أرشيف الوسم: سارة الجغيمان

ما الذي يجعل شكسبير كاتبًا معاصرًا؟ إبراهيم نصر الله يجيب

إبراهيم نصر الله، كاتب و شاعر و أديب من مواليد عمّان، الأردن،عام 1954م، من أبوين فلسطينيين، هُجِّرا من أرضهما في قرية البريج (فلسطين)، غربي القدس عام 1948م، يعتبر اليوم واحداً من أكثر الكتاب العرب تأثيراً وانتشاراً، حيث تتوالى الطبعات الجديدة من كتبه سنوياً، محققةً حضوراً بارزاً لدى القارئ العربي والناقد أيضاً، ومن اللافت هذا الإقبال الكبير من فئة الشباب على رواياته وأشعاره، كما تحظى أعماله بترجمات إلى لغات مختلفة، وإلى ذلك الكتب النقدية الصادرة عن تجربته، ورسائل الماجستير والدكتوراه المكرسة لدراسه انتاجه في الجامعات العربية والأجنبية. في كتابه (هزائم المنتصرين)، والذي يتكون من عدة مقالات نقدية لبعض الأفلام، تطرق في إحدى المقالات إلى (شكسبير)، مستفتحًا حديثه متسائلًا:

ما الذي يجعل (شكسبير) كاتبًا معاصرًا؟ وكيف تحقق أعماله هذه القدرة الفائقة على الحضور والتأثير في كل مكان من هذا العالم، حتى أنه في استطلاع أجري قبل سنوات، كان الكاتب الأكثر قربًا من قلوب الصينيين.

يستفتح بعد ذلك الإجابة فيقول:

منذ مدة طويلة، صدر كتاب (شكسبير معاصرنا)، لمؤلفه (يان كوت)، وقد نقل الكتاب إلى العربية الراحل الكبير (جبرا إبراهيم جبرا)، المفتون بـ(شكسبير) ومآسيه الكبرى. وإلى ذلك صدرت عشرات الكتب في العالم العربي حوله، وتُرجمت مسرحياته غير مرّة.

أما في بقية العالم، فلا تسأل، فعدد الدراسات التي صدرت حول مسرحية (هامليت) وحدها لا يعدّ ولا يحصى.

كما أن المسارح لم تتوقف لحظة عن تقديم أعماله في هذه الأرض الواسعة، وقد قُدّمت بنصوصها الأصلية آلاف المرات، واستوحى الفنانون أعمالًا فنية كثيرة منها، في الباليه، الموسيقى، الشعر، الرواية، التلفزيون، السينما، بل إن الأخيرة فُتنت به إلى درجة مذهلة، بحيث أدمنت تقديم أعماله، وعبر سينمات مختلفة، من اليابان حتى عاصمة السينما هوليوود على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة الأمريكية. وقد استطاع كل مخرج أن يقدِّم رؤاه الخاصة، حتى لكأن (شكسبير) من الرحابة إلى درجة يستطيع معها استيعاب رؤى الجميع، ويظل هو الفضاء الذي يتيح للآخرين الفرصة الكاملة للتحليق فيه، وأن يكونوا أنفسهم بمنتهى الحرية، ويظل هو نفسه المتجدد باستمرار.

وللوصول إلى إجابة مُرضية للسؤال السابق، يتساءل: ما هو التاريخ في المسرح فعلًا؟

يقول (يان كوت) في (شكسبير معاصرنا): غالبًا ما يكون التاريخ في المسرح مجرد خلفية نرى الشخصيات إزاءها تُحب، وتعاني، وتكره، وتمرّ بتجاربها الدرامية الخاصة، وأحيانًا تكون هذه الشخصيات متورطة في التاريخ، الأمر الذي يُعقّد عليها حياتها، ولكنه يبقى، حتى، في هذه الحالة ضربًا من الزيٍّ غير المريح: باروكة، تنورة، أو سيفًا يصفع القدمين.

