أرشيف الوسم: حكمة حياتية

دروس حياتية من د. علاء جواد كاظم

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية، ومحاضر في جامعة بغداد بالعراق. قام بنشر وصايا حياتية، أو دروس من الحياة، افتتحها بالمقولة التالية:

رسالة لك أنت: اختياراتنا التي نتخذها في حياتنا، ترسم وتحدد، بشكل نهائي حياتنا وأقدارنا وحتى مصائرنا، فاعمل يا صديقي كل ما بوسعك لكي تكوّن اختياراتٍ واعية وناضجة.

ثم يقول في هذه الدروس:

  • أنت تتخرج لمرة واحدة في حياتك، إذًا ليكن اختيارك نابعًا من عقلك وإرادتك، وليس باختيار الشائع أو التقليدي، اختر ما تحب أن تكون وليس ما يريدون منك أن تكون.

  • أنت تحب أو تتزوج لمرة واحدة، إذًا اختر المرأة / اختاري الرجل / الشريك الذي يملك القدرة على أن يقف إلى جانبك لما تبقى لك من العمر، الذي / التي يملك أن يصنع حياة جميلة في زمن تتضاءل فيه فرص الحياة والحياء.

  • في العراق، أنت لا تقرأ إلا مرة واحدة، وبعدها تُشعرك التفاهة اليومية بالندم وعدم الجدوى من القراءة! إذًا عليك أن تختار الكتاب الأجمل والأعمق، الكتاب الذي سيترك في عقلك مليون سؤال.

  • أنت لا تفكر إلا مرة واحدة، إذًا فكّر بما هو عظيم، ولا تستسلم للأفكار الصغيرة.

  • أنت لا تُمارس إرادتك إلا في ظروف استثنائية، وربما لمرة واحدة، إذًا دع إرادتك تحطم كل القيود.

  • أنت لا تُولد إلا مرة واحدة، إذًا فاصنع من نفسك نسخة حقيقية لإنسانية لا تتكرر، ولا تُستنسخ، ولا بديل لها.

  • في هذه المجتمعات المتعفنة، أنت لا تستمع إلى الموسيقى إلا لمرة واحدة، غالبًا ما تكون محكومًا بالصدفة، إذًا فاستمع إلى موسيقى (شوبان) العظيمة وكأنك تستمع للغة الآلهة الإغريقية الجميلة.

  • أنت لا تبكي في هذه المجتمعات الذكورية – البذيئة – إلا مرة واحدة، ابكِ بكل ما تملك إنسانيتك من حقيقة وحميمية، ولا تتوقف، ولا تجعل من حزنَا (مطر الصيف) ما بلل اليمشون.

  • أنت لا تحلم في هذا البلد إلا لمرة واحدة، إذًا تمسّك بحلمك ولا تفلته .. “كمّش به بيديك وسنونك”.

  • أنت لا ترحل إلا مرة واحدة، إذًا إياك وأن تعود، إياك أن تعود ما دمت قد اخترت الرحيل.

  • أنت لا تموت إلا لمرة واحدة، إذًا لا تستسلم للموت، إياك أن تستسلم له، قاتله بالحياة، اهزمه، اقهر الموت مثلما فعل (كلكامش) عندما قهر الموت وبقي كل هذه الآلاف من السنين، نسينا الموت، وتذكرنا العظيم (كلكامش).

ساراماغو يكتب نصائحه لمستقبل إنساني أفضل

saramago٥

جوزيه ساراماغو (1922 – 2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

نشر (ساراماغو) في كتابه (المفكرة) مقالة يتحدث فيها عن بعض الوصايا الحياتية، من وجهة نظره الشخصية، وكيف يجب أن نتعامل مع هذا العالم المليء بالمآسي، وعن المستقبل. يقول مبتدئًا مقالته:

