أرشيف الوسم: سياسة

إتيان دو لابوَيسي وحديثه عن العبودية

 

إتيان دو لابويَسي (1530 – 1563) كاتب وقاضٍ فرنسي، كتب مقالة طويلة بعنوان “العبودية المختارة” بعمر السادسة عشر أو الثامنة عشر، ولم تنشر إلا عندما توفي بعمر الثاني والثلاثين. نشرها صديقه في كتاب يحمل عنوان المقالة.

يرى (إتيان دو لابويَسي) أن السبب الأول لقبول الناس بالعبودية طواعيةً هو أنهم يولدون مستعبدين وينشأون على ذلك.

إن طبيعة الإنسان أن يكون حرًا، وأن يرغب في أن يكون حرًا، غير أن من طبيعته أيضًا أن يتطبع بما تربّى عليه. من أجل ذلك كانت العادة هي السبب الأول للعبودية المختارة.

يذكر (دو لابويسَي) في مقالته أن ضعف البشر وخدمتهم للطاغية من جملة الأسباب أيضًا، يقول:

إن نقطة الضعف فينا، نحن البشر، هي أنه يتوجب علينا في معظم الأحيان أن نخضع للقوة، وأن نُسّوف، وأننا لا نستطيع أن نكون الأقوياء دائمًا.

ويقول آيضًا:

الشعوب هي التي تُسلس القياد لمضطهدها لأنها لو كفت عن خدمته لضمنت خلاصها.

ويتابع:

إن الشعب هو الذي يَسْترق نفسه بنفسه، وهو الذي يذبح نفسه بيده إذ لمّا كان يملك الخيار بين أن يكون عبدًا أو يكون حرًا، تخلى عن حريته ووضع القيد في عُنقه، إرضاء للطاغية. إن الشعب هو الذي رضى ببؤسه، لا بل يسعى وراءه.

ويشرح كيف يكون الانغماس في الفن والترفيه سببًا في سقوط الشعوب في فخ العبودية:

إن المسارح، والألعاب، والمساخر، والمشاهد، والبهائم الغريبة، والأوسمة، واللوحات والأشياء الأخرى من هذا القبيل كانت أشكالاً من الطعوم لإبقاء الشعوب القديمة في فخ العبودية، وثمن حريتها، وأدوات الطغيان. وكان الطغاة القدامى يمتلكون هذه الوسيلة، وهذه الممارسة، وهذه المغريات، لتنويم رعاياهم تحت النير، وكانت الشعوب المخبّلة، وقد أعجبتها هذه التسالي، واستمتعت بلذة تافهة تمرّر أمام أعينها تألف الخدمة بسذاجة الأطفال الذين تبهرهم الكتب المصورة فيحاولون قراءة أحرفها ولكن على نحو أسوأ.

ويرى أن الحرية فطرة إنسانية في البشر وهي من أعظم حقوقه لذا يضحي الإنسان من أجلها بأغلى مايملك في سبيل كسر أغلال الاستعباد، يقول:

الناس جميعًا، مادام لديهم شيء من الإنسان لا يستسلمون للعبودية على وجه التحقيق إلا في حالة من اثنتين: إما أن يكونوا مُكرهين وإما مخدوعين.

وفي موضع آخر، يقول:

البعض لو اضمحلّت الحرية عن وجه الأرض ولم يبق منها أثر لتخيّلوها وأحسّوا بها في عقولهم، والتذوا بتذوقها، ولما استساغوا طعم العبودية مهما زُيّنت لهم.

التعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا

راسل جاكوبي

ظهر مصطلح التعددية الثقافية في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات للإشارة إلى مجتمع مثالي مبني على ثقافات متنوعة قائمة على الاعتراف والتعايش فيما بينها. المفكر الأميركي (راسل جاكوبي) 1945. أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا. في كتابه (نهاية اليوتيوبيا) يقول أن اختفاء الإيمان الطوباوي يفسد الحياة الشخصية والسياسية. في فصل خرافة التعددية الثقافية يقول:

إن التعددية الثقافية تقوم أيضاً بسد ثغرة ثقافية، فالليبراليون واليساريون قد جُردوا من اللغة الراديكالية، والأمل اليوتيوبي، وتراجعوا باسم أنهم يتقدمون للاحتفال بالتنوع. ولأن لديهم أفكار قليلة حول الكيفية التي يتشكل بها المستقبل، فقد احتضنوا كل الأفكار، زمن ثم يصبح التعدد هو السلة التي تحتوي كل شيء بداية الفكر السياسي ونهايته، وحين يلبس ثياب التعددية الثقافية يصبح أفيون المثقفين الواهمين، أيديولوجية عصر بلا أيديولوجية.
والمسألة ليست التعددية الثقافية ذاتها، فأفكار التنوع، وأقاربها: التعددية، والاختلاف، والكثرة الثقافية، والتعددية الثقافية، ليست أفكارا خاطئة ولا هي محل اعتراض، على العكس، هي أفكار صحيحة وذات جاذبية، والاختلاف والتنوع يميزان العوالم الطبيعية والفيزيقية والثقافية، ونحن عادة ما نبتهج للاختلافات أكثر من التماثل، ومعظم الناس، وربما معظم الفلاسفة كذلك، يفضلون التعدد والاختلاف على الكلية والإطلاقية.

ويبين إشكالية المصطلح فيقول:

من السهل أن تفقد التعددية الثقافية مدلولاتها. مدفوعة بفهم تجريدي “للثقافة” وفهم “شكلاني” للتعدد، تؤدي التعددية الثقافية إلى نشوء برامج وأفكار تقع بعيداً كل البعد وراء التطورات الاجتماعية والاقتصادية. مئات المقالات عن “الهوية الثقافية” تطرح إحالات إلى (دريدا) و(فوكو)، ومردودها محدود حول موضوعها، ومناقشات لا تنتهي حول التعددية الثقافية تنطلق من افتراض يفتقد الإثبات بإن ثقافات عدة متميزة تكوِّن المجتمع الأمريكي.
وقلة من المؤرخين والمراقبين فقط هم الذين يفكرون بأن العكس يمكن أن يكون صحيحا، بإن العالم والولايات المتحدة يمضون من دون توقف نحو التماثل الثقافي، لا الاختلاف. وعلى التفكير الجاد في قضية التعدد الثقافي أن يضع في اعتباره -على الاقل- تلك القوى التي تدفع -دون هوادة- نحو التجانس الثقافي، وأن يطرح الأسئلة “كيف يمكن أن يوجد التعدد في إطار التماثل؟”، “ما إمكان قيام ثقافات متعددة داخل مجتمع استهلاكي واحد؟” وأن تطرح السؤال يعني -جزئياً- أن تجيب عنه، لأن من الممكن أن يكون التنوع الثقافي والتجانس الاجتماعي مرتبطين على نحو معكوس. وقد تنشأ الدعوة إلى الهوية الثقافية كردة فعل لانطفائها.
أعان المفهوم المرن للثقافة على تقويض التعصب والتركز حول العنصر […] لكن الجدوى الاجتماعية لا تعادل الحقيقة. وثمة صك نظري لم يُدفع، وعلى مر السنين تصاعدت تكلفته. إن الرجوع إلى مفهوم تراتبي للثقافة أمر غير مطلوب، لكن التقدم نحو شيء من الدقة والتحديد قد يكون مطلوبا. مالم نضع في الاعتبار ما يميز ثقافة عن اخرى، سيهوي الحديث عن التعددية إلى مهاوي الخرافات والأوهام، وإذا كنا لا نستطيع أن نحدد ما يميّيز ثقافة ما، فكيف يمكننا أن نفهم العلاقة بين ثقافتين أو أكثر، أو التعددية الثقافية؟ ولنضع الأمر على وجهه الصريح: إن التعددية الثقافية تقوم على أصل ثقافي، هو الرفض أو العجز عن تحديد ما الذي يشكل الثقافة.
في ظل هذه الهزيمة النظرية، اتسمت الثقافة بطابع ذاتي أو شخصي، أصبحت الثقافة هي ما تريد أي جماعة أو أي باحث أن تكون. ولا أحد يجادل في أي جماعة من الناس تشكل ثقافة مستقلة. في الوقت ذاته، فإن الرطانة حول التنوع الثقافي تؤدي إلى تعتيم الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، بإن تجعلها إما غير ذات دلالة وإما غير مهمه. فالقائلون بالتعددية الثقافية ينظرون إلى الثقافة وحدها، ولا يكادون يلقون بالا للحاجات والشؤون الاقتصادية. وكيف يمكن للثقافة أن تتغذى وتبقى بعيدا عن العمل وإنتاج الثروة؟ وإذا كان هذا غير ممكن: كيف يمكن فهم الثقافة دون أن نضع في الإعتبار تشابكها والحقائق الاقتصادية؟
إذا وضع الهيكل الاقتصادي للثقافة على الطاولة فربما توقفت الثرثرة حول التنوع، فسوف يتضح أن الثقافات المتنوعة تعتمد على البنية التحتية نفسها. فماذا يعني أن ثقافتين مختلفتين تتشاركان في أنشطة اقتصادية متطابقة؟ وما الذي يعنيه أن تكون نفس الوظائف والمساكن والمدارس وطرائق الترفية والحب تغذي ثقافتين في غياب التعدد الاقتصادي؟
إن البناء الاقتصادي للمجتمع الصناعي المتقدم او الرأسمالي أو القائم على اقتصاد السوق، هو العامل الثابت غير المتغير، فقلة هم القادرون على تخيل مشروع اقتصادي آخر، والموافقة الصامتة على هذا تقول الكثير عن التعددية الثقافية، وليس ثمة رؤية سياسية أو اقتصادية أخرى تغذي التنوع الثقافي. من أكثر المدافعين صلابة عن الأفارقة، إلى أكثر المدافعين صلابة عن حقوق المرأة، كل الفرقاء لديهم معتقدات متشابهة فيما يتعلق بالعمل والمساواة والنجاح. إن سر التنوع الثقافي كامن في التماثل السياسي والاقتصادي. والمستقبل مثل الحاضر مع مزيد من الاختيارات، والتعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا.

ويقول بما أن التعددية الثقافية مصطلح يمكن توجيهه من أيا كان في خدمة مصالحهم فإنها قوة سياسية لا تعني التعايش بل الهيمنة أو الانصهار ضمن ثقافة مهيمنة. ومدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية ومن اشكال عولمة الاقتصاد.

واضح أن التعددية الثقافية شأن سياسي، ولكن… كيف على وجه التحديد؟ بشكل أساسي، وكما ذكر الراديكاليون والأكاديميون، فإن السياسة -ببساطة- سلسلة من الشعارات حول التهميش والسلطة والخطاب والتمثيل. هذه المصطلحات تشير إلى مشكلات حقيقية، ولكنها تفشل في تحديد أي سياسات معينة. الجماعات الهامشية والمهمشة تطالب بالسلطة أو التمثيل، ولكن كيف يعكس هذا الأمر اختلافا ثقافيا أو رؤية بديلة؟

كيف تعرّف تودوروف على الشر؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، تحدّث (تودوروف) في مقدمة الكتاب عن تعرّفه على الشر. فيقول:

تعرّفت على الشر خلال الجزء الأول من حياتي، عندما كنت أقيم في بلد خاضع للنظام الستاليني. تعرُّف تدريجي، ففي السنوات الأولى التي تلت الحرب، كنت أصغر من أن أفهم جيدًا نبأ الاختفاء المفاجئ لقريب ما أو صديق للعائلة، نبأ إقامته القسرية في مدينة صغيرة من مدن الأرياف أو نبأ التخفيض المباغت لموارده المالية. وبعد ذلك أيَّدت عائلتي بدايات هذا النظام وانتمت إلى المنتفعين منه. اختلطت الأمور في نهاية العام ١٩٤٨ عندما وجد بعض أصدقاء أهلي، والمنتمين إلى محيطهم ذاته، أنفسهم في السجن، أو عندما كان يُشهّر بهم في الصحف، التي كنت قادرًا على قراءتها آنذاك. أو عندما بدأ أبي يلاقي متاعب في عمله. غير أنني بقيت رائدًا متحمسًا للستالينية حتى عام ١٩٥٢. كان موت (ستالين) بعد ذلك واكتشافي تدريجيًا، أثناء تقدمي في مرحلة المراهقة، لفراغ الخطاب الرسمي الذي كنت أحتك به يوميًا.

لم أكن أبدًا ضحية مباشرة للنظام، إذ إن ردة فعلي، كردة فعل كثير من مواطنيّ على كل حال، لم تكن في الاعتراض، أو الانخراط بنزاع، وإنما بالتحلّي بشخصيتين؛ إحداهما علنيّة وخاضعة طيّعة، والأخرى خاصة لا تفعل إلا ما يروق لها. غير أني وبمعنى آخر للكلمة كنت فعلًا ضحية رغم كل شيء، تمامًا كأي قاطن لبلدي، إذ لم تكن شخصيتي الخاصة، كما كنت أتخيل، نتاجًا صرفًا لإرادتي، فقد كانت تتشكل كردة فعل على ما كان يحيط بي. وبهذا تعرّفت على الشر. كان يكمن في الاختلاف الصارخ بين الجمل التي كان ممثلو السلطة يحيطون أنفسهم بها والحياة التي كانوا يعيشونها من جهة، وتلك التي كانوا يحملوننا على عيشتها والتي كانت على ما يبدو مستوحاة بالتحديد من مبادئ مختلفة تمامًا؛ كان يكمن في الإجبار على التصريح علنًا على تأييد هذه المذاهب الرسمية وفي الفقدان الذي ينتج عن ذلك لمعنى الكلمات الأكثر نبلًا ؛ حرية، مساواة أو عدالة. وكانت هذه الكلمات تُستخدم في تغطية القمع والمحسوبية والتباينات الصارخة في طريقة معاملة الأفراد، وكان يكمن في التأكيد الذي يستوجب أن يكون على كل موضوع موقف جيد وجيد، وفي الإثبات الذي كان يُقام على أن هذا الموقف كان محددًا من قِبل ولمصلحة المتنفذين في ذلك الوقت. فلا تكون “الحقيقة” إلا نتيجة القوة ؛ ويكمن في السلطة اللامحدودة والاعتباطية التي كان يُشعر بها موضوعة بين أيدي الشرطة وأجهزة الأمن من الحزبيين والمسؤولين والموظفين الإداريين القادرين في كل لحظة على تجريدة من عملك، من منزلك، من أصدقائك أو من حريتك ؛ يكمن في التحريض على الخضوع والوضاعة، في نظام الوشاية المُنشأ على كافة المراتب، والذي كان قد أصبح في الوقت ذاته الوسيلة الأسرع لشق طريق في الحياة ؛ يكمن في الخوف من الخوف. العقبات المادية، نقص المواد الاستهلاكية أو الطوابير الطويلة للتسوق، لم تكن شرًا بحد ذاتها، ولكنها كانت تصبح شرًا بمقدار ما كانت تنتج بوضوح عن الصفات الأخرى للنظام وتبدو كشعارات له. لم يكن هذا الشر واحدًا في كل الميادين طبعًا وإلا كانت الحياة مستحيلة ؛ كنت لا أزال ألتقي بأناس مدهشين أو أستفيد من البوادر المذهلة لأناس لم يكونوا دومًا على هذا النحو. وفي غياب حياة علنية لائقة، كانت الحياة الخاصة على أشدّها، حتى لو لم أكن قد تنبهت إلى ذلك آنذاك ؛ كانت العلاقات العاطفية، الصداقات، الاهتمامات الفكرية أو الفنية حادة.

عن السياسة عند نعوم تشومسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقابلة مع (نعوم تشومسكي) سألت اللسانية الفرنسية (ميتسو رونا) قائلة: “للمفارقة ، تبدو كتاباتك السياسية وتحليلاتك للأيديولوجيا الإمبرالية الأمريكية معروفة في فرنسا تمامًا كما في الولايات المتحدة، أكثر من منهجك الذي صنعته : النحو التوليدي. هذا يطرح سؤالاً: هل تعتقد أن هناك رابطًا بين نشاطاتك العلمية – دراسة اللغة – ونشاطاتك السياسية؟ في مناهج التحليل على سبيل المثال؟”

فكان جواب (تشومسكي) على ذلك:

إن كان هناك رابط، فهو بالأحرى على المستوى المجرَّد. أنا لا أملك مدخلاً لأي مناهج تحليل غير اعتيادية، والمعرفة الخاصة التي لدي والتي تتعلق باللغة ليس لها علاقة مباشرة بالموضوعات السياسية والاجتماعية. كل شيء كتبته عن هذه الموضوعات كان من الممكن أن يكتبه شخص آخر. لا توجد أي صلة مباشرة بين نشاطاتي السياسية، الكتابة وخلافه، والعمل المتعلق ببنية اللغة، على الرغم من أنهما بمعيار ما ربما مستخرجان من افتراضات شائعة محددة ومواقف متعلقة بالجوانب الأساسية من الطبيعة البشرية. التحليل النقدي في الساحل الأيدولوجية يبدو لي مسألة مستقيمة جدًا بالمقارنة مع المقاربة التي تتطلب مستوى من التجريد المفهومي. بالنسبة إلى تحليل الأيدولوجيا الذي يسيطر عليّ كثيرًا، يكفي بشكل عام أن يكون لديك القليل من انفتاح العقل، والذكاء العادي والتشكك الصحي.

على سبيل المثال خذ السؤال عن دور النخبة في مجتمع مثل مجتمعنا؛ هذه الطبقة الاجتماعية التي تضم المؤرخين والدارسين، الصحفيين، المعلقين السياسيين… إلخ، تأخذ على عاتقها تحليل صورة ما للواقع الاجتماعي وتقديمها. وهم بسبب تحليلاتهم وتفسيراتهم، يعملون وسطاء بين الحقائق الاجتماعية ومجموع البشر: إنهم يخلقون تبريرًا إيدولوجيًا للممارسة الاجتماعية. انظر إلى عمل المتخصصين في الشؤون المعاصرة وقارن تفسيرهم للأحداث، قارن ما يقولونه بعالم الحقيقة. ستجد عادة تشعبًا نسقيًا كبيرًا. بالتالي يمكنك أن تخطو خطوة أخرى وتحاول أن تفسر هذه التشعبات، واضعًا، في الاعتبار الموقف الطبقي للنخبة.

إن لمثل هذه هذا التحليل بعض الأهمية على ما أعتقد، ولكن المهمة ليست صعبة جدًا، والمشكلات التي تثار لا يبدو لي أنها تطرح الكثير من التحدي الفكري. بقليل من الدراسة والمتابعة، يمكن لأي أحد يرغب في تحرير نفسه من نسق الايدولوجيا المشتركة والبروباجندا أن يكون مستعدا فعليًا لأن يرى أحوال التشوه التي تطورها القطاعات المهيمنة من النخبة. كل الناس قادرين على فعل ذلك. إن كان هذا التحليل يمضي بشكل محدود، فهذا بسبب – وهو سبب شائع – أن التحليل الاجتماعي والسياسي أُنتج ليدافع عن المصالح الخاصة أكثر منه ليسرد الأحداث الحقيقية. بالضبط بسبب هذا الميل ، على المرء أن يحذر من الانطباع الذي يقول إن المثقفين المؤهلين بتدريب خاص هم وحدهم القادرون على مثل هذا العمل التحليلي، هذا الشيء خاطئ في كل الأحوال. في الحقيقة هذا ما تريد النخبة منا أن نظنه غالباً: إنهم يتظاهرون بأنهم في مجتمع غامض لا يمكن ان يدخله الناس البسطاء. ولكن هذه العلوم الاجتماعية بشكل عام ،وتحليل الشؤون المعاصرة بشكل خاص، يمكن أن تكون مفهومة لأي أحد يود أن يهتم بهذه المسائل. التعقيد والعمق والغموض المزعومين لهذه الاسئلة هي جزء من الوهم الذي يشيعه نسق التحكم الايدولوجي، الذي يستهدف جعل هذه الموضوعات تبدو بعيدة عن عموم الجماهير، وأن يقنعهم بعدم قدرتهم على تنظيم شؤونهم الخاصة أو فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه دون معلمين ووسط. لهذا السبب وحده على المرء أن يكون حريصا على ألا يربط تحليل المسائل الاجتماعية بالموضوعات العلمية التي بدورها تتطلب تدريباً خاصاً ومعرفة بالتقنيات، وبهذا الإطار الفكري المرجعي الخاص ، قبل أن يتم العمل عليها بشكل جدي.

في تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية يكفي أن تواجه الحقائق وأن تكون مستعداً لأن تتبع المسار العقلي للجدل. أنت تحتاج فقط الى الحس المشترك الديكارتي الموزع بتساوٍي… إن كان الأمر كذلك يمكنك أن تفهم الرغبة في النظر إلى الحقائق بذهن مفتوح ، وأن تضع افتراضات بسيطة تحت الاختبار، وأن تُتبع الحجج إلى نتائجها. ولكن وراء ذلك لا يتطلب الأمر معرفة سرية خاصة لاستكشاف هذه الأعماق غير الموجودة.

الأخلاق والسياسة عند توماس هوبز

توماس هوبز

توماس هوبز (1588 – 1679) هو عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي. يعد (هوبز) أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصا في المجال القانوني، حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيها قانونيا ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي. كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دورًا كبيرًا ليس فقط على مستوى النظرية السياسية، بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، حاول الأخير تلخيص وتبسيط أفكار (هوبز) حول السياسة وعلاقتها بالأخلاق. يقول في بداية حديثه:

يرى (هوبز) أن كل إنسان، في الحالة الطبيعية، تلك الحالة السابقة على تكوين الدولة السياسية، كان يبحث عن البقاء، وإشباع رغباته الخاصة بلذات أنانية، مثل المغنم والمجد. ولا وجود للأخلاق كما نعرفها. ولكل واحد الحق الكامل فيما يستطيع الحصول عليه والمحافظة عليه. لا وجود لشيء لشيء مثل القانون أو الظلم. والنتيجة الحتمية لذلك هي “حرب الكل ضد الكل” ؛ لأن الناس إما أن يكونوا في حالة حرب فعلية بصورة مستمرة، أو يكونوا في خوف دائم من أن يهاجم بعضهم بعضًا. لأن الحرب لا تكمن فقط في القتال، بل تكمن أيضًا في الخوف الدائم والاستعداد للصراع ؛ “وكما أن طبيعة الطقس الممطر العاصف لا تتمثل في وابل المطر ينزل مرة أو مرتين، بل في استمرار سوء الطقس لعدة أيام، فكذلك الأمر بالنسبة للحرب لا تتمثل في القتال الفعلي، بل في الميل للقتال في جميع الأوقات التي لا يكون العكس فيها مضمونًا“، ليس هناك معنى للأمان، وليس هناك حافز على الصناعة. الكل في خوف وفقر دائمين. ولابد أن تكون الحياة البشرية “منعزلة، فقيرة، بدائية، وحشية، وقصيرة الأمد“. أما ما إذا كان (هوبز) يعتقد أن تلك الحالة كانت موجودة بالفعل، وأنها حالة تاريخية، فذلك أمر مشكوك فيه، فهو يقول من المحتمل أنها لم تكن عامة أبدًا. ولكنه يعتقد بأنها حالة قريبة من حالة الطبيعة يمكن ملاحظتها بين الهمج، ولكنها متضمنة في سلوك الإنسان المتمدين.

وجود مثل هذه الحالة من الصراع الدائم، أمرٌ مرهق في النهاية، يقول:

إن الناس يرغبون بصورة طبيعية في السلام والأمن، والهروب من البؤس والفزع من حالتهم الطبيعية. فدفعهم ذلك إلى تأسيس دولة تقوم على رضى متبادل، يوافق فيها كل فرد على طاعة أوامر صاحب السيادة، الذي يكون رجلًا واحدًا وخلفاؤه (النظام الملكي)، أو مجموعة من الناس (الارستقراطية أو الديموقراطية، وفقًا لحجم المجموعة). وكان صاحب السيادة في إنجلترا شخصًا واحدًا. وسلطة صاحب السيادة مطلقة، وهو لا يمكن أن يرتكب خطأ يمكن أن يخضع بسببه للمساءلة من الناحية القانونية ؛ فهو ليس مسؤولًا إلا أمام الله وضميره. ويتعهد الآخرون بطاعته، وهو لم يتعهد لهم بشيء. بل له سلطة سن القوانين، وتعيين القضاة، وإعلان الحرب والسلم، وتوقيع العقوبات، وتحديد دين الدولة. وجميع رعاياه تطيعه، وإلا كان هناك صراع، وحرب، وعودة إلى بؤس الحالة الطبيعية. ولما كانت الدولة قد تكونت بوصفها مصلحة أنانية فردية، فإن “خضوع الرعايا لصاحب السيادة يجب أن يفهم على أنه يدوم ما دام يملك من القوة المستمرة ما يمكنه من حمايتهم وليس أطول من ذلك“، فإذا فقد قوته وهزمه صاحب سيادة آخر، وخضع له، فإن خضوع رعاياه يتحول إلى المنتصر.

بذلك يمكن تلخيص الركيزة الأساسية للسياسة عند (هوبز)، بأنها:

تقوم على مذهبي الأنانية واللذة تمامًا. فالناس يسلكون ويجب أن يسلكوا وفقًا لمصالحهم الخاصة فحسب.

ثم يكمل بعد ذلك، فيُعرّف القوانين الطبيعية:

فالقانون الطبيعي هو فكرة أو قاعدة عامة، يكتشف الإنسان عن طريق عقله أن من مصلحته طاعتها، ومن ثم فهو مُلزم بأن يفعل ذلك (فالمصلحة والواجب الأخلاقي هما شيء واحد في هذا المذهب الطبيعي الأخلاقي).

يشرع بعد ذلك في تبسيط القوانين الطبيعية والأساسية، فيقول:

القانون الطبيعي والأساس الأول هو أن الناس ينبغي عليهم أن “يبحثوا عن السلام ويتبعوه“.

وينتج عن ذلك القانون الثاني وهو “ينبغي أن يكون لدى الإنسان الرغبة في السلام، عندما يكون لدى الآخرين نفس هذه الرغبة، وأن تكون لديه الرغبة في الدفاع عن نفسه عندما يجد أنه لابد أن يفعل ذلك، وأن يتنازل عن هذا الحق (الطبيعي) في ملكيته لجميع الأشياء، وأن يقنع بذلك القدر من الحرية إزاء الآخرين الذي يسمح به للآخرين إزاءه“.

أما القانون الثالث فيقول: “ينبغي أن يلتزم الناس بتنفيذ ما يبرمونه من عقود” التي بدونها تصبح العقود، بالطبع، عديمة الجدوى.

ثم يتبع ذلك عشر قوانين طبيعية أخرى، وهي:

1. الالتزام بالإرادة الخيرة.

2. التكيف المتبادل.

3. العفو عن التائب.

4. العقوبات لا تكون إلا من أجل إصلاح المعتدين أو ردع الآخرين، وليس من أجل الانتقام.

5. الامتناع عن ازدراء أو كراهية الآخرين.

6. الاعتراف بأن جميع الناس متساوون.

7. امتناع الإنسان عن الاحتفاظ بأي حقوق لنفسه دون غيره، أي أن ينبغي على المرء ألا يرضى لنفسه أن يحتفظ بأي حق لا يرضى أن يحتفظ به كل إنسان آخر لنفسه.

8. التوزيع العادل أو النسب الصحيحة للخيرات التي تكون ملكًا للجميع.

9. السلوك الآمن.

10. حل المنازعات عن طريق الجهة القضائية.

ختامًا، يقول (هوبز) عن هذه القوانين الطبيعية التي وضعها:

وقوانين الطبيعة تلك قوانين ثابتة وأبدية ؛ لأن الظلم، ونكران الجميل، والتكبر، والكبرياء، والبغي، والمحاباة، وغيرها، لا يمكن أن تكون على الإطلاق أمورًا مشروعة وقانونية. لأنه لا يمكن مطلقًا القول بأن الحرب يمكن أن تحافظ على الحياة، وأن السلام يدمرها.

أسباب الإحباطات العربية عند حليم بركات

حليم بركات

دكتور حليم بركات (مواليد 1933)، هو عالم إجتماع و روائى سورى ، له العديد من المقالات و الدراسات المنشورة القيمة و فى دراسة بعنوان ” الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع  ” يتحدث الكاتب عن أهم مصادر الإحباطات العربية فى وجهة نظره فيقول:

 اكتشفنا من خلال تحليلاتنا فى مختلف أجزاء هذا الكتاب أن بين أهم مصادر الإحباطات العربية عدم التمكن من العمل الفريقى فى حل المشكلات المستعصية ، فإن الكثير من التغيير الذى حدث بسرعة مذهلة طيلة القرن العشرين تم لنا من دون مساهمة فعّالة من قِبلنا حتى أصبحنا نحسّ و كأننا لا نملك نقاط ثبات نرتكز عليها ، و أن أقدامنا لا تطأ أرض صلبة ، بل على العكس ، ، ظلت الأوضاع الأساسية الأخرى – و بخاصة على صعيد المؤسسات و قيام الحركات الإجتماعية – على حالها تقاوم ما نبتغيه من تغيير جذرى . و قد ساءت بعض الأحوال ختى تكونّن تيار قوى ينشغل بإستعادة الماضى أكثر من إهتمامه بشؤون الحاضر و إنشغاله بصنع المستقبل . إذاً ، كثيراً ما حصل التغيير من دون أن يكون لنا دور جوهرى فى التخطي له و صنعه ، فاجتاحتنا الأحداث حيث و حين لم نتوقعها كما لو كانت طوفاناً ، و كادت حياتنا تتحول إلى كفاح بائس ضمن حدود ضيقة يصعب تجاوزها . و لأن التغيير حصل لنا أكثر مما شاركنا في صنعه ، تراكمت حولنا و فى صلب حياتنا التحديات و التناقضات و المعضلات دون حلول ، و أسوأ من هذا كله أنه أصبح يُعتبر من المثالى أن نفكر بمشروع مستقبلى .

و عن سحق القدرات الإبداعية للمواطنين العرب بواسطة قمع ممنهج يقول

أظهرنا فى مختلف أجزاء هذا الكتاب و كررنا القول أن واقع المجتمع العربى السائد واقع مُغّرب يحيل الشعب – و بخاصة طبقاته و فئاته المحرومة و المرأة – إلى كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات العصر ، و هذا فى رأينا من بين أهم مصادر الإخفاقات العربية و الحد من القدرة على التغيير التجاوزى . إن الشعب – كما نميزه من الطبقات الحاكمة – عاجز فى علاقاته بالدولة و الأحزاب و المؤسسات العائلية و الدينية و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية ، إذ تسيطر هى على حياته ولا يسيطر هو عليها ، فيعمل فى خدمتها و لا تعمل فى خدمته ، و يجد نفسه مضطراً إلى التكيُّف مع واقعه بدلا من العمل على تغييره ، و إلى الإمتثال للسلطات المهيمنة على حياته بدلاً من إتخاذ المبادرات و الجرأة على التفرد و الإبداع . و لهذا يعيش الشعب كابوساً لا حلماً . إنه محاصر و دائرة الحصار تضيق بإستمرار ، فيضطر يائساً إلى الإنشغال بتدبير شؤونه الخاصة و تحسين أوضاعه المعيشية المادية لا إلانسانية . لقد سلبته هذه المؤسسات حقوقه و حرياته فى السيطرة على إنتاجه فى مختلف الحقول ، بل وظّفتها فى تهميشه و إفقاره و سحق قدراته الإبداعية .

و عن الخيارات المطروحة أمام الواطن العربى للخلاص من مثل هذه الإخفاقات

إن الخيارات المطروحة أمام الشعب قليلة و محدودة ، فالحصار المضروب على الشعب مزدوج داخليا و خارجياً . جرب أكثر ما جرب الإنسحاب و الهروب من واقعه ، فأدرك بعقله و إحساسه و حدسه أن الهرب لا يفيد ، و قد يكون غير ممكن فى بعض الحالات . كذلك جرب التمرد الفردى و لجأ إلى الإغتيالات و مساندة الإنقلابات العسكرية دون جدوى . و قد نتج من كل هذه التجارب مزيد من الإحساس المرير بالعجز و الغرق فى التخلف . و يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً من أى سؤال آخر فى الحياة العربية المعاصرة خلا ما يزيد على قرن من الزمن : ما العمل ؟

عن أدب السجون

 

prison

ممدوح عدوان (1941-2004) كاتب وشاعر ومسرحي سوري. قام بترجمة عدد من الكتب، كما تنوعت أعماله بين المسرحيات والروايات والمجموعات الشعرية والنثرية. في كتابه الأشهر (حيونة الإنسان) تطرق إلى أدب السجون، فقام بتعريف أدب السجون بداية بأنه:

نوع من الأدب الذي استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن و التعذيب، خلال فترة سجنهم و تعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم.

ثم قام بعد ذلك بتعريف التعذيب:

ذلك الفعل المؤذي الذي يمارسه الإنسان على الإنسان الآخر عقوبةً ردعية أو قمعية أو تربوية أو لإجباره على أمرٍ مّا، كفعل معين أو البوح بمعلومات في التحقيق، و أحياناً كطقس ديني أو تجميلي أو لسبب اقتصادي و أحياناً كممارسة تدريبية.

فالتعذيب لانتزاع الاعترافات أو المعلومات، هو أسلوب يلجأ إليه العدو عند السيطرة على الأسرى لمعرفة أكثر ما يستطيع عن الطرف الآخر، يريد معرفة عدد القوات و أنواع الأسلحة و أسرارها و مناطق التمركز و الانتشار و أسماء القادة و كلمات السر الخ

كما تلجأ إليه السلطات عند اعتقال عناصر شبكة معيّنة ( سياسية أو إجراميّة ) لمعرفة بقية العناصر و أسلوب العمل و المتعاونين و أماكن الاختباء و أسلوب التواصل… الخ

ثم يكمل أحاديثه، فيقول:

هذا يعني أن هناك شخصاً لديه معلومات لا يريد الكشف عنها، وهناك طرف يريد انتزاع هذه المعلومات، و لو بالقوة.

و ” لوبالقوة” هذه تستمل على التعذيب بكافة أنواعه التي ابتكرها الإنسان في مسيرته ” الحضارية “. إنها معركة بين صمود صاحب المعلومات و قدرته على تحمل الألم، و بين المحقق و جماعته الذين يوقعون بالمعنيّ أصناف الآلام.

ويتطرق إلى انتزاع الاعترافات بمثل هذه الطرق:

أمّا بالنسبة للاعترافات المأخوذة بهذه الطريقة فليس لها صفة قانونية، فالتعذيب قد يضطر من يتعرّض له إلى الاستجابة لطلبات المشرفين على التعذيب بتحمل مسؤوليات لاعلاقة له بها أصلاً، و ربما اضطر إلى اختلاق معلومات لكي يخفف مسؤوليات لاعلاقة له بها أصلاً، و ربما اضطر إلى اختلاق معلومات لكي يُخفف التعذيب عن نفسه و لو إلى حين.

و قد يحدث امتزاج بين طلب المعلومات و الرغبة الخالصة في الإيذاء و إيقاع الألم و الرعب، ويصل الأمر أحياناً إلى نسيان سبب التعذيب، فيظل التعذيب هدفاً ووسيلة و غاية مستقلّة.

و يحار ضحيّة التعذيب في وسيلة للخلاص منه، فلا الاعتراف يكفي، ولا الاستسلام حتى مشارفة الموت يكفي!

و أحياناً يصل الضحيّة إلى درجة الاستعداد لتبنّي أي جريمة تُنسب إليه أو يُراد منه تبنّيها.

