عليك أن تُمعن النظر في أسلوب كتابتك مع فكرة تطويره؟ لأن هذا يُعد بمثابة إحترام تُظهره لقرّائك أيا كان ما تكتبه. إن كتبت أفكارك دون أن تُلقي لها بالًا، فمن المؤكد أن يساور قرّاءك شعورًا بعدم اهتمامك بهم، وسيشار إليك مهووسًا بالأنا، ولربما ذهب بعضهم شأوًا أبعد من ذلك فعزفوا عن القراءة لك.

إن أكبر جُرم ترتكبه في حق نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للإهتمام وما هو دون ذلك. ألست أنت في قرارة نفسك تُبدي إعجابًا بكتّاب وتُقصي آخرين وذلك حسب اختيارهم لأطروحاتهم أو ما يدفعك للتفكير بشأنه؟ هل نال استحسانك يومًا كاتبًا أو كاتبة ذوي عقلٍ فارغ لمجرد البراعة والإتقان في استخدام اللغة؟ لا.

لذلك يجب أن يبدأ أسلوبك الخاص من بناتِ أفكارك.

وأنشأ (فونيجت) يخط لنا القواعد الثمانية لكتابة إبداعية:

أولًا: جِد موضوعًا تهتم بشأنه

جد موضوعًا تهتم بشأنه وتشعر في داخلك بأن الآخرين سيبدون اهتمامًا به أيضًا. إنّ ما سيكون عنصرًا مقنعًا وجذابًا في أسلوب كتابتك هو الإهتمام الصادق الذي يشعره القرّاء بما تكتب وليس تلاعبك بألفاظ اللغة.

بالمناسبة، لست أحاول دفعك لكتابة رواية ما –رغم أنني لن أكون آسفًا إن فعلت– تمنحك شعورًا صادقًا بالإهتمام بشيء ما. لكن ربما كانت كتابة عريضة لرئيس البلدية تخبره فيها عن حفرة في الطريق أمام باب منزلك، أو رسالةً تٌعبر فيها عن حُبك للفتاة التي تقطن بجوارك، كفيلةً بمنحك شعور الإهتمام الذي تصبو إليه.

ثانيًا: لا تثرثر دون هدف، وإن شعرت برغبة في ذلك

لن أُسهب في الحديث عن هذا الأمر.

ثالثًا: تحلى بالبساطة

وفيما يخص استخدامك للغة، تذكر دومًا أن جهابذة الأدب مثل (ويليام شيكسبير) و(جيمس جويس) كتبا عبارات بمستوًى طفولي في حين أن أطروحاتهم كانت عميقة إلى مالا نهاية.

«أكون أو لا أكون؟ To be or not to be»

سؤال طرحه (هاملت) في مسرحية لـ(شكسبير)، هي أطول كلمة شكّلتها ثلاثة حروف وحسب. وحين كان (جويس) متحمسًا، كان بمقدوره أن يخطّ عبارات معقدة ومتألقة كقلادة كليوباترا، ولكن هناك جملة استأثرت بإعجابي دون غيرها وهي « لقد كانت مُتعبَة». في تلك المرحلة من القصة، لم تستطع أي كلمة أن تهز قلب القارئ كما فعلت هذه الكلمات الثلاث.

البساطة في اللغة ليست أمرًأ مستحبًا فحسب، بل لربما وصلت إلى القداسة. و كانت الجملة « في بادئ الأمر خلق الله السماء والأرض» التي استُهل بها الإنجيل خير مثال على المهارة الكتابية لشخص في عامه الرابع عشر.

رابعًا: امتلك شجاعة الاقتطاع

لربما كنت أنت أيضًأ قادرًا على صناعة قلادات لكليوباترا، إن صح التعبير. ولكن يجب أن تكون فصاحتك خادمة لكل تلك الأفكار التي في رأسك. وقد تكون هذه قاعدتك: اقتطع من كتابتك كل جملة لا تضيف أدنى توضيح لموضوعك بطريقة أو بأخرى، مهما كانت تلك الجملة جيدة وبليغة.

خامسًا: كن نفسك

أسلوب الكتابة، والذي يٌعد أكثر أمر طبيعي بالنسبة إليك، يتوقف على صدى ما تردده على مسامعك من حديث أيام طفولتك. كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الثالثة للروائي (جوزيف كونراد). وأسلوبه اللاذع حين يستخدم اللغة الإنجليزية في حديثه ليس سوى تأثره باللغة البولندية بلا شك و التي كانت لغته الأم. ومحظوظ حقًا هو الكاتب الذي نشأ في إيرلندا، حيث للغة الإنجليزية هناك وقعٌ عذب موسيقي ومحبب جدًا. أما أنا فقد نشأت في إنديانابوليس، حيث اللغة الدارجة هناك  تشبه صوت مجموعة مناشير تقطع صفيحًا مطليًا بالزنك، وتستخدم الكلمة خالية من أي جماليات.

