أرشيف الوسم: خطبة

خطاب محمود درويش لدى عودته إلى المدرسة بعد ٤٠ عامًا

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (حيرة العائد) تم نشر كلمات ألقاها (درويش) في احتفال خاص في مدرسة (كفر ياسيف)، والتي درس فيها الشاعر، في مدينة (الجليل) الفلسطينية. يقول:

أرجو أن تأذنوا لي بالتعبير عن حيرة عاطفية، فليس سهلًا على المرء، حتى لو كان شاعرًا ضالًا، أن يجد نفسه بين أهله دفعة واحدة، دون أن يضطرب. فالسعادة المفاجئة هي أخت الحَرَج. وأنا سعيدٌ ومُحرج؛ سعيد لأني الآن معكم، هنا في (الجليل) الجميل، مُبتدأ الكلام وخَبره. ومُحرج لأني لا أقوى على النظر في ماضيَّ الذي يوبخني قليلًا؛ أين كنت؟ دون أن تغرورق اللغة بدمعها السري.

كأني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي. أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخُ السخريةَ بثمن أقل من الرحيل؟

مر أربعون عامًا، منذ زودّني هذا المكان الأجمل بعُدّة السفر الطويل على طرق لم يكن واضحًا منها إلا أولها. أما آخرها، فتلك أمنية تتقاذفها مغامرة الحياة وسِجال العلاقة بين الخطوة والطريق. لكن إغواء الشِّعر فينا يحث السائر الحالم على ابتكار جهاته، بذكاء القلب وطيشه، متوهمًا أن طريقه هي خطاه، وأن الطريق المعبّد ليس طريق الحالمين.

وكأني أحلم بأنني أرى في الحلم أنني أفيق من حلمي. وحين أعود الآن إلى هذا المكان زائرًا، أتساءل: هل يزور المرء نفسه؟ ولا أعرف إن كانت لغتي التي تعلمت الكتابة بها هنا، ما زالت صالحة للتعبير عن رموز لا تجد مجالها الحيوي إلا في الرحلة، من فرط ما أدمنت الحضور في الغياب، ولا أعرف أيضًا إن كان في وسع لغتي أن تألف مرجعيتها الأولى، منذ حوّلت المسافة الماكرة كل حجر هنا إلى طائر هناك. وهل أستطيع أن أعيد الصورة الشعرية إلى عناصرها الأولى، بطريقة لا تمدح المنفى إلا على دوره في رفع العادي إلى المقدس؟

لعل هذا هو امتحاني في ثنائية البيت والطريق. أما البيت، فلا يليق به إلا المعنى الخالي من البلاغة. ولكن، هل عدت حقًا؟ وهل عاد أحد إلا مجازًا؟ سأجد صعوبة بالغة إن حاولت الإمساك بأولى المفردات، للتأكد من صحة مكانتها في السياق، فقد اختلط الواقعي بالأسطوري، والتبس البعيد على القريب. بيد أن النهر ليس هو الينبوع.

من هذا المكان الجليلي، وُلدت من لغتي تدريجيًا، ولم أكمل ولادتي بعد، فلا فرد يستطيع الإطمئنان إلى جوابه الشخصي عن سؤال كان جماعيًا منذ البداية، منذ مأساة الاقتلاع الكبير … إلى ملهاة سلام لا يعتمد إلا موازين القوى مرجعيّة وحيدة. فماذا تفعل اللغة أكثر من الدفاع عن ثقافتها، عن ذاكرة جماعية ومكان مكسور، وهوية؛ وعن عناد الأمل المُحاصر بالقنوط والتشكيك. فما من شيء غير الخيال بقادر على إعادة تركيب الزمن المنكسر، أما الواقع، هو كالتاريخ، من صُنع البشر القادرين على وضع الزمان في المكان الصحيح.

كان هذا المكان كبيرًا عليَّ حين كنت صغيرًا فيه. كان مَعلَمًا ومُعلّمًا. فمنه أخذتني الحياة إلى أسئلتي الأولى، وإلى اختباراتي الأولى. منه أُخذت إلى زنزانتي الأولى .. إلى امتحان حريتي الأول. ومنه ذهبت إلى قصائدي الأولى التي أخذتني، ومازالت، إلى عذاب غربة لا شفاء منها، مهما اطمأن الشعر إلى قدرته على تثبيت المكان في اللغة، وإلى تشييد منطقة حُرة في أعالي الكلام.

من هنا، من (كفر ياسيف) من الجليل، بدأ أول الطريق إلى وضع الهاجس الشخصي والسؤال الذاتي في مكانه من السؤال العام، واتضح الوعي الأول بالتلاحم التلقائي بين الذاكرة الجَمعيّة والذكرى الشخصية، حين كانت هذه القرية/البلدة تحمل من الإشارات والمعاني أكثر من مساحتها الجغرافية. فلم نتعلم من المدرسة بقدر ما تعلمنا من محيطها، من الصراع الملتبس الاسم على هوية المكان وعلى هوية الكائن، من غاب منه ومن حضر. ومن وقف، مثلي، بين المنزلتين حاضرًا غائبًا. ولعل أحد لم يُسأل كما سُئِل كل واحد منا: من أنت؟

لم يكن الجواب في حاجة إلى تعقيد؛ أنا ابن هذه الأرض وابن تاريخها، لولا إلحاح الاقتلاع المدجج بالسلاح وبالأسطورة على الزج بنا في معركة الصراع على شرعية الوجود، وجودنا. إذ كان يقترح علينا تبنّي رواية تاريخ آخر، يبدأ من الأسطورة ولا ينتهي إلا بتفريغ التاريخ من محتوياته ومنا. وإذ، لم يكن لتاريخ هذه الأرض من عَمَل إلا انتظار امتلائها بأمس الآخر الأبدي.

لم يكن ذلك يعني صراعًا على الحاضر وحده، بل على الماضي أيضًا، إذ لم يكن وجودنا هنا، إذًا، إلا احتلالًا! ولم يكن الموجود فينا أكثر من شبح زائر يقتضي تنظيف الأرض منه ارتكاب بعض المجازر بحق البعض، ووضع بقية الشبح في شاحنات الترحيل. أما الناجون من المذبحة ومن الشاحنة، الصامدون الذين آثروا الموت على الرحيل، فسيصارعون طويلًا  من أجل الحصول على إقامة دائمة في هامش المواطنة، وعلى مساواة شكلية في حق الاقتراع على دين الدولة اليهودية. وهكذا لن تتمكن واحة الديموقراطية الغربية من إرجاء البوح بنزعتها العرقية، منذ البداية.

لم ينس أحد قصته، لا ماضيه ولا حاضره. ولم نكن في حاجة إلى انتظار المؤرخين الجدد، لنحمّل الدولة الإسرائيلية المسؤولية عن الظلم التاريخي الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني، دون أن تعترف أو تعتذر، لتحسين مناخ السلام، على الأقل. لم ينسَ أحد قصته، فما زال الدفاع عن حقوق المواطنة مرتبطًا بالدفاع عن حق العودة. ومازال اللاجئون في بلادهم لاجئين في بلادهم، وفي منأى عن أي تفاوض خارجي أو داخلي. فالمواطنة ليست بديلًا أو تعديلًا عن حقوق المواطنين، ولا حلًا لمشكلة اللاجئين في بلادهم.

إن للأقلية القومية ذاكرة جماعية، لها تداعياتها ومطالبها الثقافية والحقوقية والسياسية، ودورها في وعي ذاتها، وفي تحديد سياسة الدولة تجاهها، وتجاه قضية شعبها التي لن تتشظى هويته الوطنية إلى هويات مبعثرة ومتنافرة، مهما ابتعدت مسيرة السلام أو اقتربت من جوهر السلام.

وفي هذا المكان الذي درّبني على الربط بين المسألة الديموقراطية والمسألة القومية من جهة، وعلى التمهل في البحث عن حل نظري أو عملي للتوتر القائم بين الجنسية والهوية، من أجل ترجيح سؤال البقاء في الوطن على أي سؤال آخر، من جهة ثانية، أشعر بخشية خفيفة وخفيّة من تداعيات الانقلابات الدولية والإقليمية على طريقتنا في محاكمة تجربتنا السابقة بمعايير الآن الضاغطة، وخارج سياقها التاريخي، فصواب فكرة ما، كفكرة العدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في التحرر، وحقوق الإنسان، لا يُقاس دائمًا بنجاحها الآني، ولن تصبح أفكارًا بالية لأن أداة تطبيقها قد فشلت هنا أو هناك. لذا، لا يحق لأحد بأن يطالبنا بالاعتذار عن الإيمان بمثل هذه القيم الإنسانية الخالدة. ولا يحق لأصحاب الخيار الصهيوني بأن يطالبونا بتقويمهم على أنهم كانوا مستقبليين بعيدي النظر، لا لشيء، إلا لأن المشروع الصهيوني نجح في احتلال المزيد من الأراضي العربية، واستطاع أن يجد منصب سفير إسرائيلي شاغرًا في موريتانيا.

لكن شعوري بالعنفوان هنا أقوى من شعوري بالقنوط، وبالخشية من سقوط المعنى في البراغماتية المبتذلة السائدة. فإن ملحمة الصمود الطويلة على هذه الأرض كانت أحد العوامل الرئيسية التي لم تأذن للخرافة الصهيونية الكبرى أرض بلا شعب بأن تعمّر طويلًا. وفي هذا الصمود اليومي البطولي حافظ شعبنا، هنا، على وحدة مكونات هويته القومية والثقافية على أرضه، وعلى إبقاء ملف القضية الوطنية الفلسطينية مفتوحًا، كما حرم المشروع الإسرائيلي من تحقق حلمه بإقامة دولة طاهرة العرق على حساب تطهير الأرض من شعبها الأصلي. وهكذا لم يسلَم المشروع من بذور ثنائية القومية، الأمر الذي يعرض تجاهله الديموقراطية إلى امتحان يومي، كما تعرض الديموقراطية الحرص على طهارة الدولة اليهودية، وغير اليهودية ديموغرافيًا، إلى امتحان آخر. لذا، لا يسلَم أحد، حتى المنتصر، من سؤال الهوية المتوتر. فإما التحصن في القلعة حرصًا على نقاء الهوية، وإما الخروج إلى الأفق حرصًا على الحياة في المستقبل، حتى لو كان أحد شروطها انفتاح الذات على الآخر، واختلاط الهوية في ما ليس منها. فإذا كان من الطبيعي أن تخشى الناس من الحروب، فإنه ليس مألوفًا ولا طبيعيًا أن يتحدث أحد عن خطر السلام!

لستُ هنا لأذكّر أحدًا بقصته. بل لنتذكر جميعًا حكايتنا الجماعية .. أيام كان الطريق أصعب وأوضح. أيام لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى هذا البلد، ولم يكن الحكم العسكري المباشر قد رفع قبضته الفولاذية عن أحد، ولم يسلَم المدرّسون ولا الطلبة من المُلاحقة. أيام لم تكن الوطنية، ولا عكسها، مجرد وجهة نظر. أيام لم نجد كتبًا كافية للتعلم. أيام كان (حاييم نحمان بياليك) يطرد (أبا الطيب المتنبي)، و(أحاد هعام) يطرد (ابن خلدون) من برامج التعليم. أيام كانت (بياعر بحديرة) ضرورية أكثر من جحيم (دانتي). وأيام كان “يوم الاستقلال” هو المناسبة الوحيدة لزيارة أنقاضنا بلا عقاب. ذكرى تذكِّر بنقيضها. أيام كنا صغار السن كبار النفوس والمحن. أيام لم نعرف من هو المسيحي فينا ومن هو المسلم. لم تعتَدِ الكنيسة على الجامع، ولم يستفز الجامع الكنيسة. أيام كان الدين لله والوطن للجميع. وأيام لم نتذكر من سيرة (صلاح الدين الأيوبي) إلا تحريره بلاد الشام والقدس من الصليبيين، ولم يكن في سيرته ما يصلح لإشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين.

في تلك الأيام، دلّتنا (كفر ياسيف) على بوصلة الشمال، على أول الوعي، وعلى أول الطريق، وعلى أولى الخطوات. على السجن الأول، وعلى حرياتنا الصغيرة، وعلى طموحاتنا الأولى وخياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة.

هل مرّ أربعون عامًا حقًا دون أن أنتبه إلى ما فعل بي الزمن. لا أحد يعود إلى مرآته الأولى إلا ليهرب من ذاته الأولى إلى ذاته الثانية. أو ليقفز من وجهه إلى قلبه، ومن قلبه إلى ماضيه. لكن الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة، بل لزيارة ضرورية، نُحاكم خلالها أفعالنا، ونجسّ ما في الزمن من تاريخ، ونسأل: هل كنّا جديرين بأحلامنا الأولى، وأوفياء لأرضنا الأولى؟ أما أنا، فلعلي لا أستطيع الإجابة، ولكني أحيل الأسئلة كلها إلى هويتي الشخصية الوحيدة؛ قصيدتي. أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. وفي الشعر.

وهكذا أجد نفسي هنا. لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازًا. ولم أعد إلا مجازًا.

الهنود الحُمر: كيف يمكن أن نشتري أو نبيع السماء والمطر والهواء ؟

20130114224944!Chief_seattle

حين عزمت قبيلة (دواميش) أحد قبائل الهنود الحُمر على الاستسلام في عام 1855، أقيم حفل تاريخي ليُلقي فيه زعيم القبيلة سيلث (الظاهر بالصورة أعلاه) خطبة تاريخية خالدة بلغة شعبه. حيث تُرجمت إلى الانجليزية بغرض المفاوضات مع الإدارة الأمريكية آنذاك، وذلك بعد أن دعا الرئيس الأمريكي الرابع عشر (فرانكلين بيرس)  الهنود الحمر إلى بيع أراضيهم والعيش في مجمعات معزولة.

ففي هذه الخطبة الملحميّة تظهر بجلاء تلك الرابطة القوية بين الإنسان (هل نقول البدائي؟) والطبيعة حيث تدور علاقته معها في إطار التكامل والتواصل، خلافاً لنظرة الإنسان للطبيعة اليوم والتي تقوم على التسخير والاستغلال.

طباعنا تختلف عن طباعكم. المياه اللامعة في الغدران ليست مجرد مياه بل هي دماء أجدادنا. اذا بعناكم الأرض فعليكم أن تعلموا أنها مقدسة، وعليكم أن تعلّموا أولادكم أنها مقدسة. إن كل وهج في مياه البحيرات الصافية يروي أحداثا وحكايات من حياة شعبي، وهمهمة الماء هي صوت أجدادي. الأنهار أخوتنا، تطفئ ظمأنا وتحمل زوارقنا وتطعم أطفالنا.

كما يلفت سيلث النظر إلى الفجوة الهائلة بينهم وبين الرجل الأبيض، وبين حياتهم وحياة الرجل الأبيض في المدن.

نحن نعرف أن الرجل الأبيض لايفهم طباعنا فهو لايفرق بين جزء وآخر من الأرض، فكلها عنده سواء، لأنه غريب يأتي ليلاً ويأخذ من الأرض ما يروق له. الأرض ليست أخته بل خصمه. وحين يستولي على الأرض فإنه يواصل البحث عن أخرى. يسرق الأرض من أبنائها غير مكترث بشيء. يتعامل مع أمه الأرض وأخته السماء كتعامله مع أشياء للشراء والنهب أو للبيع، مثل الخراف والخرز الملون. جوعه سيلتهم الأرض ولن يترك وراءه غير الأرض اليباب.

لا أدري.. إنكم تختلفون عنا. منظر مدنكم يؤذي أعيننا، ربما لأن الرجل الأحمر همجي ولا يفهم شيئا.

لا هدوء في مدن البيض، فهي تخلو من مكان يسمع فيه المرء تفتح الأوراق في الربيع وطنين الحشرات. ربما أنا همجي لا أفهم شيئا.

ما طعم الحياة إذا لم تستطع الإصغاء لصوت القبرات أو خصام الضفادع على ضفاف البركة ليلا ؟ أنا رجل أحمر لا أفهم ذلك. الهندي الأحمر يحب همهمة الريح، تلامس سطح البركة، وأريج النسائم مغسولة بمطر الظهيرة ومضمخة بعطر الأنفاس. الحيوان والشجرة والإنسان كلهم يتقاسمون ذات الأنفاس.

يبدو أن الرجل الأبيض لا يلاحظ الهواء الذي يستنشقه، مثله مثل رجل يصارع الموت منذ أيام طويلة وقد ماتت فيه حاسة شم النتانة.

(..)

أنا همجي لا أفهم ذلك، فإنني رأيت آلاف الجواميس البرية جثثاً هامدة تركها الرجل الأبيض بعد أن أطلق عليها النار من قطار وهو يمرق بسرعة. أنا همجي ولا أستطيع أن أفهم كيف يُعتبر الحصان الحديدي الذي ينفث دخاناً أكثر أهمية من الجاموس الذي لا نقتله إلا من أجل أن نبقى على قيد الحياة. ما قيمة الإنسان بدون الحيوانات؟ لو هلكت كل الحيوانات لمات الإنسان من وحشة الروح. إن ما يصيب الحيوانات سريعاً ما سيصيب الإنسان. الأشياء كلها تترابط فيما بينها. ما يلم بالارض يلم بأبناء الأرض أيضا.

