أرشيف الوسم: زينب جمل الليل

سركون بولص ناصحًا كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وعن دور الترجمة في الشعر

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت
وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في أحد اللقاءات الصحفية مع (بولص)، والتي أدارها الأستاذ (صلاح عواد)، ونُشرت في مجلة (نزوى) العمانية عام 1996م، تحدث (بولص) عن دور الترجمة في كتاباته الأدبية الخاصة. الجدير بالذكر، أن هذا اللقاء الصحفي، وغيره من اللقاءات، قد جُمعت ونُشرت في كتاب حمل عنوان (سافرت ملاحقًا خيالاتي).

في هذا اللقاء الصحفي، سأل (عواد): “أنت تقول إنك تكاد تمارس الترجمة يوميًا، وترجمت العديد من النصوص، فما هو أثر الترجمة على نصّك الشعري؟”. فكان جواب (بولص):

التأثير كان كبيرًا جدًا. والترجمة فن قائم بذاته، وأنا عندما أترجم -خصوصًا الشعر- أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية، محاولًا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المتَرجم. وهذا امتحان قاس جدًا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانًا عند كبار الشعراء. فمثلًا؛ أحيانًا أقوم بترجمة أبيات من جحيم (دانتي) لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة، لأمتحن اللغة العربية، وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبّر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الإنجليزية، لأحد أعظم شعراء اللغة الإيطالية؟ ويقود هذا التمرين أحيانًا إلى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية، وكل هذا طبعًا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب.

سأل بعد ذلك (عواد)، فقال: “الشاعر الأمريكي (ميروين) مهووس بالترجمة، وقد تلقى نصيحة من الشاعر (عزرا باوند) في بداياته الشعرية الذي حثه على الترجمة، واكتشف الشاعر (ميروين) أن لغته قبل القيام بالترجمة كانت فقيرة وخالية من الدلالات، فهل توفر لديك نفس الإحساس بعد ممارسة الترجمة؟”. فأجاب (بولص) على ذلك:

عندما ترجم (عزرا باوند) للشعر الصيني أحدث أكبر ثورة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق، وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن. وفي كتابه (Cathay)، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معزوفة، عن الحرب، وظهر في عام 1915م، حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية. وأثّر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدّم التراكيب أو “Ideographs” الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها (باوند) البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة، ومن هذه الثورة خرج شعراء مثل (غيري سايندر)، الذي لولا تأثره بالشعر الصيني والياباني لما كتب كما يكتب الآن، وغيره من الشعراء، من بينهم (ميروين) الذي هو مترجم عظيم، وعاش طوال حياته على الترجمة. وقدّم العديد من شعراء الاسبانية والفرنسية والبروفانسية إلى قراء اللغة الإنجليزية. فالترجمة هي نوع من التلقيح، وهي نوع من الجسور التي تمتد عبر اللغات، وتجعل من جميع اللغات والكتابات، في النهاية، تتشارك وتتداخل وتتلاحم، لتخلق شيئًا جديدًا.

اختتم (عواد) اللقاء الصحفي بعد ذلك، بأن سأل: “هل تنصح الشعراء الشباب بالترجمة؟”، وكان الجواب على ذلك:

أنا أنصح كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وأن يحاول الترجمة، حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة، كتمرين.

سركون بولص، وحديثه عن الشعر والذاكرة

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، والذي يضم عدة مقالات ممتعة، يجمعها موضوع الشعر والكتابة، أفرد مقالة عن الشعر والذاكرة. افتتح (بولص) مقالته:

يتناول الشاعر الزمنَ وهو ينسل من بين أصابعه قطرة فقطرة، ثم يتبخر حتى يصبح عدمًا.

في إحدى قصائده الغزلية، يقول (غالب): “إن القطرة التي لا تصير نهرًا تتشربها الرمال”.

ومرة تلو المرة، عندما أكتب، أكتشف أنني لا أتذكر الماضي ذاته، كما لا أتذكر شخصًا أو مكانًا أو مشهدًا أو صوتًا أو أغنية بعينها، إنما أتذكر أولًا وقبل وقبل كل شيء، كلمات. الكلمات وصداها الذي يتردد في ذاكرتي.

الكلمات التي تقبع في ذاكرة معينة، تحمل أصداء زمن ومكان محددين. لكن المشكلة بالنسبة للشاعر، ليست في الأساس مشكلة مفردات، إنما كيف يستطيع الشاعر تناول المفردات القديمة وصوغها في سياقات جديدة، في تراكيب مبتدعة تتحدث عن حاضرنا وتلقي الضوء على ما يجري حاليًا.

لذلك فإن وظيفة الذاكرة ليست بسيطة؛ إذ لا يتعين على الشاعر أن يعرف الكلمات ومعانيها فحسب، إنما عليه أن ينسى السياقات الكامنة فيها.

ثم يتابع (بولص) حديثه، فيلقي على طفولته الضوء، وعلى أثرها في كتاباته الشعرية، فيقول:

بمحض إرادتي أم رغمًا عني، فأنا لا أتوقف عن الذهاب إلى الماضي والعودة منه.

إن الشعر وسيلة عظيمة للتنقيب في المناطق المخفية عن الحياة التي عاشها الشاعر، وفي المناطق الظليلة التي تقبع فيها اكتشافات لا حصر لها بانتظارك، كل تلك الأشياء التي كوّنتك وجعلتك من أنت، والأماكن والأزمنة والظروف التي عشت فيها؛ جميع الأشياء التي شكّلتك.

فإن عملية العودة إلى الذاكرة أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة لي، العودة إلى تلك التفاصيل التي لا تقبع في رأس أحد سواي. إذًا، فإن الطفولة تشكْل مصدرًا سحريًا يكمن بين الظل والضوء، يثوي عميقًا في الماضي، يمكن استدعاؤه دائمًا وإلباسه ظلالًا جديدة قد لا تكون موجودة إلا في عالم الأحلام.

يتطرق (سركون بولص) بعد ذلك، إلى أهمية الكتابة، مع تركيزه على مجاله في الكتابة؛ الشعرية:

إن الكاتب شاهد على عصره، وعليه أن يكون واعيًا، في خضم كل هذه الفوضى والجنون، والحروب والمذابح، وأن يكون مدركًا لتلك الأصوات الباهتة التي تحدّثنا عن الزمن الماضي، عن حيوات أخرى مدفونة في بطن الحوت الذي يُطلق عليه التاريخ.

[…] لقد أصابت (جيرترود ستاين) عندما قالت: “يجب أن يكون لدى الكاتب بلدان اثنان، بلد ينتمي إليه، وبلد يعيش فيه فعلًا. ويكون البلد الثاني رومانسيًا، منفصلًا عنه، ليس حقيقيًا، لكنه موجود حقًا .. وبالطبع يكتشف الناس أحيانًا بلدهم كأنه هو البلد الآخر”.

لو كان هناك تعريف حقيقي للمنفى، فهذا هو. وأنا أقصد المنفى الأبدي، من دون عاطفة الحنين إلى العودة؛ لأنه لا توجد عودة في واقع الحال، “لا يمكنك أن تخوض في النهر نفسه مرتين”. فعندما تصبح مهاجرًا، مهاجرًا أبديًا، لا يمكن عندها استعادة الجنة مطلقًا.

ما هو منشأ الترجمة الحرفية؟ بورخيس يجيب

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وكان له دور بارز في الشعر والنقد والترجمة. في خريف 1967، ألقى (بورخيس) في جامعة (هارفارد) سلسلة مكونة من ست محاضرات عن الشعر، وخلال أكثر من ثلاثين عامًا، ظلّت هذه المحاضرات محفوظة على أشرطة ممغنطة في قبو صامت لإحدى المكتبات، منسيّة دون أن تجد طريقها إلى النشر، إلى أن رأت النور ضمن مطبوعات جامعة هارفارد عام 1970 مثبتة قيمتها الأدبية العالية، أن التأخر في النشر لا يعني دائمًا عدم الأهمية. فمحاضرات (بورخيس) ما زالت -في الأوساط الثقافية- تملك الأهمية ذاتها التي كانت لها حين ألقاها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

جُمعت هذه المحاضرات في كتاب، ومن ثم ترجمت إلى عدة لغات، منها العربية. وحملت عنوان (صنعة الشعر)، حسب ترجمة الأستاذ (صالح علماني). في محاضرته الرابعة، والتي خصصها عن الترجمة، تساءل (بورخيس) عن مصدر الترجمات الحرفية، والتي تحافظ على الألفاظ، وتنقل النص كلمة بكلمة من لغته الأصل إلى لغة أخرى. فيجيب بعد ذلك:

ما هو منشأ الترجمات الحرفية إذًا؟ لا أظن أنها ظهرت نتيجة التقدم في العلم، ولا أظن أنها ظهرت نتيجة هاجس الدقة. أعتقد أنه كان لها منشأ لاهوتي. فعلى الرغم من أن كل الناس كانوا يرون أن (هوميروس) هو أعظم الشعراء، إلا أنهم لا ينسون أن (هوميروس) كان بشرًا، ويمكن بالتالي لكلماته أن تتبدل. ولكن عندما صار لا بد من ترجمة الكتاب المقدس، طُرحت مسألة شديدة الاختلاف، إذ كان يفترض أن الكتاب المقدس هو من وضع الروح القدس. وعندما نفكر في الروح القدس، عندما نفكر في ذكاء الرب غير المتناهي مرتبطًا بمهمة أدبية، فإننا لا نستطيع أن نتصور وجود عناصر طائرة -عناصر مصادفة- في عمله. لا. فإذا ما كتب الرب كتابًا، إذا ما تفضل الرب على الأدب، فإن كل كلمة، كل حرف، مثلما يقول القباليون، يجب أن يكون قد جاء نتيجة تأمل عميق. ويمكن للتلاعب بالنص الذي صاغه الذكاء غير المحدود والسرمدي أن يكون تجديفًا.

ويضيف (بورخيس)، واصفًا رأيه بمحض افتراض مجرّد:                      

وهكذا، أظن أن فكرة الترجمة الحرفية برزت مع ترجمات الكتاب المقدس. إنه مجرد افتراض مني، يُخيّل إليّ أن ثمة مختصين كثيرين حاضرين هنا، ويمكن لهم أن يصححوا لي إذا ما كنت مخطئًا، ولكنه افتراض أعتبره محتملًا  إلى حد بعيد. وعندما تم التوصل إلى ترجمات حرفية باهرة للكتاب المقدس، بدأ البشر يكتشفون .. بدؤوا يفكرون في أن ثمة جمالًا في أساليب التعبير الأجنبية.

وفي مديح الترجمة الحرفية ومدى قبولها بين الناس يستطرد قائلًا:

وصار الجميع اليوم مؤيدين للترجمات الحرفية، لأن الترجمة الحرفية تستثير فينا على الدوام هزة الدهشة الخفيفة التي ننتظرها. وعمليًا، يمكن القول إنه لا حاجة إلى الأصل. وربما يأتي الوقت الذي سيُنظر فيه إلى الترجمة على أنها شيء قائم بذاته.

بورخيس في حديثه عن الشعر

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وبرز أيضًا في الشعر والنقد. في خريف 1967، ألقى (بورخيس)  في جامعة (هارفارد) سلسلة مكونة من ست محاضرات عن الشعر، وخلال أكثر من ثلاثين عامًا، ظلّت هذه المحاضرات محفوظة على أشرطة ممغنطة في قبو صامت لإحدى المكتبات، منسيّة دون أن تجد طريقها إلى النشر، إلى أن رأت النور ضمن مطبوعات جامعة هارفارد عام 1970 مثبتة قيمتها الأدبية العالية، أن التأخر في النشر لا يعني دائمًا عدم الأهمية. فمحاضرات (بورخيس) ما زالت -في الأوساط الثقافية- تملك الأهمية ذاتها التي كانت لها حين ألقاها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

جُمعت هذه المحاضرات في كتاب، ومن ثم ترجمت إلى عدة لغات، منها العربية. وحملت عنوان (صنعة الشعر)، حسب ترجمة الأستاذ (صالح علماني). في محاضرته الأولى، والتي تحدث فيها عن الشعر، ابتدأ حديثه بقوله:

والحقيقة أنه لا وجود لديّ لأي كشف أقدمه. لقد أمضيت حياتي وأنا أقرأ، وأحلل، وأكتب، أو أحاول أن أكتب، وأستمتع. وقد اكتشفت أن هذا الأمر الأخير هو الأهم.

فالمهم بالنسبة لـ(بورخيس) في القراءة هو الاستمتاع، ومن ثم يتحدث عن “الكتاب”، في محاولة لتعريفه، فيقول:

فما هو هذا الكتاب بذاته؟ الكتاب بشيء مادي في عالم أشياء مادية. إنه مجموعة رموز ميتة. وعندما يأتي القارئ المناسب، تظهر الكلمات إلى الحياة -أو بعبارة أدق-، يظهر الشعر الذي تخبئه الكلمات، لأن الكلمات وحدها ما هي إلا رموز محضة ، ونشهد عندئذ انبعاثًا للعالم.

فالقارئ الجيد، هو أيضًا جزء من معادلة الكتاب الجيد، عن تجربة
القراءة والتصوّرات التي تصاحبها يعلّق بورخيس:

أظن أن القراءة الأولى هي الحقيقية، وأننا في المرات التالية نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأن الإحساس، الانطباع، يتكرر. ولكن، كما أقول، يمكن للأمر أن يكون محض وفاء، محض مصيدة من ذاكرتي، محض خلط بين عاطفتنا والعاطفة التي أحسسنا بها يومًا. وهكذا، يمكن القول إن الشعر هو، في كل مرة، تجربة جديدة. فكل مرة أقرأ فيها قصيدة ما، تحدث التجربة. وهذا هو الشعر.

ومن هنا، ينطلق في محاولة لتعريف الشعر، فيقول:

فإذا كان عليّ، على سبيل المثال، أن أُعرّف الشعر، وليس لدي الشعر كله، وكنت أشعر أنني غير متأكد، فإنني سأقول شيئًا من نوع: “الشعر هو التعبير عن الجمال بكلمات محبوكة بصورة فنية”. يمكن لهذا التعريف أن ينفع في معجم أو في كتاب تعليمي، أما نحن فيبدو لنا قليل الإقناع. فهناك شيء أكثر أهمية بكثير .. شيء لا يشجعنا فقط على مواصلة تجريب الشعر، وإنما الاستمتاع به كذلك والإحساس بأننا نعرف كل شيء عنه.

هذا يعني أننا نعرف ما هو الشعر. نعرف ذلك جيدًا إلى حد لا نستطيع معه تعريفه بكلمات أخرى، مثلما نحن عاجزون عن تعريف مذاق القهوة، واللون الأحمر أو الأصفر، أو معنى الغضب، الحب، الكراهية، الفجر، الغروب أو حب بلادنا. هذه الأشياء متجذرة فينا بحيث لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الرموز المشتركة التي نتداولها. وما حاجتنا إلى مزيد من الكلمات؟

هكذا ينهي بورخيس حديثه عن الشعر، بما لا تصفه الكلمات، ككل التجارب الإنسانيّة من حيث التفرّد، تُعاش ويُعجز عن وصفها.

الاستعارة والنجوم، حسب بورخيس

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، كان له دور بارز في الشعر والنقد والترجمة.
في خريف 1967، ألقى (بورخيس) في جامعة (هارفارد) سلسلة مكونة من ست محاضرات عن الشعر، وخلال أكثر من ثلاثين عامًا، ظلّت هذه المحاضرات محفوظة على أشرطة ممغنطة في قبو صامت لإحدى المكتبات، منسيّة دون أن تجد طريقها إلى النشر، إلى أن رأت النور ضمن مطبوعات جامعة هارفارد عام 1970 مثبتة قيمتها الأدبية العالية، أن التأخر في النشر لا يعني دائمًا عدم الأهمية، فمحاضرات (بورخيس) ما زالت -في الأوساط الثقافية- تملك الأهمية ذاتها التي كانت لها حين ألقاها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

جُمعت هذه المحاضرات في كتاب، ومن ثم ترجمت إلى عدة لغات، منها العربية. وحملت عنوان (صنعة الشعر)، حسب ترجمة الأستاذ (صالح علماني).

