أرشيف الوسم: رينيه غينون

الفيلسوف رينيه غينون، بين الشرق والغرب

رينيه غينون أو الشيخ عبدالواحد يحيى (1886-1951) هو علم معروف في البلاد الغربية، حصل على البكالوريا عام ١٩٠٤ قسم الرياضيات، وبدأ عام ١٩٠٦ دراسة الغيبيات، وحصل على الليسانس في الآداب قسم الفلسفة من جامعة السوربون عام ١٩١٥، ثم بدأ للإعداد لرسالة الدكتوراة حول “ليبنز والحساب التفاضلي” وفي عام ١٩١٨ بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون في الفلسفة.

أثّر في العديد من الكتّاب والأعلام في عصره وبعد عصره، انتقل من فرنسا ليعيش في مصر الروحانية والإسلام، رضيَ بالعُزلة والابتعاد عن الأضواء وتفرّغ للكتابة والبحث.

تتلخّص رؤيته الفكريّة في أن الغرب قد تاهَ منذ أن وصم نفسه عن ذلك الخيط التراثي الإيماني، وغاص في الماديّات وأن هذا الخيط قد تواصل في الشرق ولازال. ومن هنا يأتي كتابه (شرق وغرب) وهو دراسة للأوهام الغربيّة من خلال الحضارة والتقدم والعلم والمخاطر الحقيقية.

ويتعرّض كتابه: حكم الكمّ لمختلف الصراعات التي أدّت إلى التدهور الحالي الذي يعيشه الغرب، وذلك من خلال استعراضه للعلوم التراثية القديمة.

يرى (غينون) أن العوامّ يتّسمون دوماً بخوف تلقائي حيال كل مالايفهمونه، والخوف يولّد الكراهية بسهولة حتى حينما يجاهد المرء للإفلات منها بنفيها أو بإنكار الحقيقة التي لايفهمها. وكم من عمليات إنكار لاتُشبه صيحات الغضب الشديد من قبيل تلك التي يُطلقها  اللادينيون حيال كل مايتعلّق بالدين.

واختصاراً يُمكن القول بأن العقليّة  الحديثة مركّبة بحيث لايُمكنها احتمال أي سرّ ولاتقبل أي تحفظ. ومثل هذه الأمور لاتبدو لها إلا “مميّزات” أُقيمت لصالح بعض الأفراد، وهي عقلية لايُمكنها احتمال تفوّق أيّ فرد عليها. وإذا ماحاول شخص أن يشرح لهذه العقلية الحديثة أن هذه المميزات، كما تقول عنها، لها أسسها الراسخة في طبيعة الكائنات، فإن ذلك سيكون عبثاً لأنها عقلية ترفض بعناد تحت زعم المساواة، فهي لاتتباهى بإلغاء كل أنواع الغموض عن طريق العلم والفلسفة العقلانيّة التي وضعتها في متناول الجميع، بل كل مافي هذه العبارة من مغالطة، إلا أن عداءها للغموض قد شمل كل المجالات وامتدّ إلى مايُطلق عليه الحياة العادية.

تناول في كتابه (أزمة العالم الحديث) الدورات الكبرى التاريخية للحياة موضّحاً كيف أن الشرق بفلسفته العريقة قائم على المعرفة، بينما يقوم الغرب على الحركة الدائبة، الأمر الذي أدّى به إلى عدم التوازن الحالي.  

وحول التعارض بين الشرق والغرب يقول (غينون):

إن إحدى السمات الخاطئة بالعالم الحديث هي الانقسام بين الشّرق والغرب؛ هناك دائماً حضارات مختلفة ومتعدّدة تطوّرت كل منها بطريقتها الخاصّة وباتّجاه مايتلاءم مع استعدادات هذا الشعب  أو ذلك العرق؛ لكن التمييز لايعني تعارضاً، فيُمكن أن يكون هناك نوع من التكافؤ بين حضارات مختلفة الأشكال، إذ أنها كلها ترتكز على المبادئ الأساسيّة نفسها التي تُمثلها فقط تطبيقات مشروطة بظروف مختلفة. تلك هي حالة كلّ الحضارات التي يُمكن أن نسمّيها عادية أو تقليدية، إذ ليس بينها أيّ تعارض جوهريّ؛ والاختلافات إذا وُجدت ليست سوى ظاهريّة أو سطحيْة.

بالمقابل، إن حضارة لاتعترف بأيّ مبدأ أسمى، وليست مؤسسة في الواقع سوى على إنكار المبادئ هي منزوعة من أيّ وسيلة للتفاهم مع الآخرين، لأن هذا التفاهم لكي يكون فعّالاً وعميقاً لايُمكن أن يأتي إلا من أعلى. أيّ وبالتحديد ممّا ينقص هذه الحضارة المنحرفة وغير الطبيعية. وفي الحالة الرّاهنة للعالم لدينا، من جهة، كل الحضارات التي بقيَت أمينة للفكر التقليدي، وهي الحضارات الشرقيّة، ومن جهة أخرى، حضارة معادية للتقليد بشكل جليّ، هي الحضارة الغربيّة الحديثة.

مع ذلك، فإنّ البعض ذهب إلى حد رفض أن يكون تقسيم الإنسانيّة نفسه إلى قسمين، شرقاً وغرباً، مطابقاً للواقع؛ لكن هذا الأمر، على الأقل بالنسبة للعصر الحالي، لايبدو أنه يُمكن أن يكون موضع شكّ بشكل جديّ، أولاً، إن وجود حضارة غربية مشتركة بين أوروبا وأميركا، هو واقع يجب أن يكون العالم كله متفقاً حوله، مهما كان الحكم الذي يُمكن أن نطلقه على قيمة هذه الحضارة.

بالنسبة إلى الشرق، الأمور أكثر تعقيداً، بسبب عدم وجود حضارة واحدة عملياً بل عدّة حضارات شرقيّة؛ لكن يكفي أن تمتلك بعض السمات المشتركة وهي تلك التي تميّز ماأطلقنا عليها حضارات تقليديّة، وأن هذه السّمات لاتوجد في الحضارة الغربيّة لكي يكون التمييز وحتى التعارض بين الشرق والغرب مبرراً بشكل كامل. ومع ذلك هذه هي الحال في الواقع، والطابع التقليدي هو بالفعل مشترك بين كل الحضارات الشرقيّة.

إن التعارض بين الشرق والغرب لم يكن له من مبرّر لمّا كان لاتزال توجد في الغرب حضارات تقليدية؛ فالتعارض ليس له معنى إلا عندما يتعلق الأمر بالغرب الحديث، لأن هذا التعارض هو تعارض عقليّ أكثر من كونه تعارضاً بين كيانين جغرافيين متفاوتيّ التحديد.


للاستزادة:

  • مقالات من رينيه جينون، أ.د. زينب عبدالعزيز، دار الأنصار، ١٩٩٦م.
  • أزمة العالم الحديث، رينيه غينون، ترجمة: عدنان نجيب الدين، جمال عمّار، ٢٠١٦م.
  • الفيلسوف المسلم عبدالواحد يحيى، بقلم الإمام الأكبر عبدالحليم محمود، كنز ناشرون، ٢٠١٧م.