أرشيف الوسم: رواية

نيتشه يضع وصفته للروائي الجيد

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء. في كتابه (إنساني مفرط في إنسانيته)، كتب وصفة للروائيين لكي يكونوا جيدين فيما يكتبون. يقول فيها:

الوصفة كي تصبح روائيًا جيدًا … من السهل قولها ، ولكن شق غمارها يستلزم مزايا يعتاد المرء على التقليل من شأنها حين يقول: “لا أملك موهبة كافية”. كل ما على المرء فعله هو وضع مئة مخطط تقريبًا للروايات، من دون أن تكون أطول من صفحتين ولكن ينبغي أن تكون دقيقة إلى درجة أن تكون كل كلمة فيها ضرورية ؛ وينبغي على المرء تدوين ملاحظاتٍ يوميًا إلى أن يتوصل إلى معرفة كيفية إعطائها الصيغة الأشد إثمارًا وفعالية؛ ولابد أن يكون المرء جادًا بلا كلل في جمع وتوصيف الأنماط والشخصيات البشرية؛
وعلى المرء، قبل أي شيء آخر أن يروي أمورًا للآخرين وينصت إلى آخرين يروون، مبقيًا عينيه وأذنيه مشرعة على الأثر الذي تتركه تلك التفاصيل على الحاضرين؛ وعلى المرء أن يسافر مثل رسام المناظر الطبيعية ومصمم الأزياء … ويجب على المرء أخيرًا ، تأمل دوافع الأفعال البشرية، وأن لا يترفع عن أي تفصيل بشأنها، وأن يكون جامعًا لتلك الأشياء ليلاً نهارًا. ولابد أن يتابع المرء هذا التمرين متعدد الجوانب قرابة عشر سنوات؛ وما سيتم إبداعه في تلك الورشة حينئذٍ … سيكون ملائمًا لإخراجه إلى العالم.

قطار الليل إلى لشبونة

Mercier-Pascal

(قطار الليل إلى لشبونة) رواية كتبها الروائي والفيلسوف السويسري (باسكال ميرسيه)، تحكي قصة انقلاب عالم (رايموند موندوس غريغوريوس)، رجل في الخمسينيات من العمر يعمل أستاذًا للغات القديمة في كُلية برن في سويسرا، بعد أن يقرر ترك عالمه الرتيب وراءه فجأة ويستقل قطاراً ليلياً نحو لشبونة مقتفيا أثر كلمات ألهمته قرأها في كتاب نادر وجده صدفة يحمل عنوانا ساحرا: “صائغ الكلمات”. الكتاب النادر مؤلف من مجموعة مقالات وخواطر وذكريات بقلم الطبيب والثائر البرتغالي (أماديو دو برادو) نُشرت بعد وفاته. هذه الكلمات حركت شعلة كانت خامدة بداخل (رايموند) ودفعته في رحلة تنقيب عن حيوات مضت لأسباب غامضة لكن مُلحّة. (قطار الليل إلى لشبونة) عمل فلسفي يطرح تساؤلات مختلفة عن العالم، الحب، الثورة ضد الطغاة والظلم، العائلة، الصداقة، الولاء، الواجب، القرارات التي تُتخذ بحرية أو التي نُجبر على اتخاذها في الحياة، وسلطة الكلمة في تغيير العالم. تستهل الرواية أحداثها بالسطر التالي:

اليوم الذي انتهى باختلاف كل شيء في حياة (رايموند غريغوريوس)، بدأ كالعديد من الأيام.

يثير أحد أول المقاطع في كتاب (آماديو) داخل (غريغوريوس) أسئلة عن مغزى خوضه لرحلته الغريبة المفاجئة، في هذا المقطع يبحث (دو برادو) عن اللغز الكامن تحت الفعل البشري، وهل البشر هم ترجمة صادقة لأفعالهم:

كل فعل بشري فعل ناقص بشكل متطرف، تعبير يائس ومثير للسخرية عن حياة داخلية مختبئة في أعماق لا يمكن تخيلها تضغط نحو السطح دون أن تتمكن من الاقتراب منه.

في الرواية بحث عن معنى لحدوث التقلبات والتغييرات داخلنا وخارجنا، البحث عن مجهول معلوم، أو معلوم مجهول، البحث عن “آلاف الأشياء التي يجب فعلها، أشياء بلا أسماء لكنها ليست أقل إلحاحا، على العكس، إن الانتفاء الغريب لمسمياتها حولها إلى شؤون مستعجلة يجب القيام بها في الحال لمنع حدث سيئ، حدث لا يمكن تسميته.”

أما عن الماضي ورغباتنا الدفينة في استعادة ما لا يمكن استعادته، “فنكهته تفوح بالتناقض وغرابة المنطق. لأن الشخص الذي يتمنى استعادته لم يعد ذلك الذي لم يلامسه المستقبل بعد، ذلك الواقف على مفترق طرق. إن الشخص الذي يريد العودة للماضي هو الذي وسمه المستقبل الذي أصبح ماض، من أجل نقض مالا يمكن نقضه. وهل كان سيود نقضه لو أنه لم يقاسيه؟”

الماضي الذي يبدأ (رايموند) بتحرّيه لا يشمل على بُعدا واحدا، بل يشمل بُعدين آخرين هما المكان والإنسان. يقرأ (رايموند) في كتاب (أماديو):

نحن نترك شيئا من أنفسنا في المكان الذي نتركه خلفنا، نحن نبقى هناك حتى لو رحلنا. وهناك أشياء داخلنا لن نعثر عليها إلا إذا عدنا للمكان ذاته. نحن نذهب إلى أنفسنا، نسافر إليها، يحملنا صوت الدوران الرتيب للعجلات إلى المكان الذي احتل مسافة من حياتنا، مهما كانت هذه المسافة قصيرة….

لماذا نشعر بالأسى على من لا يتمكنون من السفر؟ لأن عدم قدرتهم على الامتداد خارجيا يحرمهم من التضاعف، وبالتالي هم محرومون من إمكانية القيام برحلات توسعية داخل أنفسهم، واكتشاف من وماذا يمكنهم أن يكونوا غير ما هم عليه.

بعد حياة حافلة بخيبات الأمل في العيش والحب قاساها (آماديو)، ورحلة مليئة باستعادة الأحلام المنسية واكتشاف أعماق جديدة داخل (موندوس)، يقرأ (موندوس) واحدة من أواخر المذكرات التي كتبها (آماديو) في حياته بعنوان: “رماد اللا جدوى”، يقول فيها:

الخوف من أن الحياة تبقى غير مكتملة، أن تكون مجرد جذع. أن تدرك بأنك لا يمكنك أن تصبح الشخص الذي طمحت أن تكونه. هذا تفسيرنا لمعنى الخوف من الموت. ولكني أتساءل كيف يمكن أن يخاف المرء من الاكتمال الضائع وانسجام الحياة عندما لا يتمكن أبدا من اختبار ما يعنيه ذلك حالما تصبح إمكانية ذلك الاختبار حقيقة لا يمكن عكسها؟ لماذا لا يمكنني تصفح مذكراتي السابقة؟ لماذا لا يمكنني أن أشاهدها؟ لماذا لا أريد معرفة ما فكرت فيه وما كتبته في زمن سابق؟ من أين جاءت هذه اللا مبالاة؟ وهل هذا عدم اكتراث أم أن الخسارة كانت أعظم وأعمق؟

حياتنا، التشكيلة العابرة من الرمال المتحركة، شكلتها هبة ريح، ونثرتها هبة ريح ثانية. تتبعثر صور اللا جدوى حتى قبل أن تتشكل كما ينبغي.

في النهاية يدرك (موندوس) ما الذي سحبه داخل دوامة قديمة لم ينج منها سوى صدى كلمات صادقة لحد خيبة الأمل خطها رجل عاش ومات في الكلمات ومعانيها، يدرك أن الجدية الشعرية التي آمن بها سحرته عندما وجد أنها كانت نمط حياة بأكملها لبشر آخرين. رواية (قطار الليل إلى لشبونة) هي بحد ذاتها تجسيد جميل لهذه الجدية الشعرية.

أهمية الروايات والشعر عند يوسا

يوسا

ماريو باراغاس يوسا، هو روائي وصحفي وسياسي بيروفي، من مواليد عام 1936، حاصل على جائزة نوبل للآداب في عام 2010، إضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية، من أشهرها حصوله على جائزة ثيرفانتس للآداب عام 1994، والتي تعد أهم جائزة للآداب الاسبانية.

في حوار صحفي أقامته معه، الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد)، نشرته في كتابها (صحبة لصوص النار) بالإضافة إلى عدد من اللقاءات المميزة مع عدد من الكتّاب والروائيين، ننشر منه هنا جزءًا تناولت فيه أهمية الروايات والشعر:

ماذا تستطيع الكتابة؟

الكتابة تغيّر الحياة، تروّس الوعي، تدفع إلى التأمل. الكتب الجيدة التي قرأتها جعلت حياتي أفضل من دون شك. ولكن رغم اللذة الهائلة التي تمنحها القراءة، هي لا تجعل الإنسان أكثر سعادة، بل ربما أكثر عرضة للحزن والهشاشة في رأيي، لأنها تحوله أكثر حساسية. إن مجتمعًا مشبعًا بالأدب هو مجتمع أكثر غنىً وإبداعًا وحياة. ومن الصعب أن تتلاعب أي سلطة بمجتمع قارئ، وأن تخدعه، إذ يصبح الفكر النقدي فيه متطورًا للغاية. الرواية وسيلة تغيير فاعلة، شرط ألا تكون أداة ترويجية أيدولوجية أو سياسية أو دينية، بل أن تستخدم بجدية ونزاهة.

أنت تقول أيضًا أنها “أسلوب رائع للهو”.

صحيح، هي ذلك أيضًا، إذ أنها تتيح لنا اكتشاف أسرار العالم واللغة بألذ طريقة ممكنة. الرواية تمنح الحياة بُعدًا استثنائيًا. إنها إما تعبير عن حياة لا نملكها ونحلم بها، أو عن الرواية الأشد حلكة ودناءة ومأتمية من التجربة الإنسانية. الرواية لا تروي الحقيقة، وإن أوهمت بذلك، فهي مملكة الخيال والفانتازيا والكذب.

وأين ترى الشعر؟

الشعر ضمير العالم. به نسير طبقات غامضة من الحياة ليست في متناول المعرفة العقلانية والذكاء المنطقي، أي هاويات التجربة التي لا يمكن أحدًا الانحناء عليها من دون أن يعرّض نفسه لأخطار جدية. لا يمكن الوصول إلى الشعر عن طريق العقل، وإنما عن طريق الحدس والباطن.

 

أورهان باموق يصف العمليات التي تقوم بها عقولنا عند قراءة الروايات

أورهان باموق، كاتب وروائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006. ولد في إسطنبول سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن.
في كتابه (الروائي الساذج والحساس)، والذي كان عبارة عن تفريغ لأحد محاضراته في جامعة هارفارد الشهيرة، استعرض العمليات التي يقوم بها عقلنا عندما نقرأ الرواية، فيقول:
١. نتأمل المشهد العام ونتابع القصة. المفكر والفيلسوف الاسباني (خوسيه أورتيغا إي غايست) بفترض في كتابه عن (دون كيخوت) لـ(ثيربانتس)، بأننا نقرأ روايات التشويق والمغامرة، روايات الفروسية، الروايات رخيصة الثمن؛ الروايات البوليسية، روايات الحب، روايات التجسس وإلى آخره من الروايات التي قد تضاف إلى هذه القائمة، لمعرفة ما يحدث بعد ذلك، لكننا نقرأ الروايات الحديثة، وهو يعني بذلك ما نطلق عليه في الوقت الحاضر بـ”الروايات الأدبية”، من أجل أجوائها. وفقًا لـ(أورتيغا إي غايست)، أجواء الرواية هي شيء ما أكثر قيمة. هي مثل “لوحة مرسومة” وتحتوي القليل جدًا من السرد.
يتابع بعد ذلك:
٢. نحوّل الكلمات إلى صور في عقولنا. الرواية تحكي قصة، لكن الرواية ليست مجرد قصة. يظهر من القصة عدة مواضيع، وصف، أصوات، حوار، خيال، ذكريات، معلومات بسيطة، أفكار، أحداث، مشاهد وأزمنة. لكي تستمد المتعة من الرواية علينا الاستمتاع بهجر الكلمات وتحويل هذه الأشياء إلى صور في عقولنا. عندما نصوّر في مخيّلتنا ما تقوله لنا الكلمات، أو ما تحاول أن تقوله لنا، نحن القرّاء نكمل القصة. وفي غصون ذلك، نحفّز مخيّلتنا من خلال البحث عن ما يريد الكاتب قوله، أو ما يريد الروائي قوله، ما الذي ينوي أن يقوله، ماذا نخمن أن يقول؟ أو بمعنى آخر، من خلال البحث عن محور الرواية.
ونتساءل بعد ذلك:
٣. الجزء الآخر من عقولنا يتساءل كم من التجربة الحقيقية أخبرنا بها الكاتب في هذه القصة، ومن كم من الخيال. يلحّ علينا هذا السؤال خاصة مع أجزاء الرواية التي تثير لدينا الدهشة، الرعب، والمفاجأة. قراءة رواية يعني تساؤل مستمر، حتى في اللحظات التي نفقد فيها أنفسنا بعمق في الكتاب؛ كم من الواقع في هذا الكتاب؟ وكم من الخيال؟
ونستحضر بعد ذلك تجربتنا المعاشة لنتساءل مرة أخرى:
٤. لا نزال نتساءل: هل الواقع مثل هذا؟ هل تنسجم الأشياء المرويّة، المنظور، والوصف مع ما نعرفه من حياتنا؟ على سبيل المثال، نسأل أنفسنا: هل يستطيع المسافر في قطار الليل من (موسكو) إلى (سانت بطرسبرغ) في عام 1870 أن يجد بسهولة الراحة والهدوء لقراءة رواية، أم أن الكاتب يحاول أن يبيّن لنا أن (آنا كارنينا) مولعة بالكتب لدرجة أنها تحاول القراءة حتى وسط تشويش الضوضاء؟ في جوهر حرفة الرواية يكمن تفاؤل أساسه أن المعرفة التي تجمعنا من تجاربنا اليومية، إذا ما أعطيت شكلًا مناسبًا، يمكن أن تصبح معرفة قيّمة عن الواقع.
وبالطبع، لا تخلو قراءة الرواية من المتعة الأدبية:
٥. تحت تأثير هذا النوع من التفاؤل، كلانا يحدد ويستمد المتعة من دقة التشابه، قوة الخيال والسرد، تراكم الجمل، الشعر الغامض والصريح وموسيقى النثر. مشاكل ومتعة الأسلوب ليست في جوهر الرواية، لكنها تقترب جدًا منه. أيضًا يمكن تناول هذا الموضوع الجذاب فقط من خلال آلاف الأمثلة.
ونتساءل أيضًا أخلاقيًا:
٦. نصدر أحكامًا أخلاقية على اختيارات وسلوكيات أبطال الرواية، وفي نفس الوقت، نقيّم الكاتب على أحكامه الأخلاقية فيما يتعلق بشخصياته. الأحكام الأخلاقية هي ورطة لا مفر منها في الرواية. دعونا لا ننسى أبدًا أن الحصيلة الأفضل لفن الرواية ليس من خلال محاكمة الناس لكن من خلال فهمهم، ودعونا نتجنب التعرض للحكم من خلال منطقة الإدانة في عقلنا. عندما نقرأ رواية، ينبغي أن تكون الأخلاق جزءًا من المشهد، وليس شيء ينبع من أنفسنا ويستهدف أبطال الرواية.
كما أن الروايات تؤجج فينا نوع من الافتخار:
٧. عقولنا تنفذ كل تلك العمليات في وقت واحد، وفي غضون ذلك، نحن فخورون بأنفسنا لأننا اكتسبنا الكثير من المعرفة، العمق والفهم. خاصة بالنسبة للروايات الأدبية الجيدة، العلاقة الوثيقة التي توطدها مع النص قد تبدو لنا نحن القراء مثل نجاح شخصي. الوهم الجميل بأن الرواية قد كتبت فقط من أجلنا ينمو تدريجًا في داخلنا. الألفة والثقة التي تولد بيننا وبين الكاتب تساعدنا على التهرب، وتجنبنا القلق الشديد حول أجزاء الكتاب التي لا نستطيع فهمها، أو الأشياء التي نعارضها أو غير المقبولة بالنسبة لنا. بهذه الطريقة، نحن دائمًا ندخل في تواطؤ مع الروائي إلى حد ما. عندما نقرأ رواية، جزء واحد من عقلنا منشغل في الحجب، التغاضي، تشكيل، وبناء سلوكيات إيجابية تُشجع هذا التواطؤ. وحتى نتمكن من تصديق القصة، نختار عدم تصديق الراوي مثلما يريد لنا ذلك، لأننا نريد الاستمرار في قراءة القصة بأمانة، على الرغم من وجود انتقادات على بعض آراء، ميول وهواجس الكاتب.
كما تحفّز الروايات ذاكرتنا بعدة أشكال:
٨. بينما كل هذا النشاط العقلي مستمر، ذاكرتنا تعمل بشكل مكثف وبدون توقف. ولكي نستطيع أن نستمتع في القراءة ونستمد المعنى من العالم الذي كشفه لنا الكاتب، نشعر بأننا يجب أن نبحث عن محور الرواية السري، وتحقيقًا لهذه الغاية نحاول أن نخزّن كل تفصيل من الرواية في ذاكرتنا، وكأننا نحفظ كل ورقة من أوراق شجرة عن ظهر قلب.
وأخيرًا ؛ البحث عن محور الرواية:
٩. نحن نبحث عن لغز محور الرواية بكل اهتمام. هذه هي العملية المتكررة التي يقوم بها عقلنا أثناء قراءة الرواية، سواء كان ذلك بشكل ساذج وعفوي، وبتأمل عاطفي. ما يُميّز الروايات عن أشكال السرد الأدبية هو أنها تمتلك محورًا، أو لأكون أكثر دقة، تعتمد الروايات على اقتناعنا بأن هناك محور يجب البحث عنه أثناء القراءة. من ماذا يتألف هذا المحور؟ أستطيع القول، من كل شيء يصنع الرواية.

كونديرا في حديثه عن أسباب وأخلاقيات الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

ميلان كونديرا (مواليد 1929)، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. قام سنة ١٩٨٣ بكتابة مقالة، حملت عنوان: “تراث سرفانتس المغبون”، قال عنها بأنها “تحمل مفهومي الشخصي عن الرواية الأوروبية“، ووضعها مع عدد من المقالات واللقاءات الصحفية، في كتاب حمل اسم (فن الرواية).

ابتدأ (ميلان كونديرا) مقالته بالحديث عن (إدموند هوسرل) (1859-1938) الفيلسوف الألماني، وخطبته الأخيرة التي ألقاها في (فينا) عاصمة النمسا، و(براغ) عاصمة التشيك. يقول:

في عام ١٩٣٥، وقبل ثلاثة أعوام من وفاته، ألقى (إدموند هوسرل) محاضرته الشهيرة في (فينا) و(براغ) عن أزمة الإنسانية الأوروبية.

الحقيقة أن ما كان يعنيه (هوسرل) بصفة “الأوروبية” هو الهوية الروحية التي تتجاوز حدود أوروبا الجغرافية، إلى أمريكا مثلًا، والتي ولدت مع الفلسفة الإغريقية القديمة. فهو يعتقد أن هذه الفلسفة قامت بفهم العالم وكأنه سؤال يجب أن يلتقي بإجابته. لهذا تجدها تستجوب العالم، وليس إرضاءً للحاجة العملية، لكن لأن رغبة المعرفة سيطرت على الإنسان.

بدت الأزمة التي يتحدث عنها (هوسرل) عميقة لدرجة أنه تساءل إن كانت أوروبا ستستطيع تجاوزها. فجذورها تبدأ تاريخيًا مع بداية هذا العصر، عند (غاليليو) و(ديكارت)، في الطبيعة ذات البُعد الواحد للعلوم الأوروبية التي اختزلت العالم إلى مجرد موضوع بحث تقني ورياضي، وأخرجت بذلك الحياة الحقيقة من تلك الأفق.

دفعت نهضة العلوم بالإنسان إلى غياهب المعارف المتخصصة، فكلما ازدادت معرفة الإنسان، قلّ وضوح رؤيته للعالم ككل، أو حتى لذاته، غارقًا أكثر فيما وصفه (هيدغر)، تلميذ (هوسرل)، بتعبير جميل وساحر بأنه “نسيان الكينونة”.

يتطرق بعد ذلك إلى الرواية، وظهورها التاريخي، والحاجة إليها:

رافقت الرواية الإنسانَ دومًا وبإخلاص منذ بداية العصر الحديث. كانت “رغبة المعرفة“، والتي عدّها (هوسرل) جوهر الروحانية الأوروبية، هي التي سيطرت عندئذ على الإنسان، وقادته إلى دراسة الحياة الحقيقية للإنسان وحمايته ضد “نسيان الكينونة“، للتمسك بـ”عالم الحياة“، ووضعته تحت التنوير الدائم. هذا هو المعنى الذي أفهمه، وأشارك (هيرمان بروخ) الحاجة في تكرار مقولته: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه“. إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولا في الوجود، هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.

يتكلم بعد ذلك عن (هوسرل) مرة أخرى، وعن الأزمة الأوروبية، والتحول في عالم الروايات بعد الحرب العالمية الأولى:

كانت محاضرات (هورسل) حول الأزمة الأوروبية، وحول الاختفاء المحتمل للإنسان الأوروبي هي وصيته الفلسفية. لقد ألقى هذه المحاضرات في عاصمتين من عواصم أوروبا الوسطى. لهذه الواقعة دلالة عميقة: في أوروبا الوسطى هذه، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، استطاع الغرب أن يرى موت الغرب، أو بتر جزء منه -بشكل أوضح- عندما التهمت الإمبراطورية الروسية (وارسو) و(بواديست) و(براغ). هذه الكارثة سببتها الحرب العالمية الأولى، والتي تسبب فيها انهيار (امبراطورية هابسبورغ)، وأدت إلى نهاية هذه الإمبراطورية، وفقدت بذلك أوروبا المتهكة توازنها إلى الأبد.

انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان يشتبك مع وحش نفسه، زمن أمان (جويست) و(بروست). في روايات (كافكا) و(هاسيك) و(موزيل) و(بروخ)، يأتي الوحش من الخارج، ويُدعى التاريخ، لم يعد له علاقة بقطار اعتاد المغامرون ركوبه، فهو ليس شخص، صعب السيطرة عليه، لا يمكن حصره، غامض، ولا مفر منه. كانت تلك اللحظة -بعد الحرب العالمية الأولى- التي رأى فيها مجموعة كبار روائيي أوروبا الوسطى وأدركوا المفارقات النهائية للعصر الحديث.

على إنه من الخطأ قراءة رواياتهم كتنبؤات سياسية واجتماعية، وكأنها حدوتات (أورويل)، إن ما قاله لنا (أورويل) يمكن أن يُقال -وربما على نحو أفضل- في مقالة أو بحث. على العكس من ذلك، اكتشف هؤلاء الروائيون “ما يمكن أن تكتشفه الرواية فقط“. فهم يسجلون كيفية تبدّل المقولات الوجودية تحت الظروف “المفارقات النهائية”.

يتطرق بعدها إلى الحديث عن الروايات “الأكثر مبيعًا والأكثر انتشارًا”، وتلك الكتب التي انتشرت في فترة زمنية ما، وماتت بعد ذلك، ألا يتم نشر مثل تلك الكتب بشكل كبير؟ يجيب:

طبعًا، لكن هذه الروايات لا تضيف شيئًا إلى استعادة الكينونة. إنها لا تكتشف أي جديد في الوجود، إنما تؤكد ما سبق قوله، بل تأكيد ما قاله الجميع. (…) بعدم اكتشافها لأي شيء تفشل في المشاركة في تتالي الاكتشافات التي أطلق عليها “تاريخ الرواية“. إنها تصنع نفسها خارج ذلك التاريخ، وإذا رغبت، يمكنني تسميتها بأنها: روايات ما بعد تاريخ الرواية.

هل تسيطر هذه الروايات على المستقبل؟ يجيب (كونديرا):

لا أريد التنبؤ بدروب الرواية المستقبلية، فلن أستطيع الإجابة بشكل صحيح تمامًا، كل ما أود قوله هو: “إذا كان ينبغي للرواية أن تختفي، فليس لأنها استنفذت قواها، لكن لأنها وجدت في عالم أصبح غريبًا عنها”.

ثم يتابع عن حاجتنا الماسة في عصرنا الحالي إلى روايات عظيمة، يقول:

والآن إذا كان مبرر وجود الرواية وهدفها هو إبقاء “عالم الحياة” تحت النور دومًا، وحمايتنا ضد “نسيان الكينونة” أفليس وجود الرواية في يومنا هذا أشد ضرورة من أي وقت مضى؟ نعم، كما يبدو لي، لكن للأسف فالرواية أيضًا عرضة لنخر سوس الاختزال والتقليص الذي لم يكتف باختزال معنى العالم فحسب بل مدلولات الأعمال الإبداعية أيضًا. كغيرها من الثقافات توجد الرواية بين يدي وسائل الإعلام، وكوسيلة لتوحيد تاريخ الكوكب، فإنها تضخم وتوجه عملية الاختزال هذه، إنها توزع في كل مكان في العالم التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى أكبر عدد، كل فرد وكل البشرية.

يتابع بعد ذلك:

إن روح الرواية هي روح التعقيد ؛ فكل رواية تقول لقارئها “إن الأشياء ليست سهلة كما تبدو لك“، وهذه هي الحقيقة الأبدية للرواية. إلا أنه من الصعوبة سماع ذلك وسط لغط الأجوبة السريعة والبسيطة التي تسبق السؤال وتحجبه.

إن روح الرواية هي روح الاستمرارية ؛ فكل عمل روائي هو جواب لسابقه، وكل عمل يحمل خبرة الرواية السابقة. لكن روح عصرنا تركز بشدة على حاضر من الاتساع والوفرة بحيث يدفع الماضي بعيدًا عن أفقنا، ويقلص الزمن إلى اللحظة الراهنة.

ولكن وبسبب هذه السيطرة للقيمة الشرائية على عالم الروايات، تم إنتاج العديد من الروايات غير المهمة، كما يقول:

في مثل هذا النظام لم تعد الرواية عملًا  -شيئًا صنع ليدوم، لربط الماضي بالمستقبل- بل أصبحت حدثًا عرضيًا من بين الأحداث وإيماءة بدون غد.