في محاضرته الثانیة، التي ُعنونت بـ“الاستـعارة” والتي ألقاھا في السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني)، غطى (بورخیس) مفھوم الاستعارة بصورة تجمع بین الثراء والبساطة، وباستشھادات ممیزة ومختارة، ويعمد بورخیس إلى ذكر بعض الاستعارات النمطیة/النموذجیة -كما أسماھا- والتي اختزلھا في اثنتي عشرة استعارة موضحاً بالأمثلة كیف استخدمها الشعراء عبر القرون.

نستعرض ھنا النوع الأول من الاستعارات النمطیة، ابتدأ الحدیث عنه قائلاً:

أحب في المقام الأول، أن أھتم ببعض الاستعارات النمطیة، بعض الاستعارات النموذجیة، واستخدم كلمة “نمط” لأن الاستعارات التي سأوردھا، وإن بدت للمخیلة مختلفة جداً، فإنھا تبدو للمنطق مطابقة تقریبًا، وھكذا یمكننا أن نتحدث عنھا كما لو كانت معادلات، فلنتناول أول نمط منھا یرد إلى ذھني: ولیكن المقارنة النمطیة، أو التشبیه الكلاسیكي للعیون بالنجوم، أو العكس، النجوم بالعیون.

يشرح (بورخيس) هذه الاستعارات من خلال ثلاثة أمثلة، أولھا مأخوذ من الأنطولوجیا الإغریقیة [مجموعة متألفة من 4500 قصیدة لـ 4000 مؤلف تقریباً، تمثل الأدب الإغريقي منذ القرن السابع قبل الميلاد حتى القرن العاشر بعد الميلاد]، حيث ذُكر منها هذا البيت: “أرغب في أن أكون الليل / لأرى نومك بألف عين”

يقول (بورخیس):

ھنا نلمس، دون شك، رقة العاشق؛ نشعر أن رغبته قادرة على رؤیة الحبیبة من نقاط كثیر في الوقت نفسه إننا نشعر بالرقة خلف هذه الأشعار.

ثم يذكر المثال الثاني الأقل شهرة: “النجوم تنظر إلى أسفل“. يعلّق:

إذا ماتبنّینا التفكیر المنطقي بصرامة، فسنجد ھنا الاستعارة نفسھا، ولكن تأثیرھا على مخیلتنا مختلفٌ تمامًا، فجملة “النجوم تنظر إلى أسفل” لا توحي لنا بالرقة، بل ربما ھي تدفعنا إلى التفكیر في أجیال وأجیال من بشر یُنھكون أنفسھم دون حدود، بینما النجوم تنظر إلى أسفل بنوع من عدم المبالاة السامية.

ويختم بمثاله الثالث المختلف عن سابقيه والمقتبس من قصيدة (طفولة ثانية) لـ(تشيسترتون)، قائلًا  أن هذا المقطع واحدٌ من أكثر المقاطع الشعرية التي أثّرت به:

لكـنني لن أھرم إلى أن أرى انبثاق اللیل الھائل،

سحابة أضخم من العالم، ومسخاً مكوناً من عیون.

يعقّب قائلًا:

ليس مسخًا ممتلئًا بعيون، فهؤلاء المسوخ نعرفهم منذ رؤيا القديس يوحنا، وإنما هو -وهذا أشد رهبة- مسخٌ مكوَّن من عيون، كما لو كانت هذه العيون هي نسيجه العضوي.

ويلخّص الأمثلة الثلاث:

لقد تفحصنا ثلاث صور یمكن لھا أن تحیلنا إلى النمط نفسه، ولكن المظھر الذي أود إبرازه ھو أن الشاعر في الحالة الأولى، في المثال الإغریقي، وإن كان النموذج ھو نفسه “أرغب في أن أكون اللیل، یجعلنا نحس برقته، بلھفته؛ أما في المثال الثاني، فنشعر بنوعٍ من عدم المبالاة الإلھیة تجاه الأمور البشریة، وفي المثال الثالث، یتحول اللیل المألوف إلى كابوس.

