أرشيف الوسم: خيال

الخيال عند إنسان مابعد الحداثة

رانيير فونك، مواليد 1943، وهو فيلسوف ألماني معاصر.

في كتابه (الأنا والنحن ؛ التحليل النفسي لإنسان مابعد الحداثة)، يستفتح (رانيير) كلامه بأن يقول:

لا تتحول القدرة الذاتية أو الكفاءة الخاصة إلى خاصية ذاتية أو ملك ذاتي إلا عن طريق ممارستها وبالتالي فإن التمرين وحده هو الذي يحافظ على قدرة معينة من القدرات الإنسانية.

إن الذي لم يعد يمارس قدرته على التخيل، يصبح دون تخيل ويكون عليه تعويض عجزه على التخيل ونقص الصور والتمثلات الداخلية عن طريق تقنيات إنتاج التخيل أو عن طريق استهلاك الصور الخارجية الخيالية. ذلك أن التخيل هو نتيجة صور التمثل الداخلية، نتوقع من خلالها أوضاعًا واقعية معينة ونحاكيها ونكررها، دون أن نعيشها بالفعل أو دون أن نكون مضطرين لعيشها.

ويكمل حديثه عن الخيال فيقول:

تحقق التخيلات أهدافًا مختلفة. يمكنها أن تستعمل للهروب من الواقع واللجوء إلى أحلام اليقظة ويمكنها أن تعوض الشريك إذا كانت تخيلات جنسية أو المساهمة في تكثيف الإشباع الجنسي، كما أنها تمكن من معاش الحرية والتصالح والخلاص، إذا كانت ذات طبيعة دينية. وقد تسمح بمعاش التقليل من العجز وتزيد في القوة الذاتية إذا عيشت كتهديد أو اضطهاد أو إدانة. وقد تقلل من عتبة ممارسة العنف في الواقع. وعلى الرغم من أن التخيلات لا تكون دائمًا مفيدة، بل قد تكون هدامة أو مليئة بالخيال القسري، فإنها تمثل مبدئيًا قدرة إنسانية مهمة للغاية.

دون صور خيالية داخلية، لن يكون هناك فن ولا أدب ولا شعر ولا أفلام ولا علم ولا رؤى ولا اكتشافات ولا يوطيوبيات ولا أمل. ذلك أن القدرة على التخيل هي قدرة إنسانية أساسية، تشبه القدرة على التفكير وعلى وعي الذات.

ثم يتطرق إلى ضياع القدرة على التخيل، قائلا:

يمكن أن تضيع القدرة على التخيل، عندما لا تُمارس. كما أن التصور المُقدّم/ المقترح بقوة يقود إلى تقلص القدرة على التخيل، ذلك أن سرعة تتابع الصور تعيق صور الخيال، بل تُعوضها. وعلى الرغم من كل تعويض، لا تمارس القدرة على التخيل إلا بقدر قليل جدًا وتفقد قوتها وأرضيتها / أساسها. وفي الوقت نفسه يزيد غياب التخيل بطريقة تصبح فيها القدرة على التخيل مُحددة وتابعة أكثر فأكثر للصور الخيالية المُقدمة.

تنتمي الصور الخيالية والخيال بالفعل وبقوة إلى حياتنا اليومية، بيحث إنه لا يمكن التفكير في أي حياة ولا في أي تنظيم بدونها. حتى وإن لم تكن هناك أي حياة خالية من الخيال، بل حياة لم يعد المرء فيعا ينتج أفكاره الخاصة، وبالمقارنة مع تطور العنصر البشري، لم يعد للإنسان أي تفكير خاص، بل يستهلك فقط ما يُعرض أمامه. لا يوجد التخيل الذاتي إذن إلا كتخيل مكتسب وكصور مقتبسة من الخيالات المقترحة.

ويختتم حديثه، فيقول:

تكمن نتيجة فقدان الخيال بسبب إمكانيات مشاهدة الصور في ارتفاع الملل. فعندما لا يُمارس النشاط العقلي الداخلي الذاتي / الخاص ويُعوض بما يُقدم للمرء من صور، فإن المرء يكون في حاجة إلى مؤثرات وتنشيط خارجية، لتجاوز الموت والملل.

