أرشيف الوسم: ديستوفسكي

عبدالله العروي يجيب عن: لماذا حقق الأدب الروسي هذا الانتشار الواسع؟

عبد الله العروي مثقف وكاتب مغربي معروف. لديه العديد من الأعمال الفلسفية التأصيلية في مفاهيم عديدة ولعل أبرزها مفهوم الحرية. و احتوى نتاجه الإبداعي على دراسات في النقد الإيديولوجي وفي تاريخ الأفكار والأنظمة وأيضا العديد من النصوص الروائية.

نجيب في هذه المقالة عن تساؤل يخص دستوفسكي والرواية الروسية، باقتباس من كتاب (من التاريخ إلى الحب) في حوار أجراه (محمد الداهي) مع (عبدالله العروي) عن الرواية ونقدها فيقول:

لوحظ، إلى حد قريب الانتشار الواسع للأدب الروسي في جلّ بقاع العالم بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فروايات (ديستويفسكي)، (تولستوي)، و(سولجنستن)، (سولفييف) و(غوركي) .. الخ حققت نجاحا كبيراً في مبيعاتها وفي استمالة وفتن عدد كبير من القراء. وفي هذا الصدد نورد تعبيراً مجازيًا للشاعر البولوني ميلوز، زيصلو C.Z.MI-LOSZ الحائز على جائزة نوبل في الآداب لسنة 1981: “أن ترى الفيل لايمكن لك أن تزعم أنك لاتراه. إن العظيم يهيمن دائمًا”. لم فرض الأدب الروسي عامة والإنتاج الروائي خاصة همينته على العالم بأجمعه؟ ولم أنتجت روسيا بالذات روائيين من حجم (دوستويفسكي)؟

هذا سؤال عويص جداً، بالطبع لأن له جوانب متعددة، يمكن أن يكون للكاتب تأثير واسع. يمكن أن يؤثر في مجتمعات مختلفة لأسباب عدة، ومع ذلك لايكون في قمة الفن الروائي. فدوستوفسكي مثلاً لاشك أنه من كبار الروائيين، لكن هل هو من المبدعين في هذا الفن؟ أنا لا أشاطر، تمامًا، من يقول بهذا الرأي. لماذا؟ لسبب واضح بالنسبة لي، وهو أنني حين أعود إلى الكيفية التي كتب بها ديستوفسكي قصصه، يجب على الإنسان  ألا ينسى أن هناك دوافع شبه مادية تحكمت في الكيفية التي تصور بها (دوستوفسكي) فن القصة. كان مفروضًا عليه أولاً أن يكتب رواية طويلة جداً، إذ، في القرن التاسع عشر، كان الكاتب يتعيش من روايته. فعليه أن يكتب رواية طويلة جداً مليئة بالشخوص والمفاجآت والأدوار .. الخ..، وهذه ظاهرة نعانيها عند ديكنز أو بلزاك..إلخ.

ثانيا: إنه كان لايكتب الرواية بل كان يمليها إلى حد أن زوجته الثانية “آنا جريجوربيفنا” كانت هي الكاتبة التي تكتب مايمليه على نحو مختصر، ثم بعد ذلك تنشره. وهذا بالطبع له تأثير على تقنية الرواية كونك تملي عوض أن تكتب بيدك وقلمك.

ثالثًا: وهذا واضح بالنسبة لمن يقرأ الكتاب الذي يحمل عنوان يوميات كاتب “Joutnal d’un ecrivain”، وهو عبارة عن مقالات كان ينشرها (ديستوفسكي) في مجلة دورية (سنوية) يشرف هو نفسه عليها. وكان هو المساهم الوحيد فيها تقريبًا. فمن يقرأ هذه المقالات يرَ أن الأفكار الموجودة فيها، وهي أفكار سياسية واجتماعية وتاريخية، تتكلم عن الجنس السلافي، وعن الديين المسيحي، وخاصة الاورثوذوكسي، عن علاقة السلاف بالجرمان والأتراك..الخ، ويلاحظ أن هذه الأفكار هي بالضبط، الافكار التي توجد مشخصة في رواياته الكبرى مثلا: (الأخوة كرامازوف). فمن يقرأ هذه الرواية ستطالعه خذخ الجملة: “كل منا يريد أن يغتال أباه”. فالمرء يتعجب من هذه الجملة، سيقول هذا هو التعمق في نفسانية الإنسان، لكن، إذا تذكر أن المعنى الوحيد وهو أن الأب عنده هو روسيا، وأن الكلام هو على اتجاهين حيث يمثل كل أخ اتجاها. الاتجاه الغربي وهو التنكر لروسيا، واتجاه للماضي وهو نوع آخر. وبجانبهما الأخ الثالث (أليوشا) هو الذي يتردد بين الاخوين، ولايعرف من كان أكثر تنكرًا لروسيا؛ أي من اغتال أباه، حينئذ تكمن النقطة في تشخيص القضية وتجسيدها وفي جعل القضية قضية تاريخ وجعلها قضية نفسانية وقضية شخص. ولكن عندما يعبر عنها تمر من التعبير الفردي والنفساني إلى التغيير التاريخي، وتتضح الامور فتبدو واضحة تمامًا ولم يبق في ذلك شيء من التعمق الذي يبدو للقارئ السطحي والساذج. وما يقال عن (الاخوة كرامازوف) يقال عن باقي الروايات. فلذلك تبقى نقطة، وهي كيف تفسر أن هذا الكاتب يكتب في مسائل خاصة جداً بروسيا، وهي قضايا محددة اجتماعيًا وتاريخيا: اجتماعيا لأنه يتكلم باسم أولئك الذين كانوا من قبل أقنانا ولم يتحرروا إلا فيما بعد. لا ينبغي أن ننسى أن جد (دوستوفسكي) كان قنًا مملوكا لايملك نفسه ولاحريته، ولذلك هذه هي علاقته مع (تولستوي): هي علاقة القن بالنبيل الشريف الذي كان دائما وباستمرار حرا، وله صفحات حول هذه المقارنة، وهي من أهم ماكتب في فن تولستوي، فإذن هناك جانب اجتماعي، وهناك جانب تاريخي وهو روسيا أمام أوروبا. ولازلنا نرى للان أهمية هذا الجانب ،

فأقول: كيف نفسر أن هذه أمور خاصة بروسيا، ومع ذلك ومع ذلك يتفهمها القارئ في المغرب واوروبا والصين وأمريكا اللاتينية؟

أظن وهذا هو رأيي، أن هذه النقطة ليست خاصة بروسيا وإنما هنا يكمن الإبداع، فهذه النقطة نجد مايشبهها في الآداب الأوروبية الأخرى. نجدها، مثلاً، في انجلترا في قصص الروايات التاريخية لوالترسكوت. لكن حين كتبها هذا الأخير كانت مشكلة قديمة مرت عليها 3 قروون، وصار يتكلم عنها كشيء من ماض في روايات تاريخية. كذلك نجد الشيء نفسه عند الفرنسيين أو الألمان، لكن، وباستمرار، باعتبارها مشكلة متجاوزة، في حين إن روسيا تتداخل فيها الأزمنة وتصبح المشكلة قديمة بالنسبة للآخرين. ولكنها حاضرة بالنسبة لروسيا، ومستقبلية بالنسبة لشعوب أخرى. فهي دائمًا في برنامج العمل يقرأها الأوروبي الغربي، ويتفهمها لأنها من ماضيه. ويقرأها السلافي ويتفهمها لأنها حاضرة، وباستمرار تجد الشعوب الأخرى تجاوبًا معها عندما تحس الشعوب أنها تمر بالأزمة نفسها. ففي نظري هذا هو السر في مايمكن أن نسميه وقتية (ديستوفسكي) الدائمة، لاتتجاوز أبدًا.

ولكن، وكما نرى، هذه ظاهرة تاريخية واجتماعية، مالجانب الفني؟

قيل، مرة لـ(همنغواي)، اقرأ (ديستوفسكي). وبعد قراءته قال: كيف يمكن لكاتب كبير مثله أن يكون أسلوبه بهذه السهولة، وعدم الدقة في انتقاء الكلمات والتعابير المناسبة؟ وهذا واضح في رواياته، ومع ذلك نعتبره من كبار الكتّاب، مع أننا لانجد عنده جملة واحدة يمكن أن نعتبرها دقيقة في تعبيرها .. نقول إن ذلك يدل، فقط، على أن الرواية في بعض الأحيان تكون قصة طويلة يتغلب فيها الجانب التاريخي والاجتماعي على الجانب الفني. عندما يقال، مثلا، شاعرية (دستوفسكي)، يجب أن نعلم أننا نتكلم عن هذه الشاعرية كما لو كنّا نتكلم عن شاعرية فيلم أو مسلسل سينمائي، وليست شاعرية اللغة وإنما شاعرية المناظر .. على أي حال، في نظري، لايمثل (دستوفسكي) في فصل من روايته (المراهق) وهي قصة غير معروفة، لكن تعتبر من أروع ماكتب، أقصر من رواياته الأخرى لكنها عميقة جدًا، وفيها قسم لم ينشر، فيه ثمان صفحات يميز فيه عمله وعمل (تولستوي). يقال أن (تولستوي)، باعتباره سليل أسرة نبيلة، سليل روسيا الحاكمة، يعيش في جو الجمال، ويعبر عن الجمال دون إرهاق أو مجاهدة، أما أنا – سليل المسعبدين- فلا أعرف من الجمال شيئا، وأحاول أن أصل إلى جمال آخر، جمال لم يحلم به أبدًا (تولستوي)، وبالفعل لمّا تفكر في جو دوستوفسكي تجده بعيدا عن الهاجس الجمالي، جو الحزن والفقر والقتامة، ولكن، من خلال كل ذلك له هاجس من نوع آخر، الجمال الروحي. فعنده صفحة من أروع ماكتب عن جمال المرأة الروسية. فهي لاتكون جميلة إلا مدة عشر سنوات بين عشرين وثلاثين سنة؛ ولهذا السبب فجمال المرأة الروسية جمال عابر جدًا. فهذاالحس بالجمال لا أجده عند (نجيب محفوظ).

نظرية التناص في النقد الغربي، وتحليل بنية النص

توصلت جوليا كريستيفا، الفيلسوفة والأديبة وعالمة اللسانيات والمحللة النفسية الفرنسية من أصل بلغاري، إلى إبتداع مصطلح التناص أو النصوصية على مظاهر معينة في الخطاب والأدب والتي كانت موجودة قبل تبلّور المفهوم، فقد لعبت (كريستيفا) بمشاركة عدد من الفلاسفة منهم (ميشال فوكو) و(رولان بارت) دوراً حاسماً في تطور النظرية الأدبية واللسانية متأثرة في مفهوم تعددية الأصوات والحوارية لدى الباحث الروسي (ميخائيل باختين) (1895-1975)

درس (باختين) تعددية الأصوات والحوارية في روايات (دوستويفسكي) فيقول:

لا يحصر (دوستويفسكي) اهتمامه، على النقيض من معظم الفنانين، بالوظائف التمثيلية والتعبيرية للخطاب -فن إعادة الخلق- كشيء صنعي، والخصوصية الاجتماعية والفردية لخطاب الشخصيات، ما يستأثر بجوهر اهتمامه أكثر من غيره هو التفاعل الحواري للخطابات مهما كانت تفصيلاتها اللغوية. إن الغاية الرئيسية للتمثيل والتي يهندسها، هي الخطاب نفسه، وبصورة خاصة الخطاب ذو المعنى. أعمال (دوستويفسكي) خطاب على خطاب وموجهة إلى خطاب.

فإنه يرى أن النص هو تفاعل الحوار “مع الأنا أو مع شخص آخر” أي اعتبر أن كلامنا ما هو إلا خطاب الآخر في لغة الآخر، فهو مثل كثير من العلماء والنقاد ينفي أصالة النص والخطاب وملكيته المطلقه لكاتبة وأنه خلاصة تفاعلات تاريخية واجتماعية، باستثناء الحقائق والاخبار والعلاقات المنطقية من نفي، واستنتاج..

ونحن نرى أن المعنى اللساني لملفوظ معين، يُدرك من خلال خلفية اللغة ومعناها الحقيقي، ومن خلال خلفية ملفوظات أخرى ملموسة متصلة بنفس التيمة، وخلفية آراء ثانية ووجهات نظر وتقديرات قائمة في لغات مختلفة. بعبارة أخرى، فإن معنى ملفوظٍ ما، يدرك من خلال خلفية كل ما يُعقد مسيرة أي خطاب نحو موضوعه. لكن الآن تتقد هذه البيئة المتعددة اللسان من الكلمات الأجنبية إلى المتكلم لا داخل الموضوع، وإنما داخل قلب المحاور باعتباره خلفيته المدرِكة، المثقلة بالأجوبة والاعتراضات. وكل ملفوظ يتجه نحو هذه الخلفية التي ليست لسانية، بل غيرية وتعبيرية. وعندئذ يحدث لقاء جديد للملفوظ بكلام الآخرين، يُمارس تأثيراً جديداً ونوعياً على أسلوبه.

لم يستعمل (باختين) مصطلح “التناص” لكن المفهوم كان كامن، فأدخله (باختين) إلى النظرية الأدبية الغربية، ممهداً للنظرية عبر عدة عناصر: (اللغات، التحول عبر ترابط الأصوات المتعددة، الحوارية، الوحدات الخطابية للثقافة) وهي العناصر التي تكوّن مفهوم التناص. (كريستيفا) بخلفيتها المتنوعة في اللسانيات والأدب وعلم النفس واللغات انتشلت الفكرة التي بدأها باختين وأطلقت عليها مسمى التناص intertextuality وفصّلت في الدراسة البنيوية للمحكى “الملفوظ” على مستوى الكلمة والحوار والرواية في مقال بعنوان (الكلمة والحوار والرواية) فتقول على مستوى الكلمة:

بوضع مفهوم الوضع الإعتباري للكلمة كأصغر وحدة في البنية، حصر باختين النص داخل التاريخ وداخل المجتمع، منظوراً إليهما على أنهما نصّان يقرأهما الكاتب، وينصهر فيهما عند إعادة كتابتهما […] فدراسة الوضع الإعتباري للكلمة تعني دراسة ترابطات الكلمة “كمركب دلالي” بالكلمات الأخرى للجملة، واستخراج نفس الوظائف “العلاقات” على مستوى الترابطات المتوالية الكبرى. وإزاء هذا التصور الفضائي للاشتغال الشعري للغة، سيكون من الضروري أن نحدد أولاً الأبعاد الثلاثة للفضاء النصي الذي ستتحقق فيه مختلف عمليات المجموعات الدلالية والمتواليات الشعرية، وهذه الأبعاد الثلاثة هي: ذات الكتابة، والمتلقي، والنصوص الخارجية (ثلاثة عناصر في حوار) وبهذا يتحدد الوضع الإعتباري للكلمة:

أ) أفقياً: تنتمي الكلمة في النص إلى ذات الكتابة و إلى المتلقي في نفس الوقت.

ب) عامودياً: الكلمة في النص موجهة نحو المتن الأدبي السابق أو المتزامن.

يكتب الكاتب نصه الخاص؛ بحيث يتلاقى المحور الافقي (الذات-المتلقي). والمحور العامودي (النص-السياق) قصد الكشف عن عمل عظيم، إن الكلمة (النص) هي ملتقى كلمات (نصوص) حيث نقرأ على الأقل كلمة آخرى (نصاً).

مفهوم التناص يقود القارئ إلى فهم النص ومن الذي يتحدث داخله ويعزز النظرة النقدية المستمرة للنص وللأُطر الذي انبثق منها النص، سواء أأدخل الكاتب تلك النصوص بوعي أو بشكل عفوي غير واع، فتقول (كريستيفا):

أن النص هو تقاطع نصوص حيث نقرأ على الأقل نصا فيها وهو ما يتفق مع ماجاء به (باختين)، أن كل نصّ هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى.

من أين تأتي العدميّة؟ نانسي هيوستن تجيب

Subjet: HUSTON Nancy - Credit: John FOLEY/Opale - Date: 20060524 - Ref: HUSTONn_OpalJF_23142_04 - Agence Opale - 8, rue Charlot - 75003 Paris - France - Tel:+331.40.29.93.33 - Fax: +331.42.74.20.25 - contact@agence-opale.com - www.agence-opale.com

في كتابها (أساتذة اليأس) كتبت (نانسي هيوستن)، الكاتبة الفرنسية الكندية، عن النزعة العدميّة في الأدب الأوروبي. تقول (هيوستن) في ذلك:

تطوّر الفكر الأوروبي منذ قرنين من الزمان في اتجاهين متضادّين ظاهرياً:

  • الطوباية l’utopism
  • و العدميّة le nihlisme ؛ الموقف الثوري و الموقف الكلبيّ cynique

تيّار “الخيار هو” و تيّار “ما من خيار“.
و يرى الطوباويّون أنه إذا قيّض للمرء أن يكون مثقفاً فإن عليه أن يضع ذكاءه في خدمة الثورة من أجل عالم أفضل. أما العدميّون فيرون أنه نظراً لأن كل أفعال الإنسان عبثية و أن كلّ الآمال محكومة بالفشل فقد يكون من الأجدر الانتحار على الفور، و إلا فالحل هو اللجوء إلى الكتابة. الجماعة الأولى تتشبّث ببناء المستقبل المشرق، فيما تُصر الجماعة الثانية على أن تقذف بنا مباشرة إلى الظلمات. أولئك يقولون: لابد من تكسير البيض كي نصنع العجّة و هؤلاء يُؤكدون ألا شيء يستحق العناء، لا البيض و لا العجّة، إذ لا أحد يشعر بالجوع أصلاً. نحن، هنا أمام بنية واحدة و الحقيقة أن ثمّة تواطؤاً وتكاملاً بين الموقفين، و سواءً تأسّسا على ” الكلّ” أم على ” اللاشيء“، فإن السبب المهمّ و الأكبر في نجاحها لدى الجمهور هو طبيعتهما “المطلقة”

إن المعاني المتخلفة لكلمة ” العدميّة ” ذاتها توضّح الصلة بين هذين الضدّين، ففي روسيا القرن التاسع عشر لم تكن الكلمة تشير إلى اليائسين الذين ماعادوا يكترثون لشيء، بل إلى الراديكاليّين الذين كانت عقيدتهم تتمثّل في سؤال (تشيرنيشفسكي): “مالعمل؟”
و كان خصمهم العنيد هو (فيدور دوستويفسكي). كان صاحب “يوميات في منزل الأموات” ثورياً في شبابه و لم يكن بوسعه كما يقول كاتب سيرته (جوزيف فرانك)، إلا أن يرتجف و هو يرى “الشباب المثاليّين، أصحاب القلوب البريئة، يسلكون الطريق الخطير الذي كان قد قاده إلى سيبيريا. لم يكن ليستطيع أن يشاهد، بلا ردّة فعل، تسابق كلّ أولئك الشباب نحو الكارثة و هم يرقصون بكلّ مافيهم من حماس و إخلاص على أنغام ناي العدميّة الساحر“.

و لهذا تُفضّل هيوستن – في معظم الأحيان – استبدال كلمة “عدميّ” بالكلمات:

سلبيّ negativiste، تدميري neantiste ، melanomane ، لوصف مذهب أساتذة اليأس الحديثين.

هيوستن لا ترى أن الأدب ينبغي له أن يكون مرِحاً، بهيجاً، و مفعماً بالأمل بالطّبع و في ذلك تقول:

إنّ الفن في حدّ ذاته، و ربما الأدب بوجه خاص، رفضُ للعالم القائم، و تعبيرُ عن النقصان و عن قلق الوجود. إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم و يعشقون الحياة عموماً و يرضون عن حياتهم خصوصاً لا يحتاجون أبداً لاختراع عالم وازٍ عن طريق الكلمات. كما يُمكن وصف الكثير من الروايات المعاصِرة – و من بينها روايات، كثيراً ماقيل لي ذلك – بأنها قاتمة و متشائمة و سوداء أو مثبّطة للعزيمة، دون أن تكون قد ارتكزَت على مسلّمات العدميّة.

و هذه المسلّمات هي باختصار:

1. النخبويّة و الأنانَة solipsisme.

2. الاشمئزاز من الأنثويّ الذي يمثل الوجود الجسدي و الحسيّ.

3. احتقار الحياة الأرضية.

و من ثمّ جاء عصر الأنوار les Lumieres وانقلبت البنى السياسية و الدينيّة التي كانت قد طمأنت، في المجتمعات التقليدية، كل فرد على موقعه في هذا العالم … و لكن لسوء الحظ، ساءت الأمور عوض أن تتحسّن، وانهار ذلك الأمل بدوره مع فضل ثورة 1848. عندها، شهدنا مع فلوبير و بودلير ( كلاهما ولد في العام 1821 و بلغ سنّ النضج مع منتصف القرن )، ولادة العدميّة الحديثة. و لعل قصيدة بودلير ” الهاوية” تلخّص أروع تلخيص الأطروحات الأساسية لتلك الفلسفة و مطْلعها:

كان لباسكال هاويته التي تتنقّل معه.
– ياللأسف! كل شيء هاوية، الفعل والرغبة و الحلم
و الكلمات! و على شعر جسدي الذي يقف تماماً
أحسّ ريح الخوف تسري مرَات و مرَات
……

ثم سارت الأمور جميعها على نحو بدا فيه أن الحاجة إلى الاستقلالية السياسية التي كانت تبشر بها الحداثة قد انعكست على بنية الإنسان النفسية و الاجتماعية.

أقام الفلاسفة الأوروبيون كمثال للكائن البشري إنساناً مستوحداً، عقلانياً و مكتفياً بذاته autosuffisant.
و بدءًا من العام 1880 و مع النجاح المذهل لفلسفة (آرثر شوبنهاور)، استقرّت العدمية في الموقع الذي لم تغادره منذ ذلك الحين: موقع أقوى مدرسة فكريّة في أوروبا الغربيّة.
و في القرن العشرين، تسارع ” زوال سحر العالم” فلقد كشفت العلوم الحديثة – نظرية التطور، وعلم الجينات، وعلم الاجتماع و التحليل النفسي عن الدور الذي تلعبه قوىً لا سيطرة لنا عليها في التكوين النفسي لذواتنا الفردية العزيزة…

أمّا عن الحداثة فقالت:

لقد قلبت الحداثة المعطيات التي دامت لآلاف السنين. فوُلد المواطن و ماصحب ذلك من حقوق، و توسّع مفهوم الفرد تدريجياً و لكن على نحو حتميّ إلى أن شمل النسا و لعبيد و المستعمرين السابقين، وجاءت الثورة الصناعية، و المدرسة المجانيّة و الإلزاميّة و تطوّرت العلوم وتحسّنت أدوات البناء و طبعاً ( أدوات التدمير في الوقت نفسه ) …

و علاوةً على نزعة التحديث و تحرّر النساء، هنالك عامل ثالث حسَم ظهور التيار العدميّ في أوروبا الفرن العشرين، ألا وهو صدمة الحرب العالميّة الثانية.

لقد أدت المجازر؛ ذلك الإنتاج الصناعي للموت، بالضرورة إلى فكرة أن الحياة عبثية فمن المستحيل تأمل تلال من الجثث و مواصلة الشعور بالحماية من خلال فكرة وجود إله أو الإيمان بمصير فردي، أو معنى متعالٍ transcendante.
كان قد سبق لمذبحة الحرب العالمية الأولى المجنونة أن قادت في مجال الأدب إلى عدمية الدادائيين الساخطة، و إلى شتائم كاتب مثل سيلين و لكنها كانت حرباً؛ على الأقل إذ كان الأمر يتعلّق بمعارك، و إن كانت واسعة النطاق و طاحنة على نحو مأساوي مطلق.
أما في الحرب العالمية الثانية، فمع وصول الأنظمة التوتاليتارية و ماقامت به من مذابح لا سابق لها في التاريخ، و مع التدمير الجنوني لأرواح البشر، بالملايين لا بالآلاف و مع غرف الغاز و القنبلة الذرية و كوليما و أوشيفتز و هيروشيما و ناغازاكي، كفّ معظم الكتاب الأوروبيين عن الاعتقاد أن الأدي يمكن أن يساعد على فهم العالم و العيش فيه، و باتوا متشكّكين إزاء كل شيء، بدءاً من اللغة والسرد.
لقد أضرمت النازيّة ناراً في قلب أوروبا نفسها. وكانت نتيجة الثقافة الرفيعة – الكتب الجميلة، والإفكار الجميلة، والفنون الجميلة و المبادئ الرائعة- التي صيغت بكل أناة، عبر قرون طويلة، ذلك الرّعب.
وبدَت العدميّة التي كان من الممكن أن تبقى مجرّد موضة أدبيّة وفلسفيّة، للكثيرين، فجأة و كأنها حقيقة الشّرط الإنساني.

تناقضات النفس البشرية كما يصفها ديستويفسكي

dstofsky

فيدور مخائيلوفيتش ديستوفيسكي (1821–1881) كاتب وروائي روسي، ويُعد من أفضل الكتاب الروس بل من أفضل الروائيين العالميين. قدم للعالم أجمل الروايات، ك “الجريمة والعقاب” و”الأبله” و”الأخوة كارامازوف”. واشتهرت رواياته بغوصها في أعماق النفس البشرية وخفاياها حيث تُعد اليوم أعماله مصدراً للإلهام في الأدب المعاصر. في تدوينات سابقة، سبق له الحديث عن أقسام الرجال وعن الفرق الضئيل بين الإنسان والببغاء، وعن حقيقة البشر المؤلمة. وفي هذه التدوينة، يتحدث في رواية “الإخوة كارامازوف” عن تناقضات النفس البشرية حيث يقول :

نحن أناس على حالة الطبيعة، يختلط فينا الخير والشر اختلاطًا غريبًا. نحب الثقافة وُعجب بشيللر، ولكننا نعربد في الحانات ونجد لذة في جرّ رفاق السكر من لحاهم. صحيح أننا نعرف كيف نكون أخيارًا طيبين وكرامًا أسخياء في المناسبات، ولكن ذلك لا يحدث لنا إلا حين نكون سعداء راضيين عن أنفسنا. نحن نحب الأفكار النبيلة، ونلتهب حماسةً لها، نعم، نلتهب لها حماسة، ولكن شريطة أن تهبط علينا من السماء بغير جهد نبذله، وأن لا تكلفنا شيئًا، خاصة أن لا تكلفنا شيئًا. نحن لا نريد أن نبذل في سبيلها شيئًاو نحن نكره أن نكون مضطرين إلى العطاء. ولكننا في مقابل ذلك نحب أن نأخذ، نحب الأخذ في جميع الميادين. لسان حالنا يقول : أعطونا، أعطونا جميع خيرات الحياة (أقول جميع الخيارات لأننا لا نرضى بأقل من ذلك)، ولا تعارضوا رغباتنا في شيء، تروا عندئذ كيف نستطيع أن نكون لطافًا محببين ؛ ما نحن بالطماعين النهمين طبعًا، ولكننا نريد أن تعطونا مالًا، أن تعطونا مالًا كثيرًا، أن تعطونا أكبر قدر ممكن من المال : وسوف ترون عندئذ كيف نستطيع، باحتقار نبيل كريم للمعدن الخسيس، أن نبدده وأن نتلفه في ليلة واحدة أثناء قصف محموم ولهو مسعور. فإذا شاء سوء الحظ أن يُمنع عنا هذا المال، أظهرنا ما نحن قادرون على أن نفعله للحصول عليه متى اشتدت حاجتنا إليه.

(…)

أعني أننا إزاء أناس قادرين على أن تضم نفوسهم جميع تناقضات الحياة، وعلى أن يرنوا بأبصارهم إلى الهوتين كلتيهما في آن واحد، الهوّة العليا التي تحلق فيها أنبل المثل، والهوة السفلى التي تغوض فيها أحقر المخازي وأدنأ أنواع السقوط.

كيف تترجم بإبداع وإتقان ؟ سامي الدروبي يجيب

31-17

سامي الدروبي، الأديب والناقد والدبلوماسي السوري، اشتهر بترجماته الفخمة لكثير من الأدب الروسي ذو الأثر الكبير في الأدب المعاصر. يعتبره البعض علامة فارقة في سيرة الترجمة إلى العربية. إلى جانب ترجماته في الأدب والفلسفة والسياسة والتربية وعلم النفس، نشر العديد من الكتب والمقالات التي تدور حول العلاقة بين الأدب وعلم النفس.

في هذه الفقرات المقتبسة من إحدى مقابلاته يوضح سامي الدروبي رؤاه حول وظيفة المترجم وآدابه، حيث يقول

ونعود فنقول أن الترجمة […] قبل كل شيء، إحساس بالمسؤولية تجاه الكلمة التي أترجم بها، إحساس بالمسؤولية مقرون بالواجب يتجاوز حدود الأنا في مستوى أوسع ال”نحن”. وبالتالي، هل يصبّ هذا العمل في مصلحة وخدمة الـ”نحن” وهنا المسؤولية، أم في مصلحة وخدمة الأنا وهنا الأنانية، والشعور بالفوقية، وحب الظهور، والكبرياء، والادّعاء الكاذب، والأقنعة المخيفة.