و من أجمل الشهادات على مواقف من هذا النوع ماورد في رسالة مايرخولد إلى مولوتوف قبل إعدامه. يقول:

” وجدت نفسي منفصماً إلى شخصين: الشخص الأول يحاول أن يعثر على أثر للجرائم التي يتهم بها فلا يجد، و الشخص الثاني يخترع الجرائم حين يعجز الشخص الأول عن اختراعها، وفي هذا المجال كان ضابط التحقيق يقدم لي عوناً لا يقدر بثمن حيث رحت، أنا و هو، نخترع معاً في عمل ثنائي ناجح، وهكذا حين كانت مخيلتي تعجز عن اختراع الجرائم كان المحققون يهرعون لنجدتي” .

و في كتاب ” العسف ” عن الثورة الجزائرية، عرض لتجارب أناس تعرّضوا للتعذيب و فيه استنتاجات:

” نميّز بين صنفين من الجلادين: هناك الذين قبلوا أن يجعلوا من هذه المهنة القذرة وسيلة للحصول على خبزهم اليومي، وهناك الذين يدافعون بشعور منهم أو غير شعو، عن المواقف الاجتماعية و الامتيازات التي تخصهم بها سلطة مثل هذه الأجهزة.. و كما في كل مكان، الأوائل يعتصمون خلف أدوارهم كمنفذين. و الآخرون يجدون مسوّغات لأعمالهم في الترسانة الإيدلوجيّة “

يعلّق ممدوح هنا بأننا:

عثرنا على سبب آخر غير إطاعة الأوامر، أو أننا نضع أيدينا على الخطوة الأولى في إعداد القتلة و تدريبهم و تأهيلهم.

إن منفذ التعذيب، بعد شحنه بفكر معيّن و عواطف و أحقاد خاصة، يشعر بأنه يؤدي خدمة خاصة ” للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها ” أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها. وهذه السلطة هنا، هي الحكومة أو الشعب أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة ( الإثنية ).

و يقول سارتر في تقديمه لكتاب فرانز فانون (معذبو الأرض):

” لما كان لا يستطيع أحد أن يسلب رزق أخيه الإنسان أو أن يستعبده أو أن يقتله إلا ويكون قد اقترف جريمة فقد أقرّوا

[ يقصد المستعمرين ] هذا المبدأ: و هو أن المستعمر ليس شبيه الإنسان.

وعُهد إلى قواتنا [ يقصد القوات الاستعمارية الأوروبية ]. بمهمة تحويل هذا اليقين المجرد إلى واقع. صدر الأمر بخفض سكان البلاد الملحقة إلى مستوى القرود الراقية من أجل تسويغ أن يعاملهم المستوطن معاملته للدواب.

إن العنف الاستعماري لا يردي المحافظة على إخضاع هؤلاء البشر المستعبدين؛ و إنما يحاول أن يجردهم من إنسانيتهم “.

 

و يقول هيرمن هسّه في (ذئب السهوب):

” العالم الذي تبحثون عنه هو عالم أرواحكم ذاتها ” فالشخصيات ” هي السجن الذي وُضعتم فيه” و ” الروح الذئبية التي تتبقى حتى في نفوسنا المتحضرة هي ضمان الإذعان الاجتماعي ”

أمّا في الأرياف؛ فكانوا يوصون المتنقل في مناطق غير مأهولة ألا يخاف، أو يُظهر خوفه، لأن هذا الخوف سيُغري الوحوش بمهاجمته، كأن لهذا الخوف رائحة مهيجة!

 

و يُشير الدكتور مصطفى حجازي في كتابه القيّم و الهام، (التخلف الاجتماعي : دراسة في سيكولوجية الإنسان المقهور):

إلى الانتفاضة المسلّحة للمقهورين، و التي قد لا يكون لعناصرها وعي سياسي، ” فالإنسان المسحوق الذي حمل السلاح، من دون ثقافة سياسية توجه وضعه الجديد، قد يقلب الأدوار في تعامله مع الجمهور، أو مع من هم في إمرته، فيتصرف بذهنية المتسلط القديم، يبطش، يتعالى، يتعسّف، يزدري، وخصوصاً يستغل قوته الجديدة للتسلط و الاستغلال المادي و التحكم بالآخرين “.

يُعقَّب ممدوح عدوان بقوله:

هنا شيء يُمكن أن نسميه الانتقام من الماضي، فللأثرياء الجدد، مثلاً ، سلوكية خاصة تميّزهم و تدل عليهم. إنهم يريدون في كل حركة من حركاتهم أن يثبتوا لأنفسهم قبل الآخرين، أنهم أثرياء حقاً، إنهم يستعرضون القدرة الجديدة على الإنفاق، تلك هي سلطتهم الجديدة التي توصلوا إليها، إنها سلطة المال الجديد، وهم يضطهدون الآخرين بسلطتهم تلك. وتستطيع أن تستدل عليهم من تصرفاتهم في الأمكنة المبتذلة التي يستعرضون غناهم فيها، وهؤلاء يختلفون عن أصحاب المال الموروث: أبناء الطبقات الغنية الواثقة من غناها و المتعودة عليه. إنهم ليسوا في حاجة إلى استعراض ثرائهم أو إثباته في كل مناسبة.

و كذلك فإن المقموعين تاريخياً، حين يجدون متنفساً و يتوصلون إلى سلطةٍ مّا، فإنهم يريدون أن ينتقموا داخل نفوسهم من كل مشاعر الخوف و التذلل التي عرفوها، ولذلك يُصبحون أشد قسوة من مضطهديهم، وهم يقلدون أولئك الذين اضطهدوهم فهم يضيفون إلى مايعرفونه و يريدون تقليده شحنات من أحلام اليقظة المكبوتة و الانتقام من الذات التي كانت مستكينة، ويمددون صلاحياتهم خارج أسوار المكاتب أو حتى الزنزانات و من ثم تصبح ” نجوم الظهر ” التي كان يحلم بها ذلك السجين، ظاهرة ليس فقط للمساجين الذين سيقعون بين يديه، بل و للمجتمع بأسره.

و قد ابتكر ” أورويل ” كلمة أصبحت جزءاً من المفردات العلمية الحديثة، و هي ” التفكير المزدوج ” و يقصد بها القدرة على الإمساك بمعتقدين متناقضين في عقل المرء في وقت واحد و القبول بكليهما!