منذ أيام قليلة قرأت مقالة كتبها (نيكولاس ريدوكس) مؤلف (الأقل يساوي أكثر: مدخل إلى فلسفة الانحطاط). لقد جعلتني أتذكر كيف شاركت منذ بعض السنوات، عشية الألفية التي نعيش فيها الآن، في اجتماع في (أوفييدو) حيث كان بعض الكتّاب يقترحون أن نصوغ الأهداف والغايات لأجل الألفية الجديدة. كان يبدو لي طموحًا نوعًا ما أن أناقش ارتجالًا  ألفية بكاملها، أتذكر أنني تقدّمت باقتراحات محددة، فتشت سواقة القرص الصلب في حاسوبي، وقررت أن أستعيد بعضًا مما كتبت في ذاك اليوم، في وقت يبدو فيه الآن أكثر صلة بالموضوع من ذي قبل.
بخصوص رؤى المستقبل، أرى أنه كان من الأفضل ألا نشغل أنفسنا بأكثر من الغد، عندما، نثق، يمكن أن يمكن أن نبقى أحياء. في الواقع، لنتخيل أنه في عام بعيد مثل 999، في جزء أو آخر من أوروبا، كان القليل من الحكماء وكثير من اللاهوتيين في ذاك الوقت قد صمموا على التكهن بما سيكون عليه العالم بعدئذ بألف عام، فأنا متأكد من أنهم كانوا سيخطئون في كل شيء. مع ذلك ثمة مسألة واحدة كان من الممكن أن يكونوا مصيبين فيها تقريبًا ؛ أنه سيكون ثمة اختلاف طفيف بين الكائن البشري المشوش اليوم، الذي لا يعرف ولا يهتم بالاستفهام إلى أين هو ذاهب، والأشخاص المرعوبين في القرون المنصرمة، الذين كانوا يؤمنون بأن نهاية العالم هي وشيكة. بالمقارنة، أعتقد أنه كان بإمكاننا أن نتنبأ جيدًا بعدد أكبر بكثير من كل أصناف الاختلافات بين نوع البشر. نحن اليوم، وأولئك الذين سيأتون، ربما ليس حتى في ألف بل في مئة فقط من السنين. بعبارة أخرى، قد نشترك مع الذين سيعيشون عليه بعد مئة من الآن .. والعالم الآن هو حقًا على وشك أن ينتهي، في حين كان منذ ألف عام لا يزال مزدهرًا.
ثم يتابع مقالته فيقول:
بخصوص موضوع ما إذا كان العالم ينتهي أم لا، ما إذا كانت الشمس ستشرق غدًا أم لا، لماذا لا نعوّد أنفسنا على تأمل الغد، اليوم الذي نعرف فيه أننا سنكون محظوظين بكوننا أحياء؟ بدلًا من الاقترحات الكثيرة الطموحة بلا مبرر من أجل وحول الألفية الثالثة، التي هي ذاتها ستختصر على نحو أكثر من محتمل كل هذه التوصيات إلى غبار، لماذا يتعين علينا ألا نقرر التقدم بأفكار بسيطة قليلة، بالتوازي مع عدد المشاريع الممكن فهمها للناس الأكثر ذكاء بشكل معقول؟
ثم يبدأ اقتراحاته للحياة، فيقول:
إذا لم يكن ثمة اقتراحات أفضل، فأود أن أبدأ باقتراح أن نقوم بالتالي:
(1) أن نسمح للتطور ليس من الأمام بل من الخلف، ما يعني تلك الجماهير المتنامية من السكان الذين خلفتهم النماذج الحالية للتطور، التي ينبغي الآن أن تصبح الخط الأمامي،
(2) أن نخلق إحساسًا جديدًا بالواجب الإنساني، يجعله متبادل الاعتماد كليًا مع ممارسة حقوق الإنسان،
(3) أن نعيش ببساطة، مثل الهائمين بحثًا عن الطعام، بفرض أن الإرث أو المنتجات، والسلع وثمار الكوكب ليست غير قابلة للنضوب،
(4) أن نحل التناقض بين الجزم بأننا جميعًا قريبين بشكل متزامن مع بعضنا البعض، والدليل على أننا نشعر يوميًا بأننا أكثر فأكثر عزلة،
(5) أن نقلص الفرق بين الذين يعرفون كثيرًا والذين يعرفون قليلًا، الذين يتزايد حاليًا من يوم إلى يوم.
أظن أن غدنا سيعتمد على الأجوبة التي نقدمها على هذه الأسئلة، ومعظم أيامنا بعد الغد. على مدى القرن القادم كله ناهيك عن الألفية الثالثة.
لذلك، دعونا نعود إلى الفلسفة.

من نظرات المنفلوطي عن العام الجديد!

MustafaLutfial-Manfaluti

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

يتحدث لطفي المنفلوطي في أحد مقالاته التي نشرها في كتابه النظرات عن العام الجديد، قائلاً:

علام يهنئ الناس بعضهم بعضاً؟ وماذا لقوا من الدنيا فحرضوا على البقاء فيها؟ ويغتبطوا المراحل التي يقطعونها منها؟ وهل يوجد بينهم شخص واحد يستطيع أن يزعم أنه أصبح سعيداً كما أمسى؟ أو أمسى سعيداً كما أصبح؟ أو أنه رأى بروق السعادة قد لمع في إحدى لياليه ولم ير بجانبه مايرى في الليلة البارقة من رعود قاصفة، وصواعق محرقة، وشهب متطايرة؟

بأية نعمة من النعم، أو صنيعة من الصنائع تمن يد الحياة على إنسان لا يفلت من ظلمة الرحم إلا إلى ظلمة العيش، ولا يفلت من ظلمة العيش إلا إلى ظلمة القبر، كأنما هو يونس، الذي التقمه الحوت فمشى في ظلمات بعضها فوق بعض! وأية يد من الأيادي أسدتها الأيام إلى رجل يظل فيها من مهده إلى لحده حائراً مضطرباً، يفتش عن ساعة راحة وسلام تهدأ فيها نفسه، ويثلج صدره، فلا يعرف لها مذهباً ولايجد لها سبيلاً، إن كان غنياً اجتمعت حوله القلوب الضاغنة، واصطلحت عليه الأيدي الناهبة، فإما قتلته وإما افقرته، وإن كان فقيراً عد الناس فقره ذنباً جنته يداه، فتتناوله الأكف بالصفع والأرجل بالركل والألسن بالقذف، حتى يموت الموتة الكبرى بعد أن مات الموتة الصغرى، وإن كان عالماً ولع الحاسدون بذمه وهجوه، وتفننوا في تشويه سمعته، وتسويد صحيفته ولا يزالون به حتى يعطيهم العهود والمواثيق التي يرضونها أن يعيش عالماً كجاهل يدركه الموت، وإن كان جاهلاً اتخذه العالمون مطية يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا يهادنونها ولا يرفقون بها حتى يعقروها. وإن كان بخيلاً ازدرته القلوب واقتحمته العيون وتقلصت له الشفاه، وبرزت له الأنياب، حتى تحرقه، وإن كان كريماً محسناً عاش مترقباً في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم إما لأنه أذاقهم جرعة باردة فاستعذبوها فاستزادوه فلم يفعل، فهم ينتقمون منه، أو لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يخيل إليهم أن المحسن يريد أن يبتاع منهم نفسه بما يسدي، وهم يأبون إلا أن يتناولوا من الإحسان بلامقابل فهم ينقمون عليه إن عرف كيف يفلت من أيديهم.

