أرشيف الوسم: سوزان سورنتاغ

سوزان سونتاغ، حول تدوين اليوميات

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1947-1963، والتي نُشرت باسم (ولادة ثانية)، بترجمة الأستاذ (عباس المفرجي)، كتبت (سونتاغ) مقالة بعنوان “حول تدوين يوميات”. تقول فيها: 

من السطحي فهم اليوميات كمجرّد وعاء لخصوصية المرء، لأفكاره السرية، مثل صديق حميم مؤتمن لكنّه أصم، أبكم، وأمّي. في اليوميات، أنا لا أعبّر فقط نفسي بصراحة أكثر مما يمكن أن أفعله مع أي شخص آخر؛ أنا أبدع نفسي.

تكمل بعد ذلك، فتقول:

اليوميات هي وسيلة لنقل إحساسي عن الشخصية الذاتية. إنها لا تصوّرني شخصًا مستقلًا على نحو عاطفي وروحي. لذلك، وآسفاه، هي لا تسجّل ببساطة حياتي الفعلية، اليومية، لكنها بالأحرى، في حالات كثيرة، تقدّم بديلًا لها.

في الغالب، ثمة تناقض بين معنى أفعالنا تجاه شخص ما وما نعبّر عنه في يومياتنا من مشاعر تجاه هذا الشخص. لكن هذا لا يعني أن ما نفعله هو ضحل، وما نعترف به لأنفسنا هو العميق فقط. الاعترافات، أقصد الاعترافات الصادقة بالطبع، يمكن أن تكون أكثر ضحالة من الأفعال.

تتحدث (سونتاغ) بعد ذلك عن الكتابة بشكل عام، فتقول:

الكتابة. إنه من المفسد الكتابة بقصد التأويل الأخلاقي، رفع المستوى الأخلاقي للناس.

لا شيء يمنعني من أن أكون كاتبة عدا الكسل. كاتبة جيدة.

لماذا الكتابة مهمة؟ في الدرجة الأولى، بدافع الأنانية، كما أفترض. لأنني أريد أن أكون ذلك الشخص؛ الكاتب، لا بسبب أن هناك أشياء يجب أن أقولها. مع ذلك، لم لا يكون لهذا السبب أيضًا؟ مع قليل من بناء الأنا، كما تشهد عليه هذه اليوميات، سأتغلب على المصاعب لتكون لي الثقة كي أكون “أنا” التي تملك شيئًا لتقوله، وبأنه يجب أن يُقال.

أنايَ هي ضئيلة، حذِرة، سليمة العقل جدًا. الكتاب الجيّدون هم أنانيون صاخبون، حتى إلى درجة الحماقة. سلامة عقلي أنا، أيها النقاد، تصححهم، لكن سلامة عقلهم هي طفيلية على القدرات الإبداعية للعبقري.

سونتاج عن حكمة الأدب وخطر الآراء ومهمة الكاتب

 

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية.

على الكاتب أن لا يكون ماكِنَة آراء.. مهمة الكاتب هي السماح لنا برؤية العالم كما هو مليء بالكثير من الادعاءات والأجزاء والتجارب المختلفة.

“تنتمي الكلمات إلى بعضها” سجلت (فرجينيا وولف) في التسجيل الصوتي الوحيد الباقي لها. “الكلمات أحداث، فهي تحدث أشياء وتغير أشياء” كتبت (أورسولا لي جوين) بعد عقود عديدة لاحقة في تأمل سحر الحوار الحقيقي. أما الشاعر (ديفيد وايت) فلقد أدهشه “جمال الكلمات الخفي والغاوي بغموضه” في رحلته لاسترداد المعاني الأعمق للكلمات الاعتيادية.

لكن ماذا تفعل الكلمات حقًا؟ ما هي المسؤولية التي تحملها الكلمات تجاهنا وما المسؤولية التي نحملها تجاه الكلمات؟

هذا ما تتقصاه (سوزان سونتاغ) في خطابها المذهل لقبول جائزة القدس عام ٢٠٠١ والذي نشر تحت عنوان “ضمير الكلمات” في كتابها (في آنٍ واحد: مقالات وخطابات). الكتاب الذي لا غنى عنه والذي نشر بعد وفاتها من مقتطفات أدبية مختارة أتاحت لنا مقالات عدة لـ(سونتاغ) عن الشجاعة الأخلاقية وقوة المقاومة المنضبطة للظلم، الأدب والحرية ، الجمال مقابل الجاذبية، ونصيحتها للكتاب.

تبدأ (سونتاغ) بقياس مرونة اللغة وقدرة الكلمات على تضخيم المعاني بالقدر نفسه الذي يمكنها به تقليصها.

نحن الكتاب تقلقنا الكلمات. تحمل الكلمات معاني وتشير إلى أشياء. الكلمات أسهم عالقه في الجلد الخشن للواقع. وكلما كانت الكلمات منمقة و متداولة كلما أصبحت تمثل غرف وأنفاق من الممكن أن تتسع أو أن تتداعى. يمكن للكلمات أن تحمل رائحة سيئة وغالبًا سوف تذكرنا بغرف أخرى حيث نفضل السكون أو غرف نظن فيها أننا بالفعل أحياء. من الممكن أيضًا أن تكون مساحات نخسر فيها فن وجزالة الاستقرار. وأخيرًا هذه الغايات العقلية الجسيمة التي لا نستطيع العيش فيها سوف تهجر وتتوارى وتغلق.

على سبيل المثال ماذا نقصد بكلمة “سلام”؟ هل نقصد غياب الاضطراب؟ هل نقصد النسيان؟ هل نقصد الغفران؟ هل نقصد إعياء عظيم ومرهق أم هل نقصد التجرد من الضغينة؟ يبدو لي أن ما يقصده معظم الناس “بالسلام” هو الانتصار. انتصار جانبهم، هذا ما يعنيه لهم “السلام” بينما يعني “السلام” للآخرين الهزيمة. يصبح السلام مساحة لا يعلم الإنسان كيف يستقر فيها.

تأملاً في الاسم الكامل للجائزة التي أنتجت خطابها – جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع – تتفكر (سونتاغ) في علاقة الكاتب بالكلمات كأدوات تمثل الكاتب شخصياً:

ليس مهماً ما يقوله الكاتب، المهم هو الكاتب نفسه.

الكتاب – ومن اقصد هم أعضاء الجماعة الأدبية – هم رموز للاجتهاد، وضرورة، الرؤية الفردية.

ولكن لأن “هناك الكثير مما يبعث التناقضات في كل شيء” كما لاحظت (سونتاغ) بأسى قبل ربع قرن، هنالك جانب مظلم لمفهوم الرؤية الفردية. في نص يتناسب جداً وعصرنا، عصر الانتشار الذاتي والهوية، (سونتاغ) التي عاشت خلال عصر الأنا كتبت:

الدعاية الترويجية الغير منقطعة في عصرنا “للفرد” تبدو لي مشبوهة جدًا فيما تصبح “الفردية” مرادفًا للأنانية. مجتمع رأسمالي يصبح مهتمًا بتمجيد “الفردية” و“الحرية” والذي من الممكن أن يعني أن لهذا المجتمع حق أبدي في تضخيم النفس والحرية في التخزين والاستيلاء والاستغلال والاستنزاف حتى يندثر هذا المجتمع.

أنا لا أؤمن بأن لتهذيب النفس قيمة وراثية وأعتقد أنه ليس هنالك حضارة، استخدم هذا المصطلح بشكل معياري، لا تملك مقياسًا للإيثار والاهتمام بالغير. أنا أؤمن بأن هنالك قيمة متأصلة في تعميق وعينا بما يمكن أن تكون عليه الحياة الإنسانية. إذا خاطبني الأدب كمشروع ، كقارئة أولاً وكاتبة ثانياً فما هو إلا امتداد لتعاطفي مع أنفس ومجالات و أحلام وكلمات واهتمامات أخرى.

في رؤية متضادة ثقافياً اليوم ، كما نرى مهن تبنى على أفكار معلقه متراكمة (سونتاغ) تعطي اعتبارًا لمهمة الكاتب الحقيقية:

على الكاتب أن لا يكون ماكِنَة آراء.. مهمة الكاتب الأولى هي قول الحقيقة لا امتلاك الآراء. يجب عليه أن يرفض مشاركة الأكاذيب والتضليلات. فالأدب هو بيت التباين والفروق الدقيقة ضد أصوات التبسيط ومهمة الكاتب هي أن يجعل تصديق لصوص الفكر صعباً. مهمة الكاتب هي السماح لنا برؤية العالم كما هو مليء بالكثير من الادعاءات والأجزاء والتجارب المختلفة.

إن مهمة الكاتب هي تصوير الحقائق: الحقائق المنحلة وحقائق الفرح. هذا هو جوهر الحكمة الأدبية، تعددية الإنجازات الأدبية، مساعدتنا على فهم أن ما يحدث الآن يحمل في طياته حدثاً آخر.  

كلمات (سونتاغ) تنشر إدراك مؤلم لنزعتنا المعاصره في بناء آراء سريعة وغلط آراء مبنية على المعرفة بما هي أساساً أصداء لردود أفعال أخرى.

تلاحظ (سونتاغ): “من الفظاظة إشاعة آراء للعامة لا يملك الشخص فيها معرفة مباشرة عميقة.  إذا تحدثت عن ما لا أعرف أو عن ما أعرف باستهتار فإن هذا مجرد تسويق للآراء. مشكلة الآراء هي أن الشخص يعلق فيها. وكلما تصرف الكتاب ككتاب فإنهم دائمًا يرون أكثر.”

توثيقًا لقوة الأدب في ضبط الفوارق البسطية للمعنى واحتفالًا بما تسميه الشاعره (إليزابيث ألكسندر) “تعددية المعاني والأصوات والمتحدثين” تضيف (سونتاغ):

إذا كان الأدب، هذا المشروع الضخم الذي تم تنظيمه، في مجال اختصاصنا، منذ ما يقارب آلاف السنين يتضمن الحكمة – وأنا أعتقد بأنه يتضمن الحكمة وأنها في الأصل جوهر ضرورة الأدب لدينا – فهو يتضمنها من خلال عرضه لازدواجية طبيعة مصائرنا الشخصية والجماعية. سوف يذكرنا باحتمالية وجود التناقضات وأحيانًا النزاعات التي لا يمكن اختزالها بين القيم التي نعتز بها كثيرًا.

هذا الإدراك بالتعددية والتكامل تنشأ منه أرفع مهة للأدب وأعظم جزاء. بعد قرون تلت أحد أعظم مؤثريها (هيغل)، والذي حذر من خطورة الآراء الثابتة، تكتب (سونتاغ):

الحكمة في الأدب معاكسة لامتلاك الآراء.  تَوْرِيد الآراء، حتى الآراء الصحيحة – عندما تطلب – يرخص من قيمة ما يقوم به الشعراء والروائيون على أكمل وجه وهو مناصرة التفكر واستكشاف الغموض.

في رؤية مرتبطة ارتباطًا استثنائيًا بالحاضر، فيما يتزايد كفاحنا للعيش مع الحكمة في عصر المعلومات، تردد (سونتاغ) صدى أفكار بطلها والتر ينجامين الأبدية عن الفرق الجوهري بين المعرفة والتنوير، وتقدر مهمة الروائي المطلقة:

لن تستبدل المعرفة التنوير أبدًا. دع المشاهير والسياسيين يتحدثون معنا بدونية، يكذبون. لو أن كونك كاتبًا وصوتًا عامًا من الممكن أن يرمز إلى ما هو أفضل فإن ذلك سيكون اعتبار عملية تكوين الآراء والأحكام مسؤولية صعبة.

مشكلة أخرى مع الآراء هي أنها من محركات شل الحركة الذاتية. من المفترض أن ما يفعله الكتاب باستطاعته أن يحررنا ويهزنا. أن يفتح طرقًا للرأفة واهتمامات جديدة. وأن يسمح لنا بأن نتذكر أنه من الممكن أن نطمح في أن نصبح مختلفين وأفضل مما نحن عليه. أن نتذكر أننا نستطيع أن نتغير.


[المصدر]

إعادة القراءة كولادةٍ جديدة، عند سونتاغ

 

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية.

في مقالة مترجمة حصريًا لدى ساقية، تتحدث (سونتاغ) عن القراءة، فتستفتح قائلة:

مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

تبتدئ (ماريا پوپوڤا) كاتب المقالة، بأن تقول:

حين كتبتُ مؤخرًا عن إجابة عالم الفيزياء الفلكي (نيل تايسون) عندما سُئل عن «الكتاب الذي يجب على كل ذكي قراءته» شعرت بالأسف لشبه الانعدام التام لأصوات النساء في الاقتراحات التي قدمها والشُّح العام في الرموز الثقافية النسائية في قوائم القراءة العامة في مجتمعنا. وأشرتُ يومها إلى أن (سوزان سونتاغ) استثناء وحيد، فمذكراتها التي نُشرت تُعد بمثابة عنصر جوهري لقائمة قراءة لمدى الحياة. لكن بالإضافة لكونها أحد أكثر القرّاء نهمًا في القرن العشرين إذ كانت تقضي بحسب تقديرها ما يقارب من ثمان ساعاتٍ إلى عشر في القراءة، كانت من أشد المؤيدين والممارسين لأحد الفنون الممتعة والمنسية: إعادة القراءة!

«يا مخلفات اليوم البغيضة، اسمحي لي بالإشارةإلى أنني لا يجب أن أتهاون مع نفسي ولن أتنازل عن قادم أيامي». على هذا الأمر عزمت (سوزان) البالغة من العمر خمس عشرة عامًا في كتابها (ميلادٌ جديد: مذكراتٌ ودفاتر.)

هذه المجموعة الرائعة من المذكرات التي قدمت لنا اليافعة (سوزان) التي تحدثت عن الفن والزواج والأشخاص الأربعة الذي يجب أن يغدوا كتّابًا إلى جانب واجباتها في أن تصبح عشرين شيئًا. وبعد أسبوع من السخط على «المخلفات المقززة» في ذلك اليوم الذي تظاهرت فيه باستمتاعها بفيلم صاخب مُشبع بالألوان، التفتت (سوزان) إلى مذكرات (أندريه جايد) تنشد الخلاص وتُمجد ثمار إعادة القراءة.

كتبت (سوزان) في إحدى ملحوظاتها في سبتمبر من عام 1948:

أنهيت قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف من ليلة ذات اليوم الذي ابتعته فيه، كان علي قراءته بسرعةٍ أقل مما فعلت، كما يجب أن أُعيد قراءته غير مرة. لقد بلغت و(جايد) حدًا مثاليًا من التواصل الفكري، حتى أنني شعرت بآلام المخاض الذي خبُره أثناء ولادة كل بُنيّةٍ من بناتِ أفكاره. لكن مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

ذلك أنني لست أقرأ هذا الكتاب وحسب، بل أجدني أقوم بصناعته وخلقه بنفسي. إن هذه التجربة الأخّاذة والمختلفة طهّرت عقلي من غيابات الحيرة والاضطراب والعُقم التي كانت سببًا في انسداده طيلة هذه الأشهر المنصرمة البائسة..

وبعد أشهر قليلة، كتبت عن حماس إعادة القراءة:

لقد تأثرت كثيرًا بغوته وإن كنت أعتقد أنني لا زلت بعيدةً عن فهمه -مع أن مسرحية (دكتور فاوست) لـ(كريستوفر مارلو) كانت كالمنجم إذ أمضيت وقتًا جزيلًا  في التنقيب داخله، فضلًا عن إعادة قراءتها مراتٍ عدة والتغنّي بالعديد من فقراتها بصوتٍ عالٍ مرةً تلو الأخرى. إن مناجاة (فاستوس) التي قرأتها ما يربو على مئة مرة كانت رائعةً ولا تُضاهى..

في مكانٍ ما، في أحد المذكرات القديمة، اعترفت بخيبة أملي تجاه رواية (دكتور فاوستوس) لـ(توماس مان):

لقد كان هذا الأمر دليلًا  جليًّا على نوعية حِسي النقدي الفطيرة. إن هذا العمل عظيمٌ ومُرضٍ ولذلك يتوجب علي قراءته عدة مراتٍ قبل أن أتمكن من امتلاكه..

إنني أُعيد قراءة ما يعجبني من الكتابات والتي لطالما كنت أحسبها مهمةً بالنسبة إلي، وأنا مندهشةٌ بكل تلك التقييمات التي أملكها..

وأضافت (سوزان) بحماسٍ ملحوظةً في مدح القراءة بصوتٍ عالٍ:

من الرائع أن تقرأ بصوتٍ مرتفع..!


[المصدر]

عن الفن والأدب، من مذكرات سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1964-1980، والتي نُشرت باسم (كما يسخر الوعي للجسد)، تحدثت عن الفن والأدب. فتقول في تعريفها للفن، ولأهميته:

الفن هو نتاج أحداث عقلية في / كشكل حسي متماسك. [١٩٧٩]

الفن هو الشرط النهائي لكل شيء. [١٩٦٨]

الفن هو شكل من أشكال التربية، للوعي وللروح. [١٩٦٤]

ثم تقول عن الكتابة:

الكتابة هي باب ضيق. بعض الخيالات، مثل قطع كبيرة من الأثاث، لن تنفذ منه. [١٩٦٤]

ثم تتطرق إلى صفات الفن العظيم، فتقول بأنه مبنيٌّ على حالة خالصة من التأمل:

كل الفن العظيم يضم في المركز منه تأمل، تأمل ديناميكي. [١٩٦٤]

وتتابع عن وظيفة الكتابة، قائلة:

وظيفة الكتابة هي نَسف موضوع المرء، وتحويله إلى شيء آخر. الكتابة هي سلاسل من تحوّلات.

الكتابة تعني تحويل عوائق وتحديات المرء إلى فوائد. على سبيل المثال، أنا لا أحب ما أكتب. لا بأس، إذن تلك هي أيضًا طريقة للكتابة، طريقة يمكن بها الوصول إلى نتائج مشوقة. [١٩٧٦]

وتتابع عن أهمية الكلمات:

للكلمات رسوخها الخاص. الكلمة على الصفحة قد لا تكتشف (ربما تخفي) ضعف العقل. كل الأفكار تجد نفسها في مستوى أعلى – تصبح أكثر وضوحًا، تحديدًا، نفوذًا، حالما تطبع على الورقة- هذا يعني، أنها تنفصل عن الشخص الذي فكّر فيها.

خداع محتمل -على الأقل محتمل- في كل الكتابات. [١٩٦٤]

كما تقول في موضع آخر:

اللغة العادية هي تراكم من أكاذيب. لغة الأدب، لذلك، يجب أن تكون لغة خَرْق، قطيعة مع أنظمة فردية، تحطم قهر نفسي. الوظيفة الوحيدة للأدب تكمن في تعرية الذات في التاريخ. [١٩٨٠]

وتقول أيضًا بأن الكتابة تساعد في طرد الأفكار السلبية:

التعبير عن شعور، انطباع ،يعني تصغيره، طرده.

لكن المشاعر أحيانًا قوية جدًا: هيام، وسواس. مثل حب رومانسي. أو أسى. عندئذ يحتاج المرء إلى الكلام، وإلا سيتفرقع. [١٩٦٤]

 وتتابع:

افترض أن لدي مشاعر كئيبة أريد مقاومتها. مشاعر تسبب في شيء أنا أفعله أو أقوله بتكرار وأتمنى لو لم أفعل.

لو أنّي أقمع السلوك فحسب، إن كان ذلك ممكنًا، لأعدت شحن المشاعر التي تقف وراءه.

وصفة لقتل المشاعر: “عبّر عنها بشكل مبالغ فيه”.

الكدر الذي يشعر به المرء عندئذ، يكون جديرًا بالتذكر، وعلاجيًا أيضًا. [١٩٦٤]

ثم تنتقل بعد ذلك إلى نصائح في الكتابة:

من يريد الكتابة عليه أن يرتدي غمامتين. أنا أضعت غمامتي.

لا تخش أن تكون موجزًا. [١٩٧٩]

وتقول:

أن تكون فنانًا يعني أن تفشل، كما لم يجرؤ أحد آخر على الفشل من قبل .. الفشل هو عالمه. [١٩٦٦]

وتقتبس عن (فيكتور هوغو) مقولته:

حكمة (فيكتور هوغو): “موجزية في الأسلوب، دقة في الفكر، عزم في الحياة”. [١٩٦٨]

وتكمل نصائحها للكتابة الأدبية العظيمة، فتقول:

كي تكون كاتبًا عظيمًا:

اعرف كل شيء حول الصفات والتنقيط.

تملّك ذكاء أخلاقيًا – الذي يخلق سلطة حقيقية في الكاتب. [١٩٧٤]

ثمة موضوعان لرواية نبيلة: القداسة، ومشكلة الحضارة. [١٩٧٥]

وأخيرًا، تكمل نصيحة أخيرة، تبدو متناسقة مع رؤيتها للكتابة بأنها وسيلة علاجية:

القصة الوحيدة التي تبدو جديرة بالكتابة هي بكاء، صياح، صراخ. يجب أن تستحق القصة قلب القارئ. يجب على القصة أن تضرب الوتر الحساس فيّ. قلبي ينبغي أن يبدأ بالخفقان عندما أسمع أول سطر في رأسي. من الإثارة أبدأ بالارتعاش. [١٩٧٣]

أما عن الشهرة فتقول:

كي تكون شهيرًا من أجل أن تصل إلى الناس، لا تكن وحيدًا. [١٩٦٦]

وتقتبس عن (برودسكي) مقولة يقول فيها:

(جوزيف برودسكي): “إن كُنت ترغب في أن يُستشهد بك، لا تستشهد بأحد”. [١٩٧٧]

ننتقل بعد ذلك إلى تساؤلها عما إذا كان من الممكن أن يكون الجميع فنانين:

مقولة أنه في وضع مثالي سيكون “كل” شخص فنانًا، كليشيه يوتوبية خرقاء، هي ليست أكثر من أن الجميع يمكن أن يكونوا علماء.

ماذا سيفعل العالم مع كل تلك الأشياء؟

جعل الفن عامًا سيكون كارثة أيكولوجية. فكرة إنتاجية لا متناهية.

لا أفضل من فكرة اختراعية لا متناهية، تكنولوجية، أو اكتساب معرفة لا متناهية. مفهوم الحدود.

الخوف من الاشتراك بأنشطة “نخبوية” هو ما يجعل الناس يقولون: إن من المثالي أن يكون كل شخص فنانًا. لكن بعض الأنشطة هي ممكنة إذا ما قام بها بعض الأشخاص.

الحالة الوحيدة التي يمكن أن يصبح فيها الجميع فنانين إذا كان الفن مفهومًا بشكل حصري بوصفه “أداء”، أو فن النفاية. هو إذن فن ينتجه الناس، وإذا أفضى إلى شيء لن يكون عليك، أو تكون قادرًا على، الاحتفاظ به، وضعه في متحف. لذلك يمكن كَيْج الحق في القول أنه فيما خصه يجب أن يصبح الجميع فنانين. فكرته عن الفن توفر نتاجات ملموسة قليلة. لا شيء للاحتفاظ به، لجعله مَعْلمًا. إنه يدمر ذاته. [١٩٧٢]

ثم تنتقل للحديث عن الرقابة، ودورها في الفن والأدب:

حين لا يكون ثمة رقابة، لا يكون للكاتب أهمية.

لهذا ليس من السهل أن تكون ضد الرقابة. [١٩٧٧]

أنا ضد الرقابة. بكل أشكالها. لا فقط من أجل أن تكون الأعمال الكبيرة -الفن الراقي- فاضحة. [١٩٦٥]

أما عن النقد الأدبي أو الفني فتقول:

قراءة النقد تعوق القنوات التي يحصل المرء عبرها على أفكار جديدة: كوليسترول ثقافي.

جهلنا هو كنز، يجب أن لا يُستهلك“. (فاليري) [١٩٦٤]

وأخيرًا، اعتادت (سونتاغ) على الكتابة بشكل سري، في مذكراتها الشخصية، وبشكل مستمر، وذلك بهدف استنطاق كلمات صادقات أكثر، لا تولي الكثير لرأي الآخرين. تقول عن ذلك:

ينبغي أن تكون الكتابة شيئًا سريًا، رذيلة الكلمات أن تصبح فضالة أو مكثفة أكثر. [١٩٦٦]

ربما لهذا السبب أنا أكتب في يوميات. ذلك يبدو مناسبًا. أعرف أنني وحيدة. أنا القارئ الوحيد لما أكتب هنا -لكن المعرفة لا تؤلك بالعكس أشعر بأنني أقوى بها، أقوى كل مرة أكتب فيها شيئًا. لا أستطيع التحدث إلى نفسي، لكنني أستطيع الكتابة. [١٩٦٨]

ثم تقول:

فقدت الشجاعة فيما يتعلق بالكتابة. وما يتعلق بحياتي لكن لا بأس. يجب أن أكتب من دونها.

إن كنت أعجز عن الكتابة لأنني خائفة من أن أكون كاتبة سيئة، إذن ينبغي أن أكون كاتبة سيئة. على الأقل أنا أكتب.

عندئذ شيء آخر سيحدث. هو دائمًا يحدث.

يجب أن أكتب كل يوم. أي شيء. كل شيء. أحمل دفتر ملاحظات معي طوال الوقت، إلخ.

أقرأ كتاباتي النقدية السيئة. أريد التوغل في عمقه، فقد الشجاعة هذا. [١٩٧٩]

السأم وعلاقته بالفن عند سونتاغ

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1964-1980، والتي نُشرت باسم (كما يسخر الوعي للجسد)، تكتب عن السأم والضجر، فتقول:

(آرثو شوبنهور) الكاتب الأول المهم الذي تحدث عن السأم في مقالاته، يصنفه مع الألم كواحد من التوأمين الشريرين للحياة؛ “الألم للفقراء، السأم للأثرياء، إنها مسألة وفرة“.

يقول الناس: إنه مضجر” كما لو أن ذلك هو المعيار النهائي للفتنة، وما من عمل فني له الحق في أن يضجرنا.

لكن أغلب الفن المثير للانتباه في عصرنا هو ممل. (جاسبر جونز) ممل. (بكيت) ممل. (روب) غريب ممل. إلخ، إلخ.

ربما يجب أن يكون الفن مملًا، الآن. الذي بوضوح أنه لا يعني أن الفن الممل بالضرورة جيد.

نحن بعد الآن لا نتوقع من الفن أن يسلّي أو يسّر. على الأقل، لا الفن الراقي.

السأم هو وظيفة انتباه. نحن نتعلم طبائع جديدة من الانتباه، لنقل، تفضيل الأذن على العين، لكن طالما عمِلنا ضمن إطار الانتباه القديم فسنجد (س) مملًا .. مثلًا، نصغي إلى المعنى أكثر من الصوت، نكون مهتمين أكثر بالرسالة. من المحتمل بعد تكرار العبارة الواحدة نفسها أو مستوى اللغة أو الصورة، في نص مكتوب معين أو في قطعة موسيقية أو في فيلم، إذا أصابنا الضجر، علينا أن نسأل أنفسنا إن كنا نشتغل في إطار الانتباه الصحيح، حيث يجب أن نشتغل على اثنين في وقت واحد، وبالتالي توزيع الحمل على كلّ واحد، على المعنى كما الصوت.

يقول (ميللر): إنه يريد لكتاباته أن تغير وعي زمنه. كذلك فعل (دي إتش أل لورنس)، بوضوح.

أنا لا أريد لكتاباتي أن تفعل ذلك، على الأقل لا من ناحية أي وجهة نظر خاصة أو رؤية أو رسالة أحاول أن أنجزها بنجاح.

أنا لا أفعل ذلك.

النصوص هي موضوعات. أريدها أن تؤثر في القرّاء، لكن بأي عدد من الطرق الممكنة. ما من طريقة صائبة واحدة هناك لاختبار ما كتبته.

أنا لا أقول شيئًا. أن أسمح للشيء أن يكون له صوت، وجود مستقل، وجود مستقل عني.

أنا أفكر، حقًا أفكر، بوضعين فقط:

على الآلة الكاتبة أو حين الكتابة في دفاتر اليوميات هذه. [مونولوغ]

الحديث إلى شخص آخر. [ديالوغ]

أنا لا أفكر حقًا، لدي إحساس فقط، أو أجزاء متقطعة من أفكار، حين أكون وحيدة دونما وسيلة للكتابة، أو عدم الكتابة، أو عدم الحديث.

أنا أكتب، وأتحدث، كي أكتشف ما أفكر به.

لكن هذا لا يعني أنني أفكر حقًا. إنه يعني فقط تفكيري حينما أكتب، أو حينما أتحدث. لو كنت كتبت في يوم آخر، أو في حديث آخر، فلربما كنت فكرت على نحو مختلف.