مسرحيات كهذه بالطبع، إنما هي تاريخية سطحيًا. ولكن هناك مسرحًا لا يكون التاريخ مجرد خلفية يمثله إزاءها، أو يكرره على الخشبة، ممثلون متنكرون كشخصيات تاريخية. أما فكرة التاريخ عند (شكسبير) مختلفة .. حيث ينسرح التاريخ على الخشبة، ولكنه ليس مجرد إعادة فعل أبدًا، فما هو بالخلفية، قطعًا، إنه هو فعل المأساة وبطلها.

وفي محاولة لتفسير وجهة النظر هذه يقول (بان كوت): هناك نمطان أساسيان للمأساة التاريخية. الأول مبني على الاعتقاد بأن للتاريخ معنى، وأنه يحقق مهماته الموضوعية، ويقود في اتجاه محدد. وهناك نوع آخر من المأساة التاريخية، أصلها الاعتقاد بأن التاريخ لا معنى له، وأنه واقف لا يتحرك، أو أنه باستمرار يعيد دوراته القاسية، وأنه .. كالبرد, كالعاصفة والإعصار، كالميلاد والموت.

يُنقّب الخُلد في الأرض، ولكنه لن يبلغ السطح.

يعاني، ويشعر، ويفكر،

ولكن معاناته ومشاعره لا تستطيع أن تغيّر مصيره “الخُلديّ”، فيستمر في حفر الأرض، وتستمر الأرض في دفنه.

وعند هذه النقطة يُدرك الخُلد أنه خُلد مأساوي!

ويروي (كوت) أن هذه الفكرد عن المأساة، أقرب إلى (شكسبير).

هذه قائمة بأغلب الأعمال السينمائية التي اعتمدت على أعمال (شكسبير) في القصة أو نحت الشخصيات.

مجموعة من الكتاب والأدباء يجيبون عن سؤال: لماذا نكتب؟

meredith-Maran-006

قدمت الأستاذة بثينة العيسى ومجموعة من المترجمين العرب مجهوداً مُلفتاً في ترجمة كتاب –لماذا نكتب– ضمن مشروع تكوين للكتابة الإبداعية وهو عبارة عن مجموعة مقالات ومقابلات أعدتها ميريدث ماران مع مجموعة من الكُتاب في شتى الأصناف الكتابية للإجابة على أسرار الكتابة ومصادر الإلهام الخاصة بهم، وذلك لتنكشف لك كقارئ معلومات قد ترضي فضولك بالكتابة والكُتاب، أو تساعدك ككاتب في مشوارك الكتابي. ويغطي الكتاب 20 مقابلة ابتداءَ بإيزابيل اللندي حتى ميغ والتيزر. وهنا مجموعة من إجابات الكُتاب في مواجهة سؤال (لماذا نكتب؟) وأيضاَ بعض النصائح المقتبسة من تلك المقابلات:

يقول ريك مودي:

أظن أنني عندما أكتب -أو بشكل أدق- متى ما كتبتُ، سأكون إنساناً أفضل وأكثر سلاماً.

وتقول ميغ واليترز:

لديك سيطرة نافذة، أين تستطيع أن تجد مثل هذا؟

ثم تكمل:

 أنت لا تستطيع السيطرة على الآخرين، على علاقاتك، أو على أطفالك، ولكن في الكتابة تستطيع أن تحصل على فترات متصلة تكون فيها المسيطر تماماَ.

سو غرافتون قالت:

أفضل يوم لي ككاتبة هو أي يوم, أو أي لحظة يسير فيها العمل بشكل جيد وأكون منغمسة تماماَ في المهمة بين يدي. وأصعب وقت هو عندما يكون الأمر عكس ذلك. وهذا الأخير يفوق الأول عدداً، ولكنني فتاة لعينة وعنيدة، أصر كالجدي.

عندما أبدأ العمل على كتاب أدخل في حالة هياج ذهني شديد.

َقال مايكل لويس:

يضطرب نومي ولا أحلم إلا بمشروع الكتاب.. أغيب ذهنياً لعدة أشهر كل مرة، والثمن الذي تدفعه زوجتي ويدفعه أطفالي جراء ذلك باهظ جداً، لحسن حظي أكتب بإسراف على فترات متقطعة وآخذ فترات استراحة بين الكتب، ولكنني مازلت أحظى بعائلة.

“أبدأ كل كتبي في الثامن من يناير”، قالت إيزابيل اللندي, وهي تهز رأسها المسرّح بإتقان:

هل يمكنك تخيل السابع من يناير؟ إنه جحيم… أنا أسجل حضوري أمام شاشة الكومبيوتر وحسب، أحضر وأحضر وأحضر، وبعد مدة سوف تحضر ربة الإلهام أيضاَ.

أما جينيفر إيغان تقول:

إنه لأمر مخيف,أن تسكب الوقت والجهد في مشروع ليس له هوية أدبية واضحة، واحتمال أن الناشر سيقول لك: لا يمكننا أن ننشر كتابك الغريب! المرتبة الثانية من الخوف هي إنه سينشره، وأن الكتاب سيأتي ويذهب دون أن يثير همسة.

وديفيد بالداتشي قال:

الفرصة الوحيدة التي حصلت عليها للنشر في صحيفة النيو يوركر كانت لأنني وقّعت أغلفة رسائلي باسم: جي دي سالينغر.

ويقول والتر موزلي:

 لا أستطيع التفكير في سبب يمنعني من الكتابة. ربما يكون أحدها ألا يشتري أحد كتبي وحتى هذا السبب عندما أفكر به لا يمنعني من الكتابة. سأكتب بأية حال.

وهنا نصائحهم للكُتاب :

ايزابيل الليندي تنصح بأن الأمر جدير بأن تعمل كي تجد الكلمة الدقيقة التي ستخلق شعوراَ أو تصف حالة. استخدم القاموس، استخدم مخيلتك، حك رأسك حتى تخرج إليك. ولكن عليك أن تجد الكلمة الصحيحة.

وعندما تشعر بأن القصة قد بدأت بالتقاط إيقاع، الشخوص تتشكل، ويمكنك أن تراهم، وأن تسمع أصواتهم، وهم يفعلون أشياء لم تخطط لها- عندها تعرف بأن الكتاب موجود في مكان ما، وكل ماعليك فعله هو أن تجده وأن تحضره -كلمة بعد كلمة- إلى هذا العالم.

وعندما تروي قصة في المطبخ لصديق, فهي مليئة بالأخطاء والتكرار، من الجيد أن تتجنب هذا في الأدب ومع ذلك، يجب على القصة أن تبدو كمحاورة لا كمحاضرة.

أما حكمة ديفيد بالدتشي للكُتاب فهي:

مهما كان النوع الأدبي الذي تكتبه، تآلف مع كل ما يستجد فيه. الشيء الذي أثار القارئ قبل عشر سنوات ليس بالضرورة ما يثيره اليوم. انظر إلى المنافسين.

“اكتب لقرائك” هو تعبير ملطف ل “اكتب ما تعتقد أن الناس ستقوم بشرائه”. لا تقع في هذا الخطأ! اكتب للشخص الذي تعرفه جيداً. اكتب لنفسك!

أما جينيفر إيغان فتنصح بأن تقرأ كتب من المستوى الذي ترغب بكتابته. القراءة هي قوت الكتابة. إذا كان ما تحب قراءته من -مستوى ب- ربما سيصعب عليك أن تكتب في -مستوى أ-.

وجيمس فري يقول:

أنه لا توجد قواعد في الفن الحقيقي، ليس عليك الكتابة تحت شكل أدبي معين، ولا يهم إن كنت درست في جامعة متخصصة أو حصلت على شهادة في الكتابة الإبداعية. إما أن تستطيع الكتابة أو لا.

