أرشيف الوسم: ضحايا الحضارة الغربية

مسؤولية المثقفين، نعوم تشومسكي في مقالة مطوّلة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. أما “مسؤوليّة المثقفين” فهي مقالة للأكاديمي الأمريكي (تشومسكي)، والتي نُشِرت مؤخرًا كملحق خاص للمقالة الأساسيّة والتي نُشرت خلال حرب فيتنام وقد حظِيت المقالة باهتمام كبير باعتبار (تشومسكي) ناقد بارز في الحرب الفيتنامية.

يقول (تشومسكي) في مقالته:

منذ أنْ لم يعُد في وسعنا رؤية ما يحدث قبالة أعيننا، لا يفاجئنا كثيراً، ما لا نراه في لحظة هادئة ومغايرة. لقد شهدنا للتو مثالاً توجيهياً: على نحوٍ خُطّط له بوضوح، يرسل الرئيس (أوباما) تسعة وسبعين من الجنود المغاوير إلى باكستان في الأول من مايو لاغتيال المشتبه به الأول في الفظائع الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر (أسامة بن لادن). وعلى الرغم من أن المستهدف بالعملية أعزلاً بلا حماية ومن الممكن اعتقاله، فقد كان قاتلاً ببساطة، فأُغرقَ جسدُه في البحر بلا تشريحٍ للجثة. نُظِر إلى هذا الفعل على أنه “فقط وللضرورة” في الصحافة الليبرالية يكون هناك أثر، مثلما كانت تفعل الإجرامية النازية ـ فالحقيقة التي لم يجرِ إغفالها كانت خارج حدود السلطات الشرعية التي صادقت على العملية غير أنها رفضت الإجراء. وكما نبَّهَنا (إيلين سكاري)، فحظر الاغتيال في القانون الدولي يعود إلى الإدانة الفعّالة لممارسته من قِبَل (إبراهام لينكولن)، الذي ندَّد بالمناداة بأن يكون الاغتيال “محرّما دوليا” في العام 1863، وذلك بوصفه ـ أي الاغتيال ـ “انتهاكا لحُرمة” مشهد “الأمم المتحضرة” بالترويع وبما تجدر به من “العلاقة الأشد صرامة”.

في العام 1976، كُتب الكثير عن غشٍّ وتحريفٍ أحاطا بالغزو الأميركي لفيتنام. ناقَشْتُ مسؤولية المثقفين، مستعيرا العبارة من مقالة هامة لدوايت ماكدونالد بعد الحرب العالمية الثانية. ومع حلول الذكرى السنوية العاشرة للحادي عشر من سبتمبر، والاستحسان الشائع أو الشعبي في الولايات المتحدة لاغتيال (ابن لادن)، يبدو الوقت ملائما للعودة ثانية إلى تلك المسألة. إنما قبل التفكير في مسؤولية المثقفين، هناك ما يجدر بنا شرحه عن الذين أشرنا إليهم.

نال مفهوم المثقفين أهمية في الوعي الأخلاقي الحديث مع “بيان المثقفين” 1898 الذي تسبب به (درايفوس)، المُلهم برسالة الاحتجاج المفتوحة لـ(إميل زولا) إلى الرئيس الفرنسي، التي استنكر فيها تلفيق تهمة الخيانة بحق ضابط المدفعية الفرنسي (ألفريد درايفوس) والتستُّر اللاحق للجيش. نقل وضْعُ (درايفوس) صورةَ المثقفين بوصفهم مناصرين للعدالة، ومواجهة السلطة بجرأة ونزاهة. إنما بمشقةٍ رأوا طريقهم في ذلك الوقت. والقلّةُ من بين الفئات المتعلمة في التيار الأساسي للأنشطة المثقفة، أدانت الدرايفوسيين على نحو لاذع، وبخاصة من قِبَل شخصيات أساسية من بين “أعضاء الأكاديمية الفرنسية الأربعين” المناهضين بشدة للدرايفوسية يكتب (ستيفن لوكي). وبالنسبة لـ(موريس باري)، الروائي والسياسي والقيادي المناهض للدرايفوسية، فقد كان الدرايفوسيين “فوضويي منصة الدرس”.

وبالنسبة لآخر من بين أعضاء الأكاديمية المعمّرين هؤلاء، (فيرناند بروتنيير) فإن كلمة “مثقف” بالذات تدلّ على “أقصى الأطوار غرابةً وراديكاليةً في زماننا قصدْتُ غرورَ” الكتّاب التنويريين والعلماء والأساتذة الجامعيين والفلاسفة إلى سلسلة من الرجال ذوي القدرات الاستثنائية الذين تجرأوا على “التعامل مع أفكارنا العامة بوصفها حماقة ومؤسساتنا الاجتماعية بوصفها منافية للعقل وتقاليدنا بوصفها ضارّة بالصحة“.

ثم يتساءل (تشومسكي) بعد ذلك، “من هم المثقفين؟”

إذن، مَنْ هم أولئك المثقفون؟

القلّة التي ألهمها (زولا) -حُوكم بالسجن بسبب القذف والتشهير- أم أعضاء الأكاديمية؟

تردد صدى هذا السؤال عبر العصور، بشكلٍ أو بآخر، واليوم يقدّم إطاراً لتحديد: “مسؤولية المثقفين”.

العبارة غامضة، فهل تُحيل إلى المسؤولية الأخلاقية للمثقفين بوصفهم بشراً محترمين في وضْعٍ يمكِّنهم من الاستفادة من امتيازهم وحالتهم لتحسين أسباب الحرية والعدالة والرحمة والسلام وسائر الاهتمامات الوجدانية الأخرى؟ أم تُحيل إلى الدور المتوقع منهم لَعِبَه، فيخدم المؤسسات ولا يحطّ من قَدْرِها ويقودها ويبرهن أنها المؤسسات الرسمية؟

جاءت إحدى الإجابات خلال الحرب العالمية الأولى، عندما اصطفّ مثقفون بارزون على كل الجوانب في دعم دولهم.

في “بيان الثلاثة وتسعين مثقفا” ألمانيا، الصادر عن شخصيات رئيسية في أكثر دول العالم تنويريةً، طالبوا الغرب أنْ: “ثقوا بنا! آمنوا، أننا سنواصل هذه الحرب بوصفنا أمة متحضرة، على شرف مَنْ هم يعتبرون ميراث (غوته) و(بيتهوفن) و(كانْط). ذلك الميراث هو المقدس مثلما هي مقدسة مواقدها ـ أي الأمة المتحضرة ـ ومنازلها”.

نظراؤهم على الجانب الآخر من الخنادق المثقفة ماثَلوهم الحماسة تجاه القضية النبيلة، لكنهم مضوا أبعد في تملُّق الذات لقد أعلنوا في الـ“نيو ريببلك” أن “العمل الفعّال والحاسم لمصلحة الحرب قد أُنْجِزَ من قِبَل… تلك الفئة التي ينبغي، بشمولية إنما بتساهل، وصفها على أنها فئةُ (مثقفين)”.

فلقد آمن هؤلاء التقدميّون أنهم كانوا تلك الضمانة التي أدخلت الولايات المتحدة إلى الحرب “تحت تأثير رأي أخلاقي أخذ في الاتساع بعد تداول  ماراثوني من خلال أكثر أعضاء المجتمع رصانة”. كان هؤلاء، في الحقيقة، ضحايا تدابير وزارة الإعلام البريطانية التي “حاولت سرّا فرض هذه الفكرة في أغلب العالم” إلا أن تفكير المثقفين الأميركيين، أساسا، هو الذي ساعد على انعطاف بلد مسالم إلى حمى الحرب .

كان (جون ديوي) قد دُمغَ بـ”الدرس النفسي والتربوي العظيم للحرب”، الذي أثبت أن البشر، وبدقة أكثر “الرجال الأذكياء في المجتمع” بوسعهم تولّي الشؤون الإنسانية وإدارتها… على نحو مقصود وذكي، لتحقيق النهايات المقصودة والباهرة من خلال تحديد هذه الشؤون.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

لم يتْبع كل شخص المجرى بإذعانٍ كبيرٍ، بالطبع. إن شخصيات فذّة من مثل (برتراند راسل) و(يوجين دبس) و(روزا لوكسمبورغ) و(كارل ليبكنخت) كانوا، مثل (زولا)، قد حوكموا بالسجن. عوقِب (دبس) بقسوة استثنائية، مدة عشرة أعوام، بسبب قضية رفعها على “الحرب من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” للرئيس (ويلسون).

لقد رفض (ويلسون) العفو عنه بعد انتهاء الحرب ، مع ذلك رضخ (هاردينغ)، الرئيس التاسع والعشرون للولايات المتحدة، جمهوري من أوهايو- في آخر الأمر.