لا سعادة في الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء على هذا المجتمع البشري، ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس، واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف، فعرف كل ذي حق حقه، وقنع كل بما في يده عما في يد غيره، فلا يحسد فقير غنياً، ولا عاجز قادراً، ولا محدود محدوداً، ولا جاهل عالماً، وأشعرت القلوب الرحمة والحنان على البائسين والمنكوبين فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولا عار بين الكاسين، وامتلأت النفوس عزة وشرفاً، فلا يبقى شيء من تلك الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين مرة والإنسانية أخرى، ولا ترى طبيباً يدعي علم مالم يعلم ليسلب المريض روحه وماله، ولا محامياً يخدع موكله عن قضيته ليسلب منه فوق ماسلب منه خصمه، ولا تاجراً يشتري بعشرة ويبيع بمائة، ثم ينكر بعد ذلك أنه لص خبيث، وكاتباً يضرب الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما.

ومادامت هذه المطالب أحلاماً كاذبة وأماني باطلة، فلامطمع في سلام ولا أمان، ولا أمل في سعادة ولاهناءة، ولا فرق بين أمس الدهر ويومه ولا بين يومه وغده، ولافرق بين مغفلات أيامه غير ماعرفت وماذاق أحد من نغماته غير ماذقت، وليفرح بالعام الجديد من حمد ما مضى من أيامه وسالف أعوامه. 

المشاعر الثلاث التي حكمت حياة برتراند راسل

Bertrand Russell

برتراند راسل -الفيلسوف والرياضي والمؤرخ البريطاني- يتحدث في عدة فقرات جياشة عن ثلاث مشاعر رئيسية في حياته، أضافها لسيرته الذاتية وهو في عامه الرابع والثمانين.

ثلاثة مشاعر، بسيطة لكنها غامرة بقوة، تحكمت في حياتي: اللهفة للحب، البحث عن المعرفة، والشفقة التي لا تطاق لمعاناة البشر. هذه المشاعر، مثل العواصف العظيمة، عصفت بي هنا وهناك، في مسار صعب المراس، على محيط عميق من الكرب، يصل إلى حافة اليأس البعيدة.

سعيت للحب، أولًا، لأنه يأتي بالبهجة الشديدة – والبهجة شيء عظيم لدرجة أنني مستعد أن أضحى بباقي عمري من أجل ساعات قليلة من هذه السعادة. سعيت إليه، ثانيًا، لأنه يخفف الوحدة – هذه الوحدة الشنيعة التي تجعل الوعي المرتعش للشخص ينظر من على حافة العالم إلى الجحيم البارد المبهم الخالي من الحياة. سعيت إليه، أخيرًا، لأنه بالتوحد مع الحب رأيت، بصورة صوفية، الرؤية المتنبئة للجنة التي تخيلها القديسين والشعراء. هذا ما كنت أسعى إليه وبرغم أنه ربما يبدو جيدًا جدًا بالنسبة لحياة بشرية، هذا هو ما وجدته، أخيرًا.

بشغف مساوي سعيت إلى المعرفة. تمنيت أن أفهم قلوب البشر. تمنيت أن أعرف لماذا تلمع النجوم. وحاولت أن أدرك القوة الفيثاغورية التي تسيطر فيها الأرقام على تدفق الأشياء. قليل من هذا، وليس الكثير، استطعت أن أحققه. الحب والمعرفة، بحسب ما كانا ممكنين، قاداني إلى أعلى في السماء. لكن الشفقة دائمًا ما أعادتني ثانية إلى الأرض. أصداء أصوات البكاء من الألم تتردد في قلبي. الأطفال في المجاعات، الضحايا الذين يعذبون بواسطة الظالمين، العجائز العاجزين الذين يعتبرهم أولادهم عبئًا مكروهًا، والعالم الكامل من الوحدة، والفقر، والألم، كل هذا يسخر مما يجب أن تكون عليه الحياة البشرية. أنا أتوق إلى تخفيف الشر، لكني لا أستطيع، وأعاني أنا أيضًا. هذه كانت حياتي. وأراها تستحق أن تُعاش، وبكل سعادة سأعيشها مرة أخرى لو منحت لي الفرصة.

في عامه التسعين أجرى مقابلة وجه فيها كذلك نصيحة يراها مهمة للأجيال اللاحقة بعد آلاف السنين.

المصدر