أرشيف الوسم: شكسبير

شكسبير يكتب دفاعًا عن اللاجئين

نشرت المكتبة البريطانية على موقعها الالكتروني العام الماضي النص الوحيد المكتوب بخط يد الشاعر والكاتب المسرحي البريطاني الشهير (وليم شكسبير). النص الناجي جزء من مسرحية شارك شكسبير بكتابتها مع كتاب آخرين بين الأعوام ١٥٩٦-١٦٠١، وهو مسودة يسترجع الخطاب الذي ألقاه نائب نقيب الشرطة في لندن (السير توماس مور) في الأول من أيار/مايو عام ١٥١٧، حاول فيه السير مور استمالة رحمة الحشود الساخطة على توارد وصول اللاجئين وحضهم على معاملتهم بشكل انساني. النص يُفصح عن معتقدات (شكسبير) الأخلاقية التي عبر عنها بكتابته الداعية للتآخي والتعاطف والمشاركة، وكذلك موقفه من السلطة. المسرحية التي حملت عنوان (كتاب السير توماس مور)، لم تُعرض على خشبة المسرح بسبب زعم السلطة الملكية آنذاك بالخوف من موجة عنف جديدة في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا وجهة المزيد من اللاجئين.

وصل لشواطئ إنجلترا بين الأعوام ١٣٣٠-١٥٥٠ آلاف اللاجئين الهاربين من عدد من الدول الأوروبية، معظمهم لاذ بحياته بسبب الاضطهاد الديني، وبعضهم جاء يبحث عن حياة أفضل. إلا أن رُهاب الأجانب استعر في قلوب السكان الأقدم في المملكة المتحدة، والذين اتهموا القادمين الجدد بالسعي وراء مصادر رزقهم وتغيير ثقافتهم. استمرت موجة الكراهية بالارتفاع إلى أن انفلتت العنصرية من عقالها ولم يستطع المعادون للأجانب كبح جماح غضبهم فخرجوا في مدينة لندن مسلحين بالعصي والحجارة والمياه المغلية، يهاجمون اللاجئين وينهبون بيوتهم، عُرف ذلك اليوم بالأول من أيار الملعون. في ذلك اليوم خرج نائب نقيب الشرطة في المدينة (السير مور) لتهدئة المحتجين واستمالة منطقهم الإنساني، إلا أن التعصب الأعمى قاد الحشود الغاضبة نحو التنكيل بمن لاذ بهم.

هنا ترجمة النص الشكسبيري بتصرف، ننقله لكم بشكل حصري في ساقية:


كتاب السير توماس مور

الفصل الثاني

المشهد الرابع

فليرحلوا إذا حاملين جلالة إنجلترا

التي نزعتها ضوضائكم

فكروا بالغرباء المعذبين

أطفالهم على ظهورهم

أمتعتهم الفقيرة على أكتافهم

جارّين أقدامهم للمرافئ والشواطئ بحثاً عن قارب نجاة

أما أنتم، هنا تتنازعُكم أهوائكم

وتصمت السلطة عن رغائكم

وتحيط برقابكم آرائكم

إلى ماذا ترمون؟ سأجيبكم:

غلبة العجرفة والبطش

كيف يمكن للقانون أن يسود على هذا المنوال؟

لن يشيخ أي منكم

تصورات الأوغاد هي نفسها

بصنائع أيديهم، بذرائعهم، بأنانيتهم

كالقرش والسمك ينهش بعضكم بعضا

ماذا لو ضاق الملك ذرعا بكم؟

ماذا لو قرر نفيكم؟

إلى أين ترحلون؟

من يؤويكم حسب طبيعة مزاجكم؟ فرنسا أم فلاندرز؟

أي مقاطعة ألمانية؟ إلى اسبانيا أم البرتغال؟

لا ملجأ غير إنجلترا

وإن قَلبَتْكُم الأنواء لغرباء

هل يرضيكم أن تجدوا أمة تحمل مثل هذا المزاج المتوحش؟

أمة تنفجر بعنف بشع

أمة لا تمنحكم موطئ قدم على الأرض

وتشحذ سكاكين الكراهية على رقابكم

وإن طردوكم كالكلاب؟ كأن الرب لم يخلقكم سواسية

ألا يُقلق راحتكم

عندما تضعون أنفسكم في أمكنتهم

ما رأيكم عندما تُستغلون؟

هذا قول عُجاب

وهذا توحشكم اليباب


[المصدر الأول]، [المصدر الثاني]

الكتابة ضد غسيل الصحون، فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

تقول (فرجينيا وولف) في كتابها (غُرفَةٌ للمرءٍ وحده) أنّه لم يكن في وسع امرأة، أية امرأة على الإطلاق، أن تكتب مسرحيّات شكسبير في زمنه. ولتوضح حجتها ابتكسرت امرأة خيالية وقدمتها كأختٍ لـ(شكسبير)، اسمها (جودث). لنفترض للحظة أن جودث هذه كانت شغوفةً بالمسرح كما كان (شكسبير)، وتتمتّع بالموهبة نفسِها. فماذا سيكون مصيرها؟ هل كان لها أن تُسّخّر حياتها في تنمية موهبتها كما فعل (شكسبير)؟ تقول (فرجينيا):

الجواب هو لا، لأن هناك أنظمةً وقوانينَ مختلفة لكل من الرجال والنساء. تستطيع (جودث) أن تكون موهوبةً كيفما تشاء، مولعةٌ بالفنون والآداب كيفما تُحب، بيد أن طريقها ككاتبة سيكون مرصوفٌا بالعقبات، صغيرها وكبيرها. ستمر بوقتٍ عصيب لتجد فسحة متذبذبة بين الزوجة الاجتماعية والزوجة الرفيقة والأم المخلصة التي عليها أن تكونهن جميعًا. والأهم من ذلك أنها لن تجد، وهي متمزقة بين واجبات الأم والزوجة، أي وقتٍ للكتابة. سينقضي يومها مستغرقةً في أعمال المنزل الروتينية ؛ الطبخ والكّي والاهتمام بالأطفال والتبضّع للمنزل والاعتناء بكل مسؤولياتها العائلية، وقبل أن تنتبه، ستجد نفسها امرأةً منخولة ؛ يتسرّب وقت العالم كلّه من ثقوب حياتها. وحتّى تلك اللحظات النادرة التي تجد نفسها فيها وحيدة، فسوف تكرّسها للاسترخاء والتخلّص من التوتّر. كيف لها أن تكتب؟ متى ستقوم بذلك؟
منذ البدء، كان الفُرَص الُمتاحة لشكسبير محظورة على (جودث). في عالم تُثبًط فيه عزائم النساء عن تنمية فرديتهن، ويُلًقن بأن دورهنّ الأساسي في الحياة هو الوقوف كأم وزوجة صالحة فحسب، عالم فيه النساء مجرّد أصواتٍ في حيّز الثقافة الشفهيّة، ولكن لا أحد ينظّر إليهنّ داخل الثقافة الكتابية، لذلك فإنّ الكاتبات يبدأن اللعب منذ الخسارة: صفرًا مقابل سًبعة.

لنقم الآن بطرح سؤال (فرجينيا وولف) على الشرق الأوسط.

فمن يدري كم امرأة عاشَت في تاريخ الشرق الأوسط؟ نساء كان بإمكانهن أن يُصبحن شاعرات أو كاتبات، إلا أنه لم يُسمح لهنّ بذلك. نساءُ خبأنَ قصائدهن في قنّ الدجاج أو صناديق المهور، حيث فسدت إلى الأبد. وبعد سنوات طويلة، وهُن يحكين القصص لحفيداتهن، قد تقول إحداهن :
– كُنتَ مرةٌ أكتُبُ الشّعر! هل تعرفنّ ذلك؟
– وما ذاك يا جدتي؟
– الشّعر؟ إنه مكانٌ ساحرً، خلفَ جبل قاف!
– هل بإمكاني الذهاب إلى هناك أنا أيضًا؟ هل أستطيع ذلك؟
– بلى تستطعين ذلك يا عزيزتي. لكن لايمكنك المكوث هناك. زيارة قصيرة وحسب. هذا فقط ما يُسمحُ به لك.
وستقول ذلك هامسةً، وكأن ما قالته، إلى هذا الحدّ، إحدى حكايات العفاريت.

[المصدر]

ما الذي يجعل شكسبير كاتبًا معاصرًا؟ إبراهيم نصر الله يجيب

إبراهيم نصر الله، كاتب و شاعر و أديب من مواليد عمّان، الأردن،عام 1954م، من أبوين فلسطينيين، هُجِّرا من أرضهما في قرية البريج (فلسطين)، غربي القدس عام 1948م، يعتبر اليوم واحداً من أكثر الكتاب العرب تأثيراً وانتشاراً، حيث تتوالى الطبعات الجديدة من كتبه سنوياً، محققةً حضوراً بارزاً لدى القارئ العربي والناقد أيضاً، ومن اللافت هذا الإقبال الكبير من فئة الشباب على رواياته وأشعاره، كما تحظى أعماله بترجمات إلى لغات مختلفة، وإلى ذلك الكتب النقدية الصادرة عن تجربته، ورسائل الماجستير والدكتوراه المكرسة لدراسه انتاجه في الجامعات العربية والأجنبية. في كتابه (هزائم المنتصرين)، والذي يتكون من عدة مقالات نقدية لبعض الأفلام، تطرق في إحدى المقالات إلى (شكسبير)، مستفتحًا حديثه متسائلًا:

ما الذي يجعل (شكسبير) كاتبًا معاصرًا؟ وكيف تحقق أعماله هذه القدرة الفائقة على الحضور والتأثير في كل مكان من هذا العالم، حتى أنه في استطلاع أجري قبل سنوات، كان الكاتب الأكثر قربًا من قلوب الصينيين.

يستفتح بعد ذلك الإجابة فيقول:

منذ مدة طويلة، صدر كتاب (شكسبير معاصرنا)، لمؤلفه (يان كوت)، وقد نقل الكتاب إلى العربية الراحل الكبير (جبرا إبراهيم جبرا)، المفتون بـ(شكسبير) ومآسيه الكبرى. وإلى ذلك صدرت عشرات الكتب في العالم العربي حوله، وتُرجمت مسرحياته غير مرّة.

أما في بقية العالم، فلا تسأل، فعدد الدراسات التي صدرت حول مسرحية (هامليت) وحدها لا يعدّ ولا يحصى.

كما أن المسارح لم تتوقف لحظة عن تقديم أعماله في هذه الأرض الواسعة، وقد قُدّمت بنصوصها الأصلية آلاف المرات، واستوحى الفنانون أعمالًا فنية كثيرة منها، في الباليه، الموسيقى، الشعر، الرواية، التلفزيون، السينما، بل إن الأخيرة فُتنت به إلى درجة مذهلة، بحيث أدمنت تقديم أعماله، وعبر سينمات مختلفة، من اليابان حتى عاصمة السينما هوليوود على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة الأمريكية. وقد استطاع كل مخرج أن يقدِّم رؤاه الخاصة، حتى لكأن (شكسبير) من الرحابة إلى درجة يستطيع معها استيعاب رؤى الجميع، ويظل هو الفضاء الذي يتيح للآخرين الفرصة الكاملة للتحليق فيه، وأن يكونوا أنفسهم بمنتهى الحرية، ويظل هو نفسه المتجدد باستمرار.

وللوصول إلى إجابة مُرضية للسؤال السابق، يتساءل: ما هو التاريخ في المسرح فعلًا؟

يقول (يان كوت) في (شكسبير معاصرنا): غالبًا ما يكون التاريخ في المسرح مجرد خلفية نرى الشخصيات إزاءها تُحب، وتعاني، وتكره، وتمرّ بتجاربها الدرامية الخاصة، وأحيانًا تكون هذه الشخصيات متورطة في التاريخ، الأمر الذي يُعقّد عليها حياتها، ولكنه يبقى، حتى، في هذه الحالة ضربًا من الزيٍّ غير المريح: باروكة، تنورة، أو سيفًا يصفع القدمين.

مسرحيات كهذه بالطبع، إنما هي تاريخية سطحيًا. ولكن هناك مسرحًا لا يكون التاريخ مجرد خلفية يمثله إزاءها، أو يكرره على الخشبة، ممثلون متنكرون كشخصيات تاريخية. أما فكرة التاريخ عند (شكسبير) مختلفة .. حيث ينسرح التاريخ على الخشبة، ولكنه ليس مجرد إعادة فعل أبدًا، فما هو بالخلفية، قطعًا، إنه هو فعل المأساة وبطلها.

وفي محاولة لتفسير وجهة النظر هذه يقول (بان كوت): هناك نمطان أساسيان للمأساة التاريخية. الأول مبني على الاعتقاد بأن للتاريخ معنى، وأنه يحقق مهماته الموضوعية، ويقود في اتجاه محدد. وهناك نوع آخر من المأساة التاريخية، أصلها الاعتقاد بأن التاريخ لا معنى له، وأنه واقف لا يتحرك، أو أنه باستمرار يعيد دوراته القاسية، وأنه .. كالبرد, كالعاصفة والإعصار، كالميلاد والموت.

يُنقّب الخُلد في الأرض، ولكنه لن يبلغ السطح.

يعاني، ويشعر، ويفكر،

ولكن معاناته ومشاعره لا تستطيع أن تغيّر مصيره “الخُلديّ”، فيستمر في حفر الأرض، وتستمر الأرض في دفنه.

وعند هذه النقطة يُدرك الخُلد أنه خُلد مأساوي!

ويروي (كوت) أن هذه الفكرد عن المأساة، أقرب إلى (شكسبير).

هذه قائمة بأغلب الأعمال السينمائية التي اعتمدت على أعمال (شكسبير) في القصة أو نحت الشخصيات.

التأليف عند فرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

يُعدّ كتاب (فرجينيا وولف) “غرفة تخص المرء وحده” بمثابة مانيفستو الحركة النقدية النسويّة في القرن العشرين.

فالكتاب على صغر حجمه و بساطة الرسالة التي يحملها، والتي كثيراً مّا اختزلت في جملة واحدة تقول: ” إذا أرادت امرأة الكتابة فيجب أن تكون لها غرفة و دخل منتظم مهما كان ضئيلاً” . إلا أن تلك النتيجة البسيطة و التي تنطبق على كل مبدع أياً كان جنسه، تؤصّلها (فرجينيا وولف) في حالة النساء تأصيلاً مرهفاً إلى أبعد حد، و بنفاذ بصيرة فائق عبر مايزيد عن المائة الصفحة، متملية متفحصة، و في الأساس متسائلة، عن المعوقات و التوقعات و الظروف الاجتماعية التاريخية التي أقعدت و أحبطت جهود النساء في إثبات ذواتهن و الإفصاح عن رؤيتهن للعالم.

 

تقول فرجينيا وولف في التأليف:

… التأليف بمعنى العمل الإبداعي ليس حصاة تلقى على الأرض، مثل العلم ربما؛ إنما العمل الإبداعي مثله مثل خيوط العنكبوت؛ قد يكون اتصاله بالحياة بخفّة متناهية و لكنه متصل بها من كل ركن من أركانه الأربعة. و قد يكون اتصاله بالكاد محسوساً؛ فمسرحيات (شكسبير) على سبيل المثال تبدو وكأنها كاملة متكاملة في نفسها و لكنا إذا جذبنا الخيوط عن جنب و رفعناها إلى أعلى و مزّقناها في المنتصف لتبيّن لنا أن تلك الخيوط العنكبوتية لم تغزلها مخلوقات بلا أجسام و تركتها معلقة في الهواء، و إنما هي من عمل بشر: تألّموا و كانوا يرتبطون بأشياء مادية ملموسة مثل الصحة و المال و البيوت التي نحيا فيها.