أرشيف الوسم: سقراط

ريبيكا غولدشتاين وأهمية الفلسفة لعالمنا المعاصر

rng640

ريبيكا غولدشتاين، من مواليد عام 1950. روائية وفيلسوفة وأستاذة جامعية، عُرفت بأعمالا الروائية التي تثير موضوعات فلسفية قديمة أو معاصرة.

في كتاب (فيزياء الرواية) قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) باختيار بعض من اللقاءات الصحفية، وترجمتها إلى اللغة العربية. وفي أحد هذه اللقاءات سُئلت (ريبيكا): “هل يمكنك أن تخبرينا قليلًا  لماذا ترين أن الفلسفة يمكن أن تكون ذات فائدة في عالمنا المعاصر؟” فأجابت:

لكي نقدّر أهمية الفلسفة دعونا ندقق في الحقائق التالية: نشأت الفلسفة في العالم الإغريقي القديم في الفترة ما بين 800 إلى 200 قبل الميلاد، بالتزامن مع نشوء التقاليد الروحية والدينية التي تواصلت حتى يومنا هذا؛ الكونفوشيوسية، الطاوية، البوذية، الزرادشتية، الأديان الإبراهيمية،،، ومن الواضح أن الأسئلة الوجودية المعروفة قد واجهت الجميع ولكنها لقيت اهتمامًا واضحًا واستثنائيًا في تلك البقاع الجغرافية التي حققت درجة معقولة من التنظيم السياسي والرسوخ الإداري والاقتصادي، كما يخبرنا الأنثروبولوجي (ديفيد كرايبر). وهذا يعني أن تلك الحضارات قد تجاوزت معضلات البقاء البيولوجي البدائي، ومتى ما تضاءلت معضلات البقاء الضاغطة في الاستحواذ على اهتمام العقل البشري، تنبثق الأسئلة الخاصة بمنح وجودنا البشري سببًا ذا معنى، ولم تكن الفلسفة اليونانية تقارب مسائل الوجود الإنساني بوساطة دينية أو روحانية، بل بوسائل عقلانية وعلمانية وبشرية بالكامل، ولم تكن تلك الوسائل تنجذب إلى طغيان دوغما العامة أو الرؤية الدينية أو السلطات السياسية، ومن المثير أن تلك المسائل العقلانية هي وحدها التي حققت تقدمًا ترتب عليه كل التطور الذي نشهده اليوم. إن مجتمعنا اليوم -وبخاصة الرأسمالية منها- قد وقعت في فخ النزعة الاستهلاكية المتفشية وفي قبضة الميديا الإعلامية في محاولة لمنح الناس معنىً لحياتهم، وقد ساهمت هاتان الوسيلتان في طغيان مظاهر التمركز حول الذات، وتراجعت الموضوعات ذات الأهمية المجتمعية -مثل العدالة الاجتماعية- كثيرًا إلى الوراء؛ إن أفراد مجتمعنا اليوم قد نكصوا كثتيرًا إلى حالة من تضخيم الذات وتمجيدها تمامًا مثلما فعل الأثنيّون من قبل، وهذه الحالة هي تمامًا ما سعى (سقراط) إلى الوقوف بالضد منها عبر الفلسفة وأدواتها المعروفة، وهو ما تسبب في قتله نهاية المطاف.

فلسفة سقراط

Will Durant

ويليام جيمس ديورانت (1885-1991) كاتب ومؤرخ أمريكي، حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وعمل أستاذاً في جامعة كولومبيا عاماً واحداً، ثم اتجه الى إلقاء المحاضرات الحرة في الفلسفة والادب في الكنيسة، وكتب بعد هذه المحاضرات أشهر كتبه (قصة الفلسفة) و(قصة الحضارة). كان أغلب جمهوره من الطبقة العاملة التي إستوجب توصيل المعلومات لها إستخدام أسلوب بسيط وربط التاريخ بالحاضر، ويظهر أسلوبه المبسط واضحا ً في كتاب (قصة الفلسفة) الذي يعتمد على السرد القصصي لحياة الفلاسفة، وشرح مبسط لفلسفاتهم، وقد نجح ويل في جذب القارئ حيث ذُكر أن مبيعات كتابه الطائلة مكنته من التفرغ باقي حياته لمشروعه الكبير كتاب (قصة الحضارة).

في كتاب (قصة الفلسفة) تحدث (ويل) عن (سقراط) أشهر الفلاسفة الذين شكلوا الفلسفة الاوربية، كان (سقراط) معلما ً محبوبا ً ومؤثرا ً في تلاميذه، يجمع الشباب من مختلف الخلفيات والتوجهات السياسية، ويحفزهم على التساؤل ومناقشة أفكارهم.

كانوا الشبان يلتفون حوله في جماعات كثيرة، ساعدته في خلق فلسفة أوربية. وكان بينهم رجال أغنياء مثل (أفلاطون) و(السبيادس)، وكانوا يستمتعون بتحليله وهجومه وقدحه للنظام الديمقراطي في أثينا وكان من بين الشباب بعض الاشتراكيين مثل (انتيثيناس) الذي أحب في سقراط عدم إهتمامه بفقره، وواحد أو إثنين من الفوضويين مثل (اريستيبوس) الذي تاقت نفسه الى عالم لاوجود فيه للأسياد أو العبيد، بحيث يكون سكان هذا العالم جميعهم احراراً بعيدين عن القلق مثل (سقراط)، إن جميع المشاكل التي تثير المجتمع الإنساني اليوم، وتقدم مادة لنقاش الشباب الذي لا ينتهي ؛أثارت وهيجت أيضا تلك الجماعات اليونانية الصغيرة من المفكرين والمحدثين، الذين شعروا مع معلمهم , أن الحياة بغير بحث وحديث، ليست جديرة بأن يعيش فيها الإنسان. لقد مثلت تلك الحلقات جميع الإتجاهات الفكرية والاجتماعية، وربما كانت هذه الاجتماعات أصل هذه الإتجاهات الفكرية الاجتماعية.

كان (سقراط) يقول: “لا أعرف سوى شيء واحد وهو أني لا أعرف شيئا”. فالفلسفة لا تتقدم إلا عن طريق تبني منهج الشك والبحث الدائم.

إن الفلسفة تبدأ عندما يبدأ الانسان يتعلم الشك-خصوصا ً الشك في المعتقدات التي يحبها، والعقائد والبديهيات أو الحقائق المقررة التي يؤمن بها ويقدسها. ومن يعرف كيف أصبحت هذه المعتقدات العزيزة علينا حقائق يقينية بيننا، وفيما إذا كانت لم تلدها خلسة رغبة سرية، ملبسة الرغبة ثوب الفكرة؟ لا وجود للسياسة الحقة مالم يتجه العقل الى فحص نفسه، لقد قال سقراط “اعرف نفسك“.

كان الفلاسفة مثل (طاليس) و(هرقليطس) قبل مجيء (سقراط) يبحثون في الكون وقوانين العالم المادي وأصل الأشياء، اما (سقراط) فقد اتجه في فلسفته الى بحث مسائل متعلقة بالأخلاق وعقل الانسان

إتجه الى سبر غور الروح الإنسانية، يستطلع الافتراضات ويستجوب اليقينيات وإذا تحدث الناس عن العدالة المتعارفة كان يسألهم بـهدوء، ما هي هذه العدالة؟ وماذا تعنون بهذه الكلمات المجردة التي تحلون بها بمثل هذه السهولة مشاكل الحياة والموت؟ وماذا تعنون بكلمة الشرف؟ والفضيلة؟ والأخلاق؟ والوطنية؟ وماذا تعني بنفسك؟

على الرغم من إعتراض البعض على أسلوبه الجدلي وأسئلته التي يرون أنها تثير إضطراب الرجال، إلا أن (سقراط) قدم جوابين لسؤالين مهمين وهما ما معنى الفضيلة؟ وماهي أفضل دولة؟

من خلال بحث إجابات هذه الأسئلة، حاول (سقراط) إصلاح الاخلاق العامة في أثينا، وإيجاد نظام حكم أفضل للدولة.

لقد أضعفت روح الفردية الخلق الأثيني، وتركت المدينة أخيرا ً فريسة أمام الأسبارطة الأشداء بطبعهم. أما بالنسبة الى الدولة أي شيء أشد سخرية من هذه الديمقراطية التي تقودها وتتزعمها الجماهير التي تسوقها العاطفة، هذه الحكومة التي تقوم على النقاش الشعبي، عزل القواد وتنفيذ الإعدام فيهم، هذا الاختيار -الذي لا اختيار فيه- للبسطاء من التجار والمزارعين في تناوب وتعاقب أبجدي كأعضاء للمحكمة العليا للبلاد، وكيف السبيل إلى إيجاد قيم أخلاقية جديدة في أثينا؟ وكيف يمكن إنقاذ الدولة؟

رأى (سقراط) بأن الفضيلة هي المعرفة، حيث أن معرفة الانسان بنفسه وبما ينفعها سيقوده الى التصرف وفقا ً لذلك، وما يصدر من الناس من شر إنما هو نتيجة لجهلهم بأنفسهم وبما ينفعها.

أدرك أن هناك شريعة أخلاقية أبدية لا يمكن أن تقوم على دين ضعيف كالدين الذي آمنت به أثينا في ذلك الوقت. وإذا كان الانسان يقدر على بناء نظام من الأخلاق مستقل تماماً عن المبادئ الدينية، ويطبق على الملحد والقسيس على السواء، عندئذ قد تأتي الديانة وتروح من غير أن تحل الاسمنت الأخلاقي الذي يجعل من الأفراد مواطنين مسالمين في المجتمع. ويرى سقراط أن الدولة يجب أن توعي الناس بما هو في مصلحتهم وتعلمهم أن ينظروا الى النتائج البعيدة لتصرفاتهم الحالية، موافقة وبذلك يكون العقل والحكمة هو أساس المجتمع.

لذلك يجب تقديم المعرفة في اتخاذ القرارات التي هي في صالح الدولة، ولا يجب ان تؤخذ القرارات بناء على رأي الاغلبية فقط كما كان الحال في أثينا

إن الحاجة تقتضي بصيرة واضحة لضمان السلم والنظام والنية الطيبة. ولكن إذا كانت الحكومة نفسها حكومة تسودها الفوضى والسخافة، تحكم ولا تساعد، وتأمر ولا تقود، كيف تستطيع أن تقنع الفرد في مثل هذه الدولة على أن يطيع القوانين، ويحصر بحثه الذاتي داخل دائرة الخير العام؟ فلا غرابة أن تعم الفوضى في البلاد التي يسودها الجهل، حيث تقوم الجماهير بوضع القرارات في سرعة وجهل. أليس من الجهل أن يحل مجرد العدد محل الحكمة؟ وعلى العكس، ألا نرى الناس مجتمعين في جماعات، أكثر سخافة وعنفاً وقسوة منهم وهم منفصلون منفردون؟

وتَقَرر الحكم على سقراط بالموت لأنه استجوب المعتقدات الدينية وانتقد نظام الحكم الأثيني

تصور رد فعل الحزب الشعبي الديمقراطي في أثينا على هذا الإنجيل الأرستقراطي الذي كان يدعو له سقراط، في وقت استدعت في الحرب ضرورة اسكات كل نقد ولوم لسياسة الحكومة. وتصور شعور انايتس الزعيم الديمقراطي الذي رأى ابنه يصبح تلميذاً لسقراط ويتحول عن عبادة آلهة والده ويسخر منه في وجهه.

تقرر مصير (سقراط) وأصبح واضحا. فقد كان الزعيم العقلي للحزب الثائر، مهما كان مسالما هو نفسه. فقد كان مصدر الفلسفة الأرستقراطية البغيضة ومفسد الشباب الذي أسكرهم النقاش، ورأى (انايتس) و(مليتس) زعماء الديمقراطية، ان من الأفضل ان يموت (سقراط).

سجل (أفلاطون) نهاية (سقراط) بنثر حزين يصف فيه كيف تم إعدامه بالسم. وذكر (أفلاطون) في نثره بأن (سقراط) رفض أن يطلب الرحمة، وأَثًر أن يموت شهيد الفلسفة دفاعا ًعن حق حرية الأفكار، كما أنه كان مؤمنا ً بأن هناك حياة أخرى بعد الموت، ولذلك قال لأصدقائه الحزينين “أفرحوا وقولوا إنكم توارون في التراب جسدي فقط“. كتب (أفلاطون) في نثره:

نهض (سقراط) ودخل غرفة الحمام مع (كريتو) الذي طلب منا ان ننتظر، وانتظرنا نفكر ونتحدث. في حزننا الكبير، فقد كان لنا بمثابة الأب الذي سنفقده بعد قليل ونعيش بقية حياتنا يتامى، لقد اقتربت ساعة غروب الشمس، وعندما خرج علينا جلس معنا مرة ثانية، ودخل السجّان ووقف بجانبه قائلا: “اليك يا (سقراط) يا أنبل من جاءوا الى هذا المكان، سوف لا أتهم او أستذنب شعور الرجال الآخرين الذين يثورون ويشتموك عندما أقدم لهم السم واطلب منهم ان يشربوه اطاعة لأوامر السلطة. انت تعرف مأموريتي”، وبعدئذ انفجرت دموعه وخرج.

قال السجان لـ(سقراط):

“عليك ان تمشي فقط الى ان تشعر بثقل قدميك فتستلقي وبهذا يسري السم في جسدك”. وفي الوقت ذاته، قدّم الكأس الى (سقراط) الذي اخذه بأسهل وألطف طريقة، وبدون وجل أو تغيّر في لونه او قسمات وجهه ناظرا إلى الرجل بملء عينيه كعادته دائما. ورفع الكأس الى شفتيه في هدوء تام وإبتهاج.

لقد تمالك معظمنا شعوره حتى ذلك الوقت، ولكن عندما شاهدناه يشرب ورأيناه ايضا ينتهي من شربه لم نعد نقدر على تمالك شعورنا، وانهمرت دموعي على الرغم مني فغطيت وجهي وبكيت على نفسي لمجرد تفكيري في مصيبتي لفقدي مثل هذا الصديق.

واستمر (سقراط) في المشي هنا وهناك الى ان بدأت ساقاه تخونانه فاستلقى على ظهره. وكان الرجل الذي قدم له السم ينظر الى ساقيه وقدميه، وبعد فترة جس قدميه بشدة وسأله فيما إذا كان يشعر، فأجاب (سقراط) بالنفي، فجس ساقه واستمر يضغط على جسمه اعلى فأعلى وقال لنا انه أصبح باردا وجامدا، وشعر (سقراط) بذلك وقال: “ستكون النهاية عندما يصل السم الى القلب” وبدأ البرود يصل الى فخذيه فكشف وجهه (لأنه كان قد غطى نفسه) وقال، وكانت كلماته الاخيرة: “يا (كريتو)، انا مدين الى اسكيبيوس. ارجوك ان لا تنسى دفع هذا الدين“. وقال (كريتو): “سأدفع الدين، هل هناك شيء اخر؟“. ولم يسمع جوابا لهذا السؤال، وبعد دقيقة او اثنتين سمعنا حركة وقام الخادم بتغطيته وقام كريتو بإغلاق عينيه وفمه.

هكذا كانت نهاية صديقنا الذي أسميه بحق أحكم وأعدل وأفضل جميع الرجال الذين عرفتهم في حياتي.

أفلاطون في حديثه عن الفلاسفة والحكماء على أرض الواقع

(أفلاطون) (427ق.م. – 347 ق.م.)، فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، كاتب عدد من الحوارات الفلسفية، ويعتبر مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي، وضع (أفلاطون) الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم. كان تلميذاً لـ(سقراط)، وتأثر بأفكاره كما تأثر بإعدامه الظالم. كما أن الفيلسوف المعروف (أرسطو) هو أحد تلاميذه.

في كتابه (ثياتيتوس)، أو “عن العلم” كما يُطلق عليها أيضًا، والتي نقلتها الأستاذة (أميرة حلمي) إلى اللغة العربية، جعل جزءًا من حديثه عن حال الفلاسفة والمنشغلين بالعلم. يقول:

 

لنتحدث عن كبار الفلاسفة ما دمت راغبًا في ذلك، إذ ما فائدة أن نتحدث عن أولئك الذين لا يبدعون في الفلسفة، أيمكن القول بأنهم يجهلون منذ صباهم أي طريق يقود إلى ساحة المدينة وأين توجد المحكمة أو مجلس الشعب أو إلى أي مكان للاجتماع العام في المدينة، كما أنهم لا يعنون بسماع أو قراءة أي قرارات أو وثائق قوانين، ولا يهتمون بمشاحنات الأحزاب السياسية وفي الاجتماعات والاحتفالات، أما التنصت للاعبات الناي فإنهم حتى لا يحلمون بالمشاركة فيه، ولا ينشغل الفيلسوف بكل ما يحدث للمدينة من خير أو من شر أو بما ورثه الأحفاد عن جدودهم الرجال والنساء من فساد، لا تشغله هذه الأمور، لأن امتناعه عن المشاركة فيها ليس من قبيل الزهو، فالواقع أن الذي له وجود وإقامة داخل المدينة هو جسده فقط، أما فكره فيعد كل هذا هراء وسخفًا ويطوف محلقًا فوق السماء وتحت الثرى، على حد قول (بنداروس)، باحثًا في السماوات ليقيس مساحتها وليتابع سير النجوم وليبين طبيعة كل شيء في مجمله بغير أن يهبط إلى ما هو قريب منه مباشرة.

ثم يدعم كلاماته بمثال عن (طاليس) والذي يُعد أحد الحكماء السبعة عند اليونان القديم، فيقول:

كان (طاليس) يراقب النجوم فوقع في بئر وهو شاخص ببصره إلى السماء، ويُقال إن فتاة من (تراقيا) كانت تراقبه فضحكت من ذلك الذي يبذل جهده ليعرف ما يجري في السماء، في حين أنه لا يرى موقع قدميه، وينطبق هذا التشبيه على كل من يقضون حياتهم في الفلسفة، والواقع أن مثل ذلك الرجل لا يعرف من القريب أو الجار ولا يعرف ما الذي يعمله هذا ولا إن كان رجلًا أو كان من صنف حيوانات آخر، بل هو يبحث ما الإنسان وأي شيء ينبغي أن تتميز هذه الطبيعة عن غيرها في فعلها أو انفعالها؟

ويتطرق بعد ذلك إلى نظريته في أنه من حق الفلسفة أن تزكّي الإنسان وتدفع عنه تقبّل الشر، ويعقّب على ذلك قائلًا:

من المستحيل أن ينتفي الشر، إذ سوف يبقى دائمًا مقابلًا للخير، ومن المستحيل أيضًا أن يحل في عالم الآلهة، بل إنه يغزو هذا العالم والطبيعة الفانية. […] والمهم هنا الذي لا يسهل إقناع العامة به هو أن الدافع إلى التحلي بالفضيلة وتجنب الشر ليس مجرد اكتساب الشهرة. واتخاذ مظهر الفضيلة على نحو ما تقول الثرثرة من النساء وإنما هاك هي الحقيقة بعذا الصدد، ليس الله بظالم بأي حال من الأحوال، بل هو على العكس من ذلك عدل مطلق ولا يدانيه من كان منا عادلًا بقدر الإمكان، فبالنظر إلى وجود هذه الصفة أو عدمها تقدر قيمة الإنسان وقدرته الروحانية.