أغوتا كريستوف في معنى الكتابة، أن تنقاد لشيء شبيه بالحلم.

أغوتا كريستوف

أغوتا كريستوف (1935-2011)، كاتبة مسرحيّة وروائيّة ولدت في المجر وغادرت إلى سويسرا عام 1956 مع زوجها وابنتها هربًا من قمع النظام الشيوعي للثورة المجريّة وهجوم الاتحاد السوفييتي على بودابست،
بعد خمس سنوات من الوحدة والكآبة والعمل الشاق في مصنع للساعات بسويسرا، تركت عملها وانهمكت في تعلّم اللغة الفرنسية وإتقانها، وهي اللغة التي توّجت بها نتاجها الأدبيّ. حققت أغوتا نجاحًا باهرًا في الأدب ولها عدد من المسرحيّات والروايات التي لفتت النقّاد ونافست الأدباء بالحصول على جوائز متعدّدة.

يُذكر أن أولى رواياتها (الثلاثيّة)؛ (الدفتر الكبير) (البُرهان) (الكذبة الثالثة) حازت على الكثير من الجوائز وتُرجمت لأكثر من ثلاثين لغة عالميّة.

في كتابها (الأميّة) والذي يُعد سيرة ذاتية، والذي قام بترجمته الأستاذ (محمد آيت حنا)، تتحدث (أغوتا) عن الكتابة، وعن أسلوبها في ذلك. وفي حديث عن طفولتها تقول:

الرغبة في الكتابة لم تأتني إلا فيما بعد. عندما انقطع خيط الطفولة الفضي، عندما أتت الأيام السيئة، وأتت السنوات التي وصفتها قائلة: “لا أحبها“.

حين افترقت عن والديّ وأخويّ، والتحقت بمدرسة داخلية في مدينة لا أعرفها، وحيث لم يعد لي من وسيلة لتحمّل ألم الفراق سوى: الكتابة.

وتسردُ مطوّلًا عن الكتابة في أحد فصول سيرتها الذاتية، والذي أطلقت عليه اسم “كيف يصير المرء كاتبًا”. تقول ناصحة:

ينبغي في البداية أن تكتب، بالطبع. ثم ينبغي بعد ذلك الاستمرار في الكتابة. حتى حين لا يثير اهتمام أحد، حتى حين يتملكك الانطباع بأن كتاباتنا لن تثير قط اهتمام أحد، حتى حين تتراكم المسودّات في الدرج وننساها بينما نكتب أخرى.

وفي حديث عن ظروف ولادة كتابها (الدفتر الكبير)، والذي ترجمه للعربية الأستاذ (محمد آيت حنا) أيضًا:

بدأت كتابة نصوص قصيرة عن ذكريات طفولتي. كنت ما أزال بعيدة عن التفكير في أن تلك النصوص القصيرة ستصير كتابًا ذات يوم. ومع ذلك، لم تكد تمضي سنتان حتى صار على مكتبي دفتر كبير يحوي قصة منسجمة، ببداية ونهاية، كأنها رواية فعلية. كان ما يزال ينقص النص الطباعة، ثم التصحيح، فالطباعة مرة أخرى، محو كل ما يبدو زائدًا ولا حاجة له، ثم التصحيح مجددًا، إلى أن بلغت بالنص وضعية بدا فيها قابلًا  للعرض. وحتى تلك اللحظة ما كنت أعرف بعدُ ما يمكن أن أصنع بالمخطوط. لمن أرسله، لمن أعطيه؟ لا أعرف أي ناشر، ولا أعرف أي شخص يعرف ناشرًا. فكرت تفكيرًا مبهمًا في دار نشر L’Age d’Homme، بيد أن صديقًا قال لي: “ينبغي البدء بدور النشر الثلاث الكبرى في باريس“، وأعطاني عناوين ثلاثة دور نشر: (غاليمار)، (غراسيه)، (سُوي). طبعت ثلاث نسخ من المخطوط، جهزت ثلاثة طرود، وكتبت ثلاثة رسائل متطابقة: “سيدي المدير …

في اليوم الذي أرسلت فيه تلك الطرود، أعلنت الأمر على ابنتي الكبرى: “لقد أنهيت روايتي“.