وفي نبرة حزينة يذكرهم بهزيمتهم وتقهقرهم أمام تقدم الرجل الأبيض المدجج بسلاحه وجيوشه.

سنفكر بعرضكم علينا الذهاب إلى المجمعات حيث حيث سنعيش بعزلة وسلام. ليس مهما أين نقضي بقية أيامنا. أطفالنا شاهدوا آباءهم مُهانين مقهورين، محاربونا يلاحقهم الخزي. بعد هزائمهم يقضون أيامهم لاهين عابثين، يسمّمون أجسادهم بأطعمة حلوة وشراب قوي. ليس مهما أين نقضي بقية أيامنا فهي لم تعد كثيرة. بضع ساعات أو بضعة شتاءات، ولن يبقى واحد من أطفال القبائل الكبيرة العدد التي كانت تعيش على هذه الأرض. الآن الغابات تبكي على قبور شعب كان قويا وكبير الأمل كشعبكم.

ولكن لماذا أبكي ضياع شعبي ؟ الشعوب بشر وليست شيئا آخر، والبشر يأتون ويذهبون كالأمواج في البحر. وحتى الرجل الابيض الذي يسير جنبا إلى جنب مع ربه ويتحدث إليه كصديق ليس بمقدوره أن يفلت من قدره المشترك. لربما نحن إخوة! فلننتظر ونرى.

ولا ينسى أن يتنبأ بحذاقة بمستقبل الأرض في ظل حكم الرجل الأبيض

غير أننا لا نفهم لغز هذا القضاء. أي قضاء هذا وقد ذُبِح كل الجاموس البري ورُوّضت كل الخيول الوحشية ودُنّست كل خبايا الغابات وشَوّه منظر الأسلاك الناطقة مشاهد التلال اليانعة! أين الأدغال وأين النسر؟ ذهبت كلها. ماذا يعني أن نقول وداعاً للحصان السريع وللصيد والقنص؟ إن ذلك هو نهاية الحياة وبداية الصراع من أجل البقاء. لقد أعطاكم الله السيادة على الحيوانات والغابات لسبب خاص، لكننا لا نعرف سر هذا السبب. ربما كان بمقدورنا أن نفهم ذلك لو عرفنا ما يحلم به الرجل الأبيض وما هي الآمال التي يحدث أطفاله عنها في ليالي الشتاء الطويلة، وما هي الأحلام التي يؤججونها في تصوراتهم بحيث يتوقون إلى غد جديد. لكننا همج لانعرف أحلام الرجل الأبيض ولهذا سنمضي في طريقنا لأننا، قبل كل شيء ، نقدّر حق كل إنسان في العيش كما يحب، مهما كان اختلافه عن إخوته.

ويختم خطبته بهذه الفقرة التي يوصي فيها -بيأس- بحب الأرض والعناية بها.

عندما يختفي آخر رجل أحمر من هذه الأرض، وتمسي ذاكرته مجرد ظلال غيمة فوق المروج، فإن روح أجدادي ستظل حية في هذه الشواطئ وهذه الغابات، لأنهم أحبوا هذه الأرض كما يحب الوليد نبضات قلب أمه.

إذا بعناكم أرضنا فعليكم أن تحبوها كما أحببناها، ارعوها كما رعيناها! وإذا أخذتموها فحافظوا عليها بكل قوتكم وروحكم وقلوبكم من أجل أطفالكم. أحبوها كما يحبها الله جميعا. إننا نعرف شيئا واحدا، أن إلهنا نفس إلهكم. حتى الرجل الأبيض لايستطيع الإفلات من القدر المشترك. لربما نحن إخوة. وسنرى.

ترجمات الخطبة: موقع لم لا ، موقع الهدف الثقافي، كما يمكنك مشاهدة الصور الموجودة له على الانترنت والتي يعلوها جميعاً شيء واحد: الحزن. وهنا توجد نبذة عن قبيلة (دواميش) كما نجد هنا نص الخطبة بالانجليزية.