لا حظت أنني أثق بكتاباتي أكثر من غيرها، وكذلك يفعل الآخرون حين أبدو على حقيقتي كشخص من إنديانابوليس. ما هي البدائل التي أملكها؟ إنها تلك النصيحة التي يوصي بها الأساتذة بشدة، ولا بد أنها قد أُلقيت على مسامعك ذات يوم: أن اكتب كمثقف إنجليزي من القرن الماضي أو من قرون سالفة.

سادسًا: قل ما تعنيه

إعتاد الأساتذة أن يصبوا جام غضبهم علي، ولكن لم يعد الأمر كذلك. فلقد أدركت الآن أن كل تلك المقالات التي اعتدت مقارنة عملي بها لم تكن مهمة بسبب قِدمها أو غرابتها، بل لأن كتّابها قالوا ما يريدون قوله تمامًا. لطالما سألني أساتذتي أن أكتب بدقة، وأن أختار أكثر الكلمات تأثيرًا وعمقًا، وأن أربط فيما بينها بصرامة ودون لبس كما تُجمع أجزاء الآلة. لم يشأ أساتذتي تحويلي إلى رجل إنجليزي في نهاية المطاف. لقد كانوا آملين أن أغدو كاتبًا يسهل فهمه. وأخذ بي الحلم إلى أن أحذو حذو (بابلو بيكاسو) في تعامله مع الطلاء، أو عمالقة موسيقى الجاز في تعاملهم مع الموسيقى.

إن أنا خرقت قواعد علامات الترقيم، وكتبت عبارات لا تحمل من المعاني سوى ما أردت لها أن تحمل، وجمعت هؤلاء معًا على وتر واحد خلطت فيه الحابل بالنابل، فإنني وبكل بساطة لن أستحيل كاتبًا يسهل فهمه. والأمر سيان بالنسبة إليك. لا تتبع أسلوب (بيكاسو) أو عازفي موسيقى الجاز في كتاباتك إن كنت تملك حقًا ما يستحق أن يُقال وتريد أن يفهمك الآخرون.

يطلب منا القرّاء أن تبدو صفحاتنا كتلك الصفحات التي رأوها سابقًا، ولماذا؟ لأن لديهم عملًا صعبًا، ويحتاجون منا كل صنوف المساعدة التي يمكن أن نقدمها لهم في سبيل إنجاز ذلك العمل.  

سابعًا: كن رحيمًا بالقرّاء

لدى القرّاء الآلاف من العلامات الصغيرة التي يجب عليهم قراءتها وتفسيرها في الوقت عينه. عليهم أن يقرؤوا، والقراءة فن صعب جدًا حتى أن معظمهم لا يتقنه تمامًا على الرغم من دراسته له خلال إثني عشر عامًا في المدارس الابتدائية والثانوية.

إذن، يجب أن يُفضي هذا النقاش إلى أن خياراتنا الأسلوبية ككتّاب يجب أن تكون بعيدة كل البعد عن كونها مبهرةً ومتعددة في حين أن قراءنا ليسوا فنانين محترفين.

يسألنا قرّاؤونا أن نكون أساتذة متعاطفين، وصبورين، ومستعدين دائمّا للتبسيط والإيضاح، حتى وإن كان باستطاعتنا، عوضًا عن ذلك، أن نعلو فوق الحشود ونغني كالعنادل.

كانت تلك هي الأخبار السيئة، أما الجيد منها فهو أننا نحن الأمريكيون نعيش في ظل دستور فريد من نوعه، يمنحنا حق الكتابة في كل ما نريد الكتابة عنه دون الخوف من العقاب. ولذلك فإن الجانب الأكثر معنًى ووضوحًا في الأساليب لدينا، ألا وهو اختيارنا لما نريد الكتابة عنه، غير محدود البتة.

ثامنًا: لنصيحة أكثر تفصيلًا

ولمناقشة الأسلوب في نطاق أضيق وأكثر مهنية، أود لفت انتباهك إلى عناصر الأسلوب التي وضعها (ويليام سترانك) و(إلواين بروكس وايت). يُعد (إلواين وايت) أحد أكبر جهابذة مصممي أساليب الأدب الذين أنجبتهم هذه البلاد.

وعليك أن تعي أيضًا أنه ما كان أحدًا ليلقي بالًا عن مدى إجادة أو إخفاق السيد (وايت) في التعبير عن ذاته إن لم يكن لديه أشياء ساحرة يقولها.

[المصدر]