أما سو غرافتون فتقول:

لا توجد هناك أسرار، وليس هناك طرق مختصرة. الأشياء التي عليك معرفتها بصفتك كاتباَ طموحاَ هي أن تعلم الكتابة يأتي عن طريق التعلم الذاتي. وإتقان الكتابة يحتاج لسنوات.

و كاثرين هاريسون تقول:

لا تصور نفسك كما ترغب بأن تصورها، بل صورها كما هي.

مايكل لويس يقول:

كثير من قراراتي اتخذتها في حالة وهم، عندما تحاول بدء حياة عملية في الكتابة.. سيفيدك القليل من التفكير الوهمي.

والتر موزلي يقول:

الكتابة استثمار طويل الأجل.. إذا التزمت به ستصل إلى ما تصبو إليه من نجاحات.

أما سوزان أورلين فتنصح الكاتب:

ببساطة يجب أن تحب الكتابة. وعليك أن تذكر نفسك غالباً بأنك تحبها. ويجب أن تقرأ بقدر ما تستطيع.. تلك هي أفضل طريقة لتتعلم كيف تكتب ولا تتحرج من استخدام القواميس!

وأخيراَ تقول ميغ واليتزر:

لا أحد يستطيع إبعاد الكتابة عنك، ولا أحد يستطيع أن يعطيك إياها أيضاَ.

حمزاتوف يتساءل؛ أيهما يلد الآخر، الكاتب أم الموضوع ؟

رسول حمزاتوف (1923-2003)، شاعر داغستاني ولد في قرية تسادا في مقاطعة خونزاخ في داغستان شرق جمهورية جورجيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي قبل انفراط عقده، وقد تأثر رسول كثيرا بوالده الشاعر حمزة تساداسا. من أشهر كتبه المترجمة و التي كتبنا منها هذه التدوينة كتاب بلدي

لا تقل: أعطني موضوعاً

بل قل: أعطني عينين

***

كتب إلى كاتب شاب قال يومًا:

  أيّها الرفاق الأعزاء، عندي رغبة كبيرة في الكتابة، لكني لا أعرف عن أيّ شيء أكتب أعطوني موضوعاً ضروريًا و ملحّاً، أكتب لكم كتابًا رائعاً .

فيعلق رسول حمزاتوف على المقولة السابقة فيقول:

كثيراً ما يتوجّه بعض الشباب بمثل هذا الطلب إلى اتحاد الكتّاب، إلى هيئات تحرير المجلات أو إلى الصّحف أو إلى الكتّاب شخصياً. يُدهشني دائمًا أولئك الذين يُحاصرون الكاتب بالطلب إليه أن يُحدثهم عن مشاريع الإبداع لديه للسنوات القادمة، الكاتب يعرف بالطبع الاتجاه العام لعمله. وربما كان بالإمكان التخطيط لكتابة رواية أو ثلاثية، أما الشّعر فلا …

الشعر يأتي على غير توقّع، كهديّة! ملكوت الشاعر لا يخضع للمشاريع المحكمة

لا يُمكن الإنسان أن يُخطط لنفسه فيقول: في الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم سأحب الفتاة التي سألقاها في الطريق. أو غداً في حوالي الساعة الخامسة مساءً سأُبغض سافلاً مّا. وأبيات الشعر لا تُشبه أزهاراً في منبت ورد أو في حوض زهر – فهي هناك كلها أمامك، و لا حاجة بك إلى البحث – بل تشبه زهوراً في حقل، في مرج في جبال الألب، حيث كل خطوة تعدك بزهرة جديدة، أكثر روعة. إنَّ المشاعر تولد الموسيقى، و الموسيقى تولد المشاعر.

 فأيهما نضعه في المقام الأول؟

حتى الآن لم يُحسم هذا السؤال: هل ظهرت الدجاجة أولاً أم البيضة؟

والسؤال نفسه يتردّد هنا: هل الكاتب هو الذي يلد الموضوع أم الموضوع هو الذي يلد الكاتب؟

الموضوع هو كل عالم الكاتب، هو الكاتب كله، لا وجود له بدونه. ولكل كاتب موضوعه المتميّز والخاص.