وعوقب البعض مثل (ثورشتاين فيلبن)، لكنهم عوملوا بصرامة أقلّ؛ فقد فُصِل (فيبلن) من موقعه في إدارة الأغذية بعد أنْ أعدّ تقريرا تعرّض فيه للنقص في عدد العمّال المزارعين الذي أمكن التغلّب عليه ـ أي النقص ـ بإنهاء الاضطهاد الوحشي الذي مارسه (ويلسون) على هؤلاء العمّال، وعلى وجه التحديد، عمال الاتحاد الدولي. وأُبعدَ (رادولف بورن) من الصحف التقدمية لنقده ”عصبة الأمم الامبريالية المطبوعة على حبّ الخير” ومساعيها الرفيعة .

إن نمطَ الترغيب والترهيب مألوفٌ طوال التاريخ: فأولئك الذين اصطفوا في خدمة الحكومة قد هللّوا لها في العادة عبر المجتمع المثقف، وهؤلاء الذين رفضوا الاصطفاف في خدمة الدولة قد عوقبوا. وهكذا، ففي الماضي، كان (ويلسون) والمثقفون التقدميون، الذين عرضوا عليه خدماته، قد شُرّفوا على نحو عظيم، إنما ليس (ديبس). و(لوكسمبورغ) و(ليبكنخت) اللذين قتِلا، باتا بطليْ التيّار المثقف بشقِّ الأنفُس، فيما واصل (راسل) إداناته اللاذعة حتى بعد موته، ولا يزال كذلك في سِيَرِه الراهنة .

ثم ينتقل إلى إيضاح أسباب هذه الخصومة، والتهديد الذي يجده المثقفين، فيقول:

 

منذ أنْ اتجهت السُلطة إلى أن تسود، اعتُبر المثقفون الذين خدموا حكوماتهم مسؤولون. في السبعينات، ميّز علماء بارزون بين صنفين أكثر صراحةً. في درس العام 1975، أزمة الديمقراطية، صُنِّفتْ أطوارُ الغرابة الراديكالية لبروتنيير على أنها “مثقفو القيمة ـ الموجَّهة” الذين طرحوا “تحديا لـلحكومات الديمقراطية هو، بشكلٍ مُحتملٍ على الأقلّ، تحدٍّ جادّ يُشبه ذلك الذي طرحوه في الماضي من خلال زُمرة الأرستقراطيين والحركات الفاشية والأحزاب الشيوعية”. ومن بين آثامٍ أخرى، ثمة كائناتٌ أخرى، منها أولئك “الذين كرّسوا أنفسهم للانتقاص من القيادة وتحدي السلطة” والذين تحدوا مسؤولية المؤسسات من أجل “تلقين الشباب” حتى أنّ البعض منهم قد غاص إلى أعماق التساؤل عن نُبْل أهداف الحرب، مثلما فعل (رادولف بورن). هذا الانتقاد بقسوة من قِبَل المهرطقين الذين ساءلوا السلطة والنظام القائم تنازل عنه علماء اللجنة الثلاثية الدولية الليبرالية؛ أولئك الذين اجتذبتهم إدارة (كارتر) على نحو واسع من طبقاتهم الاجتماعية .

وكما هو الحال مع جماعة “نيو ريببلك” المتزايدين أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد وسّع كُتاب “أزمة الديموقراطية” مفهوم العقلانية إلى معنى أفضل من معنى “بريتينير” السخيف، وكان أفضل منه أيضاً من ناحية النوع، حيث أنه: يُعد المفكرين التكنوقراطيين والمُوجّهين للسياسات مفكرين جادين ومسؤولين، يُكرسون أنفسهم للعمل البنّاء وذلك لصياغة سياسات المؤسسات القائمة وضمان ثبات العائدات.

لم يتطلب الأمر من (ديوي) سوى بضع سنوات للتحول من مفكر تكنوقراطي ومُوجَّه للسياسات في الحرب العالمية الأولى إلى محاضر ثائر، كما أنه انتقد شجب “الصحافة غير الحرة” وتساءل عن مدى “إمكانية تحقيق الحرية الفكرية والمسؤولية الاجتماعية على نطاق واسع في ظل وجود النظام الاقتصادي السائد”.

لقد كان موضوع “الديموقراطية المفرطة” هو الشغل الشاغل لعلماء “الثلاثية” وذلك خلال اضطرابات في الستينيات عندما انخرطت أحزاب سكانية سلبية ولا مبالية في الساحة السياسية معربين عن قلقهم تجاه: الأقليات والنساء والأطفال وكبار السن والعمال…الخ. وباختصار،

يجب التفريق بين سكان، والذين يُدعون أحياناً “أصحاب المصالح الخاصة” وبين من أطلق عليهم (آدم سميث) “سادة البشرية” حيث أنهم “المُخططين الحقيقيين” للسياسة الحكومية والذين يتبعون نظام “ماكسيم الدنيء” الذي يقول كُلنا لأنفسنا لا للآخرين. لا يُستنكر أو يُناقش دور أولئك أولئك السادة في الساحة السياسية، وذلك لأنها، كما يقول الموروث الثلاثي،: “أن السادة يمثلون الصالح الوطني” كأولئك الذين يمجّدون أنفسهم بسبب إدخال البلاد في حالة حرب، بعد بذل أقصى جهد في التشاور مع أكثر أعضاء المجتمع فكراً، حيث أنهم وصلوا إلى “القرار الأخلاقي”.

وللتغلب على الأعباء التي يضعها “أصحاب المصالح الخاصة” على عاتق الدولة، فقد دعت “الثلاثية” إلى مزيد من “الاعتدال في الديموقراطية”، وذلك بأن يصبح الجانب المُهمل جانباً سلبياً، الأمر الذي قد يعيد البلاد إلى الأيام السعيدة كأيام حكم (ترومان) الذي تعاون مع قلة من محامي وول ستريت وصرافيها، مما أدى إلى انتعاش الديموقراطية.

وادعت “الثلاثية” بأنها متمسّكة بهدف الدستور القائل: “أنّه وثيقة أرستقراطية جوهرية تهدف إلى الميول الديموقراطية في فترة الحكم” وذلك من خلال إعطاء السلطة “لنوعٍ أفضل” من البشر وقصرها على الأغنياء وذوي النسب المرتفع والبارزين، وذلك حسب المؤرخ البريطاني (جوردون وود). ودفاعاً عن (ماديسون)، يجب علينا أن ندرك أن عقليته كانت عقلية ما قبل الرأسمالية. لقد كان يعتقد أن السلطة يجب أن تكون في يد “ثروة الأمة” و“العصبة من الرجال” وتصوّرهم بأنهم “رجال الدولة الراشدين” و“فلاسفة الخير” للعالم الروماني الخيالي. يراهم بأنهم “نبلاء وصادقين” و“رجال مخابرات وطنيين ثوريين بظروف خاصة” يميزون مصالح بلادهم الحقيقية، والذين من غير المحتمل أن يضحوا بوطنيتهم وحبهم للعدالة لدواعي مؤقتة أو جزئية. وبهذا، فإنه يمكن لأولئك الرجال أن “ينقحوا الرأي العام” مما يضمن حماية المصالح العامة ضد “المفسدين” من الغالبية الديموقراطية.

وعلى غرار ذلك، فقد وجد المفكرون الويلسونيون ضالتهم في العلوم السلوكية، الأمر الذي وضّحه عالم النفس والمُنظّر التعليمي (إدوارد ثورنديك) عام 1939 حيث قال: “إنه لمن حسن حظ البشرية أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الذكاء والأخلاق، الأمر الذي يتخلله حسن النية تجاه الزملاء، وبهذا فإنه غالباً ما يكون رؤساؤنا من محبي الخير، ولذا فإنه من الآمن أن نثق في مصالحنا بين أيديهم عوضاً عن أن تكون بين أيدينا”.

إن هذا الاعتقاد مريح، بالرغم من أن البعض قد يرى بأن (آدم سميث) كان أكثر وضوحاً.

ويتابع حديثه قائلًا:

يعتبر المفكرين الذين يخدمون حكوماتهم مسؤولين بينما يُرفض أو تُشوه سمعة أولئك الذين يتطلعون إلى القيم، وسبب ذلك كله هو أن السلطة بيد الغلبة.

أما بخصوص الأعداء، فإن لديهم نفس الفرق بين هذين النوعين من المفكرين، إلا أنهم يعكسون القيم.

كان يُعتبر المفكرين المنشقين في الاتحاد السوفييتي القديم بمثابة أصحاب الشرف، بينما  نكنّ الازدراء للبيروقراطيين والمفوّضين والمفكرين التكنوقراطيين والسياسيين. ويبقى الحال ذاته في إيران، فقد كنا نحترم المنشقين الشجعان وندين من يدافع عن المؤسسة الدينية، وكذلك هو الحال في أي مكان آخر.

لقد كان يُستخدم مصطلح التشريف “منشقّ” استخداماً انتقائياً. بالطبع فإنه لا ينطبق انطباقاً ملائماً على المفكّرين الذين ينحون منحى القيم من منازلهم أو أولئك الذين كافحوا الاستبداد الأمريكي من الخارج. وانظر على سبيل المثال لحالة (نيلسون مانديلا) الذي أُزيل اسمه من قائمة الإرهابيين عام 2008 ليتمكن من القدوم إلى الولايات المتحدة دون الحاجة إلى تصريح خاص.

لقد كان (مانديلا) زعيماً إجرامياً لأحد أكبر “الجماعات الإرهابية سيّئة الصيت” في العالم قبل عشرين عاماً وذلك بحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية.

وهذا هو السبب الذي دفع الرئيس (ريغان) إلى دعم نظام التمييز العنصري، إضافة إلى انتهاك جنوب افريقيا لعقوبات الكونغرس ودعمها لعمليات سلب البلدان المجاورة، لينتهي الأمر إلى وفاة مليون حسب دراسة للأمم المتحدة.

لم يكن هذا إلا إحدى حلقات الحرب على الإرهاب التي أعلنها ريغان لمكافحة “آفة العصر الحديث” أو ما أشار إليه وزير الخارجية (جورج شولتز) “العودة إلى الهمجية في العصر الحديث”. وقد نضيف إلى هذا كله مئات الآلاف من الجثث في أمريكا اللاتينية وعشرات الآلاف في الشرق الأوسط، وغير ذلك من الإنجازات. ومن غير المستغرب أن يبجّل علماء معهد هوفر المتحدثَ العظيم حيث أنهم يعتبرونه العملاق صاحب “الروح التي تنهض بالبلاد والشبح الصديق والحميم الذي يراقبنا” وكانوا قد كرّموه مؤخراً بتمثال يشوّه السفارة الأمريكية في لندن.

الأمر الذي أربك علماء الثلاثية هو “نهضة الديموقراطية” في الستينيات .

ويقول بعد ذلك:

تُعتبر حالة أمريكا اللاتينية حالة بيّنة. لا يقبل المعارضين المُشرّفين بأولئك الذين ينادون بالحرية والعدالة. فعلى سبيل المثال، قُتل ستة رهبان مُفكّرين في أمريكا اللاتينية وذلك بناءً على أوامر مباشرة من القيادة السلفادورية العليا وذلك بعد أسبوع من سقوط جدار برلين. لقد كانوا من كتيبة النخبة التي سلّحتها ودربتها واشنطن والذين قد جرّبوا أبشع أنواع الدم والإرهاب، وكانوا أيضاً قد عادوا للتو من تدريب في مركز جون كينيدي الحربي الخاص ومدرسة فورت براغ في كارولينا الشمالية. ولم تُحيَ ذكرى القساوسة باعتبارهم منشقين شرفاء ولم تُحيا ذكرى من هم على شاكلتهم في العالم. إن المنشقين الشرفاء هم أولئك الذين يدعون إلى الحرية في أوروبا الشرقية والذين بالطبع عانوا ولكن لم تكن معاناتهم عن بعد كما هو الحال مع أمثالهم في أمريكا اللاتينية.

إن موضوع التمييز جدير بالدراسة، كما أنه يخبرنا الكثير عن عبارة “مسؤولية المفكّرين” وعن أنفسنا.

يقول (جون كوست ورث) في ورقته المنشورة مؤخراً في جامعة كامبريدج “تاريخ الحرب الباردة” بأنه “تجاوز عدد السجناء السياسيين وضحايا التعذيب وحالات إعدام المعارضين السياسيين غير العنيفين في أمريكا اللاتينية الحد مقارنةً بالتجاوزات التي حدثت في الإتحاد السوفييتي منذ الستينيات حتى انهياره في التسعينيات وتوابعه من دول شرق أوروبا”.

لقد كان هناك العديد من الشهداء المتدينين بين المعدومين، كما أنه كانت هناك مجازر جماعية دعمتها أو قامت بها واشنطن.

فلماذا إذاً يكون هناك تمييزٌ؟ قد يقال بأن ما حصل في شرق أوروبا أمرٌ أكثر خطورة من مصير جنوبها الذي يقع بين أيدينا. إنه من المثير للاهتمام أن تكون الحجة واضحةً لا غبار عليها، وأن نراها تشرح السبب الذي يجب أن نتخلى عن أخلاقنا الأولية لأجله ومنها مدى جديتنا في موضوع المعاناة والأعمال الشنيعة والعدالة والحقوق، فإذاً سنركز جهودنا في مواضع قوتنا، وذلك بتقاسم المسؤولية فيما بيننا للأحداث الراهنة. لا نحظى بمصاعب تتطلب من أعدائنا أن يتحلوا بهذه المبادئ.

ولم يتبقَ لدينا سوى القليل للقلق بشأنه أو ما يجب علينا أن نقلق بشأنه، وهو ما يقوله (أندري ساخروف) أو (شيرين عبيدي) بخصوص جرائم الولايات المتحدة أو إسرائيل. إننا معجبون بهم لما يقولونه ويفعلونه بدولهم والنتائج التي يتوصلون إليها لمن يعيش في مجتمعاتهم الحرة والديموقراطية، الأمر الذي يحفّز للإنتاج الفعال. نجد أن الممارسة في المجتمعات المحترمة تكاد تكون نقيض القيم الأخلاقية.

ولكن، لنتفق ونستعرض الموروث التاريخي هنا.

تحظى حروب الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية في الفترة ما بين 1960 إلى 1990 (بصرف النظر عن أهوالها) بأهمية تاريخية على المدى الطويل. هناك جانب مهم يجب أن نضعه في الحسبان وهو أنه كانت هناك حروب كبيرة ضد الكنيسة والتي اعتبرها مجمع الفاتيكان الثاني في عام 1962 زندقة. يقول البابا الثالث والعشرون عن هذه الحروب أنها “بداية حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية”، كما يصفها العالم الديني (هانس كونغ) بأنها تستعيد تعاليم الإنجيل التي تُخُلي عنها في القرن الرابع عندما أنشأ الإمبراطور قسطنطين المسيحية باعتبارها ديناً للإمبراطورية الرومانية، مما أدى إلى “ثورة” تحوّل “الكنيسة المضطهَدة” إلى “كنيسة مُضطهِدة”. واعتبر أساقفة أمريكا اللاتينية الذين اختاروا “تفضيل الفقراء” أن المجمع الفاتيكاني الثاني يمارس الزندقة. ثم جاء بعد ذلك القساوسة والراهبات والعلمانيون برسالة سلمية راديكالية من الأناجيل للفقراء تساعدهم في تحسين مصيرهم التعيس في ميادين السلطة الأمريكية.

أصدر الرئيس (كينيدي) في العام ذاته (1962) عدة قرارات مصيرية. كان أحد تلك القرارات أن يتحول جيش أمريكا اللاتينية من “جيش عالمي” (وهذه إحدى مفارقات الحرب العالمية الثانية) إلى “أمن داخلي”، ويمثل هذا الأمر في الحقيقة حرباً ضد السكان المحليين، وذلك إذا ما حاولوا رفع رؤوسهم. ويصف (شارلز ماتشلينج) (المتمرد والمخطط الدفاعي للولايات المتحدة الأمريكية 1961-1966) العواقب المُتوقعة لقرار سنة 1962 وأنه انتقال من التسامح “في ضراوة الجيش الأمريكي اللاتيني وضراوته” إلى “تواطؤ مباشر” في الجرائم بغية دعم الولايات المتحدة الأمريكية “في كتائب الإبادة بأساليب هينرش هيلمر”. وتتمثّل إحدى المبادرات في الانقلاب العسكري في البرازيل والذي خُطط له في واشنطن بعد اغتيال (كينيدي) وذلك لتأسيس دولة ذات أمن قومي قائمة على القتل والوحشية. لقد بدأ طاعون القمع بالانتشار في العالم ومن ذلك انقلاب سنة 1973 لإثبات ديكتاتورية (بينوتشيت)، بل والأسوأ من ذلك كالديكتاتورية الأرجنتينية التي يُفضلها (ريغان). وأتى دور أمريكا الوسطى (كما جاء مسبقاً) في الثمانينات تحت ظل “الشبح الصديق الحميم” الذي يُبجّل لإنجازاته.

لقد كان مقتل أولئك القساوسة الذي تزامن مع سقوط جدار برلين بمثابة الضربة القاضية للزندقة والتي بلغت أشُدها في العِقد السلفادوري الذي كان بدايةً لحقبة الاغتيالات كاغتيال رئيس الأساقفة (أوسكار روميرو) “صوت من لا صوت له”. لقد تبنى المنتصرون في الحرب ضد الكنيسة تلك العمليات بكل فخر. تشتهر مدرسة الأمريكيتين (باسمها الجديد) بتدريبها للقتلة اللاتينيين وصرّحت أن اللاهوت التحريري الذي كان في مجمع الفاتيكان الثاني تم بمساعدة من “الجيش الأمريكي”.

لقد كانت اغتيالات نوفمبر 1989 أشبه ما تكون بالضربة القاضية، لكن كانت هناك حاجة إلى المزيد.

أُجريت بعد ذلك بعام أول انتخابات نزيهة في هايتي، وكانت هنا الصدمة والمفاجئة لواشنطن التي توقعت فوز مرشحها. انتخب الجمهور من الفقراء وقاطني الجبال (جيان بيرتراند أريستايد) القسيس التابع للاهوت التحريري، فتحركت واشنطن فوراً لإسقاط لتدمير الحكومة المنتخبة، ثم قدمت بعد ذلك دعماً عسكرياً للمجلس العسكري الحاكم ولمؤيديها الذين تولوا الحكم بعد الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة خلال أشهر. انتعشت التجارة هناك في ظل انتهاكها للعقوبات الدولية، وازدادت انتعاشاً في عهد (كلينتون) الذي سمح لشركة النفط “تكساكو” بتمويل الحكام السفّاحين رغماً عن توجهاته.

سأتجاوز العقبات المُهينة لهذا الأمر وسأسهب في أمورٍ أخرى، إلا أنه يجب أن نشير إلى حركتي التعذيب في عام 2004 والتي شارك فيها كل من هايتي وفرنسا والولايات المتحدة وكندا في خطف الرئيس (أريستايد) (الذي اُنتخب مرةً أخرى) وإرساله إلى وسط افريقيا. لقد تم منعه وحزبه من الدخول في انتخابات 2010 – 2011 التي كانت تُعتبر مهزلة، والتي تعتبر أيضاً من الأمور التاريخية المُريعة التي تُرجعنا إلى مئات السنين والتي لا يكاد يُعرف مرتكب جرائمها والذين يُحبون القصص التي تدل على جهودهم المتفانية في إنقاذ الناس.

أما إذا كنا جادين في موضوع العدالة فإنه يجب علينا أن نتحمل المسؤولية جميعاً في الأمور التي تحدث.

يعتبر قرار (كينيدي) عام 1962 بإرسال بعثة للقوات الخاصة إلى كولومبيا بمثابة آخر القرارات المصيرية والتي قادها الجنرال (ويليام ياربوف) الذي أشار لقوات الأمن الكولومبية بأن يقوموا بأعمال “شبه عسكرية وتخريبية و/أو أنشطة إرهابية” ضد مؤيدي أحد الشيوعيين المعروفين، وهي أنشطة يجب أن تدعمها الولايات المتحدة. فسّر رئيس اللجنة الكولومبية لحقوق الانسان ووزير الخارجية السابق (ألفريدو فاسكيز كاريزوسا) معنى عبارة “مؤيدي الشيوعية”، وكتب إلى إدارة (كينيدي) “لقد بذلت قصارى جهدي في تحويل جيوشنا النظامية إلى ألوية مكافحة تمرد، وقبولها لاستراتيجيات فرق الإعدام الجديدة”، ويقول: “لا تدافع عقيدة الأمن القومي المعروفة لدينا في أمريكا اللاتينية ضد الأعداء الخارجيين، إنما ترتكز مهمتها في الحفاظ على الحكام، مع بقاء الحق لها في مكافحة الأعداء الخارجيين، كما هو منصوص عليه في البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وكولومبيا: نملك الحق في قمع وإبادة الأخصائيين الاجتماعيين والأعضاء والرجال والنساء الذين لا يدعمون المؤسسة الحكومية، والذين نفترض أنهم متطرفون شيوعيون. وهذا بدوره يعني أي شخص بما فيهم الحقوقيين مثلي”.

يقول (شارلز شولتز) في دراسة له في عام 1980 أن الأكاديميين الأمريكيين المتخصصين  في حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية وجدوا أن المساعدات الأمريكية “تتدفق تدفقاً غير متكافئ لحكومات أمريكا اللاتينية التي تعذب مواطنيها مقارنةً مع حقوق الإنسان الأساسية لمنتهكي الجرائم في العالم”، وأن ذلك شمل المساعدات العسكرية أيضاً (التي لم تكن هناك حاجة لها)، الأمر الذي استمر حتى حكم (كارتر). لقد كان من اللازم أن تكون هناك دراسة مماثلة منذ عهد ريغان. كانت السلفادور إحدى أكبر الدول منتهكة الجرائم في الثمانينات، وبذلك فقد أصبحت المُستقبِل الرئيسي للمساعدات العسكرية الأمريكية، ثم بعد ذلك حلت كولومبيا محلها باعتبارها أسوأ منتهكة للجرائم في نصف الكرة الأرضية. لقد كان (فاسكيز كاريزوسا) يعيش تحت حراسة مشددة في مقر اقامته في بوجوتا عندما زرته عام 2002 باعتباري طرف من بعثة منظمة العفو الدولية، التي قامت بحملة لمدة سنة تتمثل في حماية المدافعين عن حقوق الإنسان في كولومبيا وذلك بسبب سجل الهجمات المرعبة التي كانت ضد نشطاء حقوق الإنسان والعمال، والتي كانت معظم ضحاياها من الفقراء والعُزّل. ويستمر الإرهاب والعذيب في كولومبيا باستخدام الأسلحة الكيميائية (التطهير) وذلك بحجة الحرب على المخدرات، ليُجبر سكان الأحياء الفقيرة على الهروب، ولم يلقَ الناجون منهم إلا البؤس. تشير تقديرات مكتب المدعي العام الكولومبي إلى مقتل أكثر من 140 ألف شخص على يد الميليشات أو القوات غير النظامية، التي تعمل مع الجيش وتمولها الولايات المتحدة.

أصبحت ترى علامات المجازر في كل مكان. مررت أنا ورفاقي على طريق زراعي قبل عام وكنا نريد الوصول إلى قرية نائية في كولومبيا، لقد مررنا في طريقنا على عدة قبور لضحايا الهجوم شبه العسكري على الحافلات. وتعتبر تقارير القتل الرسومية أمراً كافياً، كما أن من شأن مقابلة بعض الناجين الذين يعتبرون من ألطف الناس وأكثرهم عطفاً أن توضّح الصورة وألمها.

إن هذا الأمر لهو أكثر رسومات هذه الجرائم الفظيعة اختصاراً، والتي يتحمل ذنبها الأمريكيون، والتي يمكننا (على أقل تقدير أن نخفف من حدتها).

إلا أن أكثر ما يثلج الصدر هو أننا نثني على الشجعان الذين يحتجون على انتهاكات العدو، إنه أمر جيّد لكنه لا يحظى بأولوية لدى المفكّرين الذين يأخذون مسؤوليات هذا الموقف على محمل الجد.

إنّا لا نتجاهل وننسى الضحايا في مياديننا (الأمر الذي يحدث عكسه في دول معادية) إلا أن هذا يعتبر إهانةً لنا أيضاً. ضرب أحدهم مثالاً لافتاً بعد اغتيال المفكرين الأمريكيين اللاتينيين في السلفادور بأسابيع قليلة.

زار (فاكلاف هيفيل) واشنطن وحضر جلسة كونغرس مشتركة. أُعجب به الجمهور عندما نادى “المدافعين عن الحرية” في واشنطن حيث أنه فهم أنه “تدفق منها المسؤولية” وأنها “أقوى دولة على وجه الأرض” وأعلن بصراحة عن مسؤوليتها عن الاغتيالات الوحشية لأقرانه السلفادوريين قبل فترة وجيزة.

سَحرَ بعرضه هذا الطبقة الليبرالية المثقفة. إن (هيفيل) يذكرنا بأننا نعيش “في عصر الرومانسية” كما قال (أنتوني لويس). لقد فرِح المحللون الليبراليون بمثالية وسخرية وإنسانية (هيفيل) وأنه “بشّر بعقيدة صعبة لمسؤولية الأفراد”، بينما تألم الكونغرس “باحترام” من عبقريته ونزاهته، كما أنه تساءل عن سبب افتقار أمريكا لمثل هؤلاء المفكرين والذين ينادون بترقية الأخلاق على المصلحة الشخصية ويدعون إلى النظر في الجثث المعذبة والمشوهة في أنحاء البلدان التي تركناها في مأساتها. لا داعي لأن نقلق هنا حيال ردة فعل البابا إلاروكيا (أبرز المفكرين المسيحيين المُغتالين) الذي قال مثل هذا الكلام في مجلس الدوما وذلك بعد أن قامت قوات الصفوة التي سلحها ودربها الاتحاد السوفييتي باغتيال (هيفيل) وستة من مساعديه، الأمر الذي لا يمكن تصوره.

يجعلنا اغتيال (ابن لادن) ننتبه أيضاً إلى ضحايا الذل. هناك الكثير لنقوله حيال هذه العملية، ويتضمن ذلك استعداد واشنطن لمواجهة خطر حرب كبرى محتملة أو حتى وصول المواد الانشطارية إلى أيدي الجهاديين، كما أسلفت سابقاً. لكن دعونا نبقي على سبب تسمية عملية غيرونيمو بهذا الاسم. تسبب هذا الاسم بغضب في المكسيك، كما احتج عليه السكان الأصليون في الولايات المتحدة، ولكن يبدو أنه لم يُلاحظ أن (أوباما) حدد (ابن لادن) مع رئيس الأباتشي الهندي. لقد قام غيرونيمو بمقاومة شجاعة لأولئك المعتدين الذين هددوا شعبه بمصير “إبادة هذا العرق التعيس من الهنود الحمر بطريقة غادرة لا رحمة فيها بسبب خطاياها الشنيعة التي سيحاسبكم عليها الله” وذلك على حد تعبير الاستراتيجي العظيم (جون كوينسي آدمز) المهندس الفكري وذلك بعد فترة طويلة من إسهاماته في تلك الخطايا. يعيد لأذهاننا هذا الاسم سهولة تسمية أسلحة القتل لدينا بناءً على ضحايا جرائمنا مثل: أباتشي وبلاكهوك وشيين. قد ننظر للأمر نظرة مختلفة إذا استدعت اللوفتوافا طائراتها باسم “يهودي” أو “غجري”.

ويتابع بعد ذلك:

يقول (كسينجر): “لم تغير أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأولى العالمَ كما غيرته الثانية، كانت لا شيء بالنسبة لعواقبها الوخيمة”.

لا يعد إنكار هذه “الخطايا البشعة” أمراً واضحاً أحياناً. وهناك حالات أخيرة -على سبيل المثال لا الحصر- منها حالة حدثت قبل عامين في أبرز المجالات الفكرية الليبرالية اليسارية حول العالم، حيث بيّن (راسل بيكر) ما تعلمه من عمل “المؤرخ البطل” (إديموند مورغان)، فيحكي أنه عندما وصل كولومبوس والمستكشفون الأوائل وجدوا مساحة قارية ذات كثافة سكانية منخفضة يعيشون على الزراعة ومطاردة البشر، وأنه قد يكون هناك مليون نسمة في عالم لا حدود له وغير ملوث يمتد من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد.

ثم تطور الأمر لتشمل تلك المناطق عشرات الملايين وشهدت “تمددا” حضارياً  في أرجاء القارة.

لم تكن هناك ردة فعل على هذا الكلام، إلا أن المحررين عدلوا على المقال فأضافوا أنه كان هناك ما يزيد عن 18 مليون نسمة، كما أنهم حذفوا جزئية (من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد). كان كل هذا معروفاً قبل عدة عقود (بما في ذلك الحضارات المتقدمة والوحشية الغادرة والإبادة) ولكنه أمر ليس بالمهم حتى أن يُكتب في جملة اعتراضية. وأشار المؤرخ (مارك مازور) في مراجعة الكتب اللندنية بعد ذلك بعام إلى أنه لا يوجد أي تعليق على “إساءة معاملة الأمريكيين للسكان الأصليين”. هل الأمر أننا نقبل بكلمة مثل كلمة “إساءة معاملة” لجرائم مماثلة يرتكبها الأعداء؟

ويكمل (تشوميسكي) مقالته:

إذا كانت مسؤولية المثقفين تشير إلى مسؤوليتهم الأخلاقية كبشر مهذّبين في موقعٍ يمكِّنهم من استخدام امتيازهم ووضعهم لتحسين شروط الحرية والعدالة والرحمة كذلك للتحدث دون خوف ليس عن انتهاكات الأعداء، إنما، أكثر بكثير وبشكل ملحوظ، عن الجرائم التي نحن متورّطون بها وبالإمكان تحسينها أو الانتهاء منها إذا نحن اخترنا الإجابة عن سؤال: كيف سوف نفكر في الحادي عشر من سبتمبر؟

إنّ نظرية: هجمات الحادي عشر من سبتمبر “قد غيّرت العالم” هي نظرية مستمرة إلى حدٍّ بعيد وعلى نحو من الممكن تفهّمه. لأحداث ذلك النهار النتائج الأخطر بالتأكيد، محليا ودوليا. كان أحدهُم قد قاد الرئيس (جورج دبليو بوش) إلى إعلان حرب (رونالد ريغان) على الإرهاب. الأول منهما قد “اختفى” فعليا، باستعارته للعبارة من قتلة أميركا اللاتينية ومعذِّبيها المفضّلين لدينا. وذلك بصورة مُحتملة، لأن تلك النتائج لم تتلاءم جيدا مع صورنا الذاتية الممتازة. كانت النتيجة الأخرى غزو أفغانستان ومن ثم العراق؛ فالكثير من التدخلات العسكرية الراهنة في بلدان أخرى عديدة في المنطقة والتهديدات المنتظمة بالهجوم على إيران (“الخيارات كلها مفتوحة” وفقا للعبارة القياسية). كانت الأكلاف، بكل أبعادها، باهظةً. وكانت الاقتراحات على العكس من السؤال البديهي الذي لم يُسأل طوال المرة الأولى: هل ثمة بديل هناك؟ .

لاحظ عدد من المحللين أن (ابن لادن) قد حقق نجاحات ضخمة في حربه ضد الولايات المتحدة. “لقد أثبت على نحوٍ متكررٍ، أنّ الطريقة الوحيدة لإكراه الولايات المتحدة على الخروج من العالم الإسلامي وإيقاع الهزيمة بأحذيتها العسكرية كانت بجرّ الأميركان إلى سلسلة من الحروب الصغيرة لكنْ غالية الثمن، تلك التي في النهاية تؤدي إلى إفلاسهم” يكتب الصحفي إيريك مارغوليس .

باغتت الولايات المتحدة جيدا، تحت حكم (جورج دبليو بوش) ومن ثم (باراك أوباما)، مكيدةَ (ابن لادن)… الإنفاق والولع الشديد بالديْن العسكريين المتضخميْن على نحو غريب… هما ميراث أعظم ضررا بكثير من الرجل نفسه الذي اعتقد أنّ بوسعه أن يوقع الهزيمة بالولايات المتحدة .

قدّر تقرير “أكلاف مشروع الحرب” الصادر عن معهد واتسون في جامعة براون أن المحصلة النهائية سوف تكون 3,2 تريليون ولغاية 4 تريليونات مليون دولار أميركي. تماما، هذا الإنجاز المؤثر (تحقق) عن طريق (ابن لادن).

كانت واشنطن منكبّة على مباغتة مكيدة (ابن لادن) الذي كان واضحا أكثر من أي وقت. يكتب (مايكل سكوير)، المحلل المتقاعد في (السي آي إيه) والذي كان مسؤولا عن تعقُّب (ابن لادن) خلال الأعوام من 1996 ولغاية 1999: “تحرّى (ابن لادن) الدقّة في إخبار أميركا بأسباب شنّ الحرب علينا”. إن “قائد القاعدة”، يتابع (سكوير) “قد خرج كي يبدّل بتطرُّف سياسات أميركا والغرب تجاه العالم الإسلامي”.

ومثلما يشرح (سكوير) فقد نجح (ابن لادن) إلى حدّ كبير: “أكملت جيوش الولايات المتحدة وسياساتها راديكالية العالم الإسلامي، لقد حاول (أسامة بن لادن) بعض الشيء أن يُنجز ما هو أساسي وجوهري، لكن النجاح لم يكتمل منذ فترة مبكّرة من التسعينات، وكنتيجة لذلك، أعتقد أنه كان من الإنصاف الإبقاء على (ابن لادن) حليفا لا غنى عنه” وإبقاؤه ما يزال قابلا للجدل كثيرا حتى بعد موته .

وثمة سبب للاعتقاد بأن الحركة الجهادية كان من الممكن أنْ تتجزأ وتضعف مكانتها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، هي ـ أي الهجمات ـ التي انتُقِدتْ بقسوة داخل الحركة، علاوة على أنها “جريمة ضد الإنسانية” مثلما سُمِّيَتْ على نحو يطابق الحقيقة، حيث كان ممكنا مقاربتها كجريمة، من خلال عملية دولية كي يُلقى القبض على المشتبه بهم الرئيسيين مثلما كان متوقَّعا. وكان هذا ما قد تمَّ إدراكه من خلال النتائج المباشرة التي تلت الهجمات، لكن حتى هذه الفكرة لم تُؤخذ بعين الاعتبار من قِبَل صانعي القرار في الحكومة. (هناك خلل في الترتيب) بدا أنه لم يكن هناك اهتمام قد مُنح لعرض طالبان غير النهائي ـ كم كان العرض جادّا، لا نستطيع أن نعرف – لتقديم قادة القاعدة في مقابل صفقة قضائية.

ويتابع:

في كل مرة أستشهد بما خلُص إليه (روبرت فيسكمن) أن الجريمة الفظيعة للحادي عشر من سبتمبر التي ارتكِبتْ “بوحشية مولعة بالأذى والترويع” هي إصدار حُكمٍ دقيق. حتى أن الجرائم كان من الممكن أنْ تكون أسوأ. أفترض أنّ الرحلة 93، التي أُسقِطت طائرتها من قِبَل ركّاب شجعان في بنسلفانيا، قد فجَّرت البيت الأبيض، وقتلت الرئيس. أفترض أنّ القَتَلة في الجريمة الذين خططوا ونفّذوا قد استغلوا طاغيةً عسكريا قتل الآلاف وعذّب عشرات الآلاف. أفترض أن طاغيةً جديدا أعترف به قانونيا بدعم من القتلة ومركز الإرهاب الدولي قد ساعد، في أمكنة أخرى من العالم، على استغلال دول تعذيبٍ وإرهابٍ شبيهةٍ، ومثل غطاء جليدي ، قد أقنعوا فريقا من الاقتصاديين ـ لنسَّمِهم “فتية قندهار” ـ الذين قادوا الاقتصاد على نحو سريع إلى أسوأ انخفاض له في تاريخه. ذلك من غير تعقيد، سوف يكون أكثر سوءا من الحادي عشر من سبتمبر .

ومثلما نعلم جميعا، هذا ليس اختبارٌ لفكرة، فقد حدث. وأنا، هنا، أشير بالطبع إلى ما يُعرف في أميركا اللاتينية غالبا بـ”الحادي عشر من سبتمبر الأول”، الحادي عشر من سبتمبر العام 1973، حين نجحت الولايات المتحدة بمساعيها المكثّفة في إسقاط الحكومة الديمقراطية لسلفادور اللينديفي تشيلي بانقلاب عسكري أدّى إلى تعيين النظام المخزي للجنرال (بينوشيه) في الحكم. حيث نصّب الطاغية بالتالي “فتية شيكاغو” (هناك خلل في الترتيب) أولئك الاقتصاديين الذين تدرّبوا في جامعة شيكاغو على إعادة هيكلة اقتصاد تشيلي. تأمّلْ التخريب الاقتصادي والتعذيب والمُختطفين وتضاعُف أعداد القتلى، وسوف ترى كم كان مخرِّبا الحادي عشر من سبتمبر الأول .

امتيازٌ يُثمرُ فُرَصا، وفرصةٌ تهَبُ المسؤوليات .

كان الهدف من الانقلاب، بكلمات إدارة (نيكسون)، هو قتْل “الفيروس” الذي يمكنه أنْ يشجِّع كل هؤلاء الغرباء (الذين هم) بعيدون عن إكراهاتنا من خلال تولي أمر السلطة على مواردهم وأكثر من ذلك بهدف ملاحقة التطوّر المستقل بموازاة الخطوط التي لا رغبة فيها من قِبَل واشنطن. كانت نتيجة مجلس الأمن الوطني الخاص بـ(نيكسون) التي في خلفية هذا القرار أنه إنْ لم تستطع الولايات المتحدة إخضاع أميركا اللاتينية للرقابة، فإنه ليس من المتوقع أنْ تحقق نجاح النظام في أي مكان آخر في العالم. ومصداقية واشنطن، كما وضعها (هنري كيسنجر)، سوف تتقوّض .

ليس الحادي عشر من سبتمبر الأول شبيهاً بالثاني، فهو لم يغيّر العالم. فهو لم يكن “شيئا -يُذكر قياساً- بنتيجته العظيمة جدا” بهذا طمأن (كيسنجر) قائده بعد عدد من الأيام التالية. والحكم من خلال الكيفية التي يبدو عليها الأمر في التاريخ المألوف هي بكلمات يمكن أن تكون مغلوطة بصعوبة، مع أنّ الناجين يمكن لهم أن يروا المسألة على نحو مختلف .

أحداث النتيجة الفقيرة هذه لم تقتصر على الفريق العسكري الذي قضى على الديمقراطية التشيلية وكذلك على توجيه حركة الترويع التي تلت، فمثلما ناقشنا قُبيْل الآن، كان الحادي عشر من سبتمبر الأول دورا واحدا فقط في الدراما التي بدأت العام 1962 عندما غيَّر (كينيدي) من مهمة الجيوش الأميركية اللاتينية إلى “الأمن الداخلي”، والعاقبة المدمرّة هي أيضا لنتيجة فقيرة، فالنموذج المألوف هو حين يكون التاريخ قد تمّ إخضاعه للرقابة بواسطة مثقفين ذوي مسؤولية .

ويختتم مقالته قائلًا:

يبدو من خلال التاريخ العالمي أن المفكرين التقليديين -الذين يدعمون الأهداف الرسمية ويتجاهلون أو يبررون الجرائم الرسمية- مُكرّمون ويحظون بامتيازات في مجتمعاتهم، بينما أولئك الذين ينظرون إلى القيم مُعاقبون بطريقةٍ أو بأخرى. وهذا النموذج من المعاملة يعود بنا إلى السجلات القديمة. كان قد اُتهم رجلٌ فيما مضى بإفساد شباب أثينا الذين يتعاطون الشوكران السام، بنفس الاتهامات التي اُتهم بها (دريفوساردس) “بإفساد النفوس والمجتمع ككل” واُتهم كذلك المفكرين الذين ينظرون إلى القيم في الستينيات بالتأثير على الشباب.

تجد في التوراة أن هناك شخصيات وفق المعايير المعاصرة للمفكرين المُنشقين، وبحسب الترجمة الإنجليزية للتوراة فإن هؤلاء المُفكرين كانوا يُدعون “بالأنبياء”. لقد أحرج أولئك الأنبياء الجيوسياسية التي كانت تعيش أوقاتاً حرجة وذلك من خلال إدانتهم لجرائم الأقوياء ودعوتهم للعدالة والاهتمام بالفقراء ونبذ المعاناة. استنكر الملك آهاب (أكثر الملوك شراً) النبيَّ إيليا بوصفه عدواً لإسرائيل، كما هو الحال مع “كاره اليهود” أو “معادي أمريكا” في العصر الحديث. عومل الأنبياء معاملةً قاسية، وذلك على عكس المُتزلفين في المحاكم الذين أُدينوا فيما بعد بأنهم دجالون. يعد هذا النمط نمطاً غير مفهوماً، بل سيكون غريباً لو كان مفهوماً.

أما بخصوص مسؤوليّة المفكرين، فلا يبدو لي الأمر أن هناك أمراً وراء الحقائق البسيطة. عادةً ما تكون هناك امتيازات للمفكرين -وثمّة ملاحظة بسيطة بخصوص إطلاق هذا اللقب عليهم-.

تُعطي هذه الامتيازات فُرصاً، وتُنتج الفرصُ مسؤوليات. والفرد حينها يُصبح مسؤولاً.

جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت

جيمس كانون
جيمس باتريك كانون (1890-1974)، كان أمريكيًا تروتسكيًا، كما كان زعيمًا لحزب العمال الاشتراكي في الولايات المتحدة.
في عام 1951 نشر (جيمس كانون) مقالة، إثر حادثة وقعت في حلبة الملاكمة. حيث حُمل الملاكم (نيك بلاكويل) من الحلبة إلى الإسعاف، بعدما أقر طبيب الحلبة في الجولة العاشرة بعدم قدرة (بلاكويل) على الرؤية، للتورم الشديد حول عينيه. مما جعل (كانون) ينشر مقالته التي حملت عنوان “جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت”. نقدمها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.

سنبدأ مباشرة بهذا الخير، متى ستصبح هذه الحقائق في الواجهة، لماذا تظهر متأخرا بعد أن تصبح هذه الحقائق اقل أهميةً ؟!
هذه الشخصية في هذه القصة أو بالأحرى التي كانت تدور حولها القصة هو (جورجي فلوريس). يبلغ من العمر 20 عاما مصارع متوسط الوزن من بروكلين.
في التاسع والعشرون من أغسطس، (جورجي) أطيح به من قبل خصمه (روجر دونوغو) بالضربة القاضية في مباراة نصف النهائي بحلبة ماديسون.
سقط مغشياً عليه في غرفة الملابس بعد دقائق من خروجه كمغلوب في هذه المواجهة. وتوفي بعد ذلك بخمسة أيام في المستشفى دون أن يستعيد وعيه.
بموت (جورجي)، ترك ورائه زوجته (الين) ذات الثمانية عشر عاما ورضيع في شهره الأول لن يعرف (جورجي) أبداُ .
معلومة فنية ذكرها خبراء الصف الأول بالقرب من الحلبة “كانت ضربة قاضية وخاطفة وحادة والتي أسقطت الملاكم الشاب أرضاً بعد 46 ثانية من بداية الشوط الثامن والأخير من المباراة. ضرب رأسه بعد ذلك بشدة في أحدى الألواح المسطحة بحسب كلام الحكم والتي كانت سبباٌ في وفاته”.
ذكر الأطباء بعد ذلك في تقريرهم عن سبب الوفاة أن دماغ (جورجي) نزف نتيجة للأوعية الدموية الممزقة بفعل الضربة، ولم تنجح العمليات الجراحية التي تم إجرائها لإنقاذه، وقد قضى ساعاته الأخيرة على أجهزة التنفس الصناعية.
(جورجي فلوريس) لم يمت بالشيخوخة أو إحدى الأمراض المستعصية أو بمحاولة الانتحار، لقد قُتل .. نعم قُتل.
إذا كنت تريد أن تعرف الحقيقة كما هي، (جورجي) ليس أول من يموت بهذه الطريقة، الموت المفاجئ هو أحد المخاطر المهنية لرياضة الملاكمة التجارية، ستة ملاكمين قُتلوا في الولايات المتحدة و في نفس العام، هذا إذا كنت تحصي فقط أولئك الذين لقوا حتفهم في حينها أو بعد ذلك بعد فترة قصيرة جداً نتيجة للضربات الحادة في الحلبة.
وهذا الرقم سيكون أكبر من ذلك بكثير إذا ما شمل أولئك الذين تلقوا ضربات موجعة والتي كانت سبباً في انخفاض حاد بمتوسط أعمارهم نتيجةٌ لهذا العمل المروع، والتي يصفها الحمقى أو الساخرين باسم “الرياضة” أو “اللعبة” وأن هذا يحدث في كل الأوقات.
وكقاعدة عامة، حوادث القتل في مبارزات الملاكمة لا يسلط عليها الضوء ولا يأتي ذكرها إلا بفقرات إخبارية قليلة، وباقة زهور من الغوغائيين القتلة مع مبلغ صغير يصل لأرملة القتيل.
القتلى لا يقولون الحكايات، لكن أحياناً كما هو معروف، ذكرى ما فعلوه أو الطريقة التي ماتوا بها تمارس سلطة على الأحياء مما يؤثر على قراراتهم وأفعالهم.
استمرار تأثير الرجال العظماء لا جدال فيه ولو لوهلة، و في لحظة استثنائية يتحدث (جورجي فلوريس) من القبر، الملاكم الشاب الذي قُتل في حلبة حديقة ماديسون حديثاً، ألقى بظلاله الطويلة على نزال (توربين) و(روبينسون) لبطولة الوزن المتوسط في حلبة حديقة بولو الأربعاء المنصرم والتي على الأرجح يكون فيها نصيب المنتصر منهما مليون دولار.
(تروبين) كان في وضع حرج، لكنه لم يخرج عندما أوقف الحكم المباراة قبل نهاية الجولة العاشرة بثمانية ثواني من النزال المقرر له أن يكون من خمسة عشر جولة، الحكم في الوقت نفسه أعطى قراره لصالح (روبنسون) بفوزه باللكمة القاضية.
ولكن فوز (روبنسون) في هذا النزال بجدارة هو محل شك كبير، النزال كان مستمراً حتى الجولة العاشرة و(روبنسون) كان ينزف كخنزير من جرح على عينه، و(تروبين) كانت لديه قدرة تحمل بسبب صغر سنه والذي كان يزيد من فرصه، وأستطاع أن يسترد جزء من عافيته خلال الاستراحة بين الجولات والأخذ بزمام الأمور من هناك.
أحتج (توربين) ومدير أعماله على إجراء الحكم بناءً على ما سبق، والأدلة اللاحقة على ما يبدو أنها تدعم حجتهم، (تروبين) ووفقاٌ لكل التقارير كان أكثر نشاطاً و قوة من (روبنسون) بعد نهاية النزال.
كانت مقتل (جورجي فلوريس) الوفاة الأكثر مفاجئةً ومأساوية والأكثر تأثيرا لمجرد تسعة أيام فقط، هذا كل شيء، لكن هذا التأثير أستمر بما يكفي للتأثير على القرار في مباراة (تروبين) و(روبنسون)، وقد أثمر هذا التوتر إلى هدوء أو توقف مؤقت – لم يأخذ وقتاً طويلاً – وعدد من المقترحات المتعلقة بإمكانية تحسين وضع المراقبة في جولات الملاكمة في المستقبل وبعض القواعد والأنظمة الأكثر تفصيلاً التي أطلق عليها حاكم ديوي في كلمته بـ“الاحتياطات” والتي قد تبقي الملاكمين بعيداً عن الإصابة عندما يتعرضون للضرب، بعدها أصداء هذه الضجة التي أثيرت تضاءلت بعيدا و عادت الملاكمة إلى وضعها الطبيعي والى طريقتها المعتادة.
ومما يقال تعليقاً على هذا الوقت و البيئة الاجتماعية ومن بينها أعمال الملاكمة أنها تنبت وترتفع كزهرة سامة من بين الروث، لأنه لا أحد خرج للعلن وطالب بتجريم أعمال الملاكمة أو حضرها، كما تم في معظم الدول مطلع القرن الحالي.
مصارعة الديكة أمر غير قانوني؛ من غير الإنساني وضع اثنين من الديكة في حفرة وحثهم على مصارعة بعضهم حتى مقتل أحدهم في الأخر، ومن المخالف للقانون وضع اثنين من الكلاب في حفرة للقتال من أجل الرهانات، لكن حضارتنا و منذ أن بدأت لم تصل بعد للنقطة التي يمنع فيها القانون الرجال الذين لا يحمل احدهم ضغينة للاخر من القتال لأجل المال والتسلية، هذا المشهد هو جزء من أسلوبنا او ثقافتنا في الحياة.
“الاحتياطات” التي تم الدعوة لها خلال ما كانت الأجواء ملتهبة بعد مقتل (جورجي فلوريس)، خفت وتيرتها إلى بعض الاقتراحات العبثية أن الملاكمة ليست مجرد نزال بين المتصارعين، لأنهم سيحتاجون للتدريب ودخول الحلبة في حالة جيدة، وأن قفازات الملاكمين وألواح الحلبة يجب أن تكون مبطنة قليلاٌ، وأن على كل ملاكم فحص رأسه بالأشعة السينية قبيل كل مباراة لمعرفة إذا ما كان يعاني من إصابات مسبقة في الدماغ.
يقول الدكتور (فرانك فيرليانو) لـ(ميلتون غروس) الكاتب الرياضي في نيويورك بوست: “الملاكمة ستكون رياضة أمنة، إذا تم الالتزام بهذه اللوائح أو الاحتياطات”. الدكتور بالطبع يتحدث عبر قبعته!
“الاحتياطات” التي من المفترض أن تعتني بكل شيء، في الواقع هي لا تعتني باي شيء، لأنه عندما تكون داخل حبال الحلبة، رأسك سيكون الهدف لكل اللكمات، وليس هناك من طريقة كي تكون في مأمن منها، كما قال الجندي عندما سُئل لماذا هرب من الخطوط الأمامية: “قد تُصاب هناك، بضربات على الرأس لا يخرج منها أي شخص بخير، و إذا كان هناك أي شخص وجد خيراً في ذلك، فنحن لم نسمع عنه حتى الآن”. جوائز رياضة الملاكمة تذهب حصراً للمتفرجين و المدراء ومروجي هذه الرياضة.
يشهد على ذلك (جو لويس) عندما سأله أحد المراسلين في المؤتمر الصحفي الذي تخلى فيه عن لقبه الرياضي في المصارعة كي يتحول لمقدم.
الصحفي يسأل قائلا: “جو ما الذي تظنه الأفضل لك؟ جو المصارع أو جو المقدم؟!”
يجيب (جو) بكلمات قليلة قائلا: “أنا أفضل التقديم”.
يسأل الصحفي مرة أخرى: “لماذا، هل بالإمكان شرح ذلك؟”
بالطبع يجيب جو: “لأنه لا يمكن ضربك عندما تصبح مقدماٌ”.
هذه الكلمات تنتمي إلى سفر الأمثال .

[المصدر]

 

أناييس نن، ومعنى الفرح المراوغ

 

أناييس نن

أناييس نن (1903 – 1977). مؤلفة أمريكية بأصول إسبانية-كوبية. وقد قضت بعض من عمرها في إسبانيا وكوبا ولكنها عاشت معظم حياتها في الولايات المتحدة حيث أصبحت هناك مؤلفة معترف بها. ولقد ألفت يوميات استمرت لاكثر من ستين بدءا من أن كان عمرها أحد عشر عاما، وانتهائا قبل مماتها بفترة وجيزة. وقد نشرت أيضا روايات و دراسات نقدية و مقالات و قصص قصيرة.


من أولى وأشهر كتب يومياتها، بين عام (1939-1947) تلك النسخة المبكرة، من الكاتبة التي بدأت في الكتابة بعمر الحادية عشرة فقط، من تلك المذكرة التي طال انتظارها، من المجلدين؛ (الثالث، والرابع)، والتي  تتحرر فيها وتجيب عن غرابتها القديمة، رغباتها وحياتها مع الأصدقاء الحميمين، وقصة انتهاء علاقتها مع الكاتب (هنري ميللر) وما دور الأدباء الشباب في حياتها وقتها. من كل ذلك أخترت لكم ذلك المقطع الصغير، والمتأمل بخصوص، “طبيعة الفرح، والبهجة المراوغة”، والتي كانت كتبتها في ديسمبر من عام 1939، وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أثرت بعمق، في حياة” نن” النفسية، وتخللت عاطفتها:

مراراً، وتكراراً، ما زلتُ أبحر نحو البهجة والفرح. ذلك الشعور الذي لم يكن أبداً في غرفة ما، ومعي وحدي، ولكنه دائماً بالقرب مني، عبر الطرقات في الخارج، مثل تلك الغرف المليئة بالفرح عنما أراها من الشارع، أو ذلك الفرح في الشارع عندما أراه من النافذة.

حسناً. هل يمكنني أن أصل لتلك الفَرحة؟ إنها تتخفى خلف سفر، وتجوال ألعاب السيرك المتنقل. ولكن سرعان مأ أقترب منهم، فإنها لا تعود.

هل يكون الفرح هو الرغوة المتطايرة، والإضاءة من بعيد؟

كم أنا في حاجة، وجوع للنيل منه؛ كنتُ عندما أرقص؛ يكون هو وكأنه في حديقة عصية الوصول. وعندما أكون في الحديقة العامة؛ كنتُ أسمع تفجره من المنازل. وعندما أسافر؛ كنتُ أراه مثل الشفق القطبي، مستقراً في الأرض التي غادرتها للتو.

أين هو؟ عندما أقف على الشاطئ؛ كنتُ أراه يرفرف ويزهر على رايات السفن المغادرة.

ما هو الفَرح؟

آلم أشعر به أبداً؟

أريد فرحة الألوان البسيطة، أريد فرحة مرافق الشارع العامة، أريد لافتاته، وإعلاناته.

لا أريد ذلك الفرح، الذي يأخذ أنفاسي جانباً، ويلقيني نحو فضاء وحدتي، حيث لا أحد سيتشارك هواء رئتي.

لا أريد تلك الفَرحة التي تأتي من ممارسة شربي وحيدة.

لا أريدها.

هناك الكثير من الفَرح. ولكني لا أعرف إلا تلك الفّرحة، تلك التي ربما ستأتي كمعجزة، وتضيئ كل ما حولها.

وتِلك بالذات كانت هي الفَرحة التي تخيلتها (نن) كمعجزة، وعاشتها أخيراً، عندما وصلت  أنباء عن انتهاء الحرب.


[المصدر

د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.

جون كرايتون، والكتاب الغربي للموتى

نشر (جون و. كرايتون) الكتاب الغربي للموتى على جريدة سريّة أمريكية في ستينات القرن الماضي. في السبعينات قامت مطبعة (انتر فارسيتي) بنشر هذا الكتاب مرات عدة. أعيد طبع هذا الكتاب في نسخته الثانية في عام 2002 من قبل المطبعة ذاتها. ظهر اسم الكتاب كعنوان للحلقة الأولى من الموسم الثاني للمسلسل الأمريكي (True Detective) من كتابة الروائي والسيناريست الأمريكي (نك بيزولاتو).

التالي هو نص الكتاب مترجماً بالكامل، وبشكل حصري، إلى اللغة العربية :

الفصل الأول

في البداية – ، قبل البداية يمكن القول– لم يكون يوجد شيء. والمادة أتت من لاشيء. والمادة كانت فوضى.

الفصل الثاني

بشكل غريب، وبلا سبب أي كان، الفوضى بدأت في التحول. البساطة ولّدت التعقيد، العشوائية ولّدت النظام، والأكثر غرابة من كل شيء، المادة الجامدة أصبحت مادةً عضوية.

الفصل الثالث

العديد، العديد، العديد من السنوات مرت وكان ذلك بالصدفة تماماً، المادة العضوية تطورت في إتجاه غريب. أصبحت أكثر وأكثر تعقيداً، وثم بلا سبب ظاهر مطلقاً، أصبحت واعية بذاتها. سُميت بالعقل الواعي وأعطت لنفسها اسماً وذاك الاسم كان (إنسان).

الفصل الرابع

الآن الإنسان المجهّز بالعقل وجدَ أن العقل يلعب ألعاب غريبة عليه. وجدَ أنه بدلاً من تقبل نفسه كجزءٍ من المادة، كان لديه هذا الإشتياق بأن يكون ذا أهمية، رغبةً في أن يعيش لهدف. وبدلاً من أن تُحكمَ حياته بالفرصة العمياء، أراد أن يوجه شؤونه الخاصة بنفسه. وجدَ أيضاً أن هنالك حالة وجودٍ مُرضيّة كلياً وقام بتسميتها باسم (الحب).

الفصل الخامس

استمر الإنسان في البحث عن سبب ومعنى، وبعد فترة إشاعات غريبة بدأت في الانتشار – إشاعات تتحدث عن خالق – الرب الذي كان هو الحب، الذي خلق الإنسان على صورته. الكثير من الناس صدقوا هذه الإشاعات. لقد أعطت معنى لحياتهم. أخبرتهم هذه الإشاعات أن العالم لم يكن بلا معنى في نهاية الأمر. ومُلَهمين بالأمل بدأ هؤلاء المؤمنون بالكتابة، الرسم، والنحت. بعضٌ من هؤلاء الحرفيين كانوا موهوبين للغاية. بدوا كأنهم يُجسدون توق وطموحات كل البشر. اُعطيّ اسم لكل هذه القطع الحرفية المميزة، وهذا الاسم كان الفن. والناس الذين كتبوها، رسموها، أو نحتوها سَمُّوهم الفنانين. وكل فنهم كان يقول: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السادس

اُشيع أيضاً أن ابن الحب أصبح رجلاً، وعلّم الناس كيفية العيش، ثم مات. أسطورة تقول أن ابن الحب عاد من الموت ثم اختفى في غيمة. في بعض أنحاء العالم الغربي، المؤمنون بهذه الأسطورة يقومون بنشر صورة  مؤثرة جداً من الرسالة: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السابع

وُجدت هذه الحالة لعدة سنوات، لكن الإنسان أصبح قلقاً مع الوقت. هل كان ذلك حقاً؟ هل خُلق الإنسان من الحب؟ لماذا علينا أن نُؤمن بإشاعة؟ هل استعمل أي أحد منا منطقه – وهي حالة نشاط مميزة جداً للعقل أتبتت أنها ناجحة في فهم المادة – ليعرف إن كانت هذه الإشاعة حقيقية؟ هل تطابقت الإشاعة مع ما كان حقيقياً حقاً؟  ثم بدأ تحقيق شامل واستمر لعدة سنوات.

الفصل الثامن

بعد عصر من التحقيق توصل الإنسان إلى عدة استنتاجات:

(1) الإشاعات كانت بالتأكيد خاطئة. وجد المنطق أنه لا يوجد أي دليل لتأكيد فرضية وجود الرب. الرب، كما قالوا، كان نتيجة أحلام يقظة توّاقة، من تلفيق الخيال – الذي كان انحرافاً مبكراً لعقل الإنسان البدائي، الذي هو الآن في سعادة كبيرة  كونه محكوم بالمنطق. ولو كانت إشاعة وجود الرب خاطئة، إذاً بالتأكيد الإشاعة المعقدة عن ابنه خاطئة أيضاً.

(2) الإنسان لم يكن كائناً سامياً هاماً. لقد كان على العكس من ذلك، لا أهمية له على الاطلاق – مجرد ناتج معقد من السبب والثأثير. قطعة لا معنى لها من المادة على قطعة أكبر من المادة لكن ذا أهمية تُدعى الأرض. لقد بزغَ الرجل من وحل بدائي ولم يكن لا أكثر ولا أقل من ذلك.

الفصل التاسع

في البداية لم يتغير أي شيء. لكن بعد مرور بعض السنوات لاحظ بعض الرجال الحكماء الفرق. الموسيقى لم تعد كما هي، الرسم لم يعد يبدو كما هو عليه، والكتب لم تعد تُقرأ بذات الطريقة. بعض الناس بدؤوا يشتكون، لكن الفنانين – الذين كانوا دائمين ناس صادقين شفافّين – قالوا ببساطة : “نحن نُؤول الواقع لكم. يجب عليكم ألا تُعطوا لأنفسكم أي أهوآء. أنتم لاشيء. أنتم مجرد بروتوبلازم واعي بعض الشيء ومحكوم عليه بالموت على هذا الكوكب.”

بعد هذا، توقفت الجماعة النقدية عن الانتقاد وبدؤوا يقولون كيف أن هذا الفن الجديد جميلٌ حقاً. لم يريدوا أن يستعملوا كلمة “جمال” لأن الجميع كان يعلم أنها لا تعني أي شيء، لكنها كانت موجودة منذ مدة طويلة، لماذا لا يتم استعمالها إذاً على أية حال؟

الفصل العاشر

بعدها أيضاً، لاحظَ بعض الرجال الحكماء تغيرات في تصرفات بعض الرجال والنساء. في مرة كانوا يحبون بعضهم البعض. وكان يُعتقد أن حبهم انعكاس للحب الذي كان هو الرب. لكن الآن لم يوجد إلا الجنس –  مجرد ارتباط لحظي. والعائلات بدأن  في الاندثار والأطفال بقوا لوحدهم تحت نزوات المحاكم. والناس سموا تلك الارتباطات بالحب بالرغم من أنهم كانوا يعرفون أن الكلمة لا تعني أي شيء.

الفصل الحادي عشر

كل أنواع العواقب المروعة حلت بعد ذلك. بعض الناس قالوا، “لو كان الإنسان فