أرشيف الوسم: زكي نجيب محمود

مبدأ الهوية عند ديڤيد هيوم، قراءة زكي نجيب محمود

يُعدّ الفيلسوف (ديڤيد هيوم) من أهم فلاسفة الإنجليز كما تُعد رسالته في الطبيعة البشرية، أهم إنتاجاته. ومن خلال عرض الدكتور (زكي نجيب محمود) لهذا الكتاب، نقتبس مقتطفات من هذه القراءة.

فيقول:

من أهم المشكلات التي تعرض لها (هيوم)، مشكلة “الهوية” التي بفضلها نقول عن شيء ما إنه هو هو، برغم تعاقب اللحظات وتعاقب الانطباعات الحسية التي نستقبلها منه، فإذا كان هذا المكتب الذي أمامي يرسل إلى حواسي لمعات من الضوء ولمسات من الصلابة تجتمع معا داخل الرأس لتتكون منها فكرة مركبة هي ما أسميه بكلمة “مكتب”، فلابد لنا من مبدأ يفسر لنا اعتقادنا بدوام وجود شيء معين في الخارج، هو الذي يبعث إلى الحواس بهذه الرسائل المتعاقبة؛ فعلى أي أساس أحكم بأن ذلك الشيء موجود في الخارج، مع أن كل ما لدي عنه هو انطباعات حسية، ثم على أي أساس أحكم بأن ذلك الشيء نفسه مستمر في وجوده حتى ولو خرجت من الغرفة ولم تعد حواسي تتأثر بانطباعاته عليها، وأخيرا على أي أساس أقول إنه هو المكتب نفسه كلما وقع بصري عليه؟ ألا يجوز أن يكون هناك مكتب آخر شبيه كل الشبه بالمكتب الأول، وضع مكانه أثناء غيابي من الغرفة.

ثم يكمل بعد ذلك قائلًا:

إن كل هذه الاعتقادات مني عن المكتب إنما ترتكز على مبدأ يجعل وجود المكتب مستقلا عن إدراكي له، ومن ثم فإنني أحكم بوجوده حتى ولولم أكن أراه ولا ألمسه، ثم أحكم بأنه مكتب واحد حتى ولو كنت أعاود رؤيته حينا بعد حين؛ وذلك المبدأ هو مبدأ تكوين العادات عند الإنسان، فلو كان ارتكازنا على الحواس وحدها لقالت الحواس إنني لا أملك إلا انطباعاتي ولا أدري إن كان هنالك شيء خارج تلك الانطباعات أو لم يكن، ولو كان مرجعنا هو العقل، لقال العقل إن المقدمات التي بين يدي -وهي سلسلة الانطباعات الحسية- لا تنتج بالاستنباط وحده نتيجة تقول إن مجموعة الانطباعات المتتابعة تكون في الحقيقة شيئا واحدا وتأتي كلها من مصدر واحد، واحتكامنا إلى العقل لا يضمن لنا أبدا أن يكون الذي نراه الآن ثم نغيب عنه ثم نعود إلى رؤيته لمرة أخرى في يوم آخر هو هو نفسه، الشيء ذاته لم يتغير. لكنها العادة التي تتكون من رؤيتنا لمجموعة جوانب متجاورة أو متتابعة، فعندئذ إذا ما رأينا جانبا واحدا فقط ورد إلينا بقية الجوانب بحكم العادة، بحيث تصبح وكأنها متماسكة في شيء واحد؛ هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن صورتها وهي متماسكة تكون شديدة الشبه بصورتها حين أدرك الشيء في لحظات متباعدة، حتى ليدفعني هذا الشبه الشديد بين ما رأيته بالأمس وما أراه اليوم إلا القول بأنه هو هو الشيء نفسه في الحالتين؛ ولولا “المادة” التي تشد الشبيه إلى شبيهه لرأيت كل حالة وكأنها مبتورة الصِّلة بأشباهها ولما أتيح لي أن أقول عن الشيء الواحد إنه واحد، ولا أقول عنه إنه مستمر في وجوده شيئا واحدا.

وفي موضع آخر يقول (زكي نجيب محمود):

فلا أساس لمعرفتنا كلها إلا الانطباعات الحسية، تلتئم وترتبط داخل رءوسنا وفق مبادئ ترابط المعاني وتداعيها، فتكوّن الأفكار المركبة التي في رءوسنا، وتعوّدنا رؤية مجموعة معينة منها متلازمة دائما، هو الذي يميل بِنَا إلى القول بأن لهذه المجموعة مصدرا واحدا مستمرا ذَا هوية معلومة.
ونمضي في الحديث فنقول إن عملية التفكير بعدئذ إما أن يكون قوامها ربط فكرة بفكرة تقتضيها، وإما أن يكون قوامها ربط فكرة بأصلها الخارجي، أو بعبارة أخرى عملية التفكير إما أن تكون رياضية استنباطية تستولد فيها فكرة من فكرة، وإما أن تكون متعلقة بأمور للواقع كما هي الحال في العلوم الطبيعية؛ فأما الصنف الأول فنظري صرف ويقيني النتائج ما دامت مستنبطة استنباطا صحيحا من مقدماتها، كأن تقول مثلا إن أربعة مضروبة في خمسة تنتج عشرين، وإن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين، ففي حالات كهذه لا نريد إلا أن تكون النتيجة متسقة مع مقدماتها، وما دامت المقدمات صحيحة فلابد أن تكون النتائج صحيحة.
وأما الصنف الثاني الذي نطابق فيه أفكارنا من جهة والواقع من جهة أخرى فلا يقين فيه، لأن أي شيء أقوله عن أمور الواقع يجوز أن يكون نقيضه هو الصحيح؛ فإذا قلت عن ورقة إنها بيضاء، فما الذي كان يمنع عند العقل أن تكون لونا آخر لولا التجربة التي دلتني على لون معين دون سواه.

الفرق بين الجوهر والتاريخ عند زكي نجيب

زكي نجيب محمود

يعد (زكي نجيب محمود) واحدًا من أبرز الفلاسفة في القرن الماضي، ويعد مؤسس الفلسفة الوضعية في عالمنا العربي.

والفلسفة الوضعية المنطقية التي تبناها (زكي نجيب)، ترتبط كثيرًا بشكل أو بآخر بالمذهب الوضعي في نظرية المعرفة والذي برز على يدي (أوغست كاونت). وقد تعرضت هذه الفلسفة لحملات مضادة كثيرة كانت سببًا في تعميتها ونقل أفكار مغلوطة عنها، بعيدًا عن الموضوعية. وانطلاقًا من فلسفته، وفي كتابه (نافذة على فلسفة العصر)، يبيّن (زكي نجيب) رأيه في مسألة يمكن عدها – وبحق – عماد الفكر الفلسفي المتعلق بنظرة الإنسان للوجود بشكل عام وللطبيعة بشكل خاص، ألا وهي مسألة ماهية الأشياء منطلقًا من الذرة، فيقول:

لم يكن تحليل الأشياء إلى ذرات يتألف منها بالفكرة الجديدة التي جاء عصرنا ليستحدثها من العدم.. لكن الجديد فيما استحدثه عصرنا هو بناء الذرة كيف يكون.

إن صورة الذرة بعد أن كانت – عند الأقدمين – أولية بسيطة صلبة، أصبحت عند عصرنا كيانًا مخلخلًا، يتشابه تكوينها مع تكوين المجموعة الشمسية مثلًا.. مما نستطيع مراجعته مبسطًا في كثير مما ينشر عن تبسيط العلم في الكتب والمجلات.

