أرشيف الوسم: دي بوفوار

كيف أصبحت المرأة هي الآخر؟ برأي دي بوفوار

سيمون دي بوفوار (1908-1986) كاتبة ومفكرة فرنسية، وفيلسوفة وجودية ونسوية إضافة إلى أنها منظرة اجتماعية. كتبت (دي بوفوار) العديد من الروايات والمقالات والسير الذاتية ودراسات حول الفلسفة والسياسة وأيضاً عن القضايا الاجتماعية. اشتهرت (سيمون دي بوفوار) برواياتها اشتهرت بكتابها (الجنس الآخر) والذي كان عبارة عن تحليل مفصل حول اضطهاد المرأة وبمثابة نص تأسيسي للنسوية المعاصرة.

تقول (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر):
نحن لا نولد نساء ولكن نصبح كذلك
وتطرح سؤالا عميقا، “كيف وصل الحال بالمرأة إلى ماهو عليه اليوم؟ أي أن تكون الآخر”.
أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبررا لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولا يمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناء على تلك المعطيات، كما أنها لا تحدد التمايز بين الجنسين، وأحالت (دي بوفوار) رأيا آخرا من أجل تفسير الآخر بناءً على نظرية (فرويد) الذي يرى أن النقص عند المرأة هو حرمانها من العضو الذكري على اعتبار أنه رمز الامتيازات الممنوحة للصبيان، وبالتالي فإن وجهة نظر التحليل النفسي للمرأة لا تعطي إقناعا كافيا باعتبار المرأة الجنس الآخر.
إذن كيف أصبحت المرأة هي الآخر؟ لو أحلنا الأسباب التاريخية كسبب مباشر لاعتبار المرأة الجنس الآخر، فإننا بالتالي لن نحصل على الإجابة المقنعة.
المجتمع الإنساني كان أمميا وفي العصور المتلاحقة تدرجت المرأة حتى غدت في سيطرة الرجل، وهي السيطرة الأبوية القائمة على الملكية الفردية، وأصبحت المرأة تابعة للرجل باعتبارها ملكه الخاص.
ومنذ تلك الفترة والمرأة تعيش في صراع داخلي حول أنوثتها وكيانها المنفصل، فالفتاة تربى لتصبح امرأة ثم زوجة تابعة لزوجها وخاضعة له بحيث تجد نفسها جنسا آخرا لا وجود له دون الرجل صاحب الكيان المستقل الذي يخضعها لرغباته، وبحسب (دي بوفوار) إن الرجل هو الذي يمسك زمام المبادرة في أغلب الأحيان، وحين تصبح زوجة فإن البيت هو ملاذها ترعى شؤون المنزل و الأطفال.
وهذا يحيلنا إلى حقيقة واضحة وجلية، أن المرأة هي التي جعلت نفسها الآخر، رضيت بمصيرها المحتوم كزوجة وأم، وفرضت عليها نشأتها الاجتماعية أن تكون آخرا مجرد متاع للرجل، خادمة مطيعة في بيت زوجها، لا تنفك عنه فهي جزء من الآخر استسلمت فيه للمجتمع وقيمه، ولم تحاول التمرد. مقتنعة من أنها الآخر، لم تحاول الخروج من عباءة الرجل، ولم تحاول أن تعبر عن رأيها خوفا من هجر الرجل لها ومن نظرة المجتمع.
وقد تطرقت (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر) إلى نقاط مهمة، أن المرأة لا تؤمن بتحريرها، في الحقيقة الحرية تختلف من شخص إلى آخر، هناك نساء مقتنعات بحدود الحرية المتاحة إليهن ويعتبرونها الحرية المنشودة حتى وإن ظلت قابعة في المنزل، فهي ترى حريتها ضمن نطاق منزلها، وتلك أنموذج لامرأة رضخت للواقع ونظام الحياة الذي نعيشه، مؤمنة بقيم مجتمعها و أعرافه فهي تجد في معنى الحرية الفضفاض انحلال أخلاقي.
وعلى النقيض تماما فهناك نساء تمردن على عادات المجتمع وقيوده، ويجدن في الحرية منطلقا لتحقيق رغباتهن وأحلامهن، فالحرية بمعناها الواسع حرية الفكر والتعبير.
أما النقطة الأخرى التي أتارثها (دي بوفوار)، أننا إذا حررنا المرأة فإننا نحرر الرجل ولكنه يخشى ذلك، فهل يخشى الرجل الحرية أم تفوق المرأة عليه؟ هل لأن الرجل بطبيعته مسيطر ويرى نفسه أنه قوي ليمتلك إنسانا ضعيفا هو المرأة ؟.
إن الرجل أيضا مسلوب الإرادة في مجتمعه، يمارس عليه القمع ولا يستطيع التعبير عن رأيه بحرية، لذا فنراه يسيطر على المرأة الضعيفة، لأنه أصلا ضعيف أمام السلطة، وبالتالي فإن المرأة والرجل لن يتحررا مادامت الأنظمة السياسية والاقتصادية غير حرة.
و لربما سيطرة تلك الأنظمة السياسية و الاقتصادية على الرجل جعلته يعتبر المرأة هي الآخر باعتبارها الحلقة الأضعف، محتاجة له متناسيا حقيقة مهمة أنه كذلك لا يمكن الاستغناء عن المرأة فحاجته إليها أكثر من حاجتها إليه.
إن الصراع بين الذكورة والأنوثة لا يزال قائما، كل يحاول الانتصار لنفسه، إلا أن الذكورة انتصرت لأنها تعيش في ظل مجتمع ذكوري يعتمد على حقائق واهية وغذت الأنوثة هي الآخر لأنها تعيش في صراع ذاتي مذبذبا فلم تستطع أن تدافع عن نفسها ولا أن تدافع عن حريتها.

نظرة في مذكرات دي بوفوار

دي بوفوار

سيمون دو بوڤوار (1908-1986)، كاتبة فرنسية وفيلسوفة وجودية، تعد أحد أبرز النسويات التي أثّر خطابها على الفكر النسوي إلى اليوم. ففي رواية (مذكرات فتاة ملتزمة)، والتي هي في حقيقة الأمر سيرة ذاتية، عرضت (بوڤوار) لنا قصة حياتها في السنوات العشرين الأولى منها؛ والتي ربما شكّلت لها أهم الأسئلة التي لازمتها طيلة مشوارها.

ولدت (بوڤوار) في باريس، عام 1908، ومنذ طفولتها سرت في شخصيتها الروح الاستقلالية، كانت تقول: “منذ الصغر كانت تُسْكِرني فكرة أن أمتلك حياة تخصني وحدي!” ، ومن هنا بدأ يتشكل فكرها المتمرد والمختلف عن حياة البرجوازية المحيطة بها آنذاك، خصوصاً حول وضع المرأة في تلك الفترة؛ والتي كان يتكثّف دورها في الاقتصار في الدوارة ضمن حلقة الزواج.

كانت (بوڤوار) ترى فكرة الزواج بنمطه التقليدي الذي ينحى ناحية العبودية بنظرة استياء ونفور يسلبها حريتها، تقول:

كنت أؤثر، إلى ما لا نهاية، أن أمتهن مهنةً على أن أتزوّج، وكانت هذة الفكرة تفسح لي في طريق الأمل؛ فقد عرف العالم أشخاصاً عملوا أشياء، وسوف أعمل أنا الأخرى شيئاً ما.

عندما تكون العلاقة الزوجية قائمة على التفاضلية وليست تكاملية، حينها لا ترى المرأة المستقلة لها حاجة بمثل هذة العلاقة، فالزواج أبعد مايكون عن اقتصاره على الحضور المادي. وقد وصفت (بوڤوار) الزواج بصورة قد تبدو ردةً على التقاليد الاجتماعي آنذاك، فقالت:

لا أرى فرقاً بين امرأة تتزوج زواج مصلحة وبين بغيّ، وكانوا قد لقّنوها أنّ على المرأة المسيحية أن تحترم جسدها، وأنها لا تحترمه إذا هي استسلمت من غير حب، بدافع من مال أو من استنساب.

لازمت (بوڤوار) حرقة انعكست بالسخونة ذاتها على نصوصها، وهي ترى الذكورية وقد تجذّرت في مجتمعها، فمثلاً، كان القانون يقرّ للرجال من الحقوق ما لا يقرّه للنساء، تقول:

كنت أود أن أخضع الرجال للقوانين نفسها التي تخضع لها النساء. كان أبي ومعظم الكتّاب والرأي العام يشجعون الشبان أن يغامروا، حتى إذا آن الأوان، فإنهم سيتزوجون الفتاة التي تنتمي لعالمهم، وفي إبان الانتظار لا بأس من التسلية مع فتيات عابرات!

وكما يبدو أننا لا زلنا عالقين حتى اليوم عند هذه الحروف، وسط منظومة فكرية ذكورية هي السائد في المجتمع والمحرك الأساسي لكل تفاصيل الحياة، وسنجد أن المرأة والاعتبارات المحيطة بها، هي فعلاً في قالب المتعة المجرّدة فقط، سواء أكانت زوجة أو فتاة عابرة، كما تعبّر (بوڤوار).

تقول (بوڤوار)، أنه “لم يكن يؤسفني طبعاً أن أكون امرأة، بل كنت أستمدّ من ذلك ألواناً كثيرة من الرضى!“، وهي محقة، فلو أدركت كل امرأةٍ أن رؤيتها لنفسها ستنعكس على رؤية الآخرين لها لاستوعبت قيمتها واكتشفت مواطن الإبداع والتميز بها، فأصدق الإيمان و أعمقه هو إيمانك بنفسك وبقدرتك على صناعة بصمة لك في هذة الحياة.

وتتجلى مشاعرها وحديثها الداخلي في رحلة التعرف على نفسها واكتشاف قناعاتها في مذكّراتها، تقول: “لقد كانت الظواهر تخدعني، وكان العالم الذي لقنوني إياه مغشوشاً كلّه وزائفاً“. ويبدو أن هذا أول درس في حياة كل شخص خرج من عالم الطفولة إلى العالم الحقيقي الذي سيواجهه بمختلف الطرق وعثرات الخطى التي يجب أن يتخطاها كي يستطيع أن يعيش.

وفي سياق الاستقلال العاطفي الذي تتحدث عنه (بوڤوار)، تقول:

إن اللذة تبقى مدنّسة إذا لم تُصهر بنار العاطفة. ثم إني كنت متطرفة: كنت أريد كل شيء، وإما لا شيء. وإذا أحببت فسأحبّ إلى الأبد، وسأنخرط بكليتي، بجسمي وقلبي وفكري وماضيّ.

تقول: “لم يكن هناك من يحبني كما كنت، ولم يكن هناك من يحبني، لذا عزمت على أن أحبّ نفسي لأعوّض هذا الفراغ”. فعندما تحصر الحب بقالب جامد، حينها لن تلامس وجوده وتستمع بصور عطاءاته المختلفة. لابد أن تؤمن بوجود الحب حولك، حينها سيجد الحب طريقه إليك.

هنا، يستوقفنا تساؤل (لبوڤوار): “عما إذا كان من الواجب أن يخضع الإنسان للحب أم للسعادة؟“، وأتوقع، أنه من الصعب جداً التخيير بينهما، إذا ما افترضنا أنه من المحال الفصل بين الحب والسعادة، فكلاهما مكملٌ لبعضه؛ فلا سعادة دون حب، ولا يكون الحبُّ قريناً بشيء بقدر اقترانه بالسعادة. إن أصعب ما يواجهه الإنسان هو أن يفهم مشاعره المتضاربة ويهتدي إلى أيّها، تلك التي قد تكلفه عمراً كاملاً ليفهمها.

“كنت أشجّع نفسي على أن أعيش كل يوم بيومه، بلا أمل ولا خوف”، وهذه العدالة التي اقتنعت بها (بوڤوار)، فما يفعله الخوف والتردّد هو حصيلة كبيرة من خيبات الأمل، وفرص تضيع في سبيل هذا، فالبدايات الجديدة، والتغيير، يبدأ بحياتك حين تعرف مواطن الضعف لديك وتشرع بمعالجتها.

لم تجد (سيمون) الله في الكنيسة، ولم تشعر أنها تخلّصت من ذنوبها بعد الاعتراف. شعرت (بوڤوار) أنها لامست وجوده في الطبيعة من حولها، ولذلك نجد حبها للأرياف، إلى أن فقدته تدريجياً وهي في (پاريس)، في إشارة للحياة المدنية:

كنت أحسّ وجود الله حولي أكثر مما كنت أحسه في پاريس. وكنت كلما التصقت بالأرض كلما ازددتُ قرباً منه، وكانت كل نزهة صلاة عبادة له. ولم تكن سيادته لتنزع منّي سيادتي.

وفي نفس السياق تقول:

كانت الطبيعة تحدثني عن الله، ولكنه كان يبدو لي دون شك غريباً على العالم الذي يموج فيه البشر.

وتكمل:

كنت أصلّي وأتأمّل وأحاول أن ينفعل قلبي بحضور الله. ولكن في الواقع بينما كنت أسمو فكرياً إلى المعرفة يوماً بعد يوم، لم أكن أشعر بأني أقترب من الله.

ووسط هذه الحيرة، تقول (بوڤوار):

كنت أتمنى أن يتجلّى لي، أو أن تأخذني نشوة، أو أن يحدث فيّ، أو خارجاً عني، شيء ما. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.

بوفوار والعيش في عالم الرجال

دي بوفوار

سيمون دي بوفوار (1908-1986) أديبة فرنسية، مثقفة ساهمت بدورها الريادي في حركة تحرير المرأة. عاشت (دي بوفوار) هاجساً استحكم جل نشاطها الفكري، وهو هاجس حرية المرأة ومن خلال ذلك حرية الكائن الإنساني عموماً. يعد كتابها (الجنس الآخر) -نشر في عام ١٩٤٩- من أهم مؤلفاتها والذي كان -ومازال- المرجع والمُعبّر عمّا كتب عن المسألة النسوية لاسيما أنه من من المحاولات المبكرة لمواجهة التاريخ البشري من وجهة نظر نسوية حاولت فيه فهم الإشكالية المطروحة في كيفية اعتبار المرأة هي “الآخر” من خلال دراسة الأوضاع التاريخية والاجتماعية والنفسية والخضوع الثقافي للمرأة.

تبني (بوفوار) أطروحتها الرئيسية على أن اضطهاد الرجل للمرأة يعتمد بشكل جوهري على رؤيته للمرأة “كالآخر” فلايمكن تعريفها إلا من خلال كونها النقيض له. يحتل الرجل دائماً دور الأنا والفاعل والأصل والمطلق، بينما المرأة هي ليست سوى الآخر والمغيّب والناقص. ولذا تحاول المؤلفة في “الجنس الآخر”أن تجيب عن تساؤلها الرئيسي “كيف تمكن أحد الجنسين فقط من فرض نفسه كجوهر وحيد منكراً وجود كل نسبية تربطه بالجنس الآخر، معرفاً إياه بأنه الآخر الصرف .ومن أين اتى للمرأة هذا الرضوخ ؟!” (١٠)

أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبرراً لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولايمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناءً على تلك المعطيات ولكن يحدث ذلك لأنهم يخضعون للعرف ولذا لا يتوّلد لدى الشخص الشعور بذاته بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمُعتقدات والعادات، )تقول (بوفوار:

لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من الزاوية الإنسانية. ولا يعرف الإنسان إلا بأنه كائن غير مُعْطَى وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه. وكما قال (ميرلو بونتي) : ليس الإنسان نوعًا طبيعيًا بل هو فكرة تاريخية، والمرأة ليست واقعًا لازماً بل هي صيرورة، لذلك ينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها: إن ما يعيب كثير من المناظرات، أنها تريد أن تقصر المرأة على ما كانت عليه أو ما هي عليه الآن…
ليس المجتمع نوعًا من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود، ويجاوز نفسه نحو العالم والمستقبل، وأخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا، والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري، ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ولا يستكمل نفسه، بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد إن الفزيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل العكس، إن المعطيات الفزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإن أفضلية الرجل العضلية مثلا تفقد سلطتها.
هكذا ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية والاجتماعية، والنفسية، إن خضوع المرأة لواجب النوع، وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم، إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها، إذ ليس له واقع وجودي إلا عن طريق الشعور، ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.
ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة الجنس الآخر؟ علينا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.”(٢٠)

تتحدث (بوفوار) لاحقاً عن الرجل الذي فرض وجوده كجوهر وحيد وكيف كانت المرأة نتيجة لذلك مغيبة وتائهة ومحدودة الأفق لا لقصورٍ فيها ولكن لأنها لم تُعط فرص مساوية لتلك التي تُعطى للرجل لاكتشاف العالم من حوله. ولذا فمن البديهي أن تكون المرأة حالمة ذات وخيال جامح وعلى اتصال بواقع سحري كوسيلة للهروب من واقع لايستجيب لأي من أفكارها ورغباتها بينما يعيش الرجل في عالم متماسك في واقع يخضع للتفكير  :

إن المرأة تقر بأن العالم في مجموعِه عالم ذكور، فالرجال هم الذين صاغوه وأداروه وهم الذين يحكمونه اليوم. وهي تتلقف نفسها ككيان سلبي أمام هذه الآلة التي لها وجوه البشر والتي تحدد الغايات والقيم، أما نصيب المرأة فتقديم الخضوع والطاعة وإبداء الاحترام…. إنها لاتجهل ماهو العمل الحقيقي القادر على تبديل سطح العالم فحسب بل إنها ضائعة وسط هذا العالم كما لو كانت في قلب السديم.
ولما كانت لاتعمل شيئاً في مملكة الرجال فإن تفكيرها لايتميز عن الحلم ولا تملك الحس بالحقيقة. على كل حال، ليس من شأنها التبصر بالأشياء فقد علموها أن ترضخ لإرادة الذكور. فماعليها إذن إلا أن تزهد في النقد والتفحص وإبداء الأحكام تاركة كل هذه الأمور للطبقة العالية. لذلك يبدو لها عالم الذكور كواقع متسام، كشيء مطلق.
لا تؤمن المرأة بتحريرها لأنها، على الأخص، لم تشعر قط بإمكانيات الحرية. ويبدو لها أن العالم يديره قدر غامض لايمكن مجابهته. ولكن إذا مافتحنا أمامها أبواب المستقبل فلن تتشبث بالماضي…. إننا نحبس المرأة في المطبخ أو في المخدع وبعد ذلك ندهش إذ نرى أفقاً محدوداً، ونقص جناحيها ثم نشكو من أنها لاتعرف التحليق.” (٢١٦-٢١٧)

ولذا طالبت (دي بوفوار) بتحريك أزمة القيم الأنثوية التي تعتبر ممارسات قائمة عملياً ولكنها غائبة على الصعيد النظري حيث أن المرأة هي أيضاً تعرّف القيم التي يقوم الذكر بتحقيقها بصورة فعلية، والحقيقة أن النساء لم يجابهن قيم الرجال بقيم أنثوية كوسيلة لمقاومة الوضع الراهن.