أرشيف الوسم: رواية

لقاء مجلة (الثقافي) الاسبانية، مع الروائي أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة.

ننقل لكم، ترجمة حصرية لنص الحوار الذي نشرته مجلة ” الثقافي (El cultural) مع الكاتب اللبناني (أمين معلوف)، والتي قابله فيها الصحفي (أندريس سيوان).

خلاص البشرية يمر عبر استعادة أيديولوجية عالمة.


نشر الكاتب اللبناني (أمين معلوف) (غرق الحضارات)، وهو دراسة دقيقة وواضحة، يبدأ من غروب العالم العربي، ليصل إلى نهاية أيديولوجيات القرن العشرين والانزلاق المدمر الذي وصل إليه في كل جهات وثقافات الكوكب.

بعدد مرور كل عقد من الزمن، و لمدة 30 عام، يطل الكاتب والأكاديمي (أمين معلوف) على هاوية الذاكرة وعلى المقاطع المأساوية للتاريخ الحديث للخوض في قراءة مريرة للماضي في محاولة لفهم التأسفات على الحاضر وخصوصا تحديات المستقبل. إذا كان الكاتب اللبناني في عام 1998 توقّع في كتاب سابق (الهويات القاتلة) وجود قومية فاعلة سياسية بارزة اليوم، وفي عام 2009 توقف عند اضطراب العالم من خلال فقدان القيم اليوم بلا منازع، فهي الآن تعتبر مواضيع الساعة مثل الآلية، الذكاء الاصطناعي، التدهور البيئي، التطرف الإسلامي والخطر الذي يتربص بالمشروع الأوروبي وهذا ما يملأ صفحات (غرق الحضارات) الصادر عن دار النشر Alianza.

انطلاقًا من ذكريات طفولته وعائلته، والتي تبدأ عند نهاية العالم العربي الاستعماري، والتي أثارها الأدب السكندري العالمي  لـ(قسطنطين كفافيس)، أعظم شعراء اليونان المعاصرين، و(أونغاريتي)، الشاعر الإيطالي المولود بالإسكندرية 1888، يتتبع الحائز على جائزة أمير أستورياس (2010) رحلة مثيرة وعاطفية عبر “التاريخ الكارثي للعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين”. انطلاقا من  حلم لبنان المجهض في شبابه، إلى الجهادية اليوم، مرورا عبر مصر العربية الناصرية أو الثورة الخمينية الإسلامية، التي كان شاهدا عليها، يحلل (معلوف) العواقب المأساوية للصدام الحضاري الذي تنبأ به (صموئيل هنتنغتون) الذي نشهده اليوم. دون أن يغفل تحديات المستقبل: “رغم أن غرق مجتمعاتنا هو شيء واقع لا محالة، البشرية لن تسمح بزوال كل الإنجازات التي تحققت”.


في منتصف القرن العشرين، تبنت العديد من الدول العربية، بقيادة مصر (جمال عبدالناصر) قومية اشتراكية أو شيوعية، لماذا فشل هذا النموذج ومعه مفهوم العروبة؟

إنها قضية معقده، ولكن بشكل عام، فشلت النزعة القومية العربية من وجهتين. السبب الأول هو أنه بنت نفسها على المعركة ضد الغرب، وهذا شيء طبيعي تماما، لأن المستعمرين كانوا الغربيين، ولكن ذلك دمر التعايش. السبب الثاني أنها اعتمدت على النموذج السوفياتي، والذي، كما راينا في وقت لاحق في U.R.S.S. نفسها، لا يمكن إلا ان تفشل. فقد أفلست سياسيا لأنها كانت تقوم علي السلطوية وتقييد الحريات، واقتصاديا لأنها كانت تقوم علي شكل مركزي وبيروقراطي للغاية على اشتراكية غير فعاله للغاية. واضطرت قوى التغيير في العالم العربي إلى اعتماد نموذج معطل، فعانت من عواقب هذا الاختيار.

ومع ذلك، فان هذا النموذج لم يكن هو السبيل الوحيد. تتذكرون في كتابك (لبنان) عندما كنت شابا، و الذي كان مثالا على تعايش متعدد الأعراق والطوائف، لماذا فشل هذا النموذج في وقت كان بإمكانه أن يكون منارا في المنطقة؟ هل كانت قوة هذا التكامل هي سبب ضعفه؟

إن فشل التجربة اللبنانية يرجع إلى عوامل مختلفة تماما، وكذلك مضادة. وما كان كارثيا بالنسبة للبلاد هو انها أرادت تنظيم علاقات بين مجتمعاتها العديدة بطريقه مشروعة فقط علي الورق، ولكنها في الواقع كانت مضرة تماما. كان النموذج يريد الاعتراف بوجود مختلف المجتمعات المحلية، وأعتقد أن ذلك لا غنى عنه، ولكن الطريقة التي تم بها ذلك، مع نظام التحصيص، في دولة مركزية ضعيفة عانت بشكل متزايد من ضغوط قوية من طرف كل الجماعات، كل ذلك أدّى إلى الفشل بعدم القدرة علي بناء شعور حقيقي من الانتماء، والولاء الوطني. وبعد عقود من الحرب، نشهد اليوم ظاهرة في شوارع بيروت، وهي ثورة ضد هذا الوضع الراهن. يحتج الناس علي انهم انقسموا إلى مجتمعات محليه وتم استغلالهم، وآملُ ان يؤدي ذلك إلى تغيير كان ينبغي أن يحدث قبل 40 سنة.

في 1967، كانت بداية نهاية العالم العربي ذو الاتجاهات التحديثية، ماذا كان دور الحرب مع إسرائيل والهزيمة التي تلتها؟

كانت حرب 67 بداية لنهاية قومية عربية سعت رغم انها ليست علمانية بحتة، إلى تحقيق المساواة بين جميع الطوائف وفصل الدين عن الحياة السياسية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النزعة القومية تستند أساسا إلى الدين، وكان الصراع بين العرب والإسرائيليين عاملا حاسما في هذا التطور، لأنه كان ذريعة لجميع أولئك الذين لا يريدون تغييرا حقيقيا. ولكن الأخطر من الصراع نفسه هو السبيل للرد عليه. في كتابي أتحدث عن حالات مثل كوريا الجنوبية، والتي لما يقرب من 70 تواجِه تقسيم البلاد مع ديكتاتورية شيوعية محطمة في الشمال والتي تجعلهم في خطر الحرب الدائمة. ولكن هذا لم يمنعهم من الحسم بأن الأولوية هي التنمية والتعليم والتقدم … مشكلة العالم العربي هي اننا لم نقل في اية لحظة سنحرز تقدما و سنري كيف نحل هذا الأمر. كان هناك هاجس مشلول للغاية و مُفقرٌ مستمر حتى اليوم.

منذ تلك السنوات بدأ العالم العربي ينجرف تدريجيا نحو الأصولية، ولكن كيف وصل مِن “زمن الخليفة الحكم” – تعبير لـ(جمال عبد الناصر)- إلى هذا العالم العربي التقليدي والراديكالي الذي نراه اليوم ؟

حتى الستينات من القرن العشرين، كانت الحركات الإسلامية تقريبا غير موجودة وبدون أدني تأثير علي الحياة السياسية والاجتماعية. كان النجم اللامع هو (عبد الناصر) والأيديولوجية المسيطرة هي القومية العربية. الحقيقة أن (عبدالناصر) كان ذو نفوذ كبير في المنطقة، ولقرون، عانت المنطقة من فشل يوازي هزيمة 67، كل ذلك أدى لتشويه العروبة كرد فعل، وعادت المصداقية للحركات التي عانت كثيرا من (عبدالناصر).

وفي رأي (معلوف)، منذ 1977/1978 هذه الإسلاموية أضحت من الصعب إيقافها، عندما جاءت تلك الحركة إلى السلطة في بلد كبير وقوي مثل إيران وعندما اندلعت الحرب الافغانية الأولي، حيث ولدت الجهادية التي كانت في ذلك الوقت  ضد الاتحاد السوفيتي ومن ثم ، قليلا قليلا، أصبحت “ضد الغرب”. دورة من الأحداث التي كان يمكن التنبؤ بها والتي  يوجه فيها الكاتب اللوم لجميع الأطراف علي قدم المساواة. “ساهم السوفييت في تدخلهم الأخرق وغير المنتظم في أفغانستان، وكذلك الغربيين، وخاصه الأميركيين، من خلال تشجيع الجهاد لمواجهة الاتحاد السوفياتي”.

حول الجهاد الحالي، يرى (أمين معلوف) أنه رغم هزيمة الدولة الإسلامية  “يمكن بزوغ حركات جديدة من نفس النوع، فهذه الجماعات المتطرفة، غالبا ما تكون مستعملة من أطراف أخرى لأهداف سياسية”. لكن يعتقد الكاتب الأكاديمي أن الغرب أعطى أهمية مبالغ فيها لهذه المجموعة.

“لقد سقط الغرب في فخ الوهم الذي أوجدته تلك الحركة، التي اتخذت اسما مزيّفا جدا، كما لو كانت خلافة أو دولة، وهذا أمر سخيف. انها ببساطة جماعة راديكالية، شبيهة بتنظيم القاعدة، والتي بسبب عدم استقرار العراق وسوريا استقرت في أحد أقاليم البلدين. وأعتقد ان الغرب قد أعطاها الكثير من الأهمية ليتكون قادرة علي إعلان انتصار ما في يوم من الأيام “.