وعن علاقة الذرة بالنظرة الفلسفية يجيبنا قائلًا:

ولو كان قارئنا ممن ألموا بشيء من الدراسات الفلسفية – قليل أو كثير – لأدرك من فوره أن أهم فارق يميز هاتين الصورتين للذرة، هو أن الذرة في صورتها القديمة كانت “جوهرًا” بلغة الفلاسفة، وأما في صورتها الجديدة فهي “تاريخ“.

وبين هاتين الفكرتين يكمن الفرق العميق بين فكر قديم وفكر جديد.

وفي معرض بيانه لمعنى الجوهر –وهو ما دارت عليه رحى الفلسفة القديمة– يقول:

هو – أي الجوهر – من أي كائن ما يستحيل إزالته؛ لأنه بزواله يزول الكائن، أي أنه مهما تغير الكائن حجمًا ولونًا وشكلًا، ففيه عنصر ذو دوام، هو الذي يعطي الكائن هويته منذ لحظة وجوده وإلى لحظة فنائه.

خذ مثلًا  فردًا من الناس تعرفه وانظر، تجده متغيرًا أبدًا لا يستقر على حالة واحدة لحظتين، فقد كان رضيعًا ثم أخذ يتغير ناميًا، حتى بلغ ما بلغ. لكنه مع هذا التغير الذي لم يجمد دقيقة واحدة، كانت له “هوية” واحدة عرف بها وما يزال معروفًا.

فدوام هذه الهوية لهذا الإنسان كان على أساس ما نزعمه لأنفسنا في تكوينه، وهي أن مجموعة الظواهر امتغيرة فيه ليست هي حقيقته كلها، وإنما حقيقته هي “جوهره” وهو الذي تطرأ عليه التغيرات، حتى لقد قيل: إنه بغير افتراض ذلك الجوهر، لما أمكن أن يكون للتغير نفسه معنى.

وبعد عرضه لفكرة الجوهر وتمثيلها بأكثر من مثال، ينتقل للتصور الذي يراه أليق وأنسب لحقائق الأشياء، وهو “تسلسل الأحداث“، فيقول:

وأما فلاسفة عصرنا، فمعظمهم على اتفاق بأن كيان الشيء ليس في جوهر له مزعوم، وإنما هو في تسلسل الأحداث التي تصنع تاريخه، مضافًا إليه الطريقة الفريدة التي ربطت بها تلك الأحداث.

ولنلاحظ هنا أن افتراض جوهر للشيء، يتضمن أن ذلك الجوهر لا يتأثر بمرور الزمن، فالروح – مثلا – هي الروح، سواء مرت عليها ساعة واحدة أو ألف ألف عام، والمربع هو المربع بالتعريف الواحد الذي يحدد فكرته، لغض النظر عن زمن يطول بالكون ملايين السنين.

وهنا يكمن الفرق بين نظريتي الجوهر وتسلسل الأحداث، فيسترسل قائلًا:

وأما أن تجعل حقيقة الشيء مساوية للأحداث التي صنعت تاريخه، فمعناه أن الزمن عنصر أساسي؛ لأن الأحداث إنما تحدث على فترة من الزمن لا يكون الشيء في أولها هو نفسه في آخرها.

ثم يكمل قائلًا:

وهاتان الوقفتان تنعكسان – كما قدمنا – في تصور الإنسان للذرات الأولية ما وصفها؟

فمع تصور الدوام والثبات – أي فكرة الجوهر – كانت الذرة جسيمًا صلدًا أصم لا ينقسم ولا يتفتت ولا خلاء فيه، ومع تصورنا لحقائق الأشياء على أنها تواريخ يمتد كل تاريخ منها ما امتدت سلسلة الأحداث التي تكون هذا الشيء أو ذاك، تكون الذرة – كما نعرفها الآن – كهارب دوارة في أفلاكها حول نواة، وبفصل الكهارب بعضها عن بعض وعن النواة خلاء، فما تنفك الذرة في حركة، يؤخذ منها بالإشعاع أو يضاف إليها.

