أرشيف الوسم: ديفيد وايت

رسالة الشاعر الفيلسوف (ديفيد وايت)، عن سحر التجربة الأولى

ما زلت أتذكر ما راودني عند نظرتي الأولى للقمر، بواسطة تلسكوب صغير، قد قام بتهريبه والدي من ألمانيا الشرقية؛ لطالما كان القمر هناك، وها أنا للتو أشعر بقربه، وكم هو حقيقي، وكأن أصابعي ذات الستة اعوام بإمكانها ملامسة خشونة ذلك السطح المتوهج. مشاعر ذهول مصحوبة برعشة لرؤية شيء ملأني بالدهشة ولا يُمكن أن أؤخذ بعيدًا عنه، شيئًا يبدو وكأنه بات ينتظرني لوقت طويل، حتى أعثر عليه. وبعد قرابة عقد من الزمن استطاع سحر المرة الأولى أن يأخذني مرة أخرى لنفس تلك الاحاسيس عند قراءة رواية (إلى الفنار).

وعلى الرغم من بساطة لغتي الانجليزية، إلا أن زاوية مظلمة في عقلي تناغمت مع عذوبة سيمفونية (فرجينيا وولف)، واستنارت بأحرفها.

إن للمرة الأولى في معرفة أو اكتشاف وجود شيء ما جمالًا لايتكرر، يفوق القبلة الأولى ذاتها جمالًا. لعل ذلك يكمن في حدوثها دائمًا بلا ترقب، بعظمة تجليها تمامًا مثل ظهور المالك الحزين ازرق اللون عند بزوغ الفجر على أطراف بحيرة يحيط بها الضباب. يتجلى سحرها مابين غلافين لكتاب رائع أو قصيدة تنتهي بانعطافة مذهلة. بكل مرة أولى تنتظر أن يُكشف عنها لتُظهر ماتخبئه من ملذات.

أشار الراوي (أمبرتو إيكو) الى أن في الكتب التي لم نقرأها ونتذوقها بعد، قيمة ولربما لذة أكبر من تلك التي قرأناها، وهذا مايُطلق عليه “anti-library”.

وبعد جيل، وجه الشاعر والفيلسوف (ديڤيد وايت) رسالته في كتاب (رسائل للقارئ الصغير)؛ مائة وواحد وعشرون رسائل مصوّرة موجهة للأطفال .. وضح في رسالته إيمانه بالطاقة الملهمة في الكتب والقادرة على تشكيلنا وذلك بكل ماتحتويه من شعراء، فيزيائيين، عازفون، فنانين. وآخرون ملهمون من أيضًا وصلوا الى ماهم عليه من خلال القراءة.

كتب (وايت):

عزيزي الصديق الصغير،

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن، أتمنى لو كنت واقفًا حيثُ أنت،

 أتمنى لو كان بإمكاني مقايضة كل ما تعلمته خلال قرائتي مُقابل هذه اللحظات، 

كنت لأقايض كامل مكتبتي الزاخرة بآلاف الكتب، وكل رحلة ومغامرة خضتها بين صفحاتها، 

وكل الأفكار التي تمحورت حول العالم وذاتي و الضحكات والمآسي واللحظات الصادمة ولحظات الارتياح، 

كل تلك الكتب التي ادهشتني وعاودت قرائتها مرارًا وتكرارًا، 

سأقايض كل هذا لأجل أن أحظى بفرصة عيش المرة الأولى.

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن وكل تلك الكتب من حولي تنتظر مني الولوج الى صفحاتها، 

سيكون من الرائع التعرف على كولريدج وسماع صوته لأول مرة، 

أود لو يُمحى من ذاكرتي كل ماتعلمته عن شكسبير وجين اوستن، 

وأن أغمر مرة أخرى بحقيقة وجود روزاليند، أو اليزابيث بينيت. ولاحقًا، ايميلي ديكنسون! 

لأجد نفسي في نهاية المطاف أتبع خطواتهم بكل خجل وارتياب ويداي تحاولان ان تكتب ولو قليلًا مما كتبوه،

 أتمنى أن أعود لأخطو أولى خطواتي في عالم القراءة والكتابة وأنظر له بأعين يافعة، كم أتمنى ذلك.

أتمنى لو كنت مكانك الآن وأنا مفعم بشغف المعرفة، والقراءة، والكتابة. 

أتمنى لو أفتح الباب وأعبر وسط كل الكتب التي قرأتها أو كتبتها وكأني لم أفعل من قبل.

أتمنى جدًا أن أكون في مكانك الآن.

خالص الشكر،

ديڤيد وايت.


[المصدر]

الشاعر والفيلسوف ديفيد وايت يتحدث: عن الحب ومقاومة التصنيف الإجباري للعلاقات

 

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

نسمّي الأشياء غالبا لنتحكم بها، ولكن ما يستحق الحب لا يريد أن يُحصر في حدود ضيقة تجعلنا نتذكره بمجرد ذكر كلمة. من نواح عدّة، سمّانا الحب فعلا قبل أن نسميه.

في مقدمة كتاب Figuring (الاكتشاف) – وهو كتاب مليء بالعلاقات الشخصية المعقدة التي لا يمكن تصنيفها والتي تحاكي وتطارد الشخصيات التاريخية التي ساعدت في تكوين عالمنا الحالي- أعربتُ عن أسفي بأننا نخلط بين مسميات الأشياء والأشياء نفسها.

يفحص الشاعر والفيلسوف (ديفيد وايت) أوعية المفاهيم هذه المشوهة والضرورية في الوقت ذاته في إحدى المقالات القصيرة الجميلة من كتابه  (المواساة: العزاء والعناية والمعاني الضمنية للكلمات اليومية)، كتاب لطالما أحببته.

تحت كلمة “التسمية“، يعي (وايت) صعوبة فنّ إعطاء الحب مساحته الخاصة ليكون كما هو، لا ما نريده أن يكون أو نتوقع منه أن يكون، أو نطالب منه أن يكون بافتراضات مسبقة وتضييق الخناق عليه والالتزام بآراء المجتمع.

يكتب:

تسمية الحب في وقت مبكر جدا هو أمر جميل لكنه مريع للإنسان في الوقت ذاته. تأتي معظم خيباتنا من محاولة تسمية الأشخاص أو الأشياء التي نحبها وطريقة حبها مبكرا في رحلة الاستكشاف غير الآمنة أصلاً.

لا يمكننا أن نعي منذ البداية، عندما نهب أنفسنا لشخص، أو للعمل، أو للزواج، أو لقضية ما نوع الحب الذي سنخوض فيه. وعند مطالبتنا بردة فعل محددة ومماثلة قبل أن تزهر العلاقة بشكل تام، فإننا نشعر بخيبة الأمل أو بالفقدان، وأثناء مرورنا بتلك الفترة الحزينة قد نفوّت على أنفسنا مشاعر محبة ممكنة فعلا لكنها لم تكن كما نريد بالضبط أو نتوقع منذ البداية. عند شعورنا بهذا الحرمان، نتقمص شخصية خائب الأمل في الحب، خيبة أملنا التي قد نفتخر بها والتي قد تمنعنا من إدراك أن انعدام ردة الفعل المماثلة من الشخص أو الموقف هو بكل بساطة دعوة صعبة إلى شكل من أشكال المودة أعمق لكنه صعب التمييز.

التعايش مع حبٍّ متغير التفاصيل وكاسر للقوانين هي تجربة تؤدي إلى الجنون لأنها تعبث بأسس شخصياتنا وكينونيّتنا بغموضها وزلزلتها وقوتها واتجاهها الذي يصعب التحكم فيه. لا يستطيع تذوق حلاوة هذه الفترة سوى عمالقة واثقون تمام الثقة، عمالقة كـ(يوهانس برامز) و(كلارا شومان) في حبّهما الذي يتعدى المسميات، استطاعا تذوق حلاوة هذا الحب غير المصنف ولا المعرف بدل أن ينمو مرّاً بسبب عدم توافقه مع القوالب المفروضة للارتباط والمودة.

الحب الحقيقي برأي (وايت) هو الذي نشعر به في أعماقنا، حبٌّ يعرّف نفسه بتصرفاته الخاصة به، لا بالتزامه واتباعه لقوانين موضوعة مسبقا:

تصرف الحب بحدّ ذاته، دائما ما يتبع الطريق الذي تتبعه كل مهنة. ليس فقط في اتباعه الطريق الصعب وإيجاد أشكاله المختلفة من التواضع والتذلل اللطيف، بل حتى وبشكل غريب عبر تعرضه الشديد لأشكاله المختلفة والمذهلة، حيث يُطلب منّا باستمرار وعكس إرادتنا أن نمنح بطرق مختلفة دون معرفة العائد الغامض أو طريقته أو وقته أو كيفيته.

قد يكون صحيحا أن التسمية قد تمنح الأشياء المسماة “كرامة“، إلا إن الأسماء والتصنيفات هي أوعية. أوعية تقسم المفاهيم والتركيبات – التي غالبا ما تكون فوضوية ودائما مليئة بالشائبات، ومليئة بالغموض أكثر من أصولها اللغوية – على خزائن دلالات أنيقة. لكن اللغة تتعامل ببساطة وتجاهل مع ما تحاول احتواءه وتصنيفه أنه بسيط وأن تعقيده لا يتجاوز المسميات. نحيطها بأوعية حتى نسيطر عليها، وعند إحكامنا السيطرة فإننا نتنازل عن الغموض الجميل والمخيف للوجود

يقول (وايت):

نسمّي الأشياء غالبا لنتحكم بها، ولكن ما يستحق الحب لا يريد أن يُحصر في حدود ضيقة تجعلنا نتذكره بمجرد ذكر كلمة. من نواح عدّة، سمّانا الحب فعلا قبل أن نسميه، قبل أن نقول الكلمات الصحيحة أو نفهم ما الذي حدث لنا ويستمر بالحدوث لنا: هي دعوة للفن الأصعب على الإطلاق، الحب دون أي تسمية

كتاب (المواساة)، الذي يتحدث فيه وايت أيضا عن الغضب والتسامح ومعنى النضج الحقيقي ومعنى الصداقة الحقيقي والحب والخيبة، هو قراءة إحيائية ومثقِّفة بإجماعها. اتبع هذه القطعة بكلام كارل ساغان عن العيش مع المجهول، و(خليل جبران) عن الشجاعة في مواجهة المجهول في الحب، و(آني ديلارد) عن العيش مع الغموض ثم أعد قراءة قصيدة وايت الجميلة عن العمل سويا في عالم منفصل.


[المصدر]