أرشيف الوسم: سلافوي جيجك

سلافوي جيجيك و عودة المعرفة المرحة

يقول الفيلسوف وعالم اللسانيات البريطاني (لودويغ فيتغنشتاين): “إنه من الممكن كتابة عمل فلسفي يتكوّن بشكل كامل من النّكات“.

وإن يبدو لنا هذا الزعم مبالغا فيه للوهلة الأولى، فإن الكثير من الفلاسفة قد اقتربوا بصفات متفاوتة من جوهر هذه المقولة من خلال أساليب في التفكير والكتابة سعت إلى كسر الأصنام التي لا تعترف سوى بصرامة العمل الفكري بكونه يتطلب أعلى درجات الجدّية والالتزام تفاديا لأي انزلاقات من شأنها أن تقلل من أهمية أي منتوج منطقي عقلاني.

وبالعودة إلى تاريخ الفلسفة الغربية، نجد أن عددا من الفلاسفة قاموا بمحاولات جادة لنزع القداسة والتجهّم عن الفلسفة، لعل من أهم أولئك كان الألماني (فريدريك نيتشه) الذي أعمل مطرقته في هذا الاتجاه من خلال العديد من أعماله، و خاصة في كتابه (المعرفة المرحة) الذي ظهر سنة 1882 وفيه هاجم الأخلاق المسيحية والفلسفة الكانطية التي تحرّمنا علينا مبادئها كل أشكال الفرح والاستمتاع بالحياة. فالفيلسوف إذن من وجهة نظر (نيتشه) مطالب بالاقبال على الحياة بجوانبها وتقلباتها الدائمة حيث يقول:

الحياة هي عالم من المخاطر و الانتصارات، عالم تستطيع فيه الأحاسيس البطولية أن تمارس رقصتها ومرحها .. الحياة كمبدأ تتطلب أن نحيا بشجاعة، بل كذلك أن نحيا بمرح ونضحك بمرح.

في هذا الإطار يتنزل حديثنا عن مفكر آخر معاصر، و هو السلوفيني (سلافوي جيجيك)، فيلسوف ومنظر سياسي وناقد سينمائي وثقافي من مواليد سنة 1949م.

زاول (جيجيك) تعليمه في سلوفينيا وتحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لوبلانا، ثم درس التحليل النفسي في جامعة باريس الثامنة، و تأثر بمعلمه السلوفيني (بوجيدار ديبينياك) الذي قدم لسلوفينيا الفلسفة المثالية الألمانية وفكر مدرسة فرانكفورت، كما أخذ عنه تناوله المتفرد للإرث الماركسي والفرويدي والهيغلي من وجهة نظر لاكانية، نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي (جاك لاكان).

برز نجم (جيجيك) في العقد الأخير كأحد الأكاديميين السوبرستار مستفيدا من الشهرة التي اكتسبها بفضل أدوات التواصل الحديثة كتويتر ويوتيوب حيث نُشر عدد كبير من محاضراته، حواراته المصورة والأفلام الوثائقية التي تتناول حياته ومسيرته وأفكاره.

كل ذلك جعل (جيجيك) يكتسب شهرة محترمة ويلقى قبولا وإقبالا حتى في أوساط غير أكاديمية وبين الشرائح الشبابية، حيث يعود الفضل في ذلك إلى الطريقة الطريفة التي يقدم بها أفكاره، وحضوره الملفت للانتباه بالإضافة إلى روح الدعابة التي يتحلّى بها حتى عند حديثه في أكثر القضايا جدّية، فضلا عن أفكاره الراديكالية التي لا يتردد في التعبير والدفاع عنها بأكثر الأساليب عامّية أو حتى سوقيّة في بعض الأحيان.

بالإضافة إلى العدد الكبير من الكتب التي ألفها (جيجيك) في تفسير الهيغلية و الماركسية، و عن التنظير السينمائي والتحليل النفسي، فإننا نراه دائم الحضور على المنابر المتلفزة وعلى موقع يوتيوب للحديث في المواضيع الراهنة مثل هيمنة الرأسمالية مابعد الكولونيالية والنظام الاستهلاكي و مسألة  العنصريّة واللاجئين، حيث لا يتردد مثلا في تحميل المسؤولية للغرب في إيجاد الحلول الجذرية لتدفق اللاجئين، الذين هم في نظره السبب الأول في نزوحهم من خلال التراخي أو التقاعس وأحيانا التواطؤ في دعم عدم الاستقرار في البلدان التي يأتي هؤلاء منها. كما يندد (جيجيك) باستمرار بالوصاية المباشرة والضمنية للبلدان الغربية (الأوروـ أمريكية) على العالم الثالث والسعي الدائم إلى تحويل كل ما يحدث فيه ليخدم مصالحها.

في ما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يتخذ (جيجيك) كالعادة موقفا جدليّا، فإن كان هاجم بشدة الأفكار المعادية للسامية في العالم والعالم العربي وثقافته، خاصة في كتابه (مرحبا في صحراء الواقع) فإننا نراه يعود لينتقد وبشدّة السياسات الاستيطانية لدولة اسرائيل وإرهاب الدولة الذي تمارسه و تواطئها مع عقلية التطهير العرقي التي يسلكها المستوطنون والعصابات الصهيونية، و يطالب (جيجيك) بمنح الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم.

كذلك كان (جيجيك) مساندا دائما للأصوات الحرة في العالم رغم ما جلبه له ذلك من نبذ وإقصاء كان متعوّدا عليه منذ بداية مسيرته حتى من قبل التيار الماركسي نفسه الذي يحسب عليه، فكان و لا يزال أحد أكبر المساندين لـ(جوليان أسانج) باعث موقع ويكيليكس، الذي تلاحقه الادارة الأمريكية و البريطانية منذ سنوات بسبب نشره  لفضائح اقترفتها حكوماتها خلال حربها في العراق وأفغانستان وغيرها من البقاع راح ضحيتها مدنيون وأبرياء.

وبالعودة للحديث عن الكاريزما والأسلوب المرح والممتع الذي يتمتع به، قال (جيجيك) في إحدى محاضراته أن طريقته تلك هي سلاح ذو حدّين، فبقدر ما ساهمت في قسط كبير من شهرته والتعريف به وبفكره في الأوساط الأكاديمية وغيرها، فإن الكثيرين من أعدائه يحاولون استثمار هذه الميزة للتقليل من أهمّيته كمفكر صاحب فلسفة ومواقف جادّة:

أعتقد أن ما يحصل معي الآن هو أن جعلي مشهورا هو بمثابة المقاومة في وجه أخذي على محمل الجد. أعتقد أن من واجبي في هذه الحالة أن أقوم بعمليّة قتل لنفسي ككوميديّ مشهور.

في أبريل الماضي استجاب (جيجيك) أخيرا للدعوات المكثفة التي حثته على خوض مناظرة فكرية مع فيلسوف شهير آخر وهو المحلل النفسي الكندي د. (جوردن بيترسن) الذي تباع كتبه بملايين النسخ في الولايات المتحدة خاصة، وقد وضع (جيجيك) منذ البداية شروطا صارمة لمشاركته، وهي الاحترام القسري للوقت المخصص لكل طرف، وتواجد منشط يدير الحوار، ثم فسح المجال أخيرا للجمهور لطرح الأسئلة.

ويبدو أن أسباب تلك الشروط كانت واضحة، ربما رغبة منه ألا يتحول لقاء فكري إلى ساحة للجدال الشخصي أو التناطح العبثي وسط تهليل الجماهير الغفيرة التي من البديهي ألا تكون في أغلبها من النخبة الأكاديمية الواعية تماما بمتطلبات المناظرات الفكرية. وهو الشيء الذي عبر عنه مساء مناظرة القرن، كما اعتبرها البعض، التي أقيمت في تورنتو الكندية، عندما هتف له “أنصاره” بعد المقدمة التي قرأها، فما كان منه إلا أن طلب منهم بلطف ألا “يفعلوا هذا” لأنه ليس في مصارعة مع (بيترسون).

بالنسبة للقارئ العربي تبقى الترجمة، بالاضافة إلى الشح في البرامج والسياسات التي تعرف بالفكر الغربي الجاد، هي إحدى أكبر العوائق أمام اطلاعه على أعمال مهمة في الفلسفة، كما في الأدب وغيره من المجالات، فبعد قرابة الثلاث عقود من ظهور (سلافوي جيجيك) كأحد المفكرين المشاهير في العالم، لازالت ترجمات كتبه إلى العربية لا تتجاوز الكتابين أو ثلاثة من أصل عشرات المؤلفات التي نشرها، لتبقى مصادر الباحث العربي مقتصرة على بعض المقالات المنشورة على الانترنت أو فيديوهات اليوتيوب التي وإن كانت مهمة، لكنها لا ترقى إلى ما يمكن للكتاب المطبوع أن يوفره من معرفة أصيلة و خالية من أي تسطيح أو تلاعب.

و نختم مع ما قاله عنه د. (جميل خضر) و هو أحد الباحثين العرب المهتمين بفكره:

يشار إلى (جيجيك) في الإعلام الجماهيري على أنه “(إلفيس بريسلي) النظرية الثقافية” و“نجم الروك الثقافي”. و لكن (جيجيك) فيلسوف و منظر سياسي أكثر جدية مما تدل عليه التسميات المستهينة … هو واحد من أهم الفلاسفة الأحياء اليوم وأفكاره أصيلة، رغم كونها جدلية، إلا أنها متبصّرة و ثورية، و على الرغم من أن (جيجيك) ربما لا يقدم إجابات مقنعة لكل مشكلات العالم، فأعماله بالتأكيد تقدم لنا الأدوات النقدية التي نحتاجها لتطوير تحليلنا عن العالم.

سلافوي جيجك بين أوهام الأمل وشجاعة اليأس

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا ولديه إسهامات متعددة في الفلسفة الغربية الحديثة.

في مقال قصير من (سلافوي جيجك)، نُشر في مجلة (نيوفو) الفرنسية بتاريخ 1 يناير 2018، ونقله للإنجليزية (جوليوس جافروش) بتاريخ 4 يناير 2018 بعنوان: “سلافوي جيجك و أوهام الأمل”. ننقله لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (جيجك) في مقالته:

 

لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: “سَلاَمٌ وَأَمَانٌ”، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ

تُعتبر جدلية التفكير مزن أهم إسهامات الثقافة الأمريكية عبر سلسلة نكت الأطباء المبتذلة، من فئة: “هناك خبر سعيد والآخر سيء”. فعلى سبيل المثال : الخبر السيء هو أنّ السرطان متفشي في جسدك وستموت خلال شهرٍ واحد، ولكن الخبر السعيد هو إنَّ اكتشفنا إصابتك بمرض ألزهايمر فبالتالي ستنسى الخبر السيء ساعة وصلك لمنزلك. ومن المفترض ان نتتعامل فيما يتعلق بالراديكالية السياسية بنفس النهج تماماً. فبعد الكثير من الأخبار “السيئة“– وبعد رؤية الكثير من الأمل الذي يُسحق بكل وحشية في محيط الممارسات الراديكالية، و يتمزق بين نموذجين على سبيل المثال في حالتهم القصوى مثل أليكسيس تسيبراس و نيكولس مادورو-، و رغم أنَّ فكرة نجاح أشباههم مُغرية إلا أن هذا النوع لن يحظى بفرصة نجاح كونهم مُدانين منذُ البداية، وكل أمل لأي تغيير حقيقي وفعال ليس إلا مجرد “وهم.”

لذا بدلاً من البحث عن النقيض عند الإشارة إلى “الأخبار السيئة” وتبني رؤية سعيدة ، ينبغي أنّ نتعلم تمييز الجيد الكامن في داخل أي سيء عبر إدراك السيء من عدة جوانب. لنتأمل إحتمالية التشغيل الألي الأتوماتيكي والتي تُرعب الكثير من الناس لأنها تقلل من فرص عمل الأفراد فينتج عنها كتلة بشرية من البطالة، ولكن لماذ نخشى هذه الإحتمالية؟ ألا تفتح هذه الإحتمالية فرصة خلق مجتمع جديد فيه نعمل بشكل أقل؟ على أي صعيد سينهض المجتمع إذا تحول الجيد تلقائياً إلى سيء؟

لقد أخطأ (كارل ماركس) عندما قدم إحصائية بديلة عن النهاية الوشيكة للرأسمالية أو على الأقل كما يصفها النهاية الحتمية، و لكن في الواقع الرأسمالية تنجو دائماً، فلم يقدم ماركس تحليل للطريقة التي تُخلد فيها الرأسمالية نفسها، فبعد كل أزمة تنبثق الرأسمالية من جديد.

وكما وصفَ عالم الإجتماع الألماني (فولفجانج شتريك) أن الماركسية شاهدت “الأزمة الآخيرة” للرأسمالية بشكل صحيح، وهي المرحلة التي ندخلها اليوم، ولكن غاب عنها أنّ هذه الأزمة من التدهور و التفكك عملية طويلة الأجل،  وبدون وكيل يعطي التدهور تحول فعلي إلى منظومة اجتماعية عظيمة، وبدون الطريقة الهيغيلية ، لا تستطيع الرأسمالية النهوض وتجاوز مشهد الإنهيار.

يمكن وصف المفارقة التي نعيشها بالآتي: في حين تفشل مقاومة الرأسمالية العالمية مراراً  وتكبح عن الانتشار، فإن المظاهر المتعددة لا تزال تعطي الإشارة على واقعية تَدَمُّر الرأسمالية التدريجي بطريقة غير واضحة وغريبة. وكما لو أنّ القطبين (المقاومة و التدمير الذاتي) يتقدمان على مستويين مختلفين دون نقطة إلتقاء وتوافق، فينتج عن ذلك فشل إحتجاجات المقاومة عن تدمير الكينونة الذاتية المتهالكة، وعدم إيجاد توجيه دقيق كهدف للتحرر من الرأسمالية . كيف وصلنا إلى هنا؟ في حين يحاول الجزء الأعظم من التيار اليساري يائساً حماية حقوق العمال القديمة ضد اعتداءات الرأسمالية العالمية، وبشكل حصري نجد أن حِدة تصاعد نداءات الرأسماليين أنفسهم (من إيوان مسك إلى مارك زوكربيرغ) تتحدث عن مرحلة الما بعد رأسمالية ، وكأن الغاية من تجاوز الرأسمالية كما نعرفها هو نظام الما بعد الجديد المستولى عليه من الرأسمالية .

بعد كل ذلك، كيف بالإمكان إحداث تحول إجتماعي جذري؟ بالتأكيد ليس بأسلوب تحقيق الإنتصارات بهتافات الفوز و عرض واحدة من الكوارث من فئة ثرثرة الإعلام عن إقامة ندوة جدلية للنقاش… ولكن بطريقة ” كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ ” ؛ ” لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ، أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ، كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ “. و لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ” ( من رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي 5:3). أليس هذا هو حال مجتمعاتنا؟ ألسنا مهووسين بالتحديد بـ “السلام والأمان”؟ ونفس الشيء ينطبق على العلاج النفسي حينما تظهر النتيجة دائماً  تأتي كردة فعل غير متوقعة: “ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، و تكون مفاجأة، ولا تكون حصيلة إدراك مشروع يتم صياغته. لأن النظام الرأسمالي العالمي صلب جداً وقادر على مجابهة كل محاولات التخريب، ولتصبح معاداة الرأسمالية فعالة، وتخطي الصراع، يجب الأخذ في الحسبان كل التدابير المضادة، وتحويلها إلى أدوات دفاع و أسلحة متفجرة .

إذا انتظر الفرد اللحظة الصائبة والتي يكون فيها التحول سلس ومستطاع، فلن يصل أبداً، لأن التاريخ لا يقدم لنا الفرص المصيرية على طبق من ذهب، فيتعين على الفرد المجازفة، و أن يتحمل المخاطر ، وأن يحاول أن يتدخل ويتفاعل حتى إذا بدى له أن هدفه الذي يود تحقيقه ( مُوقِن به) لا يمكن الوصول إليه. فمحاولات التدخل وحدها تجعل من المستحيل ممكناً، و سيصل بالطريقة التي لا يمكن التنبؤ بها.

ربما يستطيع فلاديمير لينين تنويرنا هنا، وتقديم نموذج على شجاعة اليأس، فبعد أن شاهدَ بوضوح أخباره السيئة وأن ثورته لن تتوسع وتشمل أوروبا بأكملها، وقبل موته بسنتين، كتب :” ماذا لو كان هناك يأس شامل، نيأس القدرة على تغيير الوضع برمته، ولكننا عبر تحفيز جهود العمال والفلاحين توفرت لنا الفرصة لخلق متطلبات أساسية للنهضة بطريقة مختلفة عن تلك التي تحدث في دول أوروبا الغربية”.

قال جورجيو أغامبين في مقابلة: ” أنَّ التَفَكَّر هو الشجاعة في اليأسِ” ؛ عبر إدراك الصلة الوثيقة بين اللحظة التاريخية وعلاقته بالزمن الذي نعيشة، فبالتالي حتى أن أكثر القراءات التشخيصية تدعوا للتشاؤم، ولكنها عادة تُختتمُ بتصورِ الوهمْ في أنَّ  النورَ ينتظرنا آخر النفق. فالشجاعة الحقيقية لا تكمن في أنّ نتصورَ بديلاً، ولكن في قبول عواقب عدم وجود بديلاً عن السيطرة العالمية التي خَلَفتها الرأسمالية ، فلا يوجد بديل تقليدي يمكن التعرف عليه وتحديده بسهولة. وحلمُ البدائل هو علامة على الجُبْن التنظيريِ، فهي بمثابة صناعة صنم يعقينا عن التفكير من داخل مأزق طريقنا المسدود، وسيحدث ما يحدث لا محاله. وبإختصار، الشجاعة الحقيقية هي بالاعتراف أنَّ النور في آخر النفق هو نور قطارٍ آخر متجه نحونا من الجهة الآخرى.

شيء آخير، حتمي، بعد كل ما ذُكرَ: أنَّ اليوتوبيا المطلقة، اليوم، تتكون من نفس آليات التفكير في التصور أننا إن لم نقم بأي شيء، وببساطة إن حافظنا بحكمة على النظام العالمي القائم، ستستمر الحياة كما هي.


[المصدر]

سلافوي جيجك: الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا، ولديه العديد من الإسهامات في الفلسفة الغربية الحديثة.

يقول (جيجك): “الناس تشتري الكتب، ولا أحد يقرأها”. ننشر هنا لقاءً صحفيًا معه، أجرته صحيفة (الفلسفة اليوم)، نترجمه بشكل حصري لدى ساقية.

يبتدئ الحوار بأن يسأل المحاور:

إذن بروفسور جيجك …

لا تناديني بروفسور إذا كنت لا تريدني أن اقتلك لأني اشعر بالإنزعاج عندما ينادوني بكلمة “بروفسور”، ويقولون: أين هو البروفسور؟ لدي مشكلة مع إستخدام الألقاب الرسمية، وهلم جراً. وعندما يناديني أحدهم بروفسور أستقبلها كنوعٍ من السخرية، ولستُ فخوراً بها…

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها؛ أنت لست مجرد فيلسوف ولكن على غير المعتاد فيلسوف شهير؟ هل الشهرة ضرورة؟

في البداية، مفهوم الشهرة نسبي، وكما تعلم لدي العديد من الأعداء؛ يعتقد بعضهم أني مجرد مهرج، و يعتقد البعض الآخر أنَّ خلف طبيعتي المسلية داعي للفاشية أو شخص ذا أبعاد ستالينية، وهلم جراً.

إذن؛ ما يسمى شهرة هو مجرد وسيلة لإبقائي بعيداً عن التعمق بجدية في الاعمال التي أقدمها، وأنا فخور حقاً بكتابي “أقل من لا شيء”، الكتاب المجنون والذي يتساوى في عدد صفحاته مع “الإنجيل المقدس”، وهو كتاب معروف وقد بيع منه نسخاً كثيرة جداً، فكل ذلك يعطيني الأمل بأن لا نقلل من شأن عامة الناس .

مؤخراً، تعرضت للضغوط من مؤسسات لنشر الكتب لأجل أن اقوم بتأليف كتاب مسلي من فئة الأكثر مبيعاً عن دونالد ترامب، ولكن لماذا ينبغي علي تأليف ذلك؟ لا أعتقد أن ترامب مثيراً للإهتمام بل هو أحمقٌ مُمل.

هل أنت قلق حول كتبك تصبح زينة فوق طاولات القهوة؟ أنت تعلم، الناس يشترونها ولكن في الواقع لا يقرؤونها؟

بالطبع أنا قلق، ولكن ليست الكتب التي توضع فوق طاولات القهوة وحدها لا تقرأ، خذ معها كتب الأكثر مبيعاً، والكتب الكلاسيكية أيضاً، الناس تشتريها ولكن لا أحد يقرأها.

و على سبيل المثال انظر كتاب جون رولز بعنوان “نظرية العدالة”؛ اعرف شخصياً مؤلفين من نيويورك قاموا بتألف كُتباً عن “نظرية العدالة”، و اعترفوا لي على انفراد وفي لقاءات خاصة أنهم لم يقرؤوه، و لا اختلف معهم لأن أسلوب جون رولز في الكتابة يمكن اختصاره داخل  50 صفحة ولن تفقد من مضمونه شيئاً.

وكل ذلك يقودني لبعض الشكوك المشابهة حول هيجل و مؤلفاته عن “المنطق”، فأنا اشك أن الناس قرؤوها، ولسببٍ ما أعتقد أنه لا يهم حتى وإن لم يقرؤوها.

ويوجد كتاب رائع لمؤلف فرنسي إسمه بيير بايارد، بعنوان “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها؟”، المؤلف يأخذ موضوع عدم قراءة الكتب بجدية وبالجدية الفرنسية الصارمة، وليس بأسلوب هزلي ساخر، فيقول: إنَ أفضل الكتب التي تناقش مؤلفين آخرين تم تأليفها من أناس لم يقرأوهم بشكلٍ كاملٍ، ويضيف أيضاً: عندما تتحدث عن كتاب لم تقرأه يجب أن تقوم بالتركيز على جزئية واحدة، ثم تترك هذه الجزئية الوحيدة تصبغ إنطباعك الكُلي حول الكتاب.

وهو بالطبع صادق، لأن تلك هي الكيفية الوحيدة لتقديم شيء جديد، وذلك عبر المفارقة الفلسفية التي تقول: لا تحتاج لتقرأهُ كلهُ إن كنت تعرف الكثير منه و إلا ستشوش القراءة أفكارك التي تعرفها.

ولكن الناس يشترون كتبك ولا يقرأونها، فهل بالرغم من ذلك تعتبرها علامة جيدة على إهتمامهم بالفلسفة؟

نعم، أمنيتي السرية أنَّ هناك فئات متعددة من القراء ومنهم القراء الذين لا يبحثون داخل كتبي عن النكت فقط.

فبعد السلسلة الفلسفية من الكتب التي ألفتها مؤخراً، والأكثر فلسفية، كتاب بعنوان: “الإرتداد المطلق” والذي إن كنت تسألني تحت تهديد خطر الموت – وآسف لقول هذا – هو أفضل كتاب من بين الكتب التي ألفتها على الإطلاق، لأن بسببه استقبلت رسائل كراهية عبر الإيميل، ومنها رسائل تشكوى: “أين النكت؟”.

بعيداً عن النكت البذيئة التي اقولها؛ يتهمني البعض أني مجرد فيلسوف تقليدي جداً! وهم صادقين بعض الشيء لأني استخدم فلسفة جاك لاكان كأداة صارمة لإعادة تأويل فلسفة هيجل.

وأكبر حدث في تاريخ الفلسفة هو الانتقال من كانط إلى هيجل.

مالذي يجب على الفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ أو مالذي يمكن للفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ وهل كان هيجل علامة فارقة ذا أهمية؟

قطعاً بالتأكيد. اليوم ربما ليس الوقت المناسب لتغيير العالم ولكن بدلاً عن ذلك يجب أن نخطو عودةً للخلف، ونتأمل. فكل ما نحتاجه اليوم هو الإنتقال من مادية ماركس إلى مادية هيجل لأنها أكثر حصافة ودقة.

هل تعرف من هو هيجل الذي يعجبني؟ هيجل الذي يقول في مقدمة كتابه: “إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، و تعطي هذه المقولة البسيطة انطباعاً خاطئاً أن هيجل كان محافظاً في “فلسفة الحق”، و بطريقةٍ ما فهو يدعوا إلى الفاشية داخل المجتمع، لأنه كتب ما معناه أن أي نظام تاريخي محدد لا يمكن فهمه إلا بعد أن ينتهي وقته، فهل تعتقد أن هيجل مغفلاً ولا يعرف أن نفس الوصف من الممكن أن ينطبق على كتابه “فلسفة الحق”؟ هيجل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل إجتماعي محدد، بل يرسم حالة اجتماعية تُشكل نفسها بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. وحالنا اليوم يشبه فلسفة هيجل تماماً وأكثر بكثير من فلسفة ماركس.

ماركس يؤمن وبقليل من الغائية أن الظرفية الاجتماعية تتطلب ثورة بروليتارية كضرورة حاسمة،  ومهمتها إصلاح البشرية جمعاء. لكن بالمقابل تُفهم الظرفية الاجتماعية عند هيجل على اعتبار انها نهج ما بعد الثورة. فخذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية التي أخفقت، وتطورت بطريقةٍ ما لتصبح شيئاً بعيداً عن الصواب، ولكن هيجل قام بإعادة تأويلها.

الإشكالية العصية التي تطرحها أفكار هيجل هي أن لا تقول أن الثورة الفرنسية مجرد هراء، ولكن يجب عبر كيفية خاصة أن نحافظ عليها كإرث تاريخي بشري حي بغض النظر عن النتائج الكارثية التي آلت إليها الثورة. وأتصور أن وقتنا الحالي مشابه جداً لتلك المرحلة؛ فالقرن العشرين فشل في محاولات التحرر من الراديكالية السياسية.

ويجب أن نتخلى عن الإستعارات المجازية الماركسية مثل أننا اليوم نقود قطار التاريخ البشري. فالماركسيون يحبون أن يقولون حتى وإن كانت الأيام مظلمة؛ فبالإمكان رؤية النور آخر النفق. وأنا أقول بقليل من السخرية: ” نعم إنه نور قطار آخر يتجه نحونا”.

إذن هذا حالنا اليوم، وهيجل يعرفه، حالنا مكشوف؛ لا نستطيع عمل أي خُطط لتغيير العالم.

ولكن النور معنى مجازي، وقد يعني أي شيء، ولايعني بالضرورة قطاراً آخراً؟ هل من الممكن أن يكون النور هو نهاية النفق؟

نعم مجازي. و بسبب ذلك يجب علينا أن نتخلى عن الأوهام والآمال الزائفة.

حتى الجناح اليساري اليوم، في معظمه هو يسارية فوكويامية. فيعتقدون جوهرياً إن الليبرالية الديموقراطية وأجزاء من الرأسمالية هما اللاعبان الرئيسي والوحيد في العالم، و يحاولون أن يجعلون اليسار أفضل بمزيد من التضامن الاجتماعي والوحدة الاجتماعية و التآمين الصحي وزاج المثليين….الخ.

وجوابي على فوكوياما: حسناً لنقل أنك على صواب، وان الرأسمالية انتصرت، أليس من السخرية أن أغلب قادات الرأسمالية العالمية هم شيوعيون يمتلكون القوة. لذا يجب علينا أن نتفق في أن إدارة الأمور بطريقة القرن العشرين قد انتهت.

ألا تعتقد أن هذا يقودنا إلى إشكالية اصطلاحية؟ عندما تقول “الرأسمالية يقودها شيوعيون يمتلكون القوة”، مالذي تقصده بالرأسمالية؟ الرأسمالية لها صيغ وأشكال متعددة، والشيوعيون الذين يقودون الرأسمالية بالتأكيد ليسوا شيوعيين حتى إن ادعوا ذلك.

على أي مقدار أنا شيوعي؟ بقدرٍ محدود للغاية. و ألسنا كلنا شهود اليوم على تهكم عظيم؟ فما تبقى من اليسار عاجز عن تقديم نموذج عالمي بديل وملائم. واتذَكر عندما كنت جزء من الحركة الاجتماعية “احتلوا وول ستريت”، وكنت مع المعارضين في نيويورك أسأل الحشود أسئلة حمقاء مثل: “مالغاية التي تريدون الوصول إليها؟” وطبعاً لم يعطوني جواباً وحداً لأنهم أصلاً لايعرفون ماذا يريدون. فاليسار اليوم يتجه نحو الأخلاق الاجتماعية كأجوبة بسبب الإفراط في التركيز على مفاهيم مثل الصواب السياسي، وهلم جراً.

المشكلة هي أن المعارضين لا يعرفون ماذا يريدون وبلا هدف واضح من ناحية، ومن ناحية آخرى أليست كل العلامات التي من حولنا تدل على أن الرأسمالية التي نعرفها، تقترب من النهاية؟ انظر  إلى المشكلة الايكولوجية “البيئية”، من الواضح أن الرأسمالية عبر سن الأنطمة والضرائب لم تستطع تقديم حلولاً كافية. وانظر الى الرأسمالية الخيالية، وكيف يسوقون لها الناس. وعندك أيضاً مشكة المهاجرين، اذا سألتني، أعتقد أن الرأسمالية تنهار. وعند وقوع كوارث كبيرة نحتاج لحلول أكبر، يستطيع أن يحتويها.

و انظر الى مشكلة الجينات الحيوية والتي ستغير في كينونة الإنسان الحي؛ بالإمكان أن تتصل أدمغتنا مباشرةً بأجهزتنا الكمبيوترية. والنتيجة الحزينة الوحيدة، والتي كنتُ ولازلت أحذر منها هي نموذج الدولة المثالية؛ الدولة المفتوحة تماماً للسوق العالمي، ولكن في نفس الوقت مبنية على آيديولوجية التمركز العرقي، بالتركيز على ثقافتها الخاصة فقط، وهذا ما يقوم به ترامب، وجميع الحكام الدكتاتوريين، والصين، والهند، وحتى بوتين يلعب نفس هذه اللعبة. فالعالم يتجه نحو نهج دولي جدي عبر الانفتاح على السوق العالمي الحر، وبالمقابل،كقاعدة أساسية الإنغلاق على الذات وعدم قبول الآخر. وهذا شيئٌ محرنٌ جداً.

ونعود الآن لسؤلك: لماذا الشيوعية؟ أتصور جميع المشاكل التي سردتها هي في نهاية المطاف كما يصفها، كارل ماركس ب “العموميات”، والمقصود وجود بعض الأجزاء العامة والمشتركة بين الجميع، والتي لا يمكن خصخصتها وتركها للسوق. فالايكولوجيا “علم البيئة” جزء من حياتنا الطبيعية المشتركة، وإلى أي مقدار  يمكننا التلاعب فيه؟ وعندك أيضاً الملكية الفكرية هي من مشاكلنا العمومية، ومعها أيضاَ مشاكل الجينات الحيوية. وبهذا المعنى أضعها بشكل ساخر، وأقول : “اليوم الشيوعية ليست الحل، ولكنها إسم المشكلة”. لذا يجب علينا أن نجد حلاً بمستوى عمق مشاكلنا؛ أي نتعامل مع مشاكلنا العمومية خارج نطاق متطلبات علاقات السوق العالمي.

صديقي بيتر سلوتردايك، عبر كتابه بعنوان ” ماذا حدث في القرن العشرين؟” قدمَ نفس الإستنتاج، بانتهاء حقبة الدولة القومية التي تكون أسمى قيمها الأخلاقية العليا مبنية على ” هل أنت جاهر للتضحية لأجل وطنك؟”. فنحن بحاجة إلى نماذج فعاله للخروج من حدود الوطنية القُطرية كطريقة ناجعة لحل مشاكلنا مثل مشكلة الجينات الحيوية.

على الرغم من كوني ماركسي جيد إلا أنني لست ضد الرأسمالية بالمطلق، لأنها النظام الأكثر ديناميكية في تاريخ البشرية. وأيضاً أرفض قطعاً الإعتماد على المفاهيم القديمة التقليدية لمحاربة الرأسمالية العالمية، بل يجب أن نحاربها بمفاهيمنا الخاصة عبر رؤية عالمية جديدة. ونقطتي التي أود أن أقولها يجب علينا عبر ممارسة الرأسمالية أن نتجاوزها، ونتخطاها، ولا أقول أريد طوبائية “حياة مثالية” وأكثر، ولكن أقول من الواضح أن الرأسمالية تقترب من أزمة كبرى، والسبب عدم قدرتها مواجهة مشاكلنا العمومية مثل المشكلة الايكولوجية، وهلم جراً.

أنا هنا متشائم الى حدٍ ما، بمعنى أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشاكلنا عبر مفاهيمها الخاصة. وأيضاً أجد خوف الناس من البطالة بسبب العولمة غير عقلاني، أقول لهم: ليس صحيح لأن زيادة البطالة بسبب العولمة هي أفضل خيار تاريخي حصلنا عليه. لأن حان الوقت أن نقول: “عظيم! الأن سنعمل أقل”، ولكن الإفتراض التلقائي جواباُ على البطالة في انها كارثة.

هل تقول أنه لا توجد فعلياً ثورات سياسية مُحكمة السيطرة والتخطيط؟

نعم، هذا تصور هيجلي؛ لا توجد ثورات محكمة التخطيط. وماركس كان يقول أن الثورة البروليتارية عملاً يفهمه بوضوح الذوات التي تقوم به، ويحقق تطلعاتهم. وفي مرحلة ما من التاريخ الطبقة العاملة (بقيادة لينين) كانت تعرف بوضوح المواضيع التي تريد تحقيقها، وعملوا الثورة، ولكن النتيجة لم تكن عن غاية مخططة فلم تعبر بصدق عن المجتمع، بل وقعت في نفس الجدلية التاريخية التي سبق أن وقع بمثلها في مرحلة سابقة من التاريخ.

في كتابي الجديد “شهوانية الباطل: عُقد الفلسفة الإقتصادية”، أسأل عن معدلات الموت في الأنظمة الشيوعية. لا أحارب فقط ضد صدق وشفافية الثورات ولكن أحارب أيضاً ضد الرؤى التي بطريقة أو بأخرى ستكون محل تمجيد في المجتمعات الشيوعية. فأنا أقول فقط، ولكن من الذي يعرف؟ ربما الأوضاع ستكون أسوأ. وحتى بدون تنميط الماركسية بصورة مخادعة يجب علينا فهم مصطلح “الكثافة التاريخية”. افذا كانت جميع القوانين الاجتماعية تفتقر للشفافية الصادقة، سينتج عنها مجتمع جديد مطابق لها تماماً آي أنه في الأساس مجتمعاً لا يعرف مالذي سيقدمه.

أنت أشرت سابقاً إلى الصواب السياسي، هل تعتقد أنه مشكلة؟

لدي بعض الشكوك حول مفهوم “الصواب السياسي”، فأتفق مع أهدافها، وعدم الإهانة، وعدم الذل، وصمودها ضد القوة الاجتماعية، ولكن فكر في شخصية الإنسان “الكائن الحي” الذي يؤمن بالصواب السياسي، سيعيش في هووس بين قلق الإيذاء الشائع و بين كثرة ضحاياه لدرجة أصبحنا فيها دائماً مهددين في كل ما نفعله. واذا نظرت الآن إلى عينيكِ لمدة ثانيتين، قد تُعتبر نظرة طويلة، وتصبح تحت مفهوم “الصواب السياسي” جريمة إغتصاب بصري. بالتالي خلف الصواب السياسي رؤية حزينة ” أننا جميعاً من المحتمل أن نكون ضحايا”.

أليس الصواب السياسي في مجمله هو ضبط اللغة باستخدام ألفاظ لبقة للتعبير عن ذواتنا بغض النظر عن التعصب الموجود بداخلنا؟

نعم لكن تطبيقها يُخفق، فأفضل خطوة للوقوف خلف العنصرية ليس بتغيير اللغة، ولكن بإستخدام نفس اللغة بطريقة ساخرة لاعنصرية بسبب اعتقادي بإستحالة التواصل مع بعضنا بلا قليل من البذاءة.

كنت أتساءل هل تتصور بالإمكان وضع سؤلاً فلسفياً واحداً تحديداً اليوم ليكون بارزاً؟

من الممكن وضع سؤلاً حول طبقات المظهر الخارجي (الشكل)، وهي مسألة مؤلوفة، وحتى كانط ناقشها كثيراً: ” هل كل الذي حولنا يحدد مظهرنا الخارجي؟ هل بالإمكان تجاوز المظهر الخارجي ولمس الجوهر بواقعية كما هو؟”، بالمقابل عظمة هيجل تكمن في التعامل مع هذه المسألة بشكل عكسي، بالقول: “كيف يظهر الجوهر الداخلي بواقعية وصدق عبر المظهر الخارجي كما هو؟”، لأن المظهر الخارجي يعني فجوة مريعة. فالأشياء ليست هي فقط مظهرها خارجي، بل هي ماتظهره لذواتها داخلياً. وأنا هنا هيجلي تماماً، وأؤمن بوحدة المظهر والجوهر، و وجوب تبادل الحد الأدنى من الانعكاسية بين المظهر والمطلق الكلي.

وبالنسبة لي تعلمت من الفيزياء الكمية أن المظهر مجرد مادة، ويمكن قياس مقدار حجمها بمقدار ظهورها، والظهور يعكس الماهية؛ جوهرها.

نحن الأن نقترب من نهاية المقابلة، ولكن قد يتساءل قرائنا، من بين كل الكتب التي قمت بتأليفها؛ ما هي الكتب التي يتوجب علينا قرائتها؟

من كتبي أتصور كتاب “حدث: فلسفة العبور”، وإن كنت تمتلك الطاقة الكافية فأنصح بكتاب “الإرتداد المطلق”.

وأيضاً بالطبع يوجد عندك الفلاسفة العظماء الثلاثة بالنسبي لي وهم: أفلاطون، و ديكارت، و هيجل، ولماذا؟ لأن كل واحداً منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ” أليس تاريخ الفسلفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟”، ومن بعده يأتي ديكارت؛ فالجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيجل. هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، هم فلاسفة “الحدث”.

 

سلافوي جيجك: لنبدأ التفكير الآن

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا ولديه إسهامات متعددة في الفلسفة الغربية الحديثة. يدعو في هذا المقطع الناشطين في حركات التغيير -مثل حراك احتلوا وول ستريت وغيره- إلى التوقف قليلاً لفهم العالم بشكل أفضل. فكما يقول “في القرن العشرين ربما حاولنا أن نغير العالم بسرعة شديدة، وقد حان الوقت لتفسيره مرة أخرى، فلنبدأ التفكير”.

إذن من السهل أن تكون ضد الرأسمالية شكلياً.. لكن ماذا يعني هذا ؟

إنه سؤال مفتوح كلياً. وهذا هو السبب – مع كل تعاطفي مع حركة احتلوا وول ستريت– أن النتيجة تمثلت في درس بارتيبلي الذي يقول دائماً في إجاباته (أنا أفضل ألا…). رسالتي لحركة احتلوا وول ستريت هي : لا تلعبوا هذه اللعبة أبداً.

فهناك خطأ جوهري في النظام، والأشكال المؤسساتية الديموقراطية الموجودة ليست قوية بالكفاية لتحل هذه المشاكل. وبعد كل هذا هم لايملكون الحل ، ولا أنا. بالنسبة لي فإن حركة احتلوا وول ستريت مجرد إشارة لتنظيف الطاولة.

“لنبدأ التفكير الآن”

(..)

إذن نحن نواجه مسألة جادة. لنتذكر -وأنا أقول هذا كاشتراكي- أن بدائل القرن العشرين للرأسمالية والسوق قد فشلت بشكل فادح، مثل الاتحاد السوفيتي الذي حاول التخلص من هيمنة اقتصاد السوق المالي، ولكن السعر الذي دفعوه كان عودة للهيمنة المباشرة والعنيفة. إنك لن تستطيع حتى الفرار منها شكليا فعليك طاعة المجتمع السلطوي. وهذه مسألة خطيرة، كيف نلغي السوق دون أن نرجع مرة أخرى في علاقة العبودية والهيمنة؟

نصيحتي -لأني لا أملك إجابة مباشرة- هي في شيئين:

أ- لنبدأ بالتفكير. ولا تتأثر بالضغط الزائف على النشطاء بقولهم “افعل شيئاً، ولنفعل هذا وذاك” … لا ، الآن وقت التفكير. وقد أثَرْت بعض الأصدقاء اليساريين عندما قلت لهم أنه إذا كانت القاعدة الماركسية الشهيرة (الفلاسفة انشغلوا بتفسير العالم، والوقت قد حان لتغييره) فمن الممكن أن نقول اليوم (في القرن العشرين ربما حاولنا أن نغير العالم بسرعة شديدة، وقد حان الوقت لتفسيره مرة أخرى، فلنبدأ التفكير).

ب- أنا لا أقول أن الناس يعانون دائماً من الأمور المخيفة وأننا يجب علينا أن نجلس ونفكر فقط.. بل يجب أن نكون حذرين فيما نعمله. (…) نحن نرى النقاش المتواصل عن الضمان الصحي وأراه نقطة مهمة. لماذا؟ لأنه -من جانب- يمس الجذر الأساسي جداً في الايديولوجيا الأمريكية العادية (..) ومن الجانب الآخر فهذا الضمان الصحي الشامل ليس بتلك الفكرة اليسارية المتطرفة المجنونة.. إنه شيء موجودة بالفعل ويعمل بشكل جيد نسبياً كما في كندا وغالب الدول الأوروبية. إذن فالجمال يكمن في اختيار الموضوع الذي يمس جوهر ايديولوجيتنا، ولكن في نفس الوقت لا يمكن أن نُتهم بتقديم أجندة مستحيلة مثل إلغاء الملكية الخاصة أو ماشابهها. لا بل هو شيء يمكن أن يتم، وقد تم بنجاح نسبي. فهذه فكرتي: في اختيار المسائل بعناية لتثير النقاش بين الجماهير حيث لا يُمكن أن نُتهم بأننا مثاليّون بالمعنى الاصلاحي السيء للكلمة.