نظرة إلى الفن بأعين د.زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود

 د. زكي نجيب محمود (1905-1993) كاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري. في أشهر كتبه المعنوَن بـ(تجديد الفكر العربي) جعَل شيئًا عن أهمية الفن للحضارة فيقول بداية عن أهمية العلم والفن في نهضة الأمم فيقول:
العلم موضوعي والفن ذاتي، والخلط كل الخلط في أن أفسد العلم بأهواء الذات، أو أن أزيف الفن بموضوع يُملى عليه من خارج. وبالعلم المقيّد والفن الحر يتكون الإنسان المعاصر.
فإذا كان العربي متخلفًا عن عصره، فذلك لأنه لا علمًا بالطبيعة اكتسب ولا فنًا معبرًا عن ذاته أنشأ. فالعلم -حتى إذا ألممنا بأطراف منه- هو من اكتساب غيرنا ثم حفظناه حفظ التلميذ لدرسه. والفنّ -إذا زعمناه- هو سلعة منقولة عن سوانا (ولا فرق بين نقل عن أسلافنا ونقل عن معاصرينا) فإذا كان في المنقول فن الفن لغيرنا، عبّر به عن ذاته هو، وأما نحن فذواتنا ما زالت مطمورة تنتظر الفن الأصيل.
 ويقول في موضع آخر عن أهمية الفن:
بالعلم المشترك نعرف العالم ونغيره، وبالفن الذاتي نعرف الإنسان ونقومه
 يقول بعد ذلك عن حال الفن والأدب عند العرب فيقول:
إني لأذكر في شيء من الغموض قول أديب عربي حديث -لعله مصطفى لطفي المنفلوطي- حين قال إنه يفضل أن يقرأ وصفًا جميلًا لبستان، على أن يشهد البستان نفسه، وسواء قالها المنفلوطي، أو قالها سواه، أو لم يقلها أحد، ففي هذه العبارة صدق يكاد يجعل منها مفتاحًا لخصائص الثقافة العربية كما كانت طوال العصور – والكلام هنا بالتعميم والإجمال لا بالتفصيل والتحديد.
 فالإنسان في رأي د.زكي نجيب محمود يعيش في عالمين:
وهي أن هناك في حياة الإنسان عالمين يعيش في أحدهما أو كليهما بنسب متفاوتة: عالم الطبيعة من جهة، وعالم الرموز (وخصوصًا رموز اللغة) التي يبتكرها الإنسان ليشير بها إلى الطبيعة وأشيائها وكائناتها من جهة أخرى
وحال المثقف العربي في هذه العالمين برأيه:
والزعم هنا هو أن المثقف العربي كان يفضل الإقامة في عالم اللغة أكثر جدًا مما يطيل البقاء في عالم الأشياء
 وحال المثقف العربي في هذه العالمين تنعكس وبشدة إلى إنتاجه الفني، فيقول:
إن نظرة طائرة سريعة إلى الفن الإسلامي، كافية للتفرقة بين هذا الفن والفن اليوناني -مثلًا- أو الفن الهندي، أو الفن الفرعوني القديم. الفن الإسلامي هندسي يقيم أشكاله من خطوط وزوايا ومربعات ومثلثات ودوائر. إنه لا يرسم كائنات الطبيعة وأشياءها؛ لأن هذه الكائنات لا تمتزج بنفسه، ولا العربي يسعى إلى مزج نفسه بها، إنه إعلان من الفنان العربي بانفصال ذاته انفصالًا تامًا عن الأرض وكائناتها
 وكتوضيح أخير، فالفوارق بين فنون الأم ليست فوارق تفضيلية كما يقول، بل فوارق تاريخية لها أثرها على فنون الأمة:
إننا لا نقول بهذا إن بين الأمم فوارق بحكم الفطرة أو بحكم التكوين، لكنها فوارق تنشأ نتيجة لعوامل التاريخ ولكل أمة تاريخها، ولكل أمة ماضيها الذي أصبح -أو يجب أن يكون- جزءًا من حاضرها

قيود الواقع العربي بأعين د.زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود

د.زكي نجيب محمود (1905-1993) الكاتب والأكاديمي وأستاذ الفلسفة، في كتابه (تجديد الفكر العربي) يتكلم عن الواقع العربي فيقول:

وإنه لمن العبث أن يرجو العرب المعاصرون لأنفسهم نهوضًا أو ما يشبه النهوض، قبل أن يفكوا عن عقولهم تلك القيود، لتنطلق نشيطة حرة نحو ماهي ساعية إلى بلوغه، وإنه لا بناء إلا بعد أن نزيل الأنقاض ونمد الأرض ونحفر للأساس القوي المكين.
 ثم يكمل حديثه بعد ذلك بذكر أعظم القيود التي تعيق الإنسان العربي المعاصر:
الأول: أن يكون صاحب السلطان السياسي هو في الوقت نفسه، وبسبب سلطانه السياسي، صاحب الرأي، لا أن يكون صاحب رأي (بغير أداة التعريف) بحيث لا يمنع رأيه هذا أن يكون لغيره من الناس آراؤهم.
الثاني: أن يكون للسلف كل هذا الضغط الفكري علينا، فنميل إلى الدوران فيما قالوه وما أعادوه ألف ألف مرة -لا أقول إنهم أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصورة واحدة تتكرر في مؤلفات كثيرة، فكلما مات مؤلف، لبس ثوبه مؤلف آخر، وأطلق على مؤلفه اسمًا جديدًا- فظن أن الطعام يصبح أطعمة كثيرة إذا تعددت له الأسماء.
الثالث: الإيمان بقدرة الإنسان -لا كل إنسان بل المقربون منهم- على تعطيل قوانين الطبيعة عن العمل كلما شاؤوا، على غرار ما يستطيعه القادرون النافذون -على صعيد الدولة- أن يعطلوا قوانين الدولة في أي وقت أرادت لهم أهواؤهم أن يعطلوها.
ويسهب بعد ذلك بخصوص القيد الأول فيقول:
أسّ البلاء في مجال الفكر هو أن يجتمع السيف السيف والرأي الذي لا رأي غيره في يد واحدة ؛ فإذا جلا لك صاحب السيف صارمه، وتلا عليك باطله، زاعمًا أنه هو وحده الصواب المحض والصدق الصراح، فماذا أنت صانع إلا أن تقول له “نعم” وأنت صاغر؟
فكل ذلك  برأيي الدكتور زكي نجيب محفوظ مخالف لطبيعة الفكر الحر، فمن شروط الفكر الحر برأيه:

 أن يكون حوارًا متعادل الأطراف، لا يأمر فيه أحد أحدًا، ولا يطيع فيه أحد أحدًا، إلا بالحق

وفرض الأفكار بطريقة تعسفية سيؤدي نهايةً إلى مخاطر وأضرار عظيمة، ولسبب بسيط:

فما من فكرة إلا وتحتمل أن يكون نقيضها هو الصواب
ثم ينتقل إلى القيد الثاني فيلخص لبّ الأزمة بداية في قوله:
سلطان الماضي على الحاضر هو بمثابة السيطرة يفرضها على الأحياء
فيتكلم بعد ذلك عن حالة التقديس للماضي فيقول:
إن للموتى تأثيرًا قويًا في نفوسنا، يكاد يلهينا عن حقائق الأمور بما يحدثه فينا من الإيهام
 وفي موضع آخر يقول:
وهكذا قل في أمر الإنسان إذا ما وجد نفسه حيال فكرة أو عبارة قالها رجل قضى منذ زمن، لكنه ترك وراءه شهرة وسمعة تملأ النفوس بالرهبة ؛ فقد يجد هذا الإنسان عندئذ أن من المتعذر جدًا عليه النجاة من سحر هذه الرهبة، وأن أيسر السبل وآمنها من الزلل هو أن يتقبل كل ما قد تركه له سلفه ذو الشهرة والسمعة، وهيهات أن تجد من الناس من تبلغ به الجرأة أن يفض عن الصندوق المسحور ختمه السحري، ليفتحه فإذا هو من الداخل خواء أو ما شابه الخواء
 (…)
فما أسرع ما يتحول الأمر عند الإنسان من إعجاب بالقديم إلى تقديس له يوهمه بأن ذلك القديم معصوم من الخطأ، فعندئذ تنسدل الحجب الكثيفة بين الإنسان وبين ما جاءت به الأيام من تطورات في العلم والمعرفة
أما بخصوص القيد الأخير، فالمقصود به سيطرة الخرافة على الواقع، وهو ما جعله يشبه الخرافة بالسحر الذي يتلاشى عند أول اختبار له، بينما العلم هو الذي يحرك الواقع فعليًا، وقد نقلت (ساقية) رأيه فيها في  تدوينة  سابقة