سنة 1979، سنة لها أهمية داخل كتابك، السنة التي تُسمي بالثورة المُحافِظة. ماذا يمثل لك أشخاص كـ(آية الله الخميني) أو (مارغريت تاتشير)؟ وأي عالَم ظهر حينئذ؟  

ظهر العالم الذي ما زلنا نعيشه الآن، والذي تشكلت احداثه منذ 40 سنه مضت، تزايد التطرف الإسلامي وادعاءات الهوية، كما تجلي منذ ذلك العام، وخاصة بعد الثورة الإيرانية، أصبحت يوما بعد يوم عاملا رئيسيا في راس المال السياسي. وعلاوة علي ذلك، ننظر إلى (تاتشر)، ومن ثم (ريغان) في الولايات المتحدة ، وصعود الليبرالية اقتصاديا وسياسيا والحركات المحافظة والقومية التي بدأت منذ ذلك الحين حيث لا يمكن وقفها، والآن نفس الدور يظهر في الهند والبرازيل وإيطاليا والمملكة المملكة المتحدة ، الولايات المتحدة…

كما تشير إلى ذلك، وخارج العالم العربي، فإن الغرب أيضا قلق. علي سبيل المثال، كنتَ قد حذَرتَ منذ سنوات، مع الجبهة الوطنية، أن الشعوبية السياسية الأوروبية ليست أمرا عابرا، لماذا تجذَّرَت إلى هذا الحد؟

أعتقد ان العامل الحاسم في ظهور الحركات الشعوبية وديمومتها هو تصور وجود تهديد. تهديد اقتصادي واجتماعي، وخاصة خطر قادم من العالم العربي. التهديد الذي يمكن ترجمته في أعمال العنف الإرهابية، والهجرة الجماعية، وهذا هو الشيء الأول الذي يغذي صعود السياسيين الشعبويين. وبما ان هذه ليست ظواهر عابرة، حيث ان الوضع في العالم العربي لا يبدو انه سيستقر في العقود المقبلة، فإن غذاء الشعبوية الغربية سيظل موجودا لفتره طويلة.

الوجه الأكثر مرارة لهذه المشكلة هو أزمه اللاجئين. كنتَ مهاجرا من دولة عربيه كانت تعيش في حرب أهلية، هل خانت أوروبا قيّمَها ؟

بمعنى آخر، صحيح انه في هذا العصر الذي حققت فيه الإنجازات التقنية تحسينات لا يمكن تصورها، أصبح العالم أكثر انغلاقا مما مضي. وهذا نتيجة للشعور السالف الذكر بالتهديد، وأيضا لسقوط نعمة القيم التقليدية لليسار الغربي، وخاصه الاوروبي، التي هو بالتأكيد في أزمة. فكرة العالمية واحترام تنوع الثقافات التي جعلت من أوروبا بوتقة انصهار الأجناس التي كانت في العقود الأخير، قد اختفت لصالح الرأسمالية التي بعد اختفاء الشيوعية أبانت عن أسوأ وجه لها، والأكثر استغلالا للإنسانية، وهذا أمر يحتاج إلى تغيير ولا يمكن أن يحصل إلا من خلال الضغط الداخلي للراي العام.

الاتحاد الأوروبي نفسه، مفهوم أوروبا، معرض للخطر، كما نراه الآن بخروج  بريطانيا من “البريكست”، لماذا يتجه العالم بأسره نحو التجزؤ، لماذا نعود إلى القبيلة ؟

إن هذه ظاهرة عالمية، واعتقد ان السبب الرئيسي يكمن في اختفاء النقاش الفكري بين الرأسمالية والشيوعية الذي حدد جزءا كبيرا من القرن العشرين. وقد اُستعيض عن ذلك بادعاءات الهوية الساخطة والعنيفة في كثير من الأحيان والتي تُجزِّئ جميع المجتمعات، وهذا تراجع أخلاقي وفكري. وفي أوروبا فإِن ما تحقق بعد الحرب العالمية الثانية، كان أكثر دراماتيكية، بحيث كان مشروع الاتحاد الأوروبي هو الأكثر جمالا الذي أنتجه العالم في القرن الماضي. ويجب أن ينتصر. من أجل ذلك ينبغي اتخاد قرارات حاسمة، مثل المدى الذي ستُدمج فيه البلدان ودورها في العالم. وقد يدرك الناس والقادة ذلك ويسعون إلى تحويل المؤسسات، لكنها ستكون عمليه طويلة ومعقدة.

تختتم الكتاب بالتحذير، وان كان مع لهجة من الأمل، فالأخطار المختلفة هي أكثر في الحاضر من تلك المستقبلية، مثل الآلية، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي… هل مازال ممكنا العودة إلى الطريق الصحيح ؟

أرى أنه من المستحيل تجنب فترة من الاضطرابات، والتي اسميها غرقاً. سيحدث، نعم، ولكن بعدها يجب البناء، لن يكون ذلك نهاية العالم. إذا فكرتُ في شعوري العميق، أود ان أقول اننا سنمضي فترة صعبة للغاية ولكننا سنستعيد عافيتنا وسنحاول بناء الأشياء علي أسس أفضل. نحن بحاجه إلى البقاء هادئين، لأنه يتعين علينا بناء عالم قادر علي العمل. ليس ثمة حلول إعجازية، لكن ينبغي التفكير في طرق جديدة للتعايش، وهو أمر مُلزم لنا. ليست هناك عوالم أخرى من غير عالمنا هذا لنتقاسمها، لذا ينبغي تنظيم العيش بيننا. وهذا ليس سهلا، ذلك يتطلب الاحترام المتبادل ورؤية للإنسانية والهوية تحتاج إلى عمل أكثر. كما يتوجب علينا ان نحاول استعادة أيديولوجية عالمية، شيء يضم جميع الحضارات كما فعلت في السابق الاشتراكية والشيوعية، دون السقوط في مطابتهما. انه عمل هائل ينتظرنا، وقبل كل شيء، مفتوح للأجيال الشابة، التي ستعيش في السنوات  الأربعون أو الخمسون المقبلة.


[المصدر]

 

مأزق أن تنتهي من رواية رائعة

سادي شتاين، هي محررة مساهمة في صحيفة (پاريس ريڤيو) الشهيرة، والغنية باللقاءات الصحفية والمقالات المهمة. كما تعمل مراسلة في ذات الصحيفة.

في التاسع من نوفمبر في عام 2015، قامت (سادي) بنشر مقالة في صحيفة (پاريس ريڤيو)، تتحدث فيها عن مأزق الانتهاء من رواية عظيمة، نترجمها لكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

أنا بين الكتب مرةً أخرى. وياله من مكان غير مُريح بالكامل، فبعد الانتهاء من كتاب جيد ومثير للتفكير، ما سيحدث هو أنك لا تريد أن تذهب سريعاً عنه، أو حتى تبتعد، لتتناول كتاب آخر وتبدء فيه. يحدث أنك تُريد أن تجلس بجانب النهاية، وتهدأ قليلاُ وأنت تندب خسارة ولهفة ما فقدته من راحة ذلك الكتاب.

سَتفتقد حتماً لأجواء الشخصيات، ستشعر بالتنافر، والبعد، والتخلي عنهم لمجرد كونك تُفكر في فتح رواية جديدة والبدء فيها.

“رواية غير مضمونة وسَتستهلك مُجدداً ذهنك وروحك بالكامل”.

من ناحية أخرى، وبعد وقت كافي من الخيبة، يُمكنك أن تُصاب بالاضطراب، وتبدء فيك الرغبة في الفرار، والتنازل. فالقدرة على الصمود والتحفزّ للقراءة، لا يساعدك عليها سوى كتاب مُلهم.

لتبدأ عندها بالتساؤل؛ عمّا إذا كان بإمكانك أن تشعر مرةٍ أخرى؛ بمتع ودوافع ما انتهيت من قراءته من أيام فقط؟

ستكون هناك ردّات فعل نفسية، وبطبيعة الحال، بسبب اكتشافك الكتب السخيفة و التي تأخذ الكثير من الوقت، وتعطيك أقل رؤية وإحساس. ستكون هناك بدايات خاطئة، وتلك هي الأسوأ. وهناك أيضاً محاولاتك المُستمرة، بأمل تكرار متعة والهام تجربة القراءة السابقة.

وفي الجزء الأهم من المشكلة سيكون هناك الضغوط، ضغوط القراءة، وذلك الصوت المُلح لإنهاء الأولويات؛ من كتب كلاسيكية يجب عليك قراءتها، إلى كتب الأصدقاء المُهداة، إلى الكتب الموصى بها لك، تلك الكتب التي بانتظار فتحها إلى الآن، ولكن ماذا إذا لم تُعجبك؟ وطالما أنك لم تحاول حتى، أو لم تفشل فيها بعد. ذلك أنه في حالة كل كتاب غير مقروء حولك، هناك احتمال وقدر من النقاء المُلقى حولها وغير المحسوب أيضاً. ويمكن له أن يغير حياتك.

وأخيراً، هناك ذلك النوع من الشلل والعجز، والذي يُمكن أن يُحدد بالخبرة، وتلك أخطر اللحظات، هل مررت بها؟ هل شعرت بها وأنت تتسكع هائماً في المكتبات، باحثاً عن كتب مثالية تُشبه تجربتك السابقة؟ تلك اللحظات وأنت تتلمس عمود الكتب هذا، وتتابع بعينيِك العناوين الأخرى هناك. متفحصاً بحذر، تأخذ الكتاب بيديِك بتردد، لتُرجعه مكانه، قبل أن تتسرع وتقتنيه.

“حافظ على ذلك المعنى الخطر”

انه من المُطمئن لك أن تكون خائفاً! ولا تزال بعد كل ذلك الوقت، وحتى بعد عدد الكتب التي قرأتها، لن يغير شيء من ذلك الشعور، ذلك المعنى الجازم من الخوف المُبدع و الذي يبقى حولك، وبين الكتب دائماً.


[المصدر]

 

المصدر/ http://www.theparisreview.org/blog/2015/11/09/between-books/

عن طريقة مردوخ في الكتابة

مردوخ

أيريس مردوخ (1919-1999)، هي روائية وفيلسوفة وأستاذة جامعية بريطانية. عُرفت برواياتها السيكولوجية التي تحتوي على عناصر فلسفية مشوبة بنكهة هزلية، وتركّز (آيريس) في أعمالها على جوانب الخير والشر، والعلاقات الجنسية، ونظم الأخلاقيات، وقوة التجربة اللاواعية في حياتنا البشرية. وقد اختيرت روايتها الأولى المعنونة (في المصيدة) في عام 1998 كواحدة من أفضل مئة رواية إنجليزية في القرن العشرين. كما صنّفتها مجلة التايمز في المرتبة الـ(12) من قائمة تضم (50) من أعظم الكاتبات البريطانيات منذ عام 1945. ولا زالت تحظى باهتمام كبيرٍ بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها عام 1999 متأثرة بتداعيات مرض الزهايمر الذي ظهرت أعراضه عليها منذ عام 1994.

نقتبس هنا شيئًا من أجوبتها في اللقاء الصحفي المطوّل الذي أجرته مع مجلة (پاريس ريڤيو) في عام 1990. من ترجمة الأستاذة (لطفية الدليمي)، والذي جعلته في كتابها (فيزياء الرواية).

أخبرينا قليلًا  عن طريقتك في السرد وكيف تفكرين أثناء كتابة رواية.

أعتقد أن من المهم للغاية وضع خطة تفصيلية قبل أن تشرع في كتابة الجملة الأولى. أنا أخطط لكل شيء بالتفصيل قبل أن أشرع في الكتابة، لديّ مخطط عام وكومة ملاحظات، حتى أن ترتيب الفصول أخطط له منذ البدء، وكذلك الحوارات. هذه هي المرحلة أولية وفي غاية الأهمية، ومخيفة بذات الوقت في كتابة أية رواية، لأنك تكون بعدها ملتزمًا تمامًا بمخطط عملك الذي وضعته، أعني بالضبط أن الرواية عمل طويل مجهد وإذا ما كانت نقطة الشروع غير موفقة فستنتهي إلى نهاية غير سعيدة حتمًا. المرحلة الثانية في كتابة الرواية هي أنك ينبغي أن تجلس بهدوء وتدع الأشياء تكتشف نفسها: منطقة في الخيال تقود لأخرى، تفكر مثلًا في حدث ما ثم يقتحم شيء غير متوقع أجواءك، وبعدها ترى أن المسائل الجوهرية التي يحوم حولها العمل تكشف عن نفسها وتترابط مع بعضها. حتى ليمكن القول أن الأفكار تتطاير معًا وتولد أفكارًا جديدة، والشخصيات تولد شخصيات.

ما الذي يلحّ عليكِ أولًا: الشخصيات أم عقدة الرواية؟

أعتقد أن الاثنين يبدءان في الاشتغال معًا: فثمة دومًا اثنان أو ثلاث شخصيات في علاقة من نوع ما، وأن مشكلة من نوع ما تنتابهم، ثم هناك قصة، ومحن، وصراعات، وحراك من الوهم إلى الحقيقة. لا أظن أن لديّ ميول لإسقاط سيرتي الذاتية على ما أكتب.

كيف تختارين أسماء شخصياتك الروائية؟

ينبغي لهم أن يختاروا أسماءهم بأنفسهم، وليس بوسع المرء سوى الانتظار. إذا ما حصل خطأ ما في الاختيار فمن الممكن أن يكون أمرًا خطيرًا. ينبغي للشخصية أن تعلن عن اسمها الشخصي. أعمل في العادة قوائم بالأسماء، ويمكن لي أن أخترع الأسماء أيضًا. حدث مرة أن اخترعت اسمًا لشخصية أسميتها Gavender وظننت أن لا يمكن لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، وبعدها تلقيت رسالة من أحد الأشخاص في الولايات المتحدة يكتب فيها لي: “كيف عرفت ما حدث لعائلتنا؟”. إن اختراع الأسماء لشخصيات روائية عمل مسل للغاية.

ما هي المشكلة التقنية الأكثر صعوبة في العادة التي تعترضك عند كتابة رواية؟

هي ذات المشكلة التي أشرت إليها سابقًا: كيف تبدأ الرواية، ومتى تقوم بهيكلتها، وتحديد السرعة التي تتحرك بها الشخصيات. إنها عملية تماثل الانتقال من حرية كاملة إلى قفص ضيق، إذ عليك أن تقرر بأية سرعة تتحرك، ومتى تقرر ما ستؤول إليه الثيمات الرئيسية في الرواية.

إذا لم تكن شخصياتك الروائية تعود لشخصيات واقعية في معظم الأحيان على عكس الحالة السائدة عند أغلب الروائيين مثل (همنغواي) و(لورنس)، فكيف تخلقينهم إذًا؟

أجلس وأنتظرهم فحسب. أمقت كثيرًا فكرة ضخ شخصيات حقيقة في جسم الرواية، ليس بسبب أن ذلك سيكون موضع تساؤل أخلاقي لكن لكونه سيكون مملًا أيضًا كما أرى. أريد اختراع شخصية لم توجد من قبل، ثم تبدأ سمات الشخصية بالنمو مع تقدم العمل. الصورة الأولى للشخصية تكون في العادة ضبابية: تعلم مثلًا  أن (فلانًا) في الرواية مواطن صالح، أو ذو ميول دينية، وقد يكون بيوريتانيا Puritanical، وينبغي لي منذ البدء أن أملك فكرة ما عن المشكلات التي ستواجهه وعلاقاته مع الشخصيات الأخرى، لكن التفاصيل الخاصة التي تعتمد عليها الرواية، مظهره، سماته الخاصة، خصوصياته، مزاجه، كلها تفاصيل تأتي لاحقًا.

ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان

Milan-Kundera-006

(ميلان كونديرا)، روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه (الستارة) حيث يحكي مستفتحًا:

أتذكر لقائي مع بعض زملائي في الثانوية بعد عشرين عامًا من البكالوريا؛ يخاطبني (ج) بفرح: “ما زلت أراك تقول لأستاذنا في الرياضيات: تبًا يا سيدي الأستاذ”، والحال فإن اللفظ التشيكي لكلمة “تبًا” نفّرني على الدوام، وكنتُ على ثقة تامة بأنني لم أقل ذلك، لكن الجميع من حولنا انفجروا ضاحكين، متظاهرين بأنهم تذكروا تصريحي الظريف. أدركتُ أن تكذيبي وإنكاري لن يقنع أحدًا، فابتسمت بتواضع دون احتجاج لأنه، وأُضيف هذا إلى خجلي، سرَّني أن أرى نفسي وقد تحوّلت إلى بطل يطلق كلامًا بذيئًا في وجه الأستاذ الملعون.

عاش الجميع مثل هذه الحكايا. عندما يستشهد أحدهم بما قُلته في محادثة، فإنك لن تتعرف أبدًا على نفسك؛ تغدو عباراتك في أحسن الأحوال مبسطة على نحوٍ فظ وأحيانًا مشوّهة -عندما يُؤخذ تهكمكم على محمل الجد- وغالبًا غير منسجمة البتة مع ما سبق لك أن قلته أو فكرت به. وينبغي أن لا تدهش أو تسخط، لأن هذه بديهية البديهيات: الإنسان منفصل عن الماضي -الماضي القديم كما الماضي القريب جدًا منذ بضع ثوانٍ- بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان، التي تمحي، وقوة الذاكرة، التي تُحوِّر.

هذه بديهية البديهيات، لكن من الصعب قبولها لأنه، عندما نفكر فيها حتى النهاية، ماذا ستصبح كل الشهادات التي يستند إليها التأريخ، ماذا تصبح يقينياتنا عن الماضي، وماذا يصبح التاريخ نفسه الذي نرجع إليه يوميًا بسذاجة وحسن نية وعفوية؟ خلف بطانة المُسلّم به الرقيقة -ليس ثمة شك أن (نابليون) خسر معركة (واترلو)- يَنتشر فضاءٌ لا نهائي، فضاء التقريب والاختلاق والتشويه والتبسيط والمبالغة وسوء الفهم، فضاءٌ لا نهائي من اللا حقائق التي تتكاثر كالفئران وتَتَخلَّد.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يعطي النشاط الدائم للنسيان لكل واحد من تصرفاتنا طابعًا شجيًا وغير حقيقي وضبابي .. ماذا تغذينا قبل البارحة؟ ماذا روى لي صديقي بالأمس؟ وحتى: بماذا فكرت منذ ثلاث ثواني؟ كل هذا يُنسى، وما هو أسوأ بكثير، لا يستحق شيئًا آخر. ومقابل عالمنا الواقعي الزائل والجدير بالنسيان في حد ذاته، تنتصب الأعمال الفنية كعالم آخر، عالم مثالي وراسخ، لكل تفصيل فيه أهميته ومعناه، وكل ما يوجد فيه، كل كلمة، كل جملة، تستحق ألا تُنسى وأن تُفهم كما هي.

مع ذلك لا يُفلت الإدراك الحسي للفن أيضًا من سلطة النسيان. وبهذه الدقة، يوجد كل فن من الفنون في موقع مختلف إزاء النسيان. من وجهة النظر هذه، الشِعر محفوظ. مَن يقرأ نشيد (بودلير)، لا يسعه أن يقفز فوق كلمة واحدة منه. وإذا أحبه، سيقرؤه عدة مرات وربما بصوت مرتفع. وإذا أحبه إلى درجة الجنون، سيحفظه عن ظهر قلب. فالشعر الغنائي هو معقل الغناء.

أما الرواية، بالعكس، هي قصر محصّن بردائة إزاء النسيان. وعندما أخصص ساعة لقراءة عشرين صفحة، فإن رواية من أربعمئة صفحة ستأخذ مني عشرين ساعةولنقل إذًا أسبوعًا. ونادرًا ما أجد أسبوعًا بكامله فارغًا. وعلى الأرجح ستخلل جلسات القراءة انقطاعات لعدة أيام، سيقيم خلالها النسيان ورشته على الفور، لكن النسيان لا يعمل في فترات الانقطاع فقط، بل يشترك في القراءة بشكل مستمر، بلا أي توقف، وأنا أقلب الصفحة أنسى ما قرأته توًا؛ ولا أحتفظ منه إلا بنوع من المختصر الضروري لفهم ما يليه، بينما تُمحى جميع التفاصيل والملاحظات الصغيرة والعبارات المثيرة للإعجاب. وذات يوم بعد سنوات، ستراودني الرغبة في التحدث إلى صديق عن الرواية، عندئذ ستتأكد أن ذاكرتينا اللتين لم تحتفظا من القراءة إلا ببعض المقتطفات، أعادتا بناء كتابين مختلفين لدى كل واحد منا.

ومع ذلك، يكتب الروائي روايته كما لو كان يكتب نشيدًا. انظروا إليه، إنه مذهول بالتأليف الذي يراه يرتسم أمامه؛ أدنى تفصيل مهم بالنسبة له، يحوّله إلى موتيف -موضوع فني أو أدبي صغير- وسيعيده في تكرارات عديدة وتنويعات وتلميحات كما في مقطوعة الفوغ -تنويع موسيقي تتكرر أجزاؤه. لهذا السبب هو لأنه واثق من أن الجزء الثاني من روايته سيكون أجمل وأقوى من الأول، لأنه كلما تقدم في قاعات هذا القصر، تضاعفت أصداء الجمل الملفوظة والثيمات المعروضة سابقًا، وبعد أن تتجملع في تناغم، ترن في كل الأجاء.

الرواية الجيدة عند آذار نفيسي

7983_1

آذار نفيسي، من مواليد عام 1955، وهي كاتبة وأكاديمية من إيران، عرفتها من عملها الرائع (أشياء كنت ساكتة عنها)، حيث تسرد فيه سيرة طفولتها وأبنائها، وأيضاَ رواية (جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب)، وأشهر أعمالها رواية (أن تقرأ لوليتا في طهران)، والتي تسرد فيها سيرتها الشخصية في التدريس ومقاومة الثورة الإيرانية إبان سنوات عملها هناك في الفترة الزمنية 1978/1981، وذلك قبل استقالتها من العمل بسبب رفضها للقيود الجديدة في جامعة إيران والتي بنظرها تقلل من إبداعها وحريتها في التدريس والعيش ويخالف قيمها كأستاذة جامعية. وتسرد هنا آراء طالباتها حيث بدأت في ترتيب صفوف في بيتها مع مجموعة من طالبتها المهتمات بالأدب لمناقشة الروايات بكل حرية وعدم تقيد لشروط التدريس في الجامعة.

ونقتبس من هذه الرواية الأخيرة مقولات لـ(آذار نفيسي) عن الرواية الجيدة والتي تم ذكرها في محاضراتها:

إن معظم الأعمال الخيالية العظيمة مغزاها أن تجعلك تحس بأنك مثل غريب وأنت في بيتك أو وطنك، والعمل الأدبي الأفضل هو ذلك العمل الذي يدفعنا دائماَ إلى الشك والارتياب بشأن ثوابتنا، ويجعلنا نشكك في التقاليد والتوقعات والآمال حينما تبدو لنا وكأنها ثوابت لا تقبل الجدل. قلت لطلبتي إنني أتمنى عليهم في قراءتهم أن يتأملوا ويمعنوا النظر في الأسباب التي تجعل من عمل أدبي ما يهز استقرارهم ويحرك القلق في داخلهم، ويحثهم على إعادة تقييم العالم حولهم بعيون أخرى مختلفة، تماماَ مثلما حدث مع (أليس في بلاد العجائب).

فـ(آذار نفيسي) ترى أن الرواية الجيدة هي التي تظهر العقد الداخلية للشخصيات، وتضيف قائلة:

ليست الرواية استعارات ومجاز، إنها تجربة حسية لعالم آخر. فإذا لم تدخلوا ذلك العالم، لتتنفسوا وتحبسوا أنفاسكم مع شخصياته، وتشاركوهم مصيرهم، فلن يكون بإمكانكم الدخول إلى عمق الشخصيات أو التعاطف معها، والتعاطف هو جوهر الرواية. بهذه الطريقة يجب أن تقرأ الرواية: باستنشاق التجربة.

و أخيراَ تقول:

يجب علينا أن نستمر في قراءة الكتب المدمرة العظيمة.

إبراهيم الكوني في حوار

Ibrahim-Al-Koni.jpg

إبراهيم الكوني روائي ليبي ينتمي إلى قبيلة الطوارق من مواليد ٨ أغسطس ١٩٤٨ في غدامس، ليبيا.
يصنف كأحد أهم خمسون روائيا معاصرا وفقاً لمجلة لير الفرنسية، بلغ عدد مؤلفاته نحو ثمانون كتاباً.
كتب أعماله في عدة مجالات وهي: الرواية، الدراسات الأدبية والنقدية، السياسة، التاريخ. ويقوم عمله الروائي على عالم الصحراء بما فيه من ندرة وقسوة وانفتاح على جوهر الكون، وتدور معظم رواياته حول العلاقة الجوهرية التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية وموجوداتها وعالمها المحكوم بالحتمية والقدر الذي لا يرد.

في لقاء شيّق (في حديث العرب) يبيّن (الكوني) آراءه النقدية ذات البعد الفلسفي عن السياسة والايدلوجيا في العالم العربي والافريقي وأثرهما على الأدب والثقافة، تطرق فيه الحوار أيضاً عن الصحراء وفلسفة الرحيل والحب والعلاقة الانسانية ومفهوم الحرية والتأمل من خلال أعماله الروائية.

تقول ان الطوارق أمة وليست قبيلة ولكن الايدولوجية العربية ألغتهم واختزلتهم في قبيلة، من هم الطوارق في تعريف (ابراهيم الكوني)؟

من المؤسف بعد قرون من مئات السنين على وجود أمة في رحاب أكبر صحراء في العالم وأكثرها تنوعا وغنى وجمالاً كما يقول عنها علماء وخبراء الصحاري أن تظل مسألة هوية هؤلاء القوم -الذين يسكنون ذاك العالم- مجهولة او تحتاج الى تعريف، لأن من يقرأ لابن خلدون وتاريخه يستطيع أن يدرك في جملة واحدة من هم الطوارق ومن هم سكان الصحراء الكبرى بما في ذلك سكان شمال افريقيا حيث يقول: “إنهم أمة عظيمة مثلها مثل العرب والفرس والروم”، فإذا أضفنا الى ذلك أول متن في التاريخ العالمي وهو تاريخ هيرودوت الذي خصص لهم كتابا كاملا عن ليبيا يستطيع أن يَفهم أنّ هذه  الأمة أمة عريقة ذات ثقافة ثرية ولغتهم أثرت ليس فقط في الأمم المجاورة بل في كل اللغات ذات الطابع الديني، وأثرت في تكوين المفاهيم اليونانية القديمة، وكذلك في اللاتينية.
كتبت موسوعة من سبع مجلدات حول هذه القضية ولكنها لم تقرأ أو قرأت وتم تجاهلها!

هل يفضّل (ابراهيم الكوني) القول بأنه يمثل الطوارق أم العرب أم الانسانية؟ بماذا يعرف (ابراهيم) نفسه؟

بالإنسان، يعرفني الغرب والشرق العالمي من اليابان إلى أوروبا بأنني كاتب إنساني، ومن يقرأ أعمالي سوف يدرك ذلك، ولكن أعمالي لا تقرأ، أنا أقرأ كشخص، ولكنني لا أقرأ كنص،  هذه مسألة جدل النص والشخص، مسألة في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، الناس يستهويهم الشخص ولا يستهويهم النص، النص مسألة صعبة، النص يحتاج الى قراءة، يحتاج الى أسلحة أخرى، يحتاج الى فلسفة، معرفة أو قدر محدد من المعرفة وأيضاً إلى بطولة في اقتحام النص، لأن قراءة النص سيّما كان موزعّا بين ثمانين كتاب أصبح في عالمنا المعاصر مخاطرة كما يبدو.
الناس لا يعرفون لأنهم لا يقرأون نصي. والاغلبية الان لا تقرأ لأن العراقيل أمامها تتمثل في التقنية، تقنية المعلومات التي هيمنت على عالم اليوم وغربته عن المعرفة الحقيقية الموجودة في النص وليس في الشخص.

انت حذرتني من أن يتحول هذا الحديث الى حديث سياسي، لماذا لا تحب الخوض في السياسة؟

بالتأكيد لان عالمنا كله مسيّس، انا استنكر تسييس عالمنا، واختزال الوجود في حرف ساكن وميت هو حرف السياسة، أو ربيبتها الأيدولوجيا،لأن عالمنا لم يشهد تسييساً او تزييفاً للروح كما نشهده اليوم بفعل نزعة التسييس ونزعة الأدلجة، عالمنا كله مسيّس بالايدلوجيا سواء كانت دينية، قومية، أممية أو ليبرالية.

هل تخشى من تسييس الأدب أيضا؟

هذا حاصل في واقع الأمر، وهذه أكبر كارثة نعانيها اليوم، بالتأكيد، الأدب اليوم ليس أدباً، الأدب اليوم عبارة عن تقارير، هذه التي يطلق عليها اسم روايات، هي ليست روايات، الروايات أسطرة، لماذا لا نحتكم الى الواقع؟ هل هناك نص يمثل الأدب، ويمثله في البعد السياسي مثل نصوص كافكاً مثلا أو ماركيز، ولكنهم لا يكتبون تقارير سياسية، هم يأسطرون الواقع، لان أسطرة الواقع بطولة، تحتاج الى أدوات وإمكانيات صعبة، ولكن أَهلُ هذا العصر يستسهلون هذه الأشياء ويذهبون الى الأشياء من أقصر طريق، بدلاً من أن يذهبوا لها من أعمق طريق، “الطريق الشرعي”.

تقول: “رؤيتي للعالم غير سياسية، إنها فلسفية أو إنسانية”، لكن أين المفر من السياسة؟

أنا مشاهد، أنا أحيا مشاهدا، أنا لا أشارك في اللعبة، تصلني شظاياها بالتأكيد، وفي عالم اليوم لا يسلم أحداً من هذه الشظايا، إنني طوال الوقت أحيا مشاهدا وأحاول أن أتأمل ما أشاهد، والمشاهد هو أفضل من يُشارك في المسرحية، لأن من يشارك المهزلة أعمى، بينما المشاهد هو من يرى، لا يرى فقط ولكنه يرى بوضوح، أعني هو صاحب الرؤيا الكاملة.

أليس المطلوب من المثقف خاصة في منطقة مثل منطقة العالم العربي، مليئة بالتناقضات والأحداث، ألا يُطالب بأن يلعب دور فيها؟

أنا لا ألعب دورا، ولكن نصي هو من يقوم بذلك، إن النص هو الذي يمثلني، فأنا لا أمثل نصّي، النص هو الحكم وليس الشخص، فلنحتكم الى النصوص والكتب، المقياس هو النص، ولكن الناس يتعبون لأنهم مولعون بالمعلومة وليس بالعلم والمعرفة، فلذلك النصوص الحقيقية مغتربة، وهذه حقيقة واقعة.

أنت ترى أنه لم يعرقل النهضة العربية مثل الشعارات الأيدلوجية، وأيضا لك موقف واضح من الأيدلوجية؟

بطبيعة الحال، لو لم تعترض الأيدلوجيات النهضة العربية التي بدأت مع مطلع القرن العشرين لكان الأمر معها أمراً آخر، وأقصد هنا الأيدلوجيات بفروعها لا أستثني منها أي ركن.

لكن المهيمن على المنطقة في العصر الحالي هي الأيدلوجيا الدينية؟

اليوم الدينية، وبالأمس القومية، وما قبلها كانت الأممية،
هل ترى الناس اليوم سعداء؟ لماذا لا نتسائل عمّا إذا كنّا سعداء؟
نحن أشقياء في واقع الامر بسبب الشعارات، بسبب الأيدلوجيا، الانسان الشعاري هذا إنسان مغترب عن قيمته الانسانية الحقيقية ولهذا هو شقي.

تقول حيثما هيمنت الأيدلوجيا تجد الناس تعساء؟

نعم بالحرف الواحد، لأن الأيدلوجيا تنتج الطاغوت، والميثولوجيا تنتج اللاهوت، مع اللاهوت دائما الامر يختلف، ويجب ان نرجع الى المصدر، من أين أتت الأيدلوجيا؟ ومن أين أتت الميثولوجيا؟ الميثولوجيا أتت من إنسان البرية من الانسان الراحل، عندما كان المجتمع قطبٌ راحل وقطبٌ مستقر، القطب المستقر هو الذي أنجب الأيدلوجيا والسياسة والسلطة، في حين نموذج البرية أنتج الحرية، وأنتج الميثولوجيا، واللاهوت، ولهذا السبب جميع الأديان قَدِمت من البرية، من الصحاري.

لماذا ابراهيم الكوني متعصب للصحراء؟

أنا متعصب للصحراء، ليس لأنني بطبيعة الحال ابن الصحراء، ولكن لأنها الطبيعة الوحيدة المتسامحة والمظلومة والتي تدمر كل يوم، البيئة التي تعاني منذ الازل من التدمير والتهميش والاستعباد والإنكار، بالرغم ان عالم اليوم كله يستمد من الطاقة القادمة من الصحراء ومن الخيرات التي تمدها الصحراء، في بلد مثل ليبيا أضحت الصحراء مصدراً للماء.

تقول أن الأيدلوجيا تزاداد طغيانا، وهذا الموضوع يهم جدا الأوضاع السياسية التي تشهدها المنطقة، كيف أن الأيدلوجيا تزادا طغيانا؟

عندما قامت ثورات الربيع العربي، اعتقدنا أن هذا إيذان بغروب الأيدلوجيا، وفجأة تقفز الى المسرح أيدولوجيا أعتى وأقسى عنفا، وهي الأيدلوجيا الدينية. لقد اعتقدنا أن الثورات العربية ستصنع النهضة المفقودة، التي وأدتها الأيدلوجيات السابقة، سواء الاممية أو القومية فإذا بِنَا نتفاجأ بأننا عدنا إلى الوراء تماما، وهذا ليس فقط بسبب هيمنة الأيدلوجيات بل أيضا بسبب جنونها.

تقول: “إن إنسان العمران متوتر دائما بسبب الاحتكاك المستمر”، وتشير الى مثل طوارقي قربّوا قلوبكم وباعدوا بيوتكم، كيف نشرح هذه الفكرة؟

في غاية البساطة، لقد قلت وأقول دائما أن الحلقة المفقودة في التاريخ البشري هي اليوم الذي انفصل فيه المجتمع البشري كله الذي كان راحلاً في البداية إلى قطبين أساسيين، قطب راحل وقطب مستقر، القطب الذي اختار الاستقرار أنتج في بداية الامر حرفة، كالزراعة مثلاً، والحرفة أنتجت الملكية، الملكية أنتجت الصفقة التجارية، والصفقة التجارية أنتجت السلطة والسلطة أنتجت الأيدلوجيا من خلال السياسية أو -ما نسميه سياسة-، والأيدلوجيا هي التي أنتجت الطاغوت. في المقابل أن إنسان البرية الذي يحيى على اقتصاد شحيح تهبه الطبيعة بالدرجة الأولى، ويسمى رعوي إلتباساً، لأنه في واقع الامر ليس رعوياً، وإنما يرعى مبدأ أعظم وأنبل وهو الحرية، مبدأه الرئيسي هو الحرية، هذه الحرية هي التي أنتجت الميثولوجيا، لأن هذا الانسان ذو طابع وجداني ورومانسي ولأنه قريب للطبيعة، فلهذا السبب كانت هناك الفنون، وكانت هناك التمائم التي ولدت بعد الفنون، وهناك وُلد الدين بالمعنى الميثولوجي في بادئ الأمر، هذه الميثولوجيا هي التي أنجبت اللاهوت، فإذاً كل الديانات وكل الأفكار الكبرى قادمة من البرية.

كيف لإبن المدينة اليوم أن يجمع بين الحداثة وبين ثقافة الصحراء؟

هناك تقنية العزلة، الكثيرون يستعينون بها في سبيل استعادة الحرية المفقودة، وفي سبيل استعادة البعد المفقود في الوجود، لأن الانسان بطبيعته حالم وباحث عن الله، باحث عن فردوسه المفقود، والفردوس لو لم يكن مفقودا لما كان فردوساً، ولو وضعنا هذا الانسان في الفردوس لخرج منه كما حدث مع آدم بالضبط، إذاً هو بطبيعة الحال مبدأ مفقود، ولكنه يعيننا على أن نحيا وأن نعبر جحيم هذا الوجود، هذا الحلم بالحرية أو بالبعد المفقود أو بالفردوس المفقود هو ما يهب الانسان قيمة أخلاقية، لهذا الروح الاخلاقية قوية جداً لدى هذا الانسان الراحل البسيط العفوي، لأنه عفوي.

تقول: “دين الرحيل هو دين الحرية”، كيف يكون الرحيل دينٌ وحرية؟

الرحيل كما قلنا هو استجابة لنداء وجودي لدى كل إنسان في هذا الوجود هو الحلم بوجود معنى للوجود، ونستطيع أن نقوله بصيغة أخرى وهي البحث عن مثال، البحث عن الله، البحث عن الحقيقة، البحث عن الفردوس المفقود، كلها أسماء متعددة لمبدأٍ واحد، إذا هو حرية لأنه لا يعترف بالواقع، واقع الإنسان الراحل، واقع اللا واقع، لأنه لا وجود للعلاقة هناك، العلاقة موجودة فقط في مجتمع العمران -المكتظ، المكان الذي يسميه الانسان الراحل بـ”الحبوس“، المدن هذه حبوس، فإنسان الرحيل متحرر من العلاقة، قد يلتقي أو يجتمع مع الآخر، لكن إجتماعه لا يدوم إلا ليفترق، وحتى لو اجتمعوا، اجتمعوا متباعدين، أخبية متباعدة متناثرة في الخلاء في الطبيعة.

هل هذا يفسر إرتحالك الدائم؟ لديك رؤية وفلسفة حول ترحالك بل ذكرت أنك تؤمن بحرق السفن في مشوار الترحال، لماذا هذا الرحيل الذي لا يتوقف، عشت في مدن كثيرة جدّاً وخمساً وأربعين سنة وأنت تُمارس الترحال؟

الترحال أيضا نداء، أو استجابة لنداء ولكنه نداء يحتاج إلى شجاعة لكي تنفذه بأرض الواقع.

ما هو هذا النداء؟

نداء الحرية الذي اتحدث عنه، نداء الحقيقة، نداء الوجود نداء شيء ما وراء الأفق، وراء الوجود، إنسان لا يبحث عن حقيقته، عن هويته الإلهية خارج هذه الحدود المرئية إنسان فاشل ولن يكون سعيداً على الإطلاق، لأن السعادة موجودة في الطلب كما يقول أهل التصوف، السعادة موجودة في البحث عن السعادة، عن الله أو عن فكرة نبيلة إنسانية كبرى، ولهذا السبب أصبح الرحيل بالنسبة لي يحيى بالجينات. ولإنني إبن الصحراء يقيناً، ولكن لا يزيدها الهم الوجودي إلا تأججاً، يغذيها. لا بد أن يوجد شيء ما نسميه: “الهم بالكينونة”، إذا لا بد أن أبحث عن نفسي في الآخرين، في الأمم، في المسافات، إلى الأبد.
لا بد أيضاً أن نأخذ بوصايا الحكماء الذين يقولون: يجب أن نجعل النصف الآخر من حياتنا أو من رحلتنا هذه أجمل من النصف الاول، وعندما تأتي رحلة الوداع، علينا أن نفرح لأننا وصلنا إلى نهاية المطاف.

كتبت عن الصحراء كثيرا وما زلت، البعض يقول أن (إبراهيم الكوني) لم يعش الصحراء حقيقةً، ولكنه يتخيل الصحراء أو يحلم بالصحراء؟

لقد عشت الصحراء كما لم يحياها الذين يعيشون في الصحراء.

كيف؟

بالوجدان أو بسلطة الوجدان، أنا ولدت بالصحراء، وحبل السُرّة موجود هناك، الوتد الأصلي هناك، السر الأول موجود هناك، الكنز الأصلي موجود هناك، صحيح أَنِّي لم أعشْ في الصحراء فترة طويلة ولكنها في اللا وعي وهنا تصبح المسألة ملتبسة وأقوى عندما تسكن اللا وعي، في حين أنني أعود الصحراء وأزورها بشكل مستمر، عندما كنت أُقيم في الاتحاد السوفييتي في نهاية الستينات وبداية السبعينات، كنت أزور الصحراء كل ستة أشهر رغم الصعوبات، نوعٌ من الحج إلى الحرم، لأن الصحراء وأقولها دائماً هي حرم، وإلا لما ورد في الكتب المقدسة الأمر الإلهي الموجه إلى فرعون في سفر الخروج والذي يقول : أطلق شعبي ليعبدني في البرية، لم يقل له أطلق شعبي ليذهب إلى أرض الميعاد، وهذا يعني أن البرية هي المسجد أو المعبد، هي الحرم.
لماذا قَبِلَ الرب قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل؟
هابيل يمثل الإنسان الراحل، فهو راعي، أما قابيل فيمثل الإنسان المستقر لأنه فلاح، إذاً الرب رفض قربان الإنسان المستقر وقبل قربان الانسان الراحل لأنه هو إبن الحرية، لهذا السبب كان القديس اوغستين يقول: “القبيلة الإلهية هي القبيلة الراحلة والقبيلة الدنيوية هي القبيلة المستقرة -قبيلة قابيل-، ولهذا السبب أيضاً حدثت أول جريمة في التاريخ بسبب الغيرة والحسد”.

تقول: “إن عالم الصحراء عالم صارم جداً، الأخلاق هي من تحكمه وهناك أيضا ثنائية العرف والقانون”؟

هذه بالنسبة لمسألة المقارنة بين المجتمع الراحل والمجتمع المستقر، المجتمع الراحل قانونه العرف أو الناموس الأخلاقي، والمجتمع المستقر قانونه القوانين، فهو اضطر إلى أن يسن القوانين ليضع حدًّا لاعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، في حين أن طبيعة العلاقات في الصحراء طبيعة غير نفعية بالتالي تصبح غير عدوانية ولهذا السبب استطاع أهل الصحراء أن يؤسسوا لأنفسهم ناموس آخر، كما يرد في الكتب المقدسة النص القائل: “هؤلاء الذين ليس لديهم الناموس وعملوا ما في الناموس، هم في الواقع ناموسٌ لأنفسهم!”.
فهؤلاء أسسوا ناموس إلهى بالعلاقة الفعلية ولم يضطروا إلى تأليف قوانين كما هو الحال لدى الانسان المستقر.
هذه ليست مفاضلة بين القطبين ولكن هذا الواقع.

الصحراء هي مرحلة من عمر المجتمعات والشعوب كما نلاحظ، لا يمكن أن تعيش المجتمعات إلى الأبد بهذا النظام القبلي معتمدة على العرف. أليس من سنة الحياة أن تتحول المجتمعات من البدائية إلى الحداثة؟

قد يحدث تلاقح، أو الهجرة من هنا إلى هناك أو العكس، وللأسف أن إنسان البرية -في الغالب- هو الذي تلتهمه المدنية ويفقد هويته وروحه وحريته.

في رواية (عشب الليل) تقول: “ما إن يعلم الإنسان بأن له أخاً يحيى في الرقعة المجهولة حتى يصبح لا بد من أن يحتال ويبدع ويركب الريح ليصل إليه، يصل إليه يرتمي بين ذراعيه، يحتضنه بحرارة ويبكي بدموع الحنين بين يديه ثم يستغفله في الظهر الطعنة المميتة، هذا هو الإنسان!”
هل تحاول قول : أن الإنسان غدار بطبعه؟

الذي يحدث هنا هو بسبب العلاقة، والعلاقة دائما عداء!
ولهذا يُقال الجحيم هو الآخر.
عندما يقول (أرسطو): “الإنسان كائن اجتماعي” فهو لم يخطئ، لأنه كائن إجتماعي وإجتماعي شقي.
عندما يصبح الانسان اجتماعياً يصبح شريراً، وهذا أشبه ما يكون بالدراما، حين لا نستطيع ان نستغني عن الانسان فـ نهرع له ونرتمي بين يديه كالطفل ولكن لا نلبث قليلا بحكم العلاقة ألا ويحدث الصراع، كصراع قابيل وهابيل.

من مقولاتك في رواية (رسول السماوات السبع): “نحن لا نُميت إلا من نحب”.

هذه دراما الحب،
الحب علاقة تريد أن تأله المحبوب، والمحبوب لا يستطيع أن يتأله أبدا فتقتله، لكي تتماهى معه،
لكي تحبه كما ينبغي يجب أن تحبه في الموت، وفي الواقع لا حب إلا في الموت،
ما هو الموت؟ الموت هو الحرية في بعدها الأقصى.

من مقولات “الناموس” : “يتلذذ الانسان في الاجتماع الى الناس، ويجد أشد الصعوبات في الاجتماع الى نفسه”!
هل يحب الاستاذ ابراهيم العزلة؟

بالتأكيد، بدون عزلة لا إبداع، ولا نبوءة.
من هو النبي الذي خرج إلى العالم بدون عزلة، ألا تذكرنا العشرون عاما بـ غار حِراء، الثمن الذي يدفعه كل نبي؟
ألا يذكرنا تيه الأربعون عاماً في صحراء سيناء بذلك؟
في الحقيقة، كل الأفكار الكبرى نتجت عن التأمل، والتأمل لا يحدث إلا بعزلة.

نيتشه يضع وصفته للروائي الجيد

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء. في كتابه (إنساني مفرط في إنسانيته)، كتب وصفة للروائيين لكي يكونوا جيدين فيما يكتبون. يقول فيها:

الوصفة كي تصبح روائيًا جيدًا … من السهل قولها ، ولكن شق غمارها يستلزم مزايا يعتاد المرء على التقليل من شأنها حين يقول: “لا أملك موهبة كافية”. كل ما على المرء فعله هو وضع مئة مخطط تقريبًا للروايات، من دون أن تكون أطول من صفحتين ولكن ينبغي أن تكون دقيقة إلى درجة أن تكون كل كلمة فيها ضرورية ؛ وينبغي على المرء تدوين ملاحظاتٍ يوميًا إلى أن يتوصل إلى معرفة كيفية إعطائها الصيغة الأشد إثمارًا وفعالية؛ ولابد أن يكون المرء جادًا بلا كلل في جمع وتوصيف الأنماط والشخصيات البشرية؛
وعلى المرء، قبل أي شيء آخر أن يروي أمورًا للآخرين وينصت إلى آخرين يروون، مبقيًا عينيه وأذنيه مشرعة على الأثر الذي تتركه تلك التفاصيل على الحاضرين؛ وعلى المرء أن يسافر مثل رسام المناظر الطبيعية ومصمم الأزياء … ويجب على المرء أخيرًا ، تأمل دوافع الأفعال البشرية، وأن لا يترفع عن أي تفصيل بشأنها، وأن يكون جامعًا لتلك الأشياء ليلاً نهارًا. ولابد أن يتابع المرء هذا التمرين متعدد الجوانب قرابة عشر سنوات؛ وما سيتم إبداعه في تلك الورشة حينئذٍ … سيكون ملائمًا لإخراجه إلى العالم.

قطار الليل إلى لشبونة

Mercier-Pascal

(قطار الليل إلى لشبونة) رواية كتبها الروائي والفيلسوف السويسري (باسكال ميرسيه)، تحكي قصة انقلاب عالم (رايموند موندوس غريغوريوس)، رجل في الخمسينيات من العمر يعمل أستاذًا للغات القديمة في كُلية برن في سويسرا، بعد أن يقرر ترك عالمه الرتيب وراءه فجأة ويستقل قطاراً ليلياً نحو لشبونة مقتفيا أثر كلمات ألهمته قرأها في كتاب نادر وجده صدفة يحمل عنوانا ساحرا: “صائغ الكلمات”. الكتاب النادر مؤلف من مجموعة مقالات وخواطر وذكريات بقلم الطبيب والثائر البرتغالي (أماديو دو برادو) نُشرت بعد وفاته. هذه الكلمات حركت شعلة كانت خامدة بداخل (رايموند) ودفعته في رحلة تنقيب عن حيوات مضت لأسباب غامضة لكن مُلحّة. (قطار الليل إلى لشبونة) عمل فلسفي يطرح تساؤلات مختلفة عن العالم، الحب، الثورة ضد الطغاة والظلم، العائلة، الصداقة، الولاء، الواجب، القرارات التي تُتخذ بحرية أو التي نُجبر على اتخاذها في الحياة، وسلطة الكلمة في تغيير العالم. تستهل الرواية أحداثها بالسطر التالي:

اليوم الذي انتهى باختلاف كل شيء في حياة (رايموند غريغوريوس)، بدأ كالعديد من الأيام.

يثير أحد أول المقاطع في كتاب (آماديو) داخل (غريغوريوس) أسئلة عن مغزى خوضه لرحلته الغريبة المفاجئة، في هذا المقطع يبحث (دو برادو) عن اللغز الكامن تحت الفعل البشري، وهل البشر هم ترجمة صادقة لأفعالهم:

كل فعل بشري فعل ناقص بشكل متطرف، تعبير يائس ومثير للسخرية عن حياة داخلية مختبئة في أعماق لا يمكن تخيلها تضغط نحو السطح دون أن تتمكن من الاقتراب منه.

في الرواية بحث عن معنى لحدوث التقلبات والتغييرات داخلنا وخارجنا، البحث عن مجهول معلوم، أو معلوم مجهول، البحث عن “آلاف الأشياء التي يجب فعلها، أشياء بلا أسماء لكنها ليست أقل إلحاحا، على العكس، إن الانتفاء الغريب لمسمياتها حولها إلى شؤون مستعجلة يجب القيام بها في الحال لمنع حدث سيئ، حدث لا يمكن تسميته.”

أما عن الماضي ورغباتنا الدفينة في استعادة ما لا يمكن استعادته، “فنكهته تفوح بالتناقض وغرابة المنطق. لأن الشخص الذي يتمنى استعادته لم يعد ذلك الذي لم يلامسه المستقبل بعد، ذلك الواقف على مفترق طرق. إن الشخص الذي يريد العودة للماضي هو الذي وسمه المستقبل الذي أصبح ماض، من أجل نقض مالا يمكن نقضه. وهل كان سيود نقضه لو أنه لم يقاسيه؟”

الماضي الذي يبدأ (رايموند) بتحرّيه لا يشمل على بُعدا واحدا، بل يشمل بُعدين آخرين هما المكان والإنسان. يقرأ (رايموند) في كتاب (أماديو):

نحن نترك شيئا من أنفسنا في المكان الذي نتركه خلفنا، نحن نبقى هناك حتى لو رحلنا. وهناك أشياء داخلنا لن نعثر عليها إلا إذا عدنا للمكان ذاته. نحن نذهب إلى أنفسنا، نسافر إليها، يحملنا صوت الدوران الرتيب للعجلات إلى المكان الذي احتل مسافة من حياتنا، مهما كانت هذه المسافة قصيرة….

لماذا نشعر بالأسى على من لا يتمكنون من السفر؟ لأن عدم قدرتهم على الامتداد خارجيا يحرمهم من التضاعف، وبالتالي هم محرومون من إمكانية القيام برحلات توسعية داخل أنفسهم، واكتشاف من وماذا يمكنهم أن يكونوا غير ما هم عليه.

بعد حياة حافلة بخيبات الأمل في العيش والحب قاساها (آماديو)، ورحلة مليئة باستعادة الأحلام المنسية واكتشاف أعماق جديدة داخل (موندوس)، يقرأ (موندوس) واحدة من أواخر المذكرات التي كتبها (آماديو) في حياته بعنوان: “رماد اللا جدوى”، يقول فيها:

الخوف من أن الحياة تبقى غير مكتملة، أن تكون مجرد جذع. أن تدرك بأنك لا يمكنك أن تصبح الشخص الذي طمحت أن تكونه. هذا تفسيرنا لمعنى الخوف من الموت. ولكني أتساءل كيف يمكن أن يخاف المرء من الاكتمال الضائع وانسجام الحياة عندما لا يتمكن أبدا من اختبار ما يعنيه ذلك حالما تصبح إمكانية ذلك الاختبار حقيقة لا يمكن عكسها؟ لماذا لا يمكنني تصفح مذكراتي السابقة؟ لماذا لا يمكنني أن أشاهدها؟ لماذا لا أريد معرفة ما فكرت فيه وما كتبته في زمن سابق؟ من أين جاءت هذه اللا مبالاة؟ وهل هذا عدم اكتراث أم أن الخسارة كانت أعظم وأعمق؟

حياتنا، التشكيلة العابرة من الرمال المتحركة، شكلتها هبة ريح، ونثرتها هبة ريح ثانية. تتبعثر صور اللا جدوى حتى قبل أن تتشكل كما ينبغي.

في النهاية يدرك (موندوس) ما الذي سحبه داخل دوامة قديمة لم ينج منها سوى صدى كلمات صادقة لحد خيبة الأمل خطها رجل عاش ومات في الكلمات ومعانيها، يدرك أن الجدية الشعرية التي آمن بها سحرته عندما وجد أنها كانت نمط حياة بأكملها لبشر آخرين. رواية (قطار الليل إلى لشبونة) هي بحد ذاتها تجسيد جميل لهذه الجدية الشعرية.

أهمية الروايات والشعر عند يوسا

(ماريو باراغاس يوسا) من مواليد عام 1936، هو روائي وصحفي وسياسي بيروفي. يُعد واحدًا من أهم روائيي أمريكا اللاتينية وصحفييها، وأحد رواد كتّاب جيله، حاصل على جائزة نوبل للآداب في عام 2010، إضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية، من أشهرها حصوله على جائزة ثيرفانتس للآداب عام 1994، والتي تعد أهم جائزة في الأدب الاسباني.

في حوار صحفي أقامته معه، الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد)، نشرته في كتابها (صحبة لصوص النار) بالإضافة إلى عدد من اللقاءات المميزة مع عدد من الكتّاب والروائيين، ننشر منه هنا جزءًا تناولت فيه أهمية الروايات والشعر:

ماذا تستطيع الكتابة؟

الكتابة تغيّر الحياة، تروّس الوعي، تدفع إلى التأمل. الكتب الجيدة التي قرأتها جعلت حياتي أفضل من دون شك. ولكن رغم اللذة الهائلة التي تمنحها القراءة، هي لا تجعل الإنسان أكثر سعادة، بل ربما أكثر عرضة للحزن والهشاشة في رأيي، لأنها تحوله أكثر حساسية. إن مجتمعًا مشبعًا بالأدب هو مجتمع أكثر غنىً وإبداعًا وحياة. ومن الصعب أن تتلاعب أي سلطة بمجتمع قارئ، وأن تخدعه، إذ يصبح الفكر النقدي فيه متطورًا للغاية. الرواية وسيلة تغيير فاعلة، شرط ألا تكون أداة ترويجية أيدولوجية أو سياسية أو دينية، بل أن تستخدم بجدية ونزاهة.

أنت تقول أيضًا أنها “أسلوب رائع للهو” صحيح؟

صحيح، هي ذلك أيضًا، إذ أنها تتيح لنا اكتشاف أسرار العالم واللغة بألذ طريقة ممكنة. الرواية تمنح الحياة بُعدًا استثنائيًا. إنها إما تعبير عن حياة لا نملكها ونحلم بها، أو عن الرواية الأشد حلكة ودناءة ومأتمية من التجربة الإنسانية. الرواية لا تروي الحقيقة، وإن أوهمت بذلك، فهي مملكة الخيال والفانتازيا والكذب.

وأين ترى الشعر؟

الشعر ضمير العالم. به نسير طبقات غامضة من الحياة ليست في متناول المعرفة العقلانية والذكاء المنطقي، أي هاويات التجربة التي لا يمكن أحدًا الانحناء عليها من دون أن يعرّض نفسه لأخطار جدية. لا يمكن الوصول إلى الشعر عن طريق العقل، وإنما عن طريق الحدس والباطن.

أورهان باموق يصف العمليات التي تقوم بها عقولنا عند قراءة الروايات

أورهان باموق، كاتب وروائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006. ولد في إسطنبول سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن.
في كتابه (الروائي الساذج والحساس)، والذي كان عبارة عن تفريغ لأحد محاضراته في جامعة هارفارد الشهيرة، استعرض العمليات التي يقوم بها عقلنا عندما نقرأ الرواية، فيقول:
١. نتأمل المشهد العام ونتابع القصة. المفكر والفيلسوف الاسباني (خوسيه أورتيغا إي غايست) بفترض في كتابه عن (دون كيخوت) لـ(ثيربانتس)، بأننا نقرأ روايات التشويق والمغامرة، روايات الفروسية، الروايات رخيصة الثمن؛ الروايات البوليسية، روايات الحب، روايات التجسس وإلى آخره من الروايات التي قد تضاف إلى هذه القائمة، لمعرفة ما يحدث بعد ذلك، لكننا نقرأ الروايات الحديثة، وهو يعني بذلك ما نطلق عليه في الوقت الحاضر بـ”الروايات الأدبية”، من أجل أجوائها. وفقًا لـ(أورتيغا إي غايست)، أجواء الرواية هي شيء ما أكثر قيمة. هي مثل “لوحة مرسومة” وتحتوي القليل جدًا من السرد.
يتابع بعد ذلك:
٢. نحوّل الكلمات إلى صور في عقولنا. الرواية تحكي قصة، لكن الرواية ليست مجرد قصة. يظهر من القصة عدة مواضيع، وصف، أصوات، حوار، خيال، ذكريات، معلومات بسيطة، أفكار، أحداث، مشاهد وأزمنة. لكي تستمد المتعة من الرواية علينا الاستمتاع بهجر الكلمات وتحويل هذه الأشياء إلى صور في عقولنا. عندما نصوّر في مخيّلتنا ما تقوله لنا الكلمات، أو ما تحاول أن تقوله لنا، نحن القرّاء نكمل القصة. وفي غصون ذلك، نحفّز مخيّلتنا من خلال البحث عن ما يريد الكاتب قوله، أو ما يريد الروائي قوله، ما الذي ينوي أن يقوله، ماذا نخمن أن يقول؟ أو بمعنى آخر، من خلال البحث عن محور الرواية.
ونتساءل بعد ذلك:
٣. الجزء الآخر من عقولنا يتساءل كم من التجربة الحقيقية أخبرنا بها الكاتب في هذه القصة، ومن كم من الخيال. يلحّ علينا هذا السؤال خاصة مع أجزاء الرواية التي تثير لدينا الدهشة، الرعب، والمفاجأة. قراءة رواية يعني تساؤل مستمر، حتى في اللحظات التي نفقد فيها أنفسنا بعمق في الكتاب؛ كم من الواقع في هذا الكتاب؟ وكم من الخيال؟
ونستحضر بعد ذلك تجربتنا المعاشة لنتساءل مرة أخرى:

٤. لا نزال نتساءل: هل الواقع مثل هذا؟ هل تنسجم الأشياء المرويّة، المنظور، والوصف مع ما نعرفه من حياتنا؟ على سبيل المثال، نسأل أنفسنا: هل يستطيع المسافر في قطار الليل من (موسكو) إلى (سانت بطرسبرغ) في عام 1870 أن يجد بسهولة الراحة والهدوء لقراءة رواية، أم أن الكاتب يحاول أن يبيّن لنا أن (آنا كارنينا) مولعة بالكتب لدرجة أنها تحاول القراءة حتى وسط تشويش الضوضاء؟ في جوهر حرفة الرواية يكمن تفاؤل أساسه أن المعرفة التي تجمعنا من تجاربنا اليومية، إذا ما أعطيت شكلًا مناسبًا، يمكن أن تصبح معرفة قيّمة عن الواقع.
وبالطبع، لا تخلو قراءة الرواية من المتعة الأدبية:

٥. تحت تأثير هذا النوع من التفاؤل، كلانا يحدد ويستمد المتعة من دقة التشابه، قوة الخيال والسرد، تراكم الجمل، الشعر الغامض والصريح وموسيقى النثر. مشاكل ومتعة الأسلوب ليست في جوهر الرواية، لكنها تقترب جدًا منه. أيضًا يمكن تناول هذا الموضوع الجذاب فقط من خلال آلاف الأمثلة.
ونتساءل أيضًا أخلاقيًا:

٦. نصدر أحكامًا أخلاقية على اختيارات وسلوكيات أبطال الرواية، وفي نفس الوقت، نقيّم الكاتب على أحكامه الأخلاقية فيما يتعلق بشخصياته. الأحكام الأخلاقية هي ورطة لا مفر منها في الرواية. دعونا لا ننسى أبدًا أن الحصيلة الأفضل لفن الرواية ليس من خلال محاكمة الناس لكن من خلال فهمهم، ودعونا نتجنب التعرض للحكم من خلال منطقة الإدانة في عقلنا. عندما نقرأ رواية، ينبغي أن تكون الأخلاق جزءًا من المشهد، وليس شيء ينبع من أنفسنا ويستهدف أبطال الرواية.

كما أن الروايات تؤجج فينا نوع من الافتخار:

٧.عقولنا تنفذ كل تلك العمليات في وقت واحد، وفي غضون ذلك، نحن فخورون بأنفسنا لأننا اكتسبنا الكثير من المعرفة، العمق والفهم. خاصة بالنسبة للروايات الأدبية الجيدة، العلاقة الوثيقة التي توطدها مع النص قد تبدو لنا نحن القراء مثل نجاح شخصي. الوهم الجميل بأن الرواية قد كتبت فقط من أجلنا ينمو تدريجًا في داخلنا. الألفة والثقة التي تولد بيننا وبين الكاتب تساعدنا على التهرب، وتجنبنا القلق الشديد حول أجزاء الكتاب التي لا نستطيع فهمها، أو الأشياء التي نعارضها أو غير المقبولة بالنسبة لنا. بهذه الطريقة، نحن دائمًا ندخل في تواطؤ مع الروائي إلى حد ما. عندما نقرأ رواية، جزء واحد من عقلنا منشغل في الحجب، التغاضي، تشكيل، وبناء سلوكيات إيجابية تُشجع هذا التواطؤ. وحتى نتمكن من تصديق القصة، نختار عدم تصديق الراوي مثلما يريد لنا ذلك، لأننا نريد الاستمرار في قراءة القصة بأمانة، على الرغم من وجود انتقادات على بعض آراء، ميول وهواجس الكاتب.

كما تحفّز الروايات ذاكرتنا بعدة أشكال:

٨. بينما كل هذا النشاط العقلي مستمر، ذاكرتنا تعمل بشكل مكثف وبدون توقف. ولكي نستطيع أن نستمتع في القراءة ونستمد المعنى من العالم الذي كشفه لنا الكاتب، نشعر بأننا يجب أن نبحث عن محور الرواية السري، وتحقيقًا لهذه الغاية نحاول أن نخزّن كل تفصيل من الرواية في ذاكرتنا، وكأننا نحفظ كل ورقة من أوراق شجرة عن ظهر قلب.
وأخيرًا ؛ البحث عن محور الرواية:

٩. نحن نبحث عن لغز محور الرواية بكل اهتمام. هذه هي العملية المتكررة التي يقوم بها عقلنا أثناء قراءة الرواية، سواء كان ذلك بشكل ساذج وعفوي، وبتأمل عاطفي. ما يُميّز الروايات عن أشكال السرد الأدبية هو أنها تمتلك محورًا، أو لأكون أكثر دقة، تعتمد الروايات على اقتناعنا بأن هناك محور يجب البحث عنه أثناء القراءة. من ماذا يتألف هذا المحور؟ أستطيع القول، من كل شيء يصنع الرواية.