قالت لي: “آه نعم؟ وهل تحسبين أن ثمة من سينشرها؟

أجبتها: “أجل، بالتأكيد“.

وفعلًا، ما كنت أشك في الأمر لحظة. كنت على يقين بأن روايتي جيدة، وأنها ستُنشر دون مشاكل. لهذا لم أشعر بالإحباط بقدر ما شعرت بالدهشة وأنا أرى مخطوطي يعود من (منشورات غاليمار)، ثم من (منشورات غراسيه) مصحوبًا برسالة مهذبة وغير شخصية. قلت لنفسي ينبغي أن أشرع في البحث عن عناوين ناشرين آخرين، وإذا بي أتلقى اتصالًا  هاتفيًا في ظهيرة نوفمبرية. في الطرف الآخر من الخطّ كان يتحدث (جيل كاربونتييه) المسؤول بـ(دار نشر سُوي). أخبرني أنه قرأ مخطوطي، وأنه لم يقرأ شيئًا بتلك الروعة منذ سنوات. قال أنه أعاد قراءته كاملًا  بعدما كان قد قرأه مرّة أولى، وأنه ينوي نشره. لكنّه ما يزال يحتاج موافقة عدّة أشخاص ليستطيع القيام بذلك، وأنه سيعيد الاتصال بي في بضعة أسابيع. وأعاد الاتصال بي بعد أسبوع قائلًا: “إني أجهز العقد“.

وتختتم هذا الفصل باقتباسها عن نفسها، حين سألها أحدهم في برلين عن الكتابة والكاتب، فأجابته:

نصير كُتّابًا، حين نكتب بإصرار وأناة، دون أن نفقد البتّة إيماننا في ما نكتبه.

وفي لقاء صحفي مرفق بالكتاب، قام به (ألييت أرميل)، تحدثت عن أسلوبها في الكتابة، فقالت:

أبدأ دائمًا بالكتابة يدويًا على دفاتر، أدوّن الأفكار، مثلما ترد عليّ، دون أن أرجع إلى المعجم، دون أن أن أصحّح. ولا أكتب بشكل خطي: أكتب مقاطع تصير فيما بعد في وسط الكتاب أو في أوله أو في آخره. أثناء الكتابة لا أكون على بيّنة من الأمر. لا تصير الصورة واضحة إلا حين أبدأ في الرّقم والاختيار بين الصيغ المختلفة، وفي تحديد الترتيب المفترض ما بين المقاطع التي تم الاحتفاظ بها؛ إذاك فقط تتشكّل عندي فكرة واضحة عن الكتاب، أحذف الكثير.

وفي موضع آخر باللقاء عن معنى الكتابة تقول:

الأمر غالبًا على هذا النحو: أن تكتب معناه أن تنقاد لشيء شبيه بالحلم. كما الأحلام تعود إلى الظهور في الكتابة.

وتقول أيضًا:

مهما كان كِتابٌ ما حزينًا، فإنه لن يبلغ قطّ درجة حزن الحياة.

بين الانتحال والمحاكاة، بيسوا يتحدّث عن فن الترجمة.

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا  (1888–1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية.

