أرشيف الوسم: سارتر

ملخص عام ٢٠٢٠ .. أبرز خمسة مقالات منشورة في ساقية؛ للشعر وللفلسفة وللتأمل

في كل عام، نقوم بنشر العديد من المقالات المختلفة سواءً المترجمة أو المقتبسة من شتى مصادر المعرفة، والتي تنال الكثير من تفاعل القراء في مختلف العالم العربي، والتي نستمتع بكتابتها كفريق في رحلاتنا الشخصية للبحث عن الحكمة والمعرفة.

نتفق جميعًا أن هذا العام كان مختلفًا عن جميع الأعوام السبع الماضيات، كان من المثير جدًا البحث عن مختلف المقالات المعرفية والأدبية، وسط كل تلك الأفكار والصفحات والكتب، في مواجهة تحديات الحياة حتى النهاية، وفي كل الخواطر التي نقلبها حين صفاء، والتأمل في السنوات الماضيات، وفي استغلال أوقاتنا بالشكل الذي نأمله من ذواتنا. أو كما يقول (سارتر):

إذا شعرت بالوحدة وأنت وحدك، فأنت في صحبة سيئة.

نتمنى لكم سنة سعيدة، في عامنا الثامن معكم في رحلتنا في أنهار المعرفة لانتقاء جواهر الأدب وعيون الحكمة والمزيد من الإلهام


١. مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

تقدّم الأستاذة (دلال الرمضان) ترجمتها عن اللغة الإنجليزية لمقالة الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عمّا يفعله بنا الشعر، وما الذي يتشاركه مع العلوم التطبيقية، ولماذا يقاومه البعض. من كتاب (حياة الشعر) للشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر).


٢. يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. لوك فيري في مقالة بعنوان: غسق العبقري

في ترجمة حصرية أخرى عن اللغة الفرنسية، يقدم الأستاذ (ماهر الفضلي) ترجمة لمقالة الفيلسوف الفرنسي المعاصر (لوك فيري) في مجلة (LE Point)، والتي حملت عنوان “غسق العبقري”.


٣. سيكون بولص .. وحديثه عن التحولات الثلاث للوعي البشري، ودورها في تشكيل رحلة الفنان المعاصر

كما نشرنا سابقًا عن التحولات الثلاث للوعي البشري كما يصفها الفيلسوف الألماني (فريدريش نيتشه)، يعود الشاعر العراقي الآشوري (سركون بولص) للكتابة عن انعكاس هذه التحولات الثلاث على مسيرة الفنان أو الشاعر. في مقالة من كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة).


٤. الحياة عقد إيجار .. من المدرسة الهيلينية؛ ورسالة (سينيكا) إلى الفيلسوف الراقي (بولينيوس)

من الفلسفة اليونانية القديمة، يكتب (خالد آل تركي) مقالته “الحياة عقد إيجار”، أو كما عيقول (سينيكا): “حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح”.


٥. عن (نيوتن)، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

في مقالة مترجمة أخرى من الأستاذة (دلال الرمضان) عن الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عن دور الحجر الصحي في عام ١٦٦٤م إثر انتشار الطاعون في أجزاء المملكة المتحدة، على نظريات (نيوتن) الفيزيائية واكتشافها، وكما يكشفها الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) في كتابه.

نحن وحدنا نقرر حريتنا كما يقول سارتر

جان بول سارتر هو فيلسوف و وروائى و كاتب مسرحي و ناشط سياسي فرنسي، اشتهر بغزارة إنتاجه الأدبي وفلسفته المسماة بالوجودية. مفهموم الحقيقة لدى (سارتر) هو خلق الذاتية التى لا ترتهن – فى نهاية المطاف – إلا بحرية كل فرد، و تتحول بعد ذلك فى الفعل الجماعي والسياسي والاجتماعي و من أشهر أقواله: “نحن نقرر وحدنا دون أعذار” ..

فى كتاب (أساطين الفكر) لكاتبه (روجيه بول دروا) يستعرض أبرز فلاسفة القرن العشرين بالخطوط العريضة لكل فيلسوف و ما أثر إنتاجه فى تشكيل الفكر البشري. و عند الحديث عند (سارتر) يستعرض الكاتب مفهوم الحرية عند (سارتر) فيقول:

الحرية: هي حقيقة واجبنا المستمر فى أن نكون أنفسنا، و نعطى معنى للمواقف التى نعيشها، ونبني تجاه أفعالنا. فنحن لا نمتلك أبداً حرية مسبقة يمكن أن نطالب بها.

لاشئ يفرض نفسه على حريتي، و ليس القانون ملزماً إلا إذا اخترت الخضوع له. فإذا خضعت لقانون إلهي -كلام مُوحي- فهذا أيضاً لأننى أقرر أن أعد القانون إلهياً و الكلام مُوحى. فحريتي منبع الدلالات والتأويلات.

و فى نظر (سارتر) نحن وحدنا من نقرر مدى نطاق حريتنا، نحن من نقبلها أو نرفضها من بابها بأفعالنا.

يُصر (سارتر) فى كتابه (الوجود و العدم) -كما فى جزء من مسرحياته- على فكرة أننا نفعل كل شيء للهروب من حريتنا. فنح نتحول إلى شيء يقول: “هذا لي خطئي“، “ها أنا ذا كما أنا” ولا يقول “هذا ما قررت أن أكون” .هذه النية السيئة هي أحد المبادئ التكتيكية التى يتبناها كل فرد كي يتوقف عن تحمل حريته. نحن نمثل أدواراً كى نحسب أنفسنا إنساناً آخر، و نحكى لأنفسنا قصصاً عن طبيعتنا، وقدرنا، و عن حقيقة “أننا لا نستطيع أن نتصرف بصورة أخرى“. وحين نقول “هذا أقوى مني” أو “أنا هكذا، ليس بوسعى أن أفعل شيئاً“، فنحن -فى نظر (سارتر)- فى موقف الحقير ذاك الذي ينر مسؤوليته، و يعد نفسه ملتصقاً بطبيعة، أو بقدر لا يستطيع التخلص منه.