د. زكي محمود ونصائح في القراءة

زكي نجيب محمود

د.زكي نجيب محمود (1905-1993) الكاتب والأكاديمي وأستاذ الفلسفة، في كتابه (قيم من التراث) كتب بعضًا من النصائح للقارئ في قراءته، فيم يقرأ، وكيف، ولماذا ؟

اقرأ لمن يضيف إلى خبراتك وأفكارك إضافة توسع من آفاق دنياك، فما كل قراءة ككل قراءة، وإنما القراءة التي نعنيها هي قراءة الأفذاذ في كل ميدان، فهل يعقل في ميدان الفلسفه مثلًا أن أترك أفلاطون وأرسطو وبن سينا وبن رشد وديكارت وهيجل لأقرأ فلانًا وعلانًا؟! وفي الشعر هل يعقل أن اترك البحتري والمتنبي وأبا العلاء لأقرأ فلانًا وعلانًا؟!

نعم قد نقرأ للأوساط بل وللصغار أحيانًا لنتسلى. إنني أذكر سؤالاً وجهته لأستاذ كبير في الفلسفة في انجلترا، وكنت أزوره لأودعه، إذ سألته كيف ترى فلانًا الكاتب؟ فنظر إليّ نظره الذاهل للسؤال وقال: فلان؟! ثم أشار بيده نحو رفوف مكتبته وقال: وهل فرغت من هؤلاء السادة القادة لأنفق ساعاتي في قراءة فلان؟

(…) 

إنك تقرأ لتضيف إلى عمرك المحدود عشرة أمثال أو مئة أو ألفًا بحسب القدر الذي تقرؤه والطريقة التي تقرأ بها لماذا؟ لأنك خلال عمرك المحدود ستجمع خبرات وافكار عن العالم وعن الناس وعن حقيقة نفسك لكن تلك الخبرات والأفكار سيكون مداها مرهونًا كذلك بعدد السنين التي كُتب لك أن تحياها 

ولكن كيف تقرأ؟ اقرأ وكأن الذي معك ليس كتاب من صفحات مرقومة بحروف وكلمات بل كأنك تتحدث مع مؤلف الكتاب، اقرأ وكأن الذي معك هو الرجل الحي يعرض عليك فكرته أو خبرته بصوت مسموع ففي هذه الحالة ستجد نفسك مدفوعاً إلي مراجعته ومساءلته ومراجعته جزءاً جزءاً ومعنىً معنىً، وهكذا تكون القراءه الحية بفاعليتها الذهنية، فلا تجعل من نفسك أثناء القراءة شريطاً من أشرطة الكاسيت يتلقي ولا حيلة له فيما يتلقاه،

بل تمهل هنا وقف هناك واسأل وحاور ووافق واعترض فالذي معك هو إنسان حي بفكره ووجدانه وقد يكون إنساناً أطول منك باعاً وأقدر منك علي الغوص وراء الحقائق لكنك لن تبلغ منه كل ما تريد إلا إذا وقفت منه موقف الأحياء من الأحياء إذ يلتقون في دروب الحياة ومسالكها