ما تزال عملية الترجمة باعتبارها فنًا، من الممارسات التي شكلت هاجسًا لدى كثير من الأدباء والفلاسفة والباحثين، فبالنظر من ناحية استحواذ روح الكاتب على النص الأصلي، وتفلّت النص تدريجيًا من هيمنة هذه الروح أثناء انتقاله إلى لغة مختلفة تمامًا – وإن كانت اللغات في عمومها تتلاقى وتتشابه -، إلا أن اللغة محمّلة بالثقافة التي تتصل بها اتصالًا عميق الأثر لا بد أن تظهر تبعاته، فهل تُعدّ الترجمة عملا مستقلا استقلالًا حقيقيًا، أي أننا نتحدث عن إنتاج عمل أدبيّ جديد، أم أنها انتحالات مجرّدة لا يملك المترجم فيها إلا تقمّص دور الكاتب ونقل الصورة التي يريد؟

في كتاب (الأعمال النثرية المختارة) والذي ترجمه للإنجليزية (ريتشارد زينيث)، ومن ثم للعربية بواسطة (أمير زكي) في مدونته،  يناقش (بيسوا) الترجمة كفن محاط بالتحديات، ويعيد تعريفها من خلال علاقة المترجم بالكاتب والنص في حديث مثير للاهتمام، يقول:

أنا لا أعرف إن كان أحد قد كتب تاريخا للترجمة؛ سيكون كتابا طويلا ولكنه مثير جدا للاهتمام. مثله مثل تاريخ الانتحالات – كتاب مهم ممكن آخر ينتظر كاتبه الحقيقي – سيكون محاطا بالدروس الأدبية، هناك سبب لأن يستحضر شيء ما شيئا آخر: الترجمة ليست سوى انتحالا باسم الكاتب، تاريخ المحاكاة الساخرة سيكمل السلسلة، لأن الترجمة هي محاكاة جادة للغة أخرى.
العمليات العقلية المتضمنة في المحاكاة الساخرة هي نفسها المتضمنة في الترجمة بشكل تام، في الحالتين هناك إعادة استخدام لروح الكاتب لغرض غير موجود عنده. في الحالة الأولى يكون الغرض هو السخرية، في حين يكون الكاتب جادا؛ في الحالة الأخرى يكون الغرض لغة محددة، في حين كتب المؤلف بأخرى. هل سيحاكي أحد في يوم ما قصيدة ساخرة بقصيدة جادة؟ هذا غير مؤكد. ولكن بلا شك يمكن للكثير من القصائد – حتى القصائد العظيمة – أن يضاف لها بأن تُتَرجَم للغة نفسها التي كتبت بها.

أيهما أولى بالعناية؛ الكاتب أم النص؟ يطرح بيسوا رأيه في هذه الإشكالية ومدى اتصالها وأثرها على فعل الترجمة يقول:

هذا يستحضر إشكالية إن كان الفن أم الفنان هو الأكثر أهمية، الفرد أم المُنتَج، إن كان المُنتَج هو الأهم، وهو الذي يجلب البهجة، إذن سيكون من المُبَرَر أن تأخذ قصيدة لشاعر مشهور – لا تكون من القصائد المتسمة بالكمال – وفي ضوء نقد عصر آخر، تجعلها تتصف بالكمال بالحذف والاستبدال والإضافة. قصيدة وردزوورث “نشيد الخلود” قصيدة عظيمة ولكنها بعيدة جدا عن أن تتسم بالكمال. يمكن إعادة تركيبها لتكون أفضل.

 للترجمة مستويات، وهناك مستويات محددة في نظر بيسوا تجعل من فعل الترجمة مثيرًا وذا جدوى، يختم بيسوا حديثه عنها قائلًا:

المثير في الترجمة يتحقق عندما تكون صعبة، أي أن تكون من لغة ما إلى لغة أخرى مختلفة تماما، أو تكون لقصيدة معقدة جدا حتى لو كانت الترجمة إلى لغة مشابهة جدا. لا توجد متعة في الترجمة – قل – بين الإسبانية والبرتغالية؛ أي شخص يستطيع قراءة إحدى اللغتين يمكنه بشكل آلي أن يقرأ الأخرى، بالتالي يبدو حينها أنه لا جدوى من الترجمة، ولكن ترجمة (شكسبير) إلى واحدة من اللغات اللاتينية سيكون عملا مبهجا؛ أنا أشك إن كانت ترجمته تصلح إلى الفرنسية، سيكون من الصعب الترجمة إلى الإيطالية أو الإسبانية؛ أما البرتغالية، كونها أكثر مرونة وتعقيدا، فمن الممكن أن تقبل الترجمة.