أفونسو كروش في حديثه عن الخيال

أفونسو كروش

أفونسو كروش، من مواليد عام 1971. هو روائي برتغالي، ومصوِّر، وموسيقي. وُلد في فيجيرا دا فوز، ودرس في كلية أنتونيو آرينو للآداب في لشبونة، وكلية الفنون الجميلة في لشبونة أيضًا، ومعهد ماديرا للفنون التشكيلية.

في روايته (هيا نشتر شاعرًا)، وهي نوفيلا قصيرة ساخرة، جعل فعلها الأخير للحديث عن وجهة نظره حول الشعر والفنون بشكل عام، نقتبس منها حديثه عن الخيال، حيث يقول:

يُقال في بعض الأحيان إن الخيال هو هروب مزعوم من الواقع، وكما قال (إليوت): “الإنسانية لا تتحمل كثيرًا من الواقع”، كما لو أنه لم يصل إلينا أو أنه آلمنا ولذلك نحتاج إلى قليل من الخيال، كحاجتنا إلى المخدرات والترفيه. إذ يمكننا أن نكون نفعيين أكثر ونكتشف في الخيال نفعية أكبر غابت عن عالم النفس الذي يحدثنا عن الفظائع والمظالم.

الخيال ليس هروبًا من القبح، ومن الرعب، ومن المظالم الاجتماعية، وإنما، هو بالضبط تصميم لبناء بديل، هندسية فرضية لمجتمع أكثر انسجامًا مع انتظاراتنا الإنسانية والأخلاقية.

“ليس في كل يوم ينتظم العالم في قصيدة”، قال (والاص ستيفنس)، ولكننا نحاول في كل يوم أن نجعل من بعض القصائد عالمًا. وعلى الرغم من كل جهود الردع، فإن التراجع عن فعل ذلك ليس خيارًا بشريًا بالمرة.

الخيال والثقافة يبنيان كل ما نحن عليه. لم نولد بفراء وأسنان ومخالب. وإنما صنعنا ملابس وأدوات كانت دائمًا نتاج الخيال والثقافة. الحقيقة تنقذنا لأسباب واضحة لكن الخيال أيضًا. يمكن أن نُنبّه إلى أن هناك نمرًا يقترب منّا، فمن المهم قول الحقيقة، الملاحظة، ولكن لندافع عن أنفسنا نحتاج، وقبل أن يقترب منا الحيوان، إلى تخيّل إمكانية نجاتنا. حرفيًا، الخيال ينقذنا. فلأننا تخيّلنا، لستطعنا أن ندرك ماذا علينا فعله، واستطعنا امتلاك الأدوات أو الخيارات الضرورية لردّ الفعل. فالحيوانات تولد مع الحقيقة، بحقيقة صلبة مما يقلل لديها الحاجة إلى التعلم؛ نحن نولد بحقيقة أقل ولكن بإمكانيات، وبأسلحة وليدة الخيال؛ نحن نبتكر. فشوكة أو كمّاشة لهما وظيفة واضحة ومن هذه الناحية تفيدان أكثر من بيت شعر ولكن، الشوكة أو الكمّاشة، كانتا نتيجة لابتكار، لتحقيق ذلك كان لا بد من تخيّلهما وابتكارهما. فعندما ننظر حولنا ونرى كراسي، طاولات، قمصانا، فرشاتات، ملاعق، فوانيس، أقلًا، كتبًا، فكل ما نراه ليست أشياء ولدت معنا ولكنّها ولدت من الخيال، من الأفكار. فالعالم الذي يحيط بنا هو نتاج الثقافة.

المجتمع يكون أفضل إن نحن تخيلنا أفضل.

لدينا ذلك الذي سمّاه (جون لوك) بالكمال، تلك الخاصية الغريبة التي تسمح لنا بالتطوّر حتى نحقق إنسانية مثالية، مُفَكّرًا فيها، مُتخيّلة. فمستقبلنا سيكون دائمًا خيالًا، شيئًا لم يوجد بعد، تحويل الطاقة إلى فعل.