هذا التفكير المزدوج معشّش في نفوس المقموعين، حتى و إن بدا بعضهم في أعلى مراتب السلطة.

و في ( الخوف من الحرية ) لإيريك فروم هناك تعريف لسيبون ويل يقول:

” السلطة هي القدرة على تحويل الكائن الحي إلى جثمان و من ثم إلى شيء “.

و قد درَس جوزيه دو كاسترو في ” جغرافية الجوع

خوف الناس من قول الحقيقة حول أوضاعهم الاجتماعية و الاقتصادية و أنه ناجم عن نوع خاص من الخجل.

و يقول آرثر سالزبورغر

 احجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو قدمها إليه مشوّهة أو ناقصة أو وحشوّة بالدعاية و الزيف – إذاً فقد دمرت كل جهاز تفكيره و نزلت به إلى مامن دون مستوى الإنسان.

 

للاستزادة: كتابي “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية” للدكتور مصطفى حجازي. وكتاب الدكتور خالص جلبي “كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد“. وكتاب “أيها المحلفون ،، الله لا الملك” وهو عبارة عن مقالات وبحث عن نخبة من أدباء هذا الجيل. وقد رصد الأستاذ نواف القديمي عدد من أبرز ما كُتب في أدب السجون، نعيد نشرها هنا.

 

قيود الواقع العربي بأعين د.زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود

د.زكي نجيب محمود (1905-1993) الكاتب والأكاديمي وأستاذ الفلسفة، في كتابه (تجديد الفكر العربي) يتكلم عن الواقع العربي فيقول:

وإنه لمن العبث أن يرجو العرب المعاصرون لأنفسهم نهوضًا أو ما يشبه النهوض، قبل أن يفكوا عن عقولهم تلك القيود، لتنطلق نشيطة حرة نحو ماهي ساعية إلى بلوغه، وإنه لا بناء إلا بعد أن نزيل الأنقاض ونمد الأرض ونحفر للأساس القوي المكين.
 ثم يكمل حديثه بعد ذلك بذكر أعظم القيود التي تعيق الإنسان العربي المعاصر:
الأول: أن يكون صاحب السلطان السياسي هو في الوقت نفسه، وبسبب سلطانه السياسي، صاحب الرأي، لا أن يكون صاحب رأي (بغير أداة التعريف) بحيث لا يمنع رأيه هذا أن يكون لغيره من الناس آراؤهم.
الثاني: أن يكون للسلف كل هذا الضغط الفكري علينا، فنميل إلى الدوران فيما قالوه وما أعادوه ألف ألف مرة -لا أقول إنهم أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصورة واحدة تتكرر في مؤلفات كثيرة، فكلما مات مؤلف، لبس ثوبه مؤلف آخر، وأطلق على مؤلفه اسمًا جديدًا- فظن أن الطعام يصبح أطعمة كثيرة إذا تعددت له الأسماء.
الثالث: الإيمان بقدرة الإنسان -لا كل إنسان بل المقربون منهم- على تعطيل قوانين الطبيعة عن العمل كلما شاؤوا، على غرار ما يستطيعه القادرون النافذون -على صعيد الدولة- أن يعطلوا قوانين الدولة في أي وقت أرادت لهم أهواؤهم أن يعطلوها.
ويسهب بعد ذلك بخصوص القيد الأول فيقول:
أسّ البلاء في مجال الفكر هو أن يجتمع السيف السيف والرأي الذي لا رأي غيره في يد واحدة ؛ فإذا جلا لك صاحب السيف صارمه، وتلا عليك باطله، زاعمًا أنه هو وحده الصواب المحض والصدق الصراح، فماذا أنت صانع إلا أن تقول له “نعم” وأنت صاغر؟
فكل ذلك  برأيي الدكتور زكي نجيب محفوظ مخالف لطبيعة الفكر الحر، فمن شروط الفكر الحر برأيه:

 أن يكون حوارًا متعادل الأطراف، لا يأمر فيه أحد أحدًا، ولا يطيع فيه أحد أحدًا، إلا بالحق

وفرض الأفكار بطريقة تعسفية سيؤدي نهايةً إلى مخاطر وأضرار عظيمة، ولسبب بسيط:

فما من فكرة إلا وتحتمل أن يكون نقيضها هو الصواب
ثم ينتقل إلى القيد الثاني فيلخص لبّ الأزمة بداية في قوله:
سلطان الماضي على الحاضر هو بمثابة السيطرة يفرضها على الأحياء
فيتكلم بعد ذلك عن حالة التقديس للماضي فيقول:
إن للموتى تأثيرًا قويًا في نفوسنا، يكاد يلهينا عن حقائق الأمور بما يحدثه فينا من الإيهام
 وفي موضع آخر يقول:
وهكذا قل في أمر الإنسان إذا ما وجد نفسه حيال فكرة أو عبارة قالها رجل قضى منذ زمن، لكنه ترك وراءه شهرة وسمعة تملأ النفوس بالرهبة ؛ فقد يجد هذا الإنسان عندئذ أن من المتعذر جدًا عليه النجاة من سحر هذه الرهبة، وأن أيسر السبل وآمنها من الزلل هو أن يتقبل كل ما قد تركه له سلفه ذو الشهرة والسمعة، وهيهات أن تجد من الناس من تبلغ به الجرأة أن يفض عن الصندوق المسحور ختمه السحري، ليفتحه فإذا هو من الداخل خواء أو ما شابه الخواء
 (…)
فما أسرع ما يتحول الأمر عند الإنسان من إعجاب بالقديم إلى تقديس له يوهمه بأن ذلك القديم معصوم من الخطأ، فعندئذ تنسدل الحجب الكثيفة بين الإنسان وبين ما جاءت به الأيام من تطورات في العلم والمعرفة
أما بخصوص القيد الأخير، فالمقصود به سيطرة الخرافة على الواقع، وهو ما جعله يشبه الخرافة بالسحر الذي يتلاشى عند أول اختبار له، بينما العلم هو الذي يحرك الواقع فعليًا، وقد نقلت (ساقية) رأيه فيها في  تدوينة  سابقة