وبالتالي، فـالترجمة قبل كل شيء، تعني التواضع، لأنه وبدون التواضع ليس بوسعي أن أقدِّر عظمة القيمة المختبئة في العمل الذي أترجمه، هذا من جهة، وبدون التواضع ليس بوسعي احترام الآخر الذي أترجم له هذه القيمة الإبداعية أو الحضارية أو الجمال، فإن كنت متواضعاً لنحَرْتُ أنانيتي وأظهرت الآخر المبدِع إلى الآخر القارئ، أما أنا فأكون قد تواريتُ في عدمي الخاص، في إحساسي بالخجل من أنني لا شيء، ولست شيئاً، ولن أكون يوماً شيئاً ما‍‍.

ولعل أقصى ما يمكن أن تعنيه الترجمة هو الحوار، الحوار بين الحضارات والأديان والمعتقدات، وبعبارة أخرى، إن لم أستطع ترجمة إيماني أو عقيدتي إلى الآخر في ضوء إيمانه وعقيدته، وكذلك إن لم أترجم إيمانه وعقيدته في ضوء إيماني وعقيدتي، فالحوار سيكون حواراً بين الطرشان، أو كل يتكلم بلغته وينعدم التواصل والالتقاء، وهنا يتحقق برج بابل أو «باب إيل» بمعناه السلبي الذي يشير إلى التمزق والضياع والتشتت. ويتوقف علينا الاختيار، هل نريد أن نعيش في برج بابل بمعناه الإيجابي أم بمعناه السلبي؟

وفي سياق الحديث عن الشروط التي يجب توفرها في المترجم -سواء للمواد العلمية أو للمواد الأدبية- قبل أن يباشر الترجمة، يقول

الترجمة العلمية سهلة طبعاً، وكذلك ترجمة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، فلغة هذه العلوم لغة لا أقول أنها فقيرة على إطلاقي كلمة الفقر ولكن أقول أنها فقيرة نسبياً، وإنما الفن والثراء في لغة الأدب.

أعتقد أنني لا أضيف جديداً إذا قلت أن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية هي كما تحصى عادة وكما يعددها سائر الباحثين في هذا الأمر ثلاثة،

أولاً التمكن من اللغة الأجنبية التي تنقل عنها.

ثانياً التمكن من اللغة العربية التي تنقل إليها.

وثالثاً التمكن من المادة التي هي موضوع الكتاب أو البحث الذي تنقله إلى اللغة العربية.

بالنسبة للتمكن من المادة، هذا طبيعي في الترجمة العلمية والفلسفية والاجتماعية والسيكولوجية والتاريخية، وهو التخصص في هذه المادة والتمكن منها.

أما بالنسبة للأدب هي توفُّر الذوق الأدبي، وهذه موهبة تُصْقَل ولكنها لا تُتعلم، فمن لم يكن ذا موهبة لن يُحْقَن بموهبة ولا يمكن أن يعلم كيف يتذوق الأدب. والتمكن من المادة هنا هو هذه الموهبة، هذا الذوق الأدبي. ولكن ما معنى التمكن من العربية ومن اللغة الأجنبية بالنسبة للأدب؟ لا تمكّن من العربية بدون معرفة آدابها معرفة عميقة.

لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك القلم وينقل إليها من لا يقرأ القرآن دائماً، من لا يقرأ الجاحظ وأبا حيان التوحيدي، ومن لا يترنم بشعر المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي تمام، لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك بالقلم، وينقل إليها من لم يملك الكنوز الثرة للغة العربية مختزنة في آدابها وتراثها.

نأتي إلى التمكن من اللغة الأجنبية، يصدق هنا ما يصدق على التمكن من اللغة العربية، ليس كل من درس اللغة الفرنسية في المدرسة والجامعة بقادر على أن يترجم منها. وإنما ينبغي للمترجم في ميدان الأدب، أن يعرف اللغة الأجنبية في آدابها. وأجازف فأقول: أن معيار التمكن من اللغة الأجنبية هو الوصول إلى القدرة على تذوق شعرها، الإحساس بموسيقى شعرها، وقبل ذلك لا يكون ثمة معرفة تامة باللغة الأجنبية وأعود إلى التمكن من المادة، فأثير أنه يعني، بالإضافة إلى الذوق الأدبي، مصاحبة ومعاشرة المؤلف المترجم عنه. أعرف أناساً يشرعون في ترجمة رواية قبل أن يقرأوها كاملة.

للاستزادة: نبذة موسعة عن حياة سامي الدروبي ورؤاه / نبذة عن منهج سامي الدروبي في الترجمة وبعض حكاياه

أقسام الرجال عند ديستوفسكي

b00ss2yw

الروائي الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي (1821–1881)، يتحدث في روايته ” الجريمة والعقاب ” عن أقسام الرجال في هذا العالم وعلى لسان بطل الرواية ” روديا “، فيقول:

أنا أنما أؤمن بفكرتي الرئيسية، وهي أن الرجال ينقسمون، بحكم قوانين الطبيعة، إلى فئتين، بوجه عام: فئة دنيا هي فئة العاديين الذين لا وجود لهم إلا من حيث إنهم مواد إن صح التعبير، وليس لهم من وظيفة إلا أن يتناسلوا، وفئة عليا هي فئة الخارقين الذين أوتوا موهبة أن يقولوا في بئيتهم قولاً جديداً. ولا شك أن هناك تقسيمات فرعية لا حصر لعددها، ولكن السمات المميزة التي تفصل هاتين الفئتين قاطعة.

فأما الفئة الأولى، وهي فئة المواد، فإن أفرادها، على وجه العموم، أناس ” خُلقوا محافظين “، أناس معتدلون يعيشون في الطاعة ويحلو لهم أن يعيشوا في الطاعة. وعندي أن عليهم أن يطيعوا، لأن الطاعة هي ما كُتب لهم، وليس في طاعتهم ما يسيء إليهم أو يذل كرامتهم.

وأما الفئة الثانية فهي تتألف من رجال يتميزون بأنهم جميعًا يكسرون القانون، بأنهم جميعًا مُدمّرون، أو بأنهم جميعًا ميالون إلى أن يصبحوا كذلك بحكم ملكاتهم. وجرائم هؤلاء الرجال تتفاوت خطورتها وتتنوع أشكالها طبعًا. وأكثرهم يريدون، بأساليب متنوعة جدًا، تدمير الحاضر في سبيل شيء أفضل. فإذا وجب على أحدهم، من أجل تحقيق فكرته، أن يخطو فوق جثة، أو فوق بركة دم، فإنه يستطيع (في رأيي) أن يعزم أمره على أن يخطو فوق الجثة وفوق بركة الدم مرتاح الضمير، وكل شيء رهن بمضمون فكرته، وبما لها من أهمية طبعًا. لاحظوا ذلك.

بهذا المعنى وحده أنما تحدثت في مقالتي عن حق ارتكاب الجريمة. على أنه لا داعي إلى القلق كثيرًا. فإن الجمهور لا يكاد يعترف لهؤلاء الرجال أبدًا بهذا الحق. بالعكس: إن الجمهور يضطهدهم ويشنقهم (كثيرًا أو قليلًا)، وهو في هذا يمارس حقّه، ويقوم بوظيفته كجمهور محافظ، رغم أن الأجيال اللاحقة من هذا الجمهور نفسه ستخلد ذكر أولئك المضطهدين المعذَّبين فتقدسهم  (كثيرًا أو قليلًا).

فالفئة الأولى من الرجال هي سيدة الحاضر، والفئة الثانية هي سيدة المستقبل. الأولون يحفظون العالم ويزيدونه كمًا، والآخرون يحركونه ويقودونه إلى غاية. ولهؤلاء وأولئك حق واحد في الحياة. أي أن لهم كلهم حقوقًا متساوية.

 

 

حقيقة الفرق بين الإنسان والببغاء لدى دوستويفسكي

(فيدور مخائيلوفيتش دوستويفسكي) [١٨٢١-١٨٨١] هو كاتب وروائي روسي، ويُعد من أفضل كتّاب الأدب الروسي ومن أفضل الروائيين العالميين. قدم للعالم أجمل الروايات، كـ (الجريمة والعقاب) بجزئيها واقتبسنا هنا بعضًا منها، و(الأبله) و(الأخوة كارامازوف).

اشتهرت رواياته بغوصها في أعماق النفس البشرية وخفاياها وتُعد أعماله مصدرًا للإلهام في الأدب المعاصر. وفيما يخص التجربة والخطأ يتحدث على لسان “رازموخين” أحد شخصيات رواية: (الجريمة والعقاب) “بجزئها الأول” فيقول:

إن الخطأ هو الميزة الوحيدة التي يمتاز بها الكائن الإنساني على سائر الكائنات الحية.
من يخطئ يصل إلى الحقيقة. أنا إنسان لأنني أخطئ.
ما وصل امرؤ إلى حقيقة واحدة إلا بعد أن أخطأ أربع عشرة مرة وربما مائة وأربع عشرة مرة! وهذا في ذاته ليس فيه ما يعيب.
لك أن تقول آراء جنونية، ولكن لتكن هذه الآراء آراءك أنت، لأن يخطئ المرء بطريقته الشخصية، فذلك يكاد يكون خيرًا من ترديد حقيقة لقّنه إياها غيره.
أنت في الحالة الأولى إنسان، أما في الحالة الثانية فأنت ببغاء لا أكثر.

ويكمل متعجبًا:

الحقيقة لا تطير، أما الحياة فيمكن خنقها.
إلى أين وصلنا من هذا الآن؟
نحن جميعًا، بغير استثناء، سواء في ميدان العلم، أو الثقافة، أو الفكر، أو العبقرية الخالقة، أو المثل الأعلى، أو الرغبات، أو الليبرالية، أو العقل، أو التجربة، نحن في كل شيء، في كل شيء، في كل شيء، نعم في كل شيء، ما زلنا في الصفوف الإعدادية لدخول مدرسة الثانوية!
نحب أن نكرر ونمضغ آراء الآخرين، وتعودنا على ذلك! أليس هذا صحيحًا؟
أليس الأمر كما أقول؟
أليست هذه هي الحقيقة؟

فيدور دوستويفسكي – الجريمة والعقاب


المصدر: