أرشيف الوسم: صداقة

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية

رسائل أوستر وكوتزي عن الصداقة

بول أوستر، كاتب وروائي أمريكي، من مواليد 1947، تمزج كتاباته بين الوجودية، وأدب الجرائم، والبحث عن الهوية في أعمال مثل؛ (ثلاثية نيويورك) و(كتاب الأوهام) و(حماقات بروكلين). تُرجمت كتبه إلى حوالي أربعين لغة. أما جيه. إم. كوتزي، فمن مواليد 1940، كاتب وروائي ومترجم، من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل في الآداب لعام 2003. من أعماله؛ (عصر الحديد) و(العار) و(العدو) و(إليزابيث كوستلو).

في كتاب (هنا والآن)، نُشرت عدد من الكلمات التي تراسلها الكاتبان على مدار أربع سنوات، تحديدًا من 2008 وحتى 2011. ابتدأ الكتاب برسالة من (كوتزي) يحكي فيها عن الصداقة، فيقول:

14 و15 يوليو 2008

عزيزي بول،

أفكر منذ فترة في الصداقات، كيف تنشأ، وكيف تدوم -أو يدوم بعضها- لفترات طوال، تتجاوز حتى علاقات الارتباط الغرامي التي أحيانًا ما نفترض -مخطئين- أن الصداقات نسخ باهتة منها. لقد كنت أوشك أن أكتب لك رسالة عن كل هذا، تبدأ بملاحظة أنه من المدهش أن ما كُتب في الصداقة قليل، في ضوء أهميتها في الحياة الاجتماعية، ومدى ما تعنيه لنا، لا سيَّما في الطفولة.775dd30cc09342f5b09e6fd35acaf8fb

لولا أني سألت نفسي إن كان ذلك صحيحًا. فمضيت إلى المكتبة لأتحقق بسرعة من الأمر، قبل أن أجلس للكتابة إليك. ويا إلهي، كم كنت مخطئًا. لقد وجدت سجلّ المكتبة يحتوي كتبًا بأكملها في الموضوع، عشرات الكتب، والكثير منها حديث. ولكنني حينما مضيت خطوة أبعد، فألقيت نظرة حقيقية على هذه الكتب، استرددت بعضًا من احترامي لنفسي. لقد كنت محقًا، أو شبه محق، فما تقوله هذه الكتب في الصداقة لا يكاد يثير الاهتمام، أو هذا حال أغلبها. إذ تبقى الصداقة لغزًا في ما يبدو؛ صحيح أننا نعرف أن الصداقة مهمة، لكن لماذا يصبح الناس أصدقاء ويبقون كذلك؟ هذا ما لا نملك إزاءه إلا التخمين.

ما الذي أعنيه حينما أقول إن المكتوب في هذا الموضوع لا يكاد يثير الاهتمام؟ قارن الصداقة بالحب. هناك مئات الأشياء المثيرة للاهتمام التي يمكن أن تقال في الحب. على سبيل المثال: يقع الرجال في غرام النساء اللاتي يذكّرنهم بأمهاتهم، أو بدلًا من ذلك، يذكّرنهم ولا يذكرنهم بأمهاتهم، اللاتي هن أمهات لهم ولسن أمهات لهم في الوقت نفسه. صحيح؟ ربما، وربما لا. مثير للاهتمام؟ قطعًا. والآن تعال إلى الصداقة. من الذين يتخذهم الرجال أصدقاء؟ رجال آخرون لهم تقريبًا مثل أعمارهم، ومثل اهتماماتهم، بالكتب مثلًا. صحيح؟ ربما. مثير للاهتمام؟ بالقطع لا.

دعني أسرد لك بعض ملاحظات عن الصداقة، جمعتها من زيارتي للمكتبة، وأراها مثيرة للاهتمام.

(1) لا يستطيع أحد أن يصادق شيئًا جامدًا، في ما يرى (أرسطو)، (الأخلاق، الفصل الثامن). بالطبع لا! من قال من قبل إن هذا ممكن؟ لكنه يبقى مثيرًا للاهتمام؛ فبغتة يرى المرء مصدر إلهام الفلسفة اللغوية الحديثة. إذ كان (أرسطو) قبل ألفين وأربعمئة سنة يبيّن أن ما يبدو من قبيل المسلّمات الفلسفية قد لا يزيد عن بعض قواعد النحو. ففي جملة “أنا صديق س” يقول (أرسطو) إن “س” لابد أن يكون اسمًا لكائن حي.

(2) قد يكون للمرء أصدقاء دون أن يرغب في رؤيتهم، كما يقول (تشارلز لام). صحيح، ومثير للاهتمام أيضًا، وهذا وجه آخر من أوجه اختلاف مشاعر الصداقة عن الارتباط الإيروتيكي.

(3) الأصدقاء، الذكور منهم في الغرب على الأقل، لا يتكلمون عن إحساسهم تجاه بعضهم بعضًا. قارن ذلك بثرثرة المحبين. وحتى هذا، ليس مثيرًا للغاية. لكن عندما يموت الصديق، ينصبّ الحزن: “أواه، فات الأوان”. سؤال: هل الحب ثرثار لأن الرغبة بطبيعتها تنطوي على مشاعر متضاربة، بينما الصداقة قليلة الكلام لأنها خالية من المشاعر المتضاربة؟

(4) ملاحظة لـ(كريستوفر تيتجنز) من (نهاية المسيرة) لـ(فورد مادوكس فورد)؛ وهي أن المرء يمضي بامرأة إلى سريره ليتسنّى له أن يتكلم معها. والمغزى: أن تحويل المرأة إلى عشيقة ليس إلا خطوة أولى، الخطوة الثانية، أي تحويلها إلى صديقة، هي المهمة، ولكن مصادقتك لامرأة لم تنم معها مسألة مستحيلة، إذ يبقى الكثير عالقًا في الأجواء.

لو صحّ بالفعل أنه من الصعب قول أي شيء مثير للاهتمام في الصداقة، فبالإمكان المضي إلى نظرة أبعد: فنقول إن باطن الصداقة يتفق وظاهرها، خلافًا للحب أو السياسة اللذين لا يتفق باطنهما مطلقًا مع ظاهرهما، أي أن الصداقة شفافة.

أكثر التأملات إثارة للاهتمام في موضوع الصداقة هو الذي يأتينا من العالم القديم. لماذا؟ لأن أناس العصور القديمة كانوا لا يرون أن الموقف الفلسفي في صلبه هو موقف تشكك، ومن ثم كانوا لا يرون أن من جملة البديهيات أن باطن الصداقة لا بد أن يكون شيئًا آخرًا غير ظاهرها، أو يخلصون -في المقابل- إلى أن الصداقة هي ظاهرها ومن ثم فلا يمكن أن تصلح موضوعًا للفلسفة.

أطيب التمنيات،

جون.

وكان رد (أوستر) على الرسالة السابقة كالآتي:

29 يوليو 2008

عزيزي جون،

هذا سؤال أطلت التفكير فيه على مدار السنين. قد لا أقول إنني انتهيت في الصداقة إلى موقف متماسك، ولكنني ردًا على رسالتك، التي أثارت بداخلي زوبعة من الأفكار والذكريات، أظن أن اللحظة المناسبة لذلك قد حانت.

بادئ ذي بدء، سأحصر نفسي في حدود الصداقات الذكورية، أعني صداقات الرجال، صداقات الأولاد.

(1) نعم، هناك صداقات شفافة وخالية من المشاعر المتضاربة -بتعبيرك-، ولكنها ليست كثيرة، في ضوء تجربتي. ولعل لهذا علاقة بمصطلح آخر من مصطلحاتك: قلة الكلام. إنك تصيب إذ تقول إن الصداقات الذكورية -لا سيما في الغرب- تنزع إلى قلة الكلام، فلا يتكلم الصديق مع صديقه عمّا “يشعران به تجاه أحدهما الآخر”، وسأمضي بهذا خطوة أبعد فأقول إن الرجال لا يميلون إلى الكلام عن مشاعرهم، ولا أزيد.

ولو أنك لا تعرف كيف هو شعور صديقك، أو ما شعوره، أو سبب شعوره، فكيف بصدق تقول إنه صديقك؟ ومع ذلك تدوم الصداقات، ولعقود كثيرة في الغالب، في هذه المنطقة الغامضة من عدم المعرفة.

[…]بول أوستر

موجة مُخيّة مباغتة: أفضل الصداقات وأبقاها ما يقوم على الإعجاب. هذه هي صخرة الشعور التي تربط بين اثنين على المدى البعيد. أن يعجبك شخص لما يفعله، لما هو إياه، لكيفية اجتيازه سبيله في الحياة. إعجابك به يعلي من شأنه في نظرك، يضفي عليه نبلًا، وسموًا إلى مقام تحسب أنه أعلى من مقامك أنت. ويعجب بك هذا الشخص أيضًا، فيعليك هذا عنده، ويضفي عليك نبلًا، وسموًا إلى مقام هو عنده يفوق مقام نفسه، ثم إذا بكما في موقف من المساواة التامة. وإذا بكل منكما يعطي أكثر مما يأخذ، وفي ظل هذا التبادل، تزدهر الصداقة. يقول الكاتب الفرنسي (جوبير) في (الدفاتر) 1809: “على المرء أن لا ينمّي أصدقاءه فحسب، بل والصداقات في نفسه. لا بد من صيانتها، ورعايتها، وريّها”. و(جوبير) أيضًا يقول: “إننا دائمًا ما نفقد صداقة من نفقد احترامنا لهم”.

(2) الأولاد. الصداقة أشد مراحل حياتنا توترًا، لأن كل ما نفعله فيها إنما نفعله للمرة الأولى. وليس هنا ما أقدمه غير الذاكرة، ولكن الذاكرة تُبرز -في ما يبدو- القيمة المطلقة التي نوزعها للصداقة في صغرنا، بل في صغرنا البالغ. […] أنت تميز في رسالتك بين الصداقة والحب. ولكن في صغرنا، قبل أن تبدأ حياتنا الإيروتيكية، لا يكون ثمة فارق. تكون الصداقة والحب شيئًا واحدًا.

(3) ليست الصداقة والحب شيئًا واحدًا. الرجال والنساء. الفرق بين الزواج والصداقة، ومقتطف آخر من (جوبير) 1801: “لا تتخيّر زوجة إلا امرأة لو كانت رجلًا لاتخذتها صديقًا”، صيغة أخرى عبثية في تصوري، إذ كيف لامرأة أن تكون رجلًا، ولكن الفكرة تصل على أية حال، وهي جوهريًا غير بعيدة عن ملاحظة (فورد مادوكس) في (نهاية الموكب) وتأكيده الظريف النزق على أن “المرء يصطحب المرأة إلى السرير كي يتسنى له الكلام معها”.

الزواج في المقام الأول حوار. وإذا لم يعرف زوج وزوجة كيف يكونان صديقين، فليس للزواج إلا فرصة ضئيلة للبقاء. الصداقة من مكوّنات الزواج، ولكن الزواج مهمة في طور التنفيذ طوال الوقت، دائم التطور، مسعى لبلوغ المرء أعماق نفسه وإعادته اختراع ذاته في علاقته بالآخر، بينما الصداقة نقية، أعني الصداقة بعيدًا عن الزواج، تميل إلى أن تكون أكثر ثباتًا، وتهذيبًا، وسطحية. ونحن نتوق إلى الصداقة لأننا كائنات اجتماعية، وُلدنا من كائنات ومقدور لنا أن نعيش وسط كائنات إلى يوم أن نموت، ومع ذلك تأمّل الشجارات التي تقع في أفضل الزيجات، الخلافات المحتدمة، الإهانات الملتهبة، الأبواب المصفوقة والأطباق المتهشمة، فكّر في ذلك وسوف ترى على الفور أن أمثال هذه السلوكيات لا يمكن أن تكون مقبولة في غرف الصداقة الرزينة. الصداقة احترام، وطيبة، وثبات شعوري. والأصدقاء الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض نادرًا ما يبقون أصدقاء. في حين أن الأزواج والزوجات الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض غالبًا ما يستمرون في زيجاتهم، بل وتستمر زيجاتهم هذه في سعادة.

هل يمكن أن تقوم صداقات بين الرجال والنساء؟ أعتقد أنه ممكن. ما لم يكن ثمة انجذاب جسدي. ولا يكاد الجنس يدخل المعادلة، حتى يتوقف قبول الرهانات.

[…]

مع أدفأ الأفكار من نيويورك الساخنة،

بول.

مي زيادة تكتب في الصداقة

مي زيادة

مي زيادة (1886 – 1941) أديبة وكاتبة فلسطينية لبنانية، أتقنت (مي) تسع لغات، وكتبت بعض الكتب والمقالات في بعض هذه اللغات. تعد (مي زيادة) من رموز الأدب العربي في العصر الحديث. في مقالة لها نُشرت في (مجلة الرسالة) بتاريخ ١١ فبراير ١٩٣٥، كتبت عن الصداقة [المصدر]، في رسالة مهداة إلى مهداة إلى الأستاذ (أحمد حسن الزيات)، وإلى الدكتور (طه حسين)، وإلى أصحابهما جميعًا، تقول:

قد تبدو هذه الكلمات غريرة للذين لا يرون في الصداقة إلا وسيلة نفعِيَّة تعود على كلٍّ من المرتبطين بها بفائدة محسوسة: كالظهور بمظهر العظمة، أو التمكن من دحر منافس، أو التعاون على الإساءة إلى شخص أو أشخاص، أو جني ثمرةٍ ملموسة وتحقيق غرضٍ مالي أو اجتماعي.

ونخطئ إن نحن نسبنا إلى أهل هذا العصر وحدهم الصداقة المغرضة؛ لأن تلك كانت شيمة الكثيرين في جميع العصور وعند جميع الأقوام، قد تكون في هذا العصر أكثر شيوعًا، وإنما نحن أشد شعورًا بها لأننا نعيش في وسطها، ويجبهنا وجهها الخادع أنَّى توجَّهْنا.

فإذا أنت طلبت من الصداقة شيئًا غير تلك الفوائد المتداولة؛ إذا طلبت العاطفة، والفائدة الأدبية المجردة، وتلك اللذة البريئة التي تجدها في محادثة الصديق بالكلام أو بالسكوت، وشعرت باحتياج مُلِحٍّ إلى ذلك كاحتياج الدم إلى النور وإلى الهواء — إذا أنت طلبت هذا من الصداقة، وعند الصديق، فما أنت في نظر تلك الفصيلة من الناس إلا من أهل الشذوذ والغباوة … على الأقل!

وعلى رغم كل ذلك فموضوع الصداقة من الموضوعات التي نُقبِل عليها في اهتمام ولهفة، لو جاز لي أن أشير إلى خُلُقٍ خاص فيَّ، قلت إني أشعر بشيء غير قليل من الأسف كلما انتهى إليَّ أن صديقين كريمين تجافيا بعد التصافي، وقد يكون أسفي ناجمًا عن نوع خاص من الأثرة لا أدركه تمام الإدراك؛ قد يكون ذلك أن انفصام عرى الصداقة بين الآخرين كأنما ينال من إيماني بالصداقة، ويزعزع من رجائي فيها.

***

أولى ذكرياتي في هذا الموضوع ترجع إلى قصة فرنسية، هي «أبرص بلدة آووستا» بقلم كزافييه دي ميستر، وأظنني قرأتها لأول مرة وأنا في سن العاشرة تقريبًا، فيها وَصَفَ ذلك الجنديُ الكاتبُ اجتماعَه برجل ابتُلِي بداء البرص المروِّع، فنبذه الناس من مجالسهم، وحايدوا الدنو من الدار التي عاش فيها وحده حبيسًا طوال الأعوام.

تطوِّح السبيل بالكاتب الغريب إلى تلك البلدة وتسوقه إلى الدار المخيفة، ويلِجُ باب الحديقة فيُبصِر الرجل الموبوء وهو لا يدري بحالته، وعندما يحذِّره الأبرص ويفضي إليه بمحنته لا يلوذ الكاتب بالفرار، وإنما يقترب منه ويجلس إليه مستفسرًا عن معيشته وأحواله، وعما يحسه في الابتعاد عن أولئك البشر الذين هو منهم، فيعترف الأبرص بأن آلامه الأدبية تفوق أوجاعه الجسدية، يعترف بعذابه في حزن هادئ يشبه الامتثال والرضا، يعترف بحاجته إلى الشعور بأن قلبًا يعطف عليه ويحنُّ إليه، بأن يدًا تصافح يده، بأن صدرًا يتلقاه ويحتضنه، حتى إنه لشدة حاجته تلك يحتضن أحيانًا جذوع الشجر ويضمها إليه ما استطاع، كأنها كائنات إنسانية، يعترف بشوقه إلى سماع صوت بشري، إلى تبادل السلام والحديث مع من يفكر تفكيره ويحس إحساسه، إلى جميع تلك الأمور التي عرف قيمتها لأنه حُرِم منها، والتي يتمتع بها الجميع جاهلين أنها منحة ومتعة لأنها عادية بينهم.

ويقول فيما يقول وكأنه يلخِّص جميع صنوف عذابه في هذه الكلمة:

لم يكن لي يومًا صديق.

والكاتب الذي عرف كيف يصغي إلى شكايته في هدوء ورباطة جأش، تهتاج تلك الكلمة شجونه وتحزُّ الشفقة في قلبه، فلا يتمالك من الهتاف:

يا لك من تعيس!

تلك الكلمة من الأبرص، ورد الجندي الكاتب عليها، استقرت في موضع عميق من روحي عند قراءة القصة، بل القصة كلها تجمعت عندي في تلك الكلمة وفي التعقيب عليها، وقد يكون لها الأثر الكبير في تكوين إيماني العنيد بأن لا بد من وجود الصداقة، مع اعتقادي بأن نفاسة الصداقة نفسها تحتم فيها الندرة.

***

لسنا في حاجة إلى دهور نعيشها لندرك كم في هذه الحياة البشرية من خبث ومراوغة ونفاق، اختبارات قليلة تكفي لتدلنا على أن بعض المُثُل العليا تخذلنا وتصرعنا بلا رحمة، ثم تنقلب مسوخًا ساخرة مزرية، لا تلبث أن تكشر عن أنيابها مهددة متوعدة، وهي التي تجلببت في نفوسنا من قبلُ جلباب القدسية والعبادة!

اختبارات قليلة في أحوال معينة، وأحوال مفاجئة، تكفي لتُظهِر لنا أن من الناس من يتاجر بكل عاطفة صالحة لتنفيذ أغراض غير صالحة، ومن يستغل كل استعداد كريم لنتيجة غير كريمة، ومن لا يكتفي بالظلم والإجحاف، بل لا يتورع عن إيذاء الذين أخلصوا النية في معاملته، ولم يَنَلْه منهم إلا الخير. وكم من مذيع أنباء الصداقة لا لسبب آخر سوى التوغل في الإيذاء باسم الصداقة، في أساليب سلبية أو إيجابية، لا يعلم إلا هو كم هي خبيثة وكم هي فعَّالة.

وكيف تُعامِلُ أولئك الناسَ عندما تكشف عمَّا يضمرون؟ أتحاسنهم؟ إنهم يحسبون المحاسنة ضعفًا ومداراة، فيمعنون في الأذى! أتخاشنهم؟ إنهم يزعمون المخاشنة جحودًا ومكابرة، فيمعنون في الأذى! ولعل الشاعر العربي كان في حالة كتلك عندما أرسل هذه الزفرة المنغومة التي هي من أبلغ ما أعرف في معناها:

يأسُ هذا الشاعر يدل على حاجته الصميمة إلى صداقة نقية غير مغرضة، فنحن مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، فإننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟

***

أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات، وهي نور الحياة وخمرتها، وكم تكنُّ من خير ثقافي وعلمي للنابهين!

لا تخافوا أن تكونوا من أهل الشذوذ والسذاجة في نظر المعرضين! ألا بئست نفسًا فقدت كل سذاجة، وسارت على وتيرة واحدة، لا تعيش إلا للغرض وبالغرض! وما أفقرها وإن كانت ثرية! وما ألصقها بالثرى وإن كانت علية! وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء!

معنى الصداقة عند د.زكي مبارك

زكي مبارك

د. زكي مبارك (1892 – 1952) هو أديب وشاعر وصحفي وأكاديمي عربي مصري، حصل على ثلاث درجات دكتوراه متتالية فلقبه البعض إثر ذلك بالدكاترة زكي مبارك. درّس في الجامعة المصرية لعدة سنوات وعمل مفتشا عاما للغة العربية. في كتابه (الحديث ذو شجون)، وهو عبارة عن عدد من المقالات نشرها في مجلة الرسالة وجريدة البلاغ وعدد من المجلات الأخريات، تحدث عن قيمة الصداقة وعن الصديق الحق، فيقول بدايةً:

الخادع المخدوع هو من يوهمه اللؤم، أو توهمه الحماقة، أن صداقات الرجال تنال بالرياء، وأن لطف المحضر يغني عن صدق المغيب.

الصديق الحق هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

الصديق الحق هو الذي يدرك بوضوح أن الصداقة تفرض عليه أن يكون سنادك في جميع الأحايين، وأن يؤاخي من آخاك، ويعادي من عاداك، ولو كنت على ضلال، وهل يستطيع الصديق أن يرى في صديقه غير كرائم المناقب، وروائع الخصال.

ليس بصديق من يرى عيوبك أو يسمع فيك أقوال مبغضيك، وليس بصديق من يجوز عنده أنك واحد من الناس يقترب إليه باسم الصداقة ويبتعد عنه باسم العقل، وليس بصديق من لا يراك في جميع أحوالك أشرف الرجال.

إن استباح الصديق أن يتعقب صديقه بالملام في جد أو في مزاح فهو عدو يلبس ثوب صديق.

ثم يقول مختتمًا مقالته:

كن صديقًا صدوقًا، ثم تجرد من سائر الفضائل إن شئت، فما يقيم الله وزنًا لغير أعمال الصديق الصدوق.

الأنا عند باسكال

باسكال

باسكال (1623-1662) هو فيزيائي ورياضي وفيلسوف فرنسي اشتهر بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء، وبأعماله الخاصة بنظرية الاحتمالات في الرياضيات هو من اخترع الآلة الحاسبة. استطاع باسكال أن يسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي بمجموعته الرسائل الريفية. في الرواية الفلسفية (تعلم الحياة) ينقل الفرنسي(لوك فيري) اقتباسًا عن باسكال حول شيء من معنى الأنا، فيقول:

ماهو الأنا ؟
هل أستطيع القول إن الإنسان الذي يقف في شبّاكه لمشاهدة المارة ، لحظة مروري من هناك ، واقف من أجل مشاهدتي ؟ كلا : لأنه لا يفكر فيّ بشكل خاص . لكن الذي يحب أحدًا بسبب جماله ، هل يحبه فعلاً ؟ كلا ، لأن مرض الجدري الذي يقتل الجمال دون قال الشخص ، يحول دون هذا الحب .

وإذا كان الآخرون يحبونني من أجل رجاحة عقلي أو من أجل ذاكرتي ، هل هم يحبونني أنا ؟ كلا . لأن بإمكاني أن أفقد هذه الصفات دون أن أخسر نفسي . أين هو إذن هذه الأنا إلا لم يكن لا في الجسد ولا في النفس ؟ وكيف يمكن أن نحب الجسد أو النفس إذا لم يكن من أجل هذه الصفات والتي ليست من يشكّل الأنا لكونها هالكة ؟ إذ هل يمكن أن نحب مادة نفسِ شخصٍ بشكل مجرد ، ومهما كانت صفاتها ؟ إن هذا غير ممكن وغير عادل . إننا لا نحب أبدًا الشخص بل فقط الصفات.