ومعرفة هذا الأمر هي التي تكوّن الحكمة والفضيلة الحقة، أما التظاهر بالفضيلة والحكمة والميزات الأخرى المختلفة عند الطبقة الحاكمة، فإنما هو نوع من الحقارة والضعة أشبه بالقدرة الآلية عند أهل الصنعة، ولا ينبغي أن نخشى من مكر من يرتكب الظلم والفسق في أحاديثه وأعماله، لأن مثل هؤلاء الناس يتباهون بأنهم رجال قادرون على مواجهة الحياة العامة، وليسوا فارغين أو ثقالًا وإنما ينبغي أن تقال لهم الحقيقة وهو أنهم يتوهمون ما ليس فيهم وأنهم يجهلون ما ينبغي أن يعرفوه جيدًا ألا وهو أن عقوبة الظلم ليست مجرد آلام جسدية أو موت قد يحدث أحيانًا أن يفلتوا منه، بل هو عقاب واقع لا مفر منه.

 

فلسفة الجمال برأي فيليب هيبل

 
صدر مؤخراً عن مجموعة النيل العربية الطبعة العربية لكتاب “مدخل إلى علم الفلسفة الحديثة” لـ(فيليب هيبل) و من ترجمة (رانيا خليف).
 و مما أفرد فيه فصلاَ ماتعاً عَنْونه بالمتعة: فن الجمال 
و طرح من خلاله تساؤلات حول ماهيّة الجمال و بادئ ذي بدء تطرّق إلى علم الجمال الفلسفي و وضّح بقصده بأنه علم الجمال و الفن و لكنه فضّل فصْل الجمال و الشهوة و المتعة من ناحية و الفن و الإبداع من ناحية أخرى و هذا الخليط تناوله (سقراط) في شخصية (إيروس): إله الحب و الرغبة، و حول تأثير (إيروس) في حياة الناس، أو بتعبير أدق: حياة الرجل، وفقاً لما رآه (سقراط) فإن بداخل كل رجل (إيروس)، آو شغف بالجمال: و يبدأ هذا الشغف بحب الأطفال الجميلين ثم يتحول إلى حس جمالي تجاه الأشياء و الأفعال، و عدد قليل من الناس يتطوّر إلى شغف بالمعرفة أو بالفلسفة، وبالتالي فإن التأمل باعتباره علامة من علامات النضج الفكري شيء زيتميز به الجميع و لكنه يقتصر على أولئك الذواقة أصحاب الذوق الرفيع.
يرى هيبل بالفصْل بين الجمال و الفن ويؤكد ذلك بقوله:
فهناك فنون غيرجميلة، و هناك جمال ليس فناً، مثل جمال الطبيعة.
و هذا يطرح تساؤلات حول علم الجمال الفلسفي منها:
ماهو الجمال؟ و ماهو الفن؟ 
ظلّ هناك ارتباط وثيق بين الاثنين لفترة طويلة، فقد ظل الفنانون يصنعون أعمالاً تخاطب الحواس بصورة إيجابية حتى عصرنا الحديث: مثل تماثيل الرخام الرشيقة، و السيمفونيات التي تدغدغ الآذان و القصور الفخمة و حركات الرقص السلسة، أما اليوم فالجمال منفصل عن الفن، فالتصوير الفوتوغرافي للموضة و التصميم و موسيقى البوب مازالوا يخاطبون حاسة الجمال لدينا بصورة مباشرة، لكن الكثير من أعمال الفن لم تعد كذلك.
سؤال آخر وهو: هل هناك شيء جميل على المستوى العالمي، بمعنى: هل هناك شيء مّا يراه الناس جميلاً؟
قد تبدو أسئلة سقراط صالحة بالنسبة لرجال أثينا الأحرار القدماء، لكن السؤال هنا: هل يمكن تطبيقها على الرجال و النساء في كل العصور و كل الثقافات؟ يقول فيليب:
و المثير من الدهشة أن سقراط لم يتطرق في حواراته إلى السؤال عمّا يجعل الإنسان جميلاً
هل يُمكننا الثقة في الأحكام التي نطلقها؟ 
تشير التجارب إلى أن ألفة الشعار و الاسم و العلامة التجارية قد تتفوق على تجربة المذاق الأصلي، فكلما كنا نرى الشعار كثيراً بدا لنا طعم ذلك المشروب الأسود أفضل، أو ربما نتخيل ذلك، إذن لن يستطيع مشروب أفري كولا أن يُجاري بيبسي أو كوكا.
هناك خبر مفرح لصناع الإعلانات، و هو أن الحملة الدعائية الجيدة تستطيع التأثير على الأحكام المعروفة حول إحدى التجارب الأساسية، ألا وهي تجربة التذوق، وهذا يعني من منظور علم الجمال أننا كثيراً مّانخدع أنفسنا و بالتالي لا يمكننا أن نثق في أحكام الذوق التي نصدرها، إننا نادراً مانقول عن الكولا أن مذاقها جيد، لكن من حيث المبدأ يبدو أن تفضيلنا للمشروبات المنعشة لايختلف عن تفضيلنا للروائح و الألوان و الأصوات.
يُطلق على هذا التناقض بين الشعور و الأحكام مصطلح: التنافر الإدراكي، فقد نخطئ في تقييم تجاربنا الجميلة و الممتعة لكثير من الأسباب: 
لأننا نخدع أنفسنا، أو لأن ثمة إجابة معينة هي المتوقعة، أو لأننا تعودنا على التحدث بهذه الطريقة، وكي يصبح المرء أكثر وعياً فيجب عليه أن يثق في تجربته الشخصيّة.
نحن نقيّم تجاربنا بكل حكم نصدره، شئنا ذلك أم أبينا، وفي بعض الأحيان يستخدم الناس نفس معيار التقييم: فمن منا لم يجد خطاب أوباما في برلين قوياً و رائعاً؟ لكن المعيار غالباً ما يكون فردياً للغاية، فنحن نعبر في كل حالة عن علاقة بين الإنسان و الجماد، على سبيل المثال: سلمى ترى الورود جميلة – وليست قبيحة أو عادية.
أما في المتعة الخالصة: 
فيعتبر (كانط) من رواد نظرية الجمال السببية الحديثة، التي تقول: أن الشيء الجميل هو الذي يسبب المتعة، وحتى يومنا هذا و أفكار (كانط) الأساسية تهيمن على علم الجمال، لكن (كانط) في نقده لقوة الحكم لم يتحدث عن “المتعة” و لكنه تحدث عن  “الإعجاب غير المغرض“، “غير مغرض” لأن الشيء يكون جميلاً عندما يعجبنا بصرف النظر عن مصالحنا و ميولنا، إليك المثال التالي:
الآباء يجدون رسومات أبنائهم جميلة، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يعتقدون أن لوحة مّا جميلة و هم لايعرفون صاحبها فذلك هو الإعجاب غير المغرض.
حتى اليوم يتساءل الفلاسفة: مالذي يميز متعة الجمال عن المتعة العادية، لكن هل هذا الاختلاف موجود فعلا؟
إن رؤية الشيء جميلاً تعتمد على أمرين: آولاً: خصائص الشيء: ففي بلاد العجائب كانت أليس تعتبر ملكة القلوب بنوافيرها و أحواض زهورها جميلة، و لم يحدث ذلك مع الجدائق القاحلة المقفرة، ثانياً: صفات الإنسان: فلو أن أليس كانت مكتئبة أو محبطة لماوجدت جديقة الزهور جميلة، والكثير من الفلاسفة ينظرون فقط إلى الأشياء الجميلة و ينسون الرائي.
كل تجربة تسجل لدى الرائي قيمة معينة على مقياس المتعة، سوادً إيجابية أو سلبية، و في بعض الأحيان من الصعب تحديد التجربة، لكن معظم الحالات تكون واضحة، وعندما يخلق فينا شيء ما السرور و المتعة فإننا ننقل الجمال من التجربة إلى المصدر، فنحن نصف بعض الأشياء مثل سوناتات البيانو أو المناظر الطبيعية بأنها جميلة، لأنها تحدث دائماً نفس المعايشة، ويمكن أن تصف أكثر من شخص بأنه جميل، ويخمن أن ذلك الثبات يجعلنا نعتاد التركيز على الحواس البعيدة و هي النظر و السمع، ونتجاهل الحواس القريبة مثل اللمس أو اشم أو التذوق لأن مصادر التحفيز هنا تتلاشى بصورة أسرع.
يعقب ذلك بقوله: 
تعتمد المتعة على العوامل الذاتية: على شكل اليوم وخصائصنا الفردية و ألفتنا للأشياء و توقعاتنا.
يقول (هيبل):
يعتقد بعض الفلاسفة أن المتعة لابد أن تظهر مع التجربة في نفس الوقت، ولكن هذا ليس صحيجاً، فقد يظل الإنسان مأخوذاً لساعات بعد خروجه من حفلة موسيقية حتى و إن كانت الموسيقى قد تلاشت من وعيه منذ فترة طويلة، فليس من الضروري أن تتطابق مرحلة السمع مع مرحلة المتعة.
كان (إدموند بيرك) المعاصر لـ(كانط) أقل حساسية، ووفقاً لرأيه تكون الأشياد جميلة لأنها مشرقة أو صغيرة أو شفافة أو ملساء، و من الأمثلة التي ساقها على ذلك: الأحجار الكريمة و الحمام و النسء صاحبات الشعر الأملس و الجلد الخالي من العيوب، و من الواضح أن هذه القائمة تكشف عن اهتمامات بيرك الشخصية و الأفضليات التي كانت سائدة في عصره.
و ينتقد رأي (بيرك) بقوله:
الخطأ الذي ارتكبه (بيرك) و غيره أنهم اعتبروا الجمال شيئاً مجسماً، ولذلك لم تعد النظريات الحديثة تركز على الأشياد المفردة، و لكنها تتحدث عن الانسجام و التعقيد و التماثل ، عن العلاقات أو البساطة، أي أنها تتناول بنية الأشياء الجميلة، فقد تتغير الموضة أو أنواع الموسيقى لكن مبادئ التصميم الأساسية تظل كما هي، فليس هناك من يُعجب بالتنافر، هذا مايقوله أنصار النظريات، كما أن كل شخص يرغب في أن تبدو ملابسه مقنعة.
لكن حتى النظريات المجردة بها ثغرات، ذلك لأن مبادئها غالباً ماتكون عامة للغاية، فأحياناً تكون البساطة جميلة، و أحياناً أخرى يكون التعقيد جميلاً، و أحياناً يكون الشيء الجديد جميلاً، فكل شيء سوادً كان بسيطاً أو معقداً، معروفاً أو جديداً يمكن أن يكون جميلاً، فنحن نعرف ذلك بطريقة أو بأخرى، ولهذا لم تعد هذه النظرية مجدية، لو لم ننظر إلى الأشياء ونظرنا إلى المتفرج لوجدنا أن البساطة أو التماثل أو الألفة تكشف لنا عن أفضليات هذا المتفرج.
ماهو الحال مع الألفة؟ 
بعض الباحثين اعتبروا الألفة نوعاِ من أنواع الجمال من الدرجة الثانية، لكن هذا الزعم قثير النظر، فغالباً ماتكون الأشياء الجديدة و غير المعروفة أكثر جمالاً من الأشياء المألوفة، والأرجح أن الألفة تعمل كمحفز للذوق، لكن هذا لا يحدث إلا مع الأشياد التي اعتبرناها قبل ذلك جميلة أو على الأقل محايدة، فألفة الأشياء القبيحة و الجيران السيئين لاتجعلهم يبدون أكثر جمالاً.
الآلفة والبساطة و التماثل: ربما يكون ذلك الارتباط الجمالي بسيطاً للغاية، فمثلما يدفعنا الخوف أو الألم إلى تجنب مصادر الخطر فإن المتعة تجعلنا دائماً نبحث عن الأشياء الجميلة و الممتعة.
 ماهي المقوّمات التي يجب أن يمتلكها الفنان كي يصبح مبدعاً؟ 
 يقول الفيلسوف (يوهان جوتفريد هيردر): “ إن الفن يأتي من المقدرة و المعرفة “، لكن لا يبدو واضحاً إذا ماكان (هيردر) يقصد بذلك أم يقصد الشيء و قد عبر الممثل الكوميدي (كارل فالانتين) عن تلك العلاقة بصورة أوضح من (هيردر) و ذلك عندما قال: “ الفن يأتي من المقدرة لكن إذا جاء من الرغبة فهو إذن رغبة فنية “ و اليوم أصبح التمييز بين الفنان الحقيقي و الفنان غير الحقيقي أمراً صعباً، فقد كانت المهارات اليدوية قديماً هي العنصر الحاسم، أما اليوم فالعنصر الحاسم هو موهبتك في الدخول لسوق الفن، و قد يقول واحد من غير المثقفين على المستوى الفني: ( حتى طفلي الصغير يستطيع أن يفعل ذلك )، لكن الشخص المتذاكي سيقول: “ عليك أن تبدأ أولاً “، والاثنان غير محقين، فلأنه لاتوجد معايير موضوعية لجودة الفن الحديث فإن الفنان ليس مضطراً لأن يكون أصلياً للغاية، فالفن اليوم يعتمد على فهم سيكولوجية سوق الفن: لعبة السلطة التي يمارسها أصحاب المعارض الفنية و منظمو المعارض، والسؤال من يحتفي بمن؟ و من الذي يوصي؟ و بمن يوصي؟ و ماهي العداوات المشتعلة داخل مجلس منظمي المعارض؟ و من الذي يكتب النقد المهم؟
يُجيب قائلاً:
سوف تعثر دائماً على سبب واحد على الأقل يجعل العمل جيداً على المستوى الفني: مثلاً أن يكون استفزازياً لأنه خام، أو عميقاً لأنه رقيق، أو مميزاً لأنه يملأ المساحة أو مميزاً لأنه يترك مساحات خالية، فلاتوجد معايير، و بالتالي فإن الخطاب الفني يبدو غريباً للغاية.
أما عن الفن المعاصر فيقول :
الكثير من الفنانين المعاصرين يزعمون أنهم لايريدون صناعة فن جميل، و لكنهم يفضلون التشكيك في عادات الرؤية أو هدم شيء معين مثل الهياكل القديمة، و قدكان لـ(كافكا) نفس الرأي فيما يخص الأدب: “يجب أن يصبح الكتاب هو الفأس الذي يحفر البحر المتجمد بداخلنا“.
و سواءً كان هذا الفأس هو العتلة أو الزخرفة فإن كل تلك التعبيرات المجازية تتناول تأثير الأعمال علينا سواءً كان تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، و لهذا يمكن تصنيف الفنون وفقاً لتأثيراتها، فهناك الموسيقى و على النهاية الأخرى يوجد الأدب الذي يخاطب أولاً أفكارنا و مخيلتنا و بعدها يثير فينا المشاعر، أما الفنون الجميلة فهي تخدم كل مايقع بين النهايتين المتطرفتين للموسيقى و الأدب: فبعض الأعمال تطير العقول و تصيبنا بالاضطراب و تفاجئنا بغتة و بطريقة مباشرة دون أن نعرف لماذا،
أما بعضها الآخر فنلجأ إلى تفسيره و تصنيفه، فلانفهم السخرية و الرموز إلا بعد تفكير متأنِ، و بعض الأعمال تفتقر إلى متعة الجمال و بعض الأعمال الأخرى تكون متعة الجمال مجرد تأثير واحد، من بين تأثيرات أخرى عديدة، فهل يمكن تفسير التأثيرات الأخرى؟ 
لفترة طويلة ظل النقاد ينظرون إلى الفنون الجميلة من منظور علم الأدب، فكان تفسير الرموز و الاستعارات يحتل الصدارة، حيث كان الناقد يتساءل: كيف يمكن تصنيف ذلك العمل الفني في التاريخ؟ و كان الأمر هنا يتعلق بالتناصّ، و يقصد بالتناص: إحالة العمل إلى أعمال أخرى، و كان النقد يتناول التلميحات و الاقتباسات الواردة في العمل، وعلاقة العمل بالموضوعات الثقافية الكبرى مثل الجنس و الموت و السلطة و الواقع، و لم تكن مشاعر الفنان وحسّيته تلعب دوراً مهماً، أو لأنها تعتبر ذاتية و بالتالي لا يمكن بحثها بحثاً علمياً، وثانياً لأنه في لحظة التأمل البارد و لحظة التفسير تكون المشاعر الدافئة قد تلاشت.
لقد تبنى الفيلسوف الأمريكي (جيرولد ليفينسون) هذا المنظور الفكري و هويرى أننا لا نجد متعة في الفن إلا عندما نفهمه و نمعن التفكير فيه، أما زميله (كيندال والتون) فكان يرى أننا نبحث في الفن عن الأشياء القيمة، تلك الأشياء التي تثير فينا الإعجاب، لكن الاثنين يبدوان و كأنهما أعضاء في مجلس طلابي يقولان لأحد الطلاب في أثناء إحدى الرحلات إلى المتحف إن الفن يجب أن يبعث على التفكير، والحقيقة أن الفن قد يبعث على التفكير في بعض الأحيان، لكنه غالباً ما يسبب المتعة و قد لاتكون له أي تأثيرات مقصودة.
في مواجهة ذلك المنظور التقليدي تبنى الباحثون في العصر الحديث المنظور العاطفي، فهم يسألون عما يمكن أن يثيره الفن بداخلنا: حيث يسألون عن المشاعر و التأثيرات المختبرة، وغالباً مايفعلون ذلك اعتماداً على نتائج بحوث العواطف و الوعي، كيف تولد فينا الصور و التماثيل الاشمئزاز أو الإعجاب، المتعة أو الحيرة، الرغبة أو الدهشة؟ ولماذا تبعث بعض الأعمال الفنية على الراحة بينما تبدو الأخرى مستفزة؟
يعتقد الفيلسوف الأمريكي (جيسي برينز) أن تقديرنا الجمالي ينبع من شعور أساسي لدينا، ولايمكن أن يكون هذا الشعور هو الإعجاب، لأسباب كثيرة منها: أننا على الأرجح نعجب بالأشخاص و ليس بالأعمال الفنية، و لايمكن أن يكون هذا الشعور هو متعة الجمال، لأن الكثير من الأعمال الفنية لاتكون جميلة على الإطلاق، وليمكن أيضًا آن يكون الاهتمام ، لآنه وفقاً لمايراه برينز فإن تقديرنا فإن تقديرنا للأعمال الفنية يرجع إلى ذلك المزيج، أو هذا الشعور الإيجابي المجهول الذي يثير الاهتمام و العشق.
يعلق على المنظورين بقوله: 
لكن كلا المنهجين – الفكري و التقليدي – يغفلان شيئًا مّا، فالمنهج الأول يصور تأثير الفنون الجميلة بأنه تأثير فكري بحت، حيث يستثني العديد من المشاعر، أما الاتجاه المضاد فيملأ هذه الفجوة، لكنه يفشل في التعرف على العمل الفكري عند النظر إلى أي عمل فني، على الرغم من أن الشيء الذي يميز الإنسان هو قدرته على التفكير و المراجعة.
إن الفن يخاطب كل مافينا، أفكارنا و مشاعرنا، وفي كثير من الأحيان يفاجئنا لكننا في بعض الأحيان قد نعجب بعمل دون أن نصاب بالدهشة، إن الإلمام الجمالي المزدوج بالتفكير و الشعور يلعب دوراً مهمهاً في فهم أحد الفروع البحثية الحديثة و هو علم الجمال العصبي.
منذ بعض الوقت و العلم يكشف الكثير من الأشياء عن حياتنا الفنية، و في هذا يطرح هيبل سؤالاً بقوله:
مالذي كشفته أبحاث الدماغ عن الفن؟
و في ذلك كتب عالم الأعصاب الهندي (فيلاينور راماشاندران) في طيّ أطروحته مقالاً يعتبر أحد أهم المراجع الرئيسية في علم الجمال العصبي وهي: “علم الفن” تناول فيها القوانين العالمية الفعلية للفن و يخلص بنا هيبيل بأن راماشاندار قصد بالفن الفنون الجميلة و لم يتناول الفنون الأخرى مثل الأدب و الموسيقى و الرقص و تركيب العطور، حيث أنه توجه لبحث الأعمال التصويرية التي يقصد بها تلك الأعمال التي يستطيع المرء أن يميز فيها الأشخاص و الأشياء مثل شخصيات المعابد الهندية و لوحات المناظر الطبيعية و الرسوم الكاريكاتيرية و صور العراة، وهذا يشرح إحدى مشكلات فن الجمال العصبي: لقد اقتصر على جزء صغير من جزء صغير من الفن، لكن كعادته يمارس التعميم.
كان (راماشاندران) متأكداً ٩٠٪ من الفنون الجميلة تتوقف على الأحداث الثقافية العشوائية، وقال أنه يهتم فقط بالـ ١٠٪ الباقية التي يستند إليها كل عمل فني، وكانت قوانين (راماشاندران) العشرة العالمية هي:
المبالغة ( إننا نخب الأشياء التي تتناسب معاً ) – المجموعة ( إننا نحب الأشياء التي تتناسب معاً ) – التباين ” نحن نحب الأشياء التي تتميز عن الخلفية” – العزل ” نحن نحب ما يلفت انتباهنا” تأثير الفطنة المفاجئة ( نحن نحب اكتشاف الأشياء) – التماثل ( نحن نحب محاور المرآة ) – المنظور ( نحن نحب وجهة النظر الطبيعية) – التكرار ( نحن نحب الكثير من نفس الشيء ) – التوازن ( نحن نحب التوازن ) – المجاز ( نحن نحب نقل جانب إلى جانب آخر )
يسأل (رامشاندران) عن الميزة التي ساهمت بها قدرتنا على إنتاج الفن في التطور، وينتقد بعض الاقتراحات، فيقول: “إن الفن لايخدم التنسيق بين العين و اليدين، كما أنه لايوضح الثراء، حتى و إن كان الثراء هو هدف الكثير من الفنانين الآن، إن الفن بديل هن قصور مخيلتنا، فمن خلال الصور الحقيقية كان أجدادنا يستحضرون شيئاً مّآ أصبح باهتاً في خيالنا“.
يعقب بذلك:
” ربما كان الإمر هكذا في يوم من الأيام لكن مبادئ راماشاندران للفن عامة جداً حتى أنها تشمل العملية الإبداعية بأسرها، فكل عمل إنساني يفعل أحد الأشياء التالية: فهو إما يعزل أو يبالغ أو يكرر أو يتباين آو يصنع مجازاً أو يلفت الانتباه، فدائماً ما يصدق أحد القوانين على أي عمل إنساني، ويبدو و كأن رامشاندران يستطيع أن يفسر شيئاً واحداً ” 
يختم الفصل الذي خصصه لفن الجمال بقوله:
إن الفن يخاطب حواسنا و مشاعرنا، سواءً كان أدباً أو موسيقى أو رسماً، ولكنه أيضًا يخاطب معارفنا الثقافية و أفكارنا، إن الفن يتحدى كل قدراتنا الفكرية، وهو مايجعله مميزاً، ولا بد أن هناك اتفسيراً عصبياً لكل تحد من هذه التحديات: تفسير لمتعة الجمال و الدهشة أو الحيرة، والأفكار هي أصعب ما يمكن اكتشافه و بحثه، لأنها متقلبة جداً و تثير أفكاراً أخرى كثيرة، و قد نعجب بمفاجآت الطبيعة و الفن القادمة، كم هو جميل.

فرانسيس بيكون ومقالته حول الأوهام

36798فرانسيس بيكون (1561 – 1626) فيلسوف ورجل دولة وكاتب إنجليزي شهير، معروف بقيادته للثورة العلمية عن طريق فلسفته الجديدة القائمة على الملاحظة والتجريب. من الرواد الذين انتبهوا إلى غياب جدوى المنطق الأرسطي الذي يعتمد على القياس. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويلم كلي رايت)، قام الأخير بتلخيص أفكار (بيكون) حول الأوهام، يقول بداية وعن الفلسفة التجريبية:

لقد اعتقد (بيكون) – بوصفه فيلسوفًا تجريبيًا – أن المعرفة البشرية تبدأ بالتجربة الحسية، ويمكن أن تتسع عن طريق ملاحظات وتجارب دقيقة. ومن هنا لابد أن تبدأ الاستدلالات ببطء وبعناية ؛ فلا ينبغي أن نقفز فجأة من وقائع قليلة إلى تعميم سريع. ولا ينبغي أن نترك شيئًا دون أن نضعه في الاعتبار.

يستكمل حديثه بعد ذلك قائلًا  عن علاقة (بيكون) بالتراث الفلسفي:

لقد رأى (بيكون) أن الفلسفة لابد أن تُبنى على أسس صلبة، مثل الأسس التي يمكن للعلم الطبيعي وحده أن يقدمها، ورأى أن المنطق يحدد الطريق الذي يستطيع العلماء أن يصلوا بواسطته إلى اكتشافات، ويمدوا الفلسفة بمادة التأويل والتفسير.

ولما كان (بيكون) قد ظهر في في هذا العصر، فقد اهتم ببيان أخطاء الماضي، وأصرَّ على أنه يجب البدء من جديد بطريقة جديدة تمامًا. وكما سيحدث باستمرار في حالة الرجال الذين يفعلون ذلك، كان أحيانًا حادًا للغاية في الحكم على السابقين، أي في الحكم على الفلاسفة القدماء وفلاسفة العصور الوسطى. مع أنه في حالات أخرى أبقى بصورة لاشعورية على كثير جدًا من وجهات نظر مضت كان قد رفضها ونبذها.

وقد قام (بيكون) بتقسيم الأوهام التي تسيطر على عقول البشر، وتمنع تقدمهم إلى أربعة أنواع، قام (ويليم رايت) بتلخيصها كالتالي:

أول هذه الأوهام هي أوهام القبيلة، التي يشترك فيها الجنس البشري كله، وتلازم طبيعة البشر الخالصة. ومن هذه الأوهام الميل إلى افتراض وجود نظام واطراد في العالم أكثر مما هو موجود بالفعل، ولذلك اعتقد العلماء أن الأجرام السماوية تتحرك في دوائر كاملة، وأن نسبة كثافة ما يسمى بالعناصر تساوي عشرة إلى واحد. ومن هذه الأوهام أيضًا إذا تبنينا رأيًا ما، فإننا قد لا ننتبه إلا إلى الدليل المؤيد له، ونهمل الدليل المناقض له. وذلك يفسر اعتقاد الإنسان في الطالع، والأحلام، والتنجيم، وخرافات أخرى. […] إن “الذهن البشري ليس موضوعيًا غير متحيز” بل “تخيم عليه” سحب الانفعالات والرغبات، حتى إن الناس لديهم استعداد لأن يعتقدوا فيما يرغبونه، ولذلك يستعجلون ولا يتأنون في البحث، ويندمون بالتالي على وقائع حقيقية توجد وراء آمالهم، ويأسفون عندما يناقض نور التجربة كبرياءهم وغرورهم. ويعوق الذهن البشري، علاوة على ذلك “بلادة الحواس، وعجزها، وخداعها“، حتى أن ما يمكن رؤيته مباشرة يفوق المبادئ غير المرئية التي تستنبط من استدلال قائم على التجارب.

أما عن النوع الثاني من الأوهام، فيقول:

وثاني هذه الأوهام، أوهام الكهف، وهي خاصة بكل إنسان فرد. وهي لأن كلًا منا يعيش في كهف صغير، أو يعيش في مغارته الخاصة، وله طريقته الخاصة في التفكير، ترجع إلى الوراثة، والتربية، والعادات، والظروف. ولذلك يغالي بعض الناس عادة في التشابهات بين الأشياء، بينما يغالي بعضهم في الاختلافات بينها، ويحب بعضهم القديم بإفراط ويحترمون السابقين، في حين أن بعضهم أسرى لما هو جديد من كل نوع.

ويستكمل حديثه حول النوع الثالث من الأوهام:

وثالث هذه الأوهام، وهي أكثر الأوهام إثارة للمشكلات، وهي أوهام السوق، حيث يتقابل الناس معًا، ويتفاهمون عن طريق اللغة. ولأن الكلمات يكون أصلها في عقل الإنسان العادي، فكثير ما لا تكون مناسبة لبحث علمي دقيق، فتكون النتيجة أن الناس يتجادلون حول كلمات يعجزون عن تعريفها بطريقة مناسبة. فبعض الكلمات الموروثة من آراء غامضة من الماضي، ويمكن تجنبها عن طريق رفض النظريات التي أدت إليها، مثل الحظ، والمحرك الأول، وعنصر النار.

أما النوع الأخير من الأوهام، فيقول عنه:

وآخر هذه الأوهام، أوهام المسرح، تلك “التي تتسرب إلى عقول الناس من معتقدات الفلسفات المختلفة، ومن قوانينها البرهان الخاطئ أيضًا“. فجميع المذاهب التي وصلت إلى عصر (بيكون) لم تكن في رأيه سوى “مسرح كبير جدًا يمثل عوالم من خلق (أناس) على غرار نموذج غير واقعي وخيالي“. وتحت هذا النوع من الأوهام يدين (أرسطو)، من حيث أنه ممثل للفلاسفة العقليين؛ لأنه حاول أن يضع العالم في مقولات من اختراعه الخاص دون أن يرجع أولًا إلى الطبيعة ويلاحظ الوقائع الفعلية، بل حدد من البداية بنتائجه، ثم عاد بعد ذلك إلى التجارب ليؤكد ما قرر مسبقًا. وهناك ما هو أشد سوءًا فيما يقول (بيكون) وهو أنه حتى الفلاسفة التجريبيين السابقين عليه كان ينقصهم منهجه، إذ كانوا يقومون بعملية التعميم من تجارب ضئيلة جدًا، تاركين خيالهم يجمح.

يقول (ويليم كيلي رايت) معقبًا على هذا التقسيم للأوهام:

وعندما نراجع الأنماط الأربعة من الأوهام عند (بيكون)، ندرك أنه بيّن بحق مصادر أربعة مختلفة للخطأ لابد من تجنبها في تفكيرنا. مع ذلك نجزع في البداية عندما نفكر في أن تلك الأوهام هي أيضًا المصادر الرئيسية لمعرفتنا. فنحن لا نستطيع أن نلاحظ إلا عندما نستخدم المصادر الذهنية المشتركة للبشرية، أو باستفادتنا من أي مواهب استثنائية قد نكون محظوظين بدرجة كافية بامتلاكها كأفراد. إننا لا نستطيع أن نستدل، إلا في المجالات المجردة الخالصة للرياضيات والمنطق الرمزي، بدون استعمال الكلمات، وإذا أراد الفيلسوف أن يفهمه الناس، يجب عليه استخدام الكلمات في صورتها الشائعة، ولا يخترع رطانة أعجمية خاصة به. ولا يستطيع إنسان حديث أن يرفض تمامًا كل ما أنجزته الفلسفة في الماضي وأن يحاول أن يبدأ بداية جديدة تمامًا، كما فعل (طاليس) في العصور القديمة في الفلسفة الطبيعية، وكما فعل (سقراط) في الفلسفة الاجتماعية. إننا مضطرون إلى أن نلفت النظر إلى المصادر الأربعة كلها – التي عندما يُساء استخدامها – تسبب الأوهام.