لا تكمن الصعوبة فى التخلص من سوء النية تلك -أو فى الوعي الذى ينكر حريته- بل فى نظرة الآخرين. فهم يفسرون أحياناً – بصورة خاطئة تماماً- أفعالى و قراراتي. مأساة الوجود البشري أن نظرة الآخرين تكشفنا أمام أنفسنا و تشوهنا. تخون حريتنا، و تغيرها، و تنفيها.

هذه المأساة حتمية طبعاً، لأن الوجود البشري وجود جماعي بالضرورة: فالعيش هو دوماً عيش مشترك.

المسؤولية في المذهب الوجودي بشروحات سارتر

سارتر

جان بول سارتر (1905-1980) هو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وناقد أدبي فرنسي. عُرف (سارتر) بأعماله الغزيرة، وبفلسفته الوجودية، وبالتحاقه بالحزب اليساري المتطرف. في محاضرة له قدمها في باريس عام 1945، نُشرت بعد التنقيح في كتاب حمل اسم (الوجودية منزع إنساني)، تكلم (سارتر) بإيجاز عن الملامح الأساسية للمذهب الفلسفي الوجودي الذي يتبناه.

في البداية بدأ (سارتر) بتقسيم الوجوديين إلى مدرستين رئيسيتين:

أولهما الوجوديون المسيحيون، وأذكر منهم (ياسبرس) و(غابرييل مارسيل)، ذوي العقيدة الكاثوليكية. وهناك من ناحية أخرى، الوجوديون الملحدون، وندرج ضمنهم (هايدغر) والوجوديين الفونسيين أيضًا وأنا نفسي.

أما عن الرابط بين هاتين المدرستين فيعبر عنه قائلًا:

وما يشتركون فيه هو ببساطة أنهم يعتبرون الوجود سابقًا على الماهية، وإن شئتم، أنه ينبغي الانطلاق من الذاتية.

فالماهية هي مجموعة الصفات والوصفات التي تعرِّف وتسمح بالصنع.

لدينا هاهنا إذًا رؤية تقنية للعالم نقول ضمنها أن الصنع يسبق الوجود. […] وهكذا فإن مفهوم الإنسان، عند الله مماثل تمامًا لمفهوم قاطعة الورق في ذهن صانعها ؛ فالله يخلق الإنسان تبعًا لتقنيات وتصوّر، تمامًا مثلما يصنع الحرفي قاطعة الورق طبقًا لتعريف ما وتقنية ما. فالإنسان الفرد إذًا يحقق مفهومًا معينًا موجودًا عند الإله قبل عملية الخلق.

أما عن المدرسة الأخرى فيقول:

إن الوجودية الملحدة التي أمثلها، تبدو أكثر تماسكًا. فهي تعلن أنه إذا لم يكن الله موجودًا، فيوجد على الأقل كائن يكون الوجود لديه سابقًا للماهية، كائن يوجد قبل أن يكون قابلًا للتعريف وفق أي مفهوم، وأن هذا الكائن هو الإنسان أو الواقع الإنساني كما يقول (هايدغر). ماذا يعني هنا أن الوجود سابق للماهية؟ هذا يعني أن الإنسان يوجد أولًا، يلتقي بالعالم وينبثق فيه، ثم يعرّف بعد ذلك. وإذا لم يكن الإنسان على نحو ما يتمثله الوجودي قابلًا للتعريف، فذلك لأنه لا يمثل شيئًا في المنطلق ولا يكون كذلك إلا لاحقًا، ولا يكون إلا على النحو الذي سينشئه نفسه.

وبذلك يكون التصور الوجودي هو أول مبادئ الفلسفة الوجودية:

لا يكون الإنسان على نحو ما يتصوّره عن نفسه، كما يريد، لن يكون الإنسان شيئًا آخر سوى ما ما يصنعه بنفسه بعد هذه الوثبة نحو الوجود. ذلك هو أول مبدأ للوجودية.

وبهذا، فالوجودية تضع المسؤولية كاملة للإنسان. يقول:

فإن أول مسعى للوجودية يتمثل في جعل كل إنسان متملكًا لوجوده، وتحميله المسؤولية الكاملة عن وجوده. وعندما نقول بأن الإنسان مسؤول عن ذاته، فإننا لا نريد أن نقول بأن الإنسان مسؤول عن نفسه كفرد، وإنما عن كل الناس.

فالإنسان هو الذي يختار كل أفعاله وأقواله، وعن كل ما يصيب البشر أيضًا، بذلك يتحول إلى نقطة أخرى، وهي القلق. فنتيجة المسؤولية الضخمة التي يكون الإنسان فيها، يكون القلق نتيجة إلزامية. يقول (سارتر):

إن الإنسان الذي يلتزم وينتبه إلى أنه ليس من يختار ما يكون عليه فقط، وإنما يكون مشرّعًا يختار نفسه في الوقت الذي يختار فيه الإنسانية برمّتها، لن يكون قادرًا عندها على الإفلات من الشعور بمسؤولية تامة وعميقة.

لأنه الإنسان الذي يشعر بمسؤوليته لن يرضى بالخطيئة. فعندما يقوم المخطئ عمدًا باختيار فعلٍ عن سوء نية لا يستشعر أنه بفعلته هذه يضفي إلى الخطيئة المعنية قيمةً كونية. ولكن أليس هذا القلق الكبير مثبطًا ضد الفعل؟ ألن يشعر الجميع بمسؤولية كبيرة تمنعهم من القيام بواجباتهم اليومية؟ يقول مجيبًا:

ولا يتعلق القلق هنا بقلق يقود الدعة والجمود، وإنما هو قلق بسيط يعرفه كل من اضطلع بمسؤوليات.

من أين تأتي العدميّة؟ نانسي هيوستن تجيب

Subjet: HUSTON Nancy - Credit: John FOLEY/Opale - Date: 20060524 - Ref: HUSTONn_OpalJF_23142_04 - Agence Opale - 8, rue Charlot - 75003 Paris - France - Tel:+331.40.29.93.33 - Fax: +331.42.74.20.25 - contact@agence-opale.com - www.agence-opale.com

في كتابها (أساتذة اليأس) كتبت (نانسي هيوستن)، الكاتبة الفرنسية الكندية، عن النزعة العدميّة في الأدب الأوروبي. تقول (هيوستن) في ذلك:

تطوّر الفكر الأوروبي منذ قرنين من الزمان في اتجاهين متضادّين ظاهرياً:

  • الطوباية l’utopism
  • و العدميّة le nihlisme ؛ الموقف الثوري و الموقف الكلبيّ cynique

تيّار “الخيار هو” و تيّار “ما من خيار“.
و يرى الطوباويّون أنه إذا قيّض للمرء أن يكون مثقفاً فإن عليه أن يضع ذكاءه في خدمة الثورة من أجل عالم أفضل. أما العدميّون فيرون أنه نظراً لأن كل أفعال الإنسان عبثية و أن كلّ الآمال محكومة بالفشل فقد يكون من الأجدر الانتحار على الفور، و إلا فالحل هو اللجوء إلى الكتابة. الجماعة الأولى تتشبّث ببناء المستقبل المشرق، فيما تُصر الجماعة الثانية على أن تقذف بنا مباشرة إلى الظلمات. أولئك يقولون: لابد من تكسير البيض كي نصنع العجّة و هؤلاء يُؤكدون ألا شيء يستحق العناء، لا البيض و لا العجّة، إذ لا أحد يشعر بالجوع أصلاً. نحن، هنا أمام بنية واحدة و الحقيقة أن ثمّة تواطؤاً وتكاملاً بين الموقفين، و سواءً تأسّسا على ” الكلّ” أم على ” اللاشيء“، فإن السبب المهمّ و الأكبر في نجاحها لدى الجمهور هو طبيعتهما “المطلقة”

إن المعاني المتخلفة لكلمة ” العدميّة ” ذاتها توضّح الصلة بين هذين الضدّين، ففي روسيا القرن التاسع عشر لم تكن الكلمة تشير إلى اليائسين الذين ماعادوا يكترثون لشيء، بل إلى الراديكاليّين الذين كانت عقيدتهم تتمثّل في سؤال (تشيرنيشفسكي): “مالعمل؟”
و كان خصمهم العنيد هو (فيدور دوستويفسكي). كان صاحب “يوميات في منزل الأموات” ثورياً في شبابه و لم يكن بوسعه كما يقول كاتب سيرته (جوزيف فرانك)، إلا أن يرتجف و هو يرى “الشباب المثاليّين، أصحاب القلوب البريئة، يسلكون الطريق الخطير الذي كان قد قاده إلى سيبيريا. لم يكن ليستطيع أن يشاهد، بلا ردّة فعل، تسابق كلّ أولئك الشباب نحو الكارثة و هم يرقصون بكلّ مافيهم من حماس و إخلاص على أنغام ناي العدميّة الساحر“.

و لهذا تُفضّل هيوستن – في معظم الأحيان – استبدال كلمة “عدميّ” بالكلمات:

سلبيّ negativiste، تدميري neantiste ، melanomane ، لوصف مذهب أساتذة اليأس الحديثين.

هيوستن لا ترى أن الأدب ينبغي له أن يكون مرِحاً، بهيجاً، و مفعماً بالأمل بالطّبع و في ذلك تقول:

إنّ الفن في حدّ ذاته، و ربما الأدب بوجه خاص، رفضُ للعالم القائم، و تعبيرُ عن النقصان و عن قلق الوجود. إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم و يعشقون الحياة عموماً و يرضون عن حياتهم خصوصاً لا يحتاجون أبداً لاختراع عالم وازٍ عن طريق الكلمات. كما يُمكن وصف الكثير من الروايات المعاصِرة – و من بينها روايات، كثيراً ماقيل لي ذلك – بأنها قاتمة و متشائمة و سوداء أو مثبّطة للعزيمة، دون أن تكون قد ارتكزَت على مسلّمات العدميّة.

و هذه المسلّمات هي باختصار:

1. النخبويّة و الأنانَة solipsisme.

2. الاشمئزاز من الأنثويّ الذي يمثل الوجود الجسدي و الحسيّ.

3. احتقار الحياة الأرضية.

و من ثمّ جاء عصر الأنوار les Lumieres وانقلبت البنى السياسية و الدينيّة التي كانت قد طمأنت، في المجتمعات التقليدية، كل فرد على موقعه في هذا العالم … و لكن لسوء الحظ، ساءت الأمور عوض أن تتحسّن، وانهار ذلك الأمل بدوره مع فضل ثورة 1848. عندها، شهدنا مع فلوبير و بودلير ( كلاهما ولد في العام 1821 و بلغ سنّ النضج مع منتصف القرن )، ولادة العدميّة الحديثة. و لعل قصيدة بودلير ” الهاوية” تلخّص أروع تلخيص الأطروحات الأساسية لتلك الفلسفة و مطْلعها:

كان لباسكال هاويته التي تتنقّل معه.
– ياللأسف! كل شيء هاوية، الفعل والرغبة و الحلم
و الكلمات! و على شعر جسدي الذي يقف تماماً
أحسّ ريح الخوف تسري مرَات و مرَات
……

ثم سارت الأمور جميعها على نحو بدا فيه أن الحاجة إلى الاستقلالية السياسية التي كانت تبشر بها الحداثة قد انعكست على بنية الإنسان النفسية و الاجتماعية.

أقام الفلاسفة الأوروبيون كمثال للكائن البشري إنساناً مستوحداً، عقلانياً و مكتفياً بذاته autosuffisant.
و بدءًا من العام 1880 و مع النجاح المذهل لفلسفة (آرثر شوبنهاور)، استقرّت العدمية في الموقع الذي لم تغادره منذ ذلك الحين: موقع أقوى مدرسة فكريّة في أوروبا الغربيّة.
و في القرن العشرين، تسارع ” زوال سحر العالم” فلقد كشفت العلوم الحديثة – نظرية التطور، وعلم الجينات، وعلم الاجتماع و التحليل النفسي عن الدور الذي تلعبه قوىً لا سيطرة لنا عليها في التكوين النفسي لذواتنا الفردية العزيزة…

أمّا عن الحداثة فقالت:

لقد قلبت الحداثة المعطيات التي دامت لآلاف السنين. فوُلد المواطن و ماصحب ذلك من حقوق، و توسّع مفهوم الفرد تدريجياً و لكن على نحو حتميّ إلى أن شمل النسا و لعبيد و المستعمرين السابقين، وجاءت الثورة الصناعية، و المدرسة المجانيّة و الإلزاميّة و تطوّرت العلوم وتحسّنت أدوات البناء و طبعاً ( أدوات التدمير في الوقت نفسه ) …

و علاوةً على نزعة التحديث و تحرّر النساء، هنالك عامل ثالث حسَم ظهور التيار العدميّ في أوروبا الفرن العشرين، ألا وهو صدمة الحرب العالميّة الثانية.

لقد أدت المجازر؛ ذلك الإنتاج الصناعي للموت، بالضرورة إلى فكرة أن الحياة عبثية فمن المستحيل تأمل تلال من الجثث و مواصلة الشعور بالحماية من خلال فكرة وجود إله أو الإيمان بمصير فردي، أو معنى متعالٍ transcendante.
كان قد سبق لمذبحة الحرب العالمية الأولى المجنونة أن قادت في مجال الأدب إلى عدمية الدادائيين الساخطة، و إلى شتائم كاتب مثل سيلين و لكنها كانت حرباً؛ على الأقل إذ كان الأمر يتعلّق بمعارك، و إن كانت واسعة النطاق و طاحنة على نحو مأساوي مطلق.
أما في الحرب العالمية الثانية، فمع وصول الأنظمة التوتاليتارية و ماقامت به من مذابح لا سابق لها في التاريخ، و مع التدمير الجنوني لأرواح البشر، بالملايين لا بالآلاف و مع غرف الغاز و القنبلة الذرية و كوليما و أوشيفتز و هيروشيما و ناغازاكي، كفّ معظم الكتاب الأوروبيين عن الاعتقاد أن الأدي يمكن أن يساعد على فهم العالم و العيش فيه، و باتوا متشكّكين إزاء كل شيء، بدءاً من اللغة والسرد.
لقد أضرمت النازيّة ناراً في قلب أوروبا نفسها. وكانت نتيجة الثقافة الرفيعة – الكتب الجميلة، والإفكار الجميلة، والفنون الجميلة و المبادئ الرائعة- التي صيغت بكل أناة، عبر قرون طويلة، ذلك الرّعب.
وبدَت العدميّة التي كان من الممكن أن تبقى مجرّد موضة أدبيّة وفلسفيّة، للكثيرين، فجأة و كأنها حقيقة الشّرط الإنساني.

بوفوار والعيش في عالم الرجال

دي بوفوار

سيمون دي بوفوار (1908-1986) أديبة فرنسية، مثقفة ساهمت بدورها الريادي في حركة تحرير المرأة. عاشت (دي بوفوار) هاجساً استحكم جل نشاطها الفكري، وهو هاجس حرية المرأة ومن خلال ذلك حرية الكائن الإنساني عموماً. يعد كتابها (الجنس الآخر) -نشر في عام ١٩٤٩- من أهم مؤلفاتها والذي كان -ومازال- المرجع والمُعبّر عمّا كتب عن المسألة النسوية لاسيما أنه من من المحاولات المبكرة لمواجهة التاريخ البشري من وجهة نظر نسوية حاولت فيه فهم الإشكالية المطروحة في كيفية اعتبار المرأة هي “الآخر” من خلال دراسة الأوضاع التاريخية والاجتماعية والنفسية والخضوع الثقافي للمرأة.

تبني (بوفوار) أطروحتها الرئيسية على أن اضطهاد الرجل للمرأة يعتمد بشكل جوهري على رؤيته للمرأة “كالآخر” فلايمكن تعريفها إلا من خلال كونها النقيض له. يحتل الرجل دائماً دور الأنا والفاعل والأصل والمطلق، بينما المرأة هي ليست سوى الآخر والمغيّب والناقص. ولذا تحاول المؤلفة في “الجنس الآخر”أن تجيب عن تساؤلها الرئيسي “كيف تمكن أحد الجنسين فقط من فرض نفسه كجوهر وحيد منكراً وجود كل نسبية تربطه بالجنس الآخر، معرفاً إياه بأنه الآخر الصرف .ومن أين اتى للمرأة هذا الرضوخ ؟!” (١٠)

أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبرراً لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولايمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناءً على تلك المعطيات ولكن يحدث ذلك لأنهم يخضعون للعرف ولذا لا يتوّلد لدى الشخص الشعور بذاته بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمُعتقدات والعادات، )تقول (بوفوار:

لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من الزاوية الإنسانية. ولا يعرف الإنسان إلا بأنه كائن غير مُعْطَى وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه. وكما قال (ميرلو بونتي) : ليس الإنسان نوعًا طبيعيًا بل هو فكرة تاريخية، والمرأة ليست واقعًا لازماً بل هي صيرورة، لذلك ينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها: إن ما يعيب كثير من المناظرات، أنها تريد أن تقصر المرأة على ما كانت عليه أو ما هي عليه الآن…
ليس المجتمع نوعًا من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود، ويجاوز نفسه نحو العالم والمستقبل، وأخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا، والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري، ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ولا يستكمل نفسه، بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد إن الفزيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل العكس، إن المعطيات الفزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإن أفضلية الرجل العضلية مثلا تفقد سلطتها.
هكذا ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية والاجتماعية، والنفسية، إن خضوع المرأة لواجب النوع، وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم، إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها، إذ ليس له واقع وجودي إلا عن طريق الشعور، ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.
ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة الجنس الآخر؟ علينا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.”(٢٠)

تتحدث (بوفوار) لاحقاً عن الرجل الذي فرض وجوده كجوهر وحيد وكيف كانت المرأة نتيجة لذلك مغيبة وتائهة ومحدودة الأفق لا لقصورٍ فيها ولكن لأنها لم تُعط فرص مساوية لتلك التي تُعطى للرجل لاكتشاف العالم من حوله. ولذا فمن البديهي أن تكون المرأة حالمة ذات وخيال جامح وعلى اتصال بواقع سحري كوسيلة للهروب من واقع لايستجيب لأي من أفكارها ورغباتها بينما يعيش الرجل في عالم متماسك في واقع يخضع للتفكير  :

إن المرأة تقر بأن العالم في مجموعِه عالم ذكور، فالرجال هم الذين صاغوه وأداروه وهم الذين يحكمونه اليوم. وهي تتلقف نفسها ككيان سلبي أمام هذه الآلة التي لها وجوه البشر والتي تحدد الغايات والقيم، أما نصيب المرأة فتقديم الخضوع والطاعة وإبداء الاحترام…. إنها لاتجهل ماهو العمل الحقيقي القادر على تبديل سطح العالم فحسب بل إنها ضائعة وسط هذا العالم كما لو كانت في قلب السديم.
ولما كانت لاتعمل شيئاً في مملكة الرجال فإن تفكيرها لايتميز عن الحلم ولا تملك الحس بالحقيقة. على كل حال، ليس من شأنها التبصر بالأشياء فقد علموها أن ترضخ لإرادة الذكور. فماعليها إذن إلا أن تزهد في النقد والتفحص وإبداء الأحكام تاركة كل هذه الأمور للطبقة العالية. لذلك يبدو لها عالم الذكور كواقع متسام، كشيء مطلق.
لا تؤمن المرأة بتحريرها لأنها، على الأخص، لم تشعر قط بإمكانيات الحرية. ويبدو لها أن العالم يديره قدر غامض لايمكن مجابهته. ولكن إذا مافتحنا أمامها أبواب المستقبل فلن تتشبث بالماضي…. إننا نحبس المرأة في المطبخ أو في المخدع وبعد ذلك ندهش إذ نرى أفقاً محدوداً، ونقص جناحيها ثم نشكو من أنها لاتعرف التحليق.” (٢١٦-٢١٧)

ولذا طالبت (دي بوفوار) بتحريك أزمة القيم الأنثوية التي تعتبر ممارسات قائمة عملياً ولكنها غائبة على الصعيد النظري حيث أن المرأة هي أيضاً تعرّف القيم التي يقوم الذكر بتحقيقها بصورة فعلية، والحقيقة أن النساء لم يجابهن قيم الرجال بقيم أنثوية كوسيلة لمقاومة الوضع الراهن.

الخداع النفسي والإيمان عند جان بول سارتر

سارتر

جان-بول سارتر (1905 – 1980) هو فيلسوف، روائي، كاتب مسرحي، كاتب سيناريو، ناقد أدبي، وناشط سياسي فرنسي. بدأ حياته العملية استاذاً. درس الفلسفة في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. حين إحتلت ألمانيا النازية فرنسا، إنخرط سارتر في صفوف المقاومة الفرنسية السرية. عرف سارتر واشتهر لكونه كاتب غزير الإنتاج ولأعماله الأدبية وفلسفته المسماة بالوجودية ويأتي في المقام الثاني إلتحاقه السياسى باليسار المتطرف. في كتابه الشهير، (الكينونة والعدم)، تحدث (سارتر) عن  الخداع النفسي، وعن علاقته بالإيمان، يقول:

المشكلة الحقيقية للخداع النفسي تنتج بوضوح من كون الخداع النفسي إيمانًا، فلا يمكنه أن يكون كذبًا وقحًا، ولا بديهة إذا كانت البديهة امتلاكًا حدسيًا للموضوع . وإذا أطلقنا تسمية اعتقاد على تبنّي الكائن الإنساني لموضوعه عندما يكون هذا الموضوع غير معطى أو معطى بطريقة غامضة، تصبح المشكلة الأساسية للخداع نفسي هي مشكلة اعتقاد.

كيف يمكن للمرء أن يكون المخادع نفسَه بالمفاهيم التي صاغها عن قصد لإقناع نفسه ؟ تجدر الإشارة بالفعل إلى أنه لابد من أن يكون مشروع الخداع النفسي هو ذاته المخادع نفسه ، فأنا لست مخادع نفسه عند نهاية جهودي فحسب ، بل عندما قمت بصياغة مفاهيمي المزدوجة المعنى وأقنعت نفسي . إنني في الحقيقة لم أقنع نفسي : بما إنني أستطيع أن أقتنع بذلك فهذا يعني إنني كنت دائما كذلك . وفي ذات اللحظة التي كنت أعد نفسي فيها كي أكون المخادع نفسه، كان لابد لي من أن أكون المخادع نفسه تجاه هذه الاستعدادات بالذات . ولكانت وقاحة مني لو أني تصورتها تعبيرًا عن خداع نفسي ، ولكان إيمانًا صادقًا مني لو اعتبرتها بريئة بكل صدق .

إن القرار بأن أكون المخادع نفسه، لا يتجرأ على كشف اسمه، إنه يعتقد ولا يعتقد بأنه خداع نفسي . حين يبدأ الخداع النفسي بالظهور ، فإن هذا القرار هو الذي يحدد الموقف المقبل بشكل من الأشكال ، الإيمان في الخداع النفسي ، لأن هذا الأخير لا يحتفظ بقواعد الحقيقة ومقاييسها التي يعتمدها الفكر النقدي في الإيمان الصادق . إن ما يقرره الخداع النفسي قبل كل شيء ، إنما هو بالفعل طبيعة الحقيقة ؛ فمعه تظهر حقيقة، ومنهج في التفكير، ونموذج وجود الموضوعات . وإن عالم الخداع النفسي هذا الذي يحيط به الشخص نفسه فجأة، له خاصية أنطولوجية، وهي أن الكائن لا يكون فيه ماهو عليه، ويكون فيه غير ما هو عليه. وبالنتيجة فإن نموذجًا فريدًا للبديهة يظهر: إنها البديهة غير المقنعة . يدرك الخداع النفسي أمورًا واضحة ، لكنه يكون خاضعًا مسبقًا لعدم استيعابها ، ولعدم الاقتناع بعا ، بحيث يتحول إلى إيمان صادق : إنه يجعل نفسه وضيعًا ومتواضعًا ، ولا يجهل كما يقول أن الإيمان هو قرار ، وأنه ينبغي أن يقرر ماهو موجود ، بعد كل إدراك حدسي ، منذ انبثاق الخداع النفسي في مشروعه الأساسي ، يقرر الطبيعة الحقيقية لمتطلباته ، ويتجسد كليًا في ما يتخذه من قرار بعدم التطلب المفرط ، وباعتبار نفسه راضيًا عندما لا يكون مقتنعًا بشكل كافٍ ، وبإجبار نفسه إراديًا على الالتزام بحقائق غير أكيدة .

هذا المشروع الأساسي للخداع النفسي هو قرار المخادع نفسه يتعلق بطبيعة الإيمان . لنفهم جيدًا أن المقصود ليس قرارًا إراديًا قائمًا على التفكير ، بل تصميمًا تلقائيًا صادرًا عن كينونتنا . يصبح المرء المخادع نفسه كما لو أنه يغفو ويكون المهادع نفسه كما لو أن يحلم . حين تتحقق هذه الطريقة في الوجود ، يصبح الخروج منها صعبًا بمقدار الصعوبة في أن يوقظ المرء نفسه . ذلك أن الخداع النفسي هو كاليقظة والحلم .

د. علاء جواد حول سارتر والفردية

علاء جواد كاظم
د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) أورد فصلًا بعنوان (سارتر ؛ الفرد مقدمة لكل أنثروبولوجية مقبلة)، حاول فيه توضيح أفكار (جان بول سارتر) (1905-1980) حول الفرد والفردية، وعلاقتها بالفكر الوجودي الذي أسسه الأخير. يستفتتح (د. علاء جواد) حديثه باقتباس من كتاب (ما الأدب):
الأبطال هم أفراد، بل حريات وقعت في المصيدة، مثلنا جميعًا. فما هي المخارج؟ إن كل شخصية لن تكون شيئًا إلا في اختيار مخرج ولن تساوي أكثر من المخرج الذي وقع عليه الاختيار .. أي أن كل موقف هو مصيدة تحيط بها جدران: لقد أسأت التعبير فلا توجد مخارج نختارها. إن المخرج يجب أن يُكتشف. إن كل إنسان يكتشف نفسه عندما يجد مخرجًا وعلى الإنسان أن يكتشف نفسه كل يوم”.
ثم يبتدئ كلامه حول علاقة الفرد والفردية بفلسفة (سارتر)، فيقول:
لقد أوجز (جان بول سارتر) في مؤلفه الكبير (الوجود والعدم) الكثير من آرائه وفلسفته، وأعلن من خلالها أن الفلسفة الوجودية تقوم أساسًا على نظرة إلى الإنسان الفرد وترى أن وجوده هو أهم صفاته، وأنه غاية بذاته، ولا أهداف ماورائية لوجوده، بل هو الذي يحدد أهدافه بنفسه.
ثم يكمل شروحاته بعد ذلك قائلًا:
رغم غرابة عبارات (سارتر) إلا أننا نجد اهتمامًا بالفرد يصل حد أنه يشكل مركزًا خصبًا في فلسفته، وهو عندما يفسر التأريخ على منظومة الصراعات داخل شخص ما أو جماعة ما، هذه الصراعات التي تشكل المحرك الأول الذي يصنع التاريخ، ومن خلال مقولة -العقل- بوصفه علاقة بين الفكر وموضوعه يقول (سارتر): “لم يذهب أحد قط ولا التجريبيون أنفسهم إلى القول بأن العقل هو ترتيب أو تنسيق لأفكارنا أنه من الضروري أن يعاد إنتاج هذا الترتيب باستمرار وهكذا فإن العقل هو علاقة بين المعرفة والوجود”.
إذًا ليس ثمة جدال في أن الأساس العيني الوحيد للجدل التأريخي هو البنية الجدلية للفعل الفردي، وما أن نجرد -ولو للحظة- الفعل الفردي من الوسط الاجتماعي الذي ينغمس فيه حتى تنكشف فيه تطورًا كاملًا للمعقولية الجدلية بوصفها منطق تشميل .. “إننا عندما نتحدث عن الفرد الذي يصنع التاريخ، بالتالي نتحدث عن كثرة هائلة من الأفعال الفردية، ومن ثم فنحن أمام كثرة من الفاعلين الجدليين أعني من الأفراد الذين ينتجون البراكسيس”.
وعن رؤية (جان بول سارتر) للمجتمع، وتفضيله بين الفرد والمجتمع فيقول:
أما المجتمع أو التجمع عند (سارتر) فهو: الشكل الاجتماعي الذي يكون فيه مجموعة من الأفراد المتعددين الذين لا يرتبطون فيما بينهم إلا بعلاقة التخارج. أو أنها تجد وحدتها في هذا التخارج، فالأفراد في هذا الشكل الاجتماعي هم [ذرات] منفصلة كل منهم يعيش عالمه الخاص، والناس في عملية التذري هذه “أي حين يصبحون ذرات، فإنهم يصبحون أشبه بالأدوات التي ترقد جنبًا إلى جنب في صندوق واحد، يمكن أن تستخدم كلها في تغيير العالم”.
ويعارض تمامًا اعتبار المجتمع كائنًا متعاليًا أو نظامًا ميتافيزيقيًا بل إن أول “خطأ يجب إزالته من طريقنا في بداية دراستنا للجماعة هو ذلك المذهب الذي يتصور الجماعة كائنًا عضويًاحيًا عاليًا، أعني المذهب الذي يتصور الأفراد في الجماعة هم أعضاء في كائن علوي”.
ثم يختم مقالته بنقل مقولة أخرى من (سارتر):
ليس من الضروري أن الإنسان ينبغي عليه أن يعرف بالضبط معنى ما يفعله ولا حتى ما الذي يفعله أو ما هو التغيير الموضوعي الذي يحذثه فعله، أو إن الغائية المضادة هي النتيجة النهائية للفعل البشري وإنها في نفس الوقت تتعارض مع الغاية التي كان ينشدها الفاعل”.

رسالة ألبير كامو لمعلمه بعد فوزه بجائزة نوبل

Albert Camus

بعد فوزه بجائزة نوبل ، فكر الفيلسوف ألبير كامو ( نوفمبر 1913 – يناير 1960 ) بشكر والدته أولا و معلمه في المرحلة الإبتدائية ثانيا. فكتب كامو رسالة الشكر و العرفان هذه لمعلمه لويس جيرمين ، و الذي إهتم  به و رعاه في طفولته و وجّهه على الطريق الذي قاده في نهاية المطاف لأن يصبح الكاتب ذو الصيت و الإحترام العالمي ، و الذي حازت أعماله و رواياته على

جوائز عدة.

و قد فاز ألبير كامو بجائزة نوبل للأدب عام 1957 عن كتابه الشهير (الغريب) .و قد فاز بالجائزة في نفس العام الذي نشر فيه مقاله ” تأملات في المقصلة ” .

و يُعرف كامو بأنه أحد أبرز الفلاسفة و الكتاب الوجوديين ، رغم أنه يبغض هذا المصطلح. و قد ذكر ذك في أحد المقابلات الشخصية معه : ” لا ، لست وجوديًا. أنا و سارتر دائما ما تفاجئنا بإرتباط إسمينا معًا. لدرجة أننا فكرنا في نشر بيان قصير نعلن فيه أنه لا شئ مشترك بيننا البتة ! “

و هنا نص الرسالة:

19 نوفمبر 1957

 عزيزي سيد جيرمين

سمحت لشعوري الغامر أن يهدأ قبل أنا أحدثك من صميم قلبي. فلقد نلت شرفًا عظيما جدا ، شرفٌ لم أبتغيه ولم أطمح له.

لكنني عندما علمت بخبر فوزي بالجائزة ، أول ما خطر على ذهني ، بعد والدتي ، هو أنت. فلولاك ، ولولا هذه اليد العطوف التي مددتها لذلك الطفل المسكين الذي كنته ، و لولا تعاليمك ولولا وجودك كقدوة ، لم يكن كل هذا ليحدث.

لا أحصل على هذا شرف عظيم كهذا دائما. لكنني أريد أن أستغل هذه الفرصة الآن لأعبر عن مكانتك لدي سابقا و حاليا ، و أؤكد لك أن جهودك ، و عملك ،  و تفانيك ما زال يعيش في أحد تلاميذك الصغار. الذين و برغم كل هذه السنين ، لم يتوقفوا عن كونهم تلاميذك المدينين لك.

أعانقك بكل قلبي.

ألبير كامو

عن أدب السجون

 

prison

ممدوح عدوان (1941-2004) كاتب وشاعر ومسرحي سوري. قام بترجمة عدد من الكتب، كما تنوعت أعماله بين المسرحيات والروايات والمجموعات الشعرية والنثرية. في كتابه الأشهر (حيونة الإنسان) تطرق إلى أدب السجون، فقام بتعريف أدب السجون بداية بأنه:

نوع من الأدب الذي استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن و التعذيب، خلال فترة سجنهم و تعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم.

ثم قام بعد ذلك بتعريف التعذيب:

ذلك الفعل المؤذي الذي يمارسه الإنسان على الإنسان الآخر عقوبةً ردعية أو قمعية أو تربوية أو لإجباره على أمرٍ مّا، كفعل معين أو البوح بمعلومات في التحقيق، و أحياناً كطقس ديني أو تجميلي أو لسبب اقتصادي و أحياناً كممارسة تدريبية.

فالتعذيب لانتزاع الاعترافات أو المعلومات، هو أسلوب يلجأ إليه العدو عند السيطرة على الأسرى لمعرفة أكثر ما يستطيع عن الطرف الآخر، يريد معرفة عدد القوات و أنواع الأسلحة و أسرارها و مناطق التمركز و الانتشار و أسماء القادة و كلمات السر الخ

كما تلجأ إليه السلطات عند اعتقال عناصر شبكة معيّنة ( سياسية أو إجراميّة ) لمعرفة بقية العناصر و أسلوب العمل و المتعاونين و أماكن الاختباء و أسلوب التواصل… الخ

ثم يكمل أحاديثه، فيقول:

هذا يعني أن هناك شخصاً لديه معلومات لا يريد الكشف عنها، وهناك طرف يريد انتزاع هذه المعلومات، و لو بالقوة.

و ” لوبالقوة” هذه تستمل على التعذيب بكافة أنواعه التي ابتكرها الإنسان في مسيرته ” الحضارية “. إنها معركة بين صمود صاحب المعلومات و قدرته على تحمل الألم، و بين المحقق و جماعته الذين يوقعون بالمعنيّ أصناف الآلام.

ويتطرق إلى انتزاع الاعترافات بمثل هذه الطرق:

أمّا بالنسبة للاعترافات المأخوذة بهذه الطريقة فليس لها صفة قانونية، فالتعذيب قد يضطر من يتعرّض له إلى الاستجابة لطلبات المشرفين على التعذيب بتحمل مسؤوليات لاعلاقة له بها أصلاً، و ربما اضطر إلى اختلاق معلومات لكي يخفف مسؤوليات لاعلاقة له بها أصلاً، و ربما اضطر إلى اختلاق معلومات لكي يُخفف التعذيب عن نفسه و لو إلى حين.

و قد يحدث امتزاج بين طلب المعلومات و الرغبة الخالصة في الإيذاء و إيقاع الألم و الرعب، ويصل الأمر أحياناً إلى نسيان سبب التعذيب، فيظل التعذيب هدفاً ووسيلة و غاية مستقلّة.

و يحار ضحيّة التعذيب في وسيلة للخلاص منه، فلا الاعتراف يكفي، ولا الاستسلام حتى مشارفة الموت يكفي!

و أحياناً يصل الضحيّة إلى درجة الاستعداد لتبنّي أي جريمة تُنسب إليه أو يُراد منه تبنّيها.

و من أجمل الشهادات على مواقف من هذا النوع ماورد في رسالة مايرخولد إلى مولوتوف قبل إعدامه. يقول:

” وجدت نفسي منفصماً إلى شخصين: الشخص الأول يحاول أن يعثر على أثر للجرائم التي يتهم بها فلا يجد، و الشخص الثاني يخترع الجرائم حين يعجز الشخص الأول عن اختراعها، وفي هذا المجال كان ضابط التحقيق يقدم لي عوناً لا يقدر بثمن حيث رحت، أنا و هو، نخترع معاً في عمل ثنائي ناجح، وهكذا حين كانت مخيلتي تعجز عن اختراع الجرائم كان المحققون يهرعون لنجدتي” .

و في كتاب ” العسف ” عن الثورة الجزائرية، عرض لتجارب أناس تعرّضوا للتعذيب و فيه استنتاجات:

” نميّز بين صنفين من الجلادين: هناك الذين قبلوا أن يجعلوا من هذه المهنة القذرة وسيلة للحصول على خبزهم اليومي، وهناك الذين يدافعون بشعور منهم أو غير شعو، عن المواقف الاجتماعية و الامتيازات التي تخصهم بها سلطة مثل هذه الأجهزة.. و كما في كل مكان، الأوائل يعتصمون خلف أدوارهم كمنفذين. و الآخرون يجدون مسوّغات لأعمالهم في الترسانة الإيدلوجيّة “

يعلّق ممدوح هنا بأننا:

عثرنا على سبب آخر غير إطاعة الأوامر، أو أننا نضع أيدينا على الخطوة الأولى في إعداد القتلة و تدريبهم و تأهيلهم.

إن منفذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معيّن و عواطف و أحقاد خاصة، يشعر بأنه يؤدي خدمة خاصة ” للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها ” أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. وهذه السلطة هنا، هي الحكومة أو الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة ( الإثنية ).

و يقول سارتر في تقديمه لكتاب فرانز فانون (معذبو الأرض):

” لما كان لا يستطيع أحد أن يسلب رزق أخيه الإنسان أو أن يستعبده أو أن يقتله إلا ويكون قد اقترف جريمة فقد أقرّوا

[ يقصد المستعمرين ] هذا المبدأ: و هو أن المستعمر ليس شبيه الإنسان.

وعُهد إلى قواتنا [ يقصد القوات الاستعمارية الأوروبية ]. بمهمة تحويل هذا اليقين المجرد إلى واقع. صدر الأمر بخفض سكان البلاد الملحقة إلى مستوى القرود الراقية من أجل تسويغ أن يعاملهم المستوطن معاملته للدواب.

إن العنف الاستعماري لا يردي المحافظة على إخضاع هؤلاء البشر المستعبدين؛ و إنما يحاول أن يجردهم من إنسانيتهم “.

 

و يقول هيرمن هسّه في (ذئب السهوب):

” العالم الذي تبحثون عنه هو عالم أرواحكم ذاتها ” فالشخصيات ” هي السجن الذي وُضعتم فيه” و ” الروح الذئبية التي تتبقى حتى في نفوسنا المتحضرة هي ضمان الإذعان الاجتماعي ”

أمّا في الأرياف؛ فكانوا يوصون المتنقل في مناطق غير مأهولة ألا يخاف، أو يُظهر خوفه، لأن هذا الخوف سيُغري الوحوش بمهاجمته، كأن لهذا الخوف رائحة مهيجة!

 

و يُشير الدكتور مصطفى حجازي في كتابه القيّم و الهام، (التخلف الاجتماعي : دراسة في سيكولوجية الإنسان المقهور):

إلى الانتفاضة المسلّحة للمقهورين، و التي قد لا يكون لعناصرها وعي سياسي، ” فالإنسان المسحوق الذي حمل السلاح، من دون ثقافة سياسية توجه وضعه الجديد، قد يقلب الأدوار في تعامله مع الجمهور، أو مع من هم في إمرته، فيتصرف بذهنية المتسلط القديم، يبطش، يتعالى، يتعسّف، يزدري، وخصوصاً يستغل قوته الجديدة للتسلط و الاستغلال المادي و التحكم بالآخرين “.

يُعقَّب ممدوح عدوان بقوله:

هنا شيء يُمكن أن نسميه الانتقام من الماضي، فللأثرياء الجدد، مثلاً ، سلوكية خاصة تميّزهم و تدل عليهم. إنهم يريدون في كل حركة من حركاتهم أن يثبتوا لأنفسهم قبل الآخرين، أنهم أثرياء حقاً، إنهم يستعرضون القدرة الجديدة على الإنفاق، تلك هي سلطتهم الجديدة التي توصلوا إليها، إنها سلطة المال الجديد، وهم يضطهدون الآخرين بسلطتهم تلك. وتستطيع أن تستدل عليهم من تصرفاتهم في الأمكنة المبتذلة التي يستعرضون غناهم فيها، وهؤلاء يختلفون عن أصحاب المال الموروث: أبناء الطبقات الغنية الواثقة من غناها و المتعودة عليه. إنهم ليسوا في حاجة إلى استعراض ثرائهم أو إثباته في كل مناسبة.

و كذلك فإن المقموعين تاريخياً، حين يجدون متنفساً و يتوصلون إلى سلطةٍ مّا، فإنهم يريدون أن ينتقموا داخل نفوسهم من كل مشاعر الخوف و التذلل التي عرفوها، ولذلك يُصبحون أشد قسوة من مضطهديهم، وهم يقلدون أولئك الذين اضطهدوهم فهم يضيفون إلى مايعرفونه و يريدون تقليده شحنات من أحلام اليقظة المكبوتة و الانتقام من الذات التي كانت مستكينة، ويمددون صلاحياتهم خارج أسوار المكاتب أو حتى الزنزانات و من ثم تصبح ” نجوم الظهر ” التي كان يحلم بها ذلك السجين، ظاهرة ليس فقط للمساجين الذين سيقعون بين يديه، بل و للمجتمع بأسره.

و قد ابتكر ” أورويل ” كلمة أصبحت جزءاً من المفردات العلمية الحديثة، و هي ” التفكير المزدوج ” و يقصد بها القدرة على الإمساك بمعتقدين متناقضين في عقل المرء في وقت واحد و القبول بكليهما!

هذا التفكير المزدوج معشّش في نفوس المقموعين، حتى و إن بدا بعضهم في أعلى مراتب السلطة.

و في ( الخوف من الحرية ) لإيريك فروم هناك تعريف لسيبون ويل يقول:

” السلطة هي القدرة على تحويل الكائن الحي إلى جثمان و من ثم إلى شيء “.

و قد درَس جوزيه دو كاسترو في ” جغرافية الجوع

خوف الناس من قول الحقيقة حول أوضاعهم الاجتماعية و الاقتصادية و أنه ناجم عن نوع خاص من الخجل.

و يقول آرثر سالزبورغر

 احجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو قدمها إليه مشوّهة أو ناقصة أو وحشوّة بالدعاية و الزيف – إذاً فقد دمرت كل جهاز تفكيره و نزلت به إلى مامن دون مستوى الإنسان.

 

للاستزادة: كتابي “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية” للدكتور مصطفى حجازي. وكتاب الدكتور خالص جلبي “كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد“. وكتاب “أيها المحلفون ،، الله لا الملك” وهو عبارة عن مقالات وبحث عن نخبة من أدباء هذا الجيل. وقد رصد الأستاذ نواف القديمي عدد من أبرز ما كُتب في أدب السجون، نعيد نشرها هنا.