الأفكار و المشاعر طيور؛ أما الموضوع فهو الغابة، الأفكار و المشاعر غزلان، أما الموضوع فهو الجبال؛ الأفكار و المشاعر طرق، أما الموضوع فهو المدينة التي تُؤدي إليها هذه الطرق و تلتقي بها. الموضوع صندوق بما فيه من متاع، و الكلمات مفتاح هذا الصندوق، لكن المتاع في الصندوق يجب أن يكون متاعك و ليس متاع غيرك!

أما عن القفز من موضوع لآخر فيقول فيه:

بعض الأدباء يقفزون من موضوع إلى آخر دون أن يُتمّوا أي موضوع، إنهم يرفعون غطاء الصندوق قليلاً، و ينفضون الخرق العليا ثم يمضون بسرعة، أما صاحب الصندوق فيعرف أنك لو رفعت الأشياء واحداً بعد آخر، بحذر، فسيظهر في القاع السّفط الذي يحوي الكنوز الثمينة.

و يضرب مثلاً آخر:

الذين يقفزون من موضوع إلى آخر يُشبهون مزواجاً معروفاً في الجبال اسمه دالاغولوف. فقد تمكّن صاحبنا هذا من أن يتزوج ثماني مرّات، لكنه بقيَ في النهاية بدون زوجة!

 وينصح رسول حمزاتوف بالتمهّل والصبر بقوله:

لكل كاتب يوم يكتشف فيه نفسه، و يجد موضوعه الرئيسي.

 وفي موضعٍ آخر يقول:

على الكاتب أن يُصغي إلى نبضات قلبه قبل أن يقترن بموضوعه.

و من ثمّ يُؤكّد على ماهيّة الموضوع فيقول:

يبدو لبعضهم أنه يكفي المرء أن يُباشر موضوعاً عظيماً، حتى يُصبح هو عظيمًا.  لكن، أعظم الأشياء هو أبسطها.

وقد كان والد رسول حمزاتوف ينصحه بقوله:

اُكتب عمّا تعرف و تستطيع. أمَّا مالا تعرفه فاقرأه في كتب غيرك

نظرية الكهف عند أفلاطون

تعد نظرية الكهف لأفلاطون من أشهر نظرياته الفلسفية على مدى التاريخ وفيها مجازاً واقعياً لحياتنا وكيف يؤثر الواقع على رؤيتنا للأمور ووصولنا إلى الحقيقة. فرغم بساطتها إلا أنها فلسفة من الممكن أن تقودنا لاستخراج الكثير، لتخبرنا كيف بوسعنا أن ننظر للعالم من زوايا تختلف عن تلك التي اعتدنا النظر منها. فحين ندرك ان الأفكار هي نتاج واقع أو محيط أو قيود ساهمت بتشكيل قناعاتنا سيساعدنا ذلك بلا شك لتقبل الاختلاف خاصة في الأفكار. يبني أفلاطون فكرته الجوهرية في هذه النظرية على أن ما نراه أو مااعتدنا أن نراه قد لا يكون الواقع أو الحقيقة بل مجرد ظلال خادعة للحقيقة ولذا فالحواس بالنسبة له تخدع ولا يمكن الاعتماد عليها.

في كتابه “الجمهورية” يكتب أفلاطون هنا على لسان سقراط متحدثاً لأحد أتباعه:

سقراط: تخيل كائنات بشرية قبعوا في كهف تحت الأرض، له ممر طويل باتجاه النور، ظَل هؤلاء الناس هناك منذ نعومة أظافرهم، وقيدت أرجلهم و أعناقهم بأغلال، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم أو رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم، لأن السلاسل منعتهم من إدارة رؤوسهم. و من ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال، و بين النار و السجناء طريق مرتفع. و لتتخيل على طوال هذا الطريق جدارًا صغيرًا، مشابها لتلك الحواجز التي يضعها أمامهم لاعبوا الدمى المتحركة، والتي تخفي اللاعبين وهم يعرضون ألعابهم.

غلوكون : إني لأتخيل ذلك.

سقراط: و لتتصور الآن، على طول الجدار الصغير، رجالًا يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية، التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالًا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. و طبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.

غلوكون: إنها حقًا لصورة عجيبة، تصف نوعًا غريبًا من السجناء.

سقراط: إنهم ليشبهوننا، ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم و من جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، أليس كذلك؟

غلوكون: و كيف يمكنهم خلاف ذلك ماداموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم؟

سقراط: فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث إذا رفعنا عنهم قيودهم و شفيناهم من جهلهم. فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، و أرغمناه على أن ينهض فجأة، و يدير رأسه، و يسير رافعًا عينيه نحو النور.

عندئذ سيعاني آلامًا حادة ويضايقه التوهج ، و سوف ينبهر إلى حد يعجز معه على رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها من قبل. فما الذي تظنه سيقول إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهمٌ باطل، و أن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة، و متجه صوب أشياء أكثر حقيقة؟ و لنفرض أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه، و دفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر ماهي. ألا تظنه سيشعر بالحيرة، و يعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب من الحقيقة من تلك التي نريها له الآن؟

غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيراً إلى الحقيقة.

سقراط: و إن أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عيناه ستؤلمانه، و إنه سيحاول الهرب و العودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة، و التي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن؟

غلوكون: أعتقد ذلك.

سقراط: فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا واحتل مكانه القديم في الكهف، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة حين يعود فجأة من الشمس؟ فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، و أن يناقش السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد عيناه الظلمة، و هو أمر يحتاج إلى بعض الوقت، ألن يسخروا منه و يقولوا أنه لم يصعد إلى الأعلى إلا لكي يفسد أبصارهم وأن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه؟ فإذا ما حاول أن يحررهم من أغلالهم، و يقودهم إلى أعلى و استطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهروا عليه بالفعل؟

غلوكون: أجل بالتأكيد.

والآن، فعلينا، يا عزيزي غلوكون، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق. فالسجن يقابل العالم المنظور، ووهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول. فإذا تصورت هذا فلن تخطىء فهم فكرتي، مادام هذا ما تريد أن تعرفه. ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال، فآخر ما يدرك في العالم المعقول بعد عناء شديد هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه، حتى يستنتج حتمًا أنه علة كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعًا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة و العقل. فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة.

ويشير أفلاطون هنا عن أهمية مواجهة الحقيقة التي قد تبدو مخيفة في أول الأمر ولذا قد يهرع بعضهم للعودة للخلف ويفضل البقاء في الظلام ولكن المواجهة والصراع بجانب المعرفة ستجعلنا قادرين للوصول للحقيقة والتعامل معها بشكل أفضل.

قصة مصوٌرة للنظرية:

للاستزادة:

شرح للنظرية من مدونة كلام فلسفة

غناء البلوز.. خطوة نحو الحرية

BBKing_36x48_120002

البلوز هو نوع من أنواع الموسيقى والغناء نشأ في ولاية المسيسيبي على يد السود الأفارقة حين كانوا تحت حكم الأمريكان ذات البشرة البيضاء، حيث كانوا يرددون الأغاني بطريقة صيحات يبدؤها واحد ويردد خلفه الباقيين. تتبع صيحاتهم أصوات الفأس لتعطي نغماً موسيقياً متناسقاً. كان هذا الغناء في بدايته تعبيراً عن الغضب وطمعاً في الحرية، وكان أحد سبل الخلاص. أما عن الكلمة، فكثيرا ما نسمع تعبير “بلو” على المزاج الحزين، وكذلك هي أغاني البلوز تحمل طابع الحزن والألم بقدر المعاناة التي عاناها الزنوج في تلك المرحلة. ولعل هذا التعبير له علاقة مباشرة بأغاني البلوز فقد قيل أن البلوز يعني “ممسوس بعفاريت زرق” أي الشخص الواقع تحت تأثير العفاريت التي تسبب الحزن والألم. وربما لا علاقة للون الأزرق بالتعبير (بلو) المعروف بالإنجليزية عن المزاج الحزين، لكن نستطيع القول أن “بلو” مصطلح أدخله الأفارقة للغة الإنجليزية تزامنا مع غناء البلوز حيث كلاهما يعبران عن الحزن. تقول رشا عبدالمنعم :

ولا يعرف على وجه اليقين من الذي قام بإدخال هذا المصطلح “البلوز” إلى قاموس اللغة الإنجليزية، ولكننا نعلم أن أصول المصطلح ترجع مباشرة إلى الأمريكان الأفارقة الأوائل الذين نظموا كلمات هذه النوعية من الأغاني، وكذلك رجال الدين السود الذين ترنموا بهذه الأناشيد التي غلب عليها طابع الحزن. موسيقى الأحزان ويجمع بين أصول هذا النوع من الغناء أنها كلها كانت من أهم صور التعبير عما يجيش بصدور هؤلاء الفئة المضطهدة ولاسيما في الأعوام الأولى التي عاش فيها السود في أميركا بعد هجرتهم القسرية إليها، ومن ثم تأثر الموسيقيون والمغنون السود بقصائد الشعر الغنائية الاسكتلندية، والترانيم الكنسية لأصحاب مذهب الميثوديست والمعمدان.

تطور هذا الفن بعد تحرر السود ولكن لم ينتهي الألم بعد قصدهم الحرية ونيلها، بل ظلوا يعانون من الفقر والجهل الشديدين، لكن غناءهم أخذ منحنى جيد بعد دخول آلتي الهرمونيكا والجيتار ومن ثم لاحقاً البيانو.. حتى أصبح من أشهر أنواع الغناء الأمريكية.

وللبلوز طريقته وأسلوبه الفريد، فقد ذكرت رشا عبد المنعم :

تُؤدى موسيقى البلوز التقليدية في شكل 12 فاصلة موسيقية، تنقسم إلى ثلاثة مقاطع ويتكون كل مقطع من أربعة فواصل موسيقية. وتتألف معظم كلمات أغاني البلوز من العديد من المقاطع الشعرية كل منها مكون من ثلاثة أسطر. ويكون السطر الثاني من كل مقطع تكراراً للسطر الأول، ويعبّر السطر الثالث عن جواب للسطرين الأولين. وتعكس معظم الكلمات الشعرية لموسيقى البلوز الوحدة والحزن، ويعكس البعض الآخر ردود الفعل الساخرة والتحدي لمشاكل الحياة. وتعتمد موسيقى البلوز على الصوت والموسيقى (آلة الغيتار تحديداً) وعلى ما يسمى بالـ blue nots وهي النوتات المنخفضة والتي هي أساس موسيقى البلوز والجاز وهو الاسم الذي أخذته واحدة من أهم وأشهر شركات الإنتاج Blue Note والتي تخصصت في إنتاج البلوز والجاز ولها فضل كبير في نشر هذه الموسيقى في أنحاء العالم ودعم معظم الموسيقيين الذين أصبحوا أعلاماً في تاريخ الموسيقى.

ومن أشهر موسيقي البلوز هي قطع كريستوفر هاندي الموسيقية التي نشأت عام 1912، وأحد هذه القطع هي “ممفيس بلوز” وأول تسجيل لها كان عبارة عن ٣ دقائق فقط.

ولعل الأكثر شهرة في هذا الغناء اليوم هو بي بي كنغ (المولود في 1925) حيث حازت ألبوماته على توزيعات هائلة وشهرة كبيرة. (للاستماع)

للاستزادة : تقرير من بي بي سي الانجليزية عن مقطوعة كريستوفر هاندي “ممفس بلوز” / «البلوز» .. موسيقى حصاد الزنوج زمن العبودية وصيحات الانعتاق” بقلم رشا عبد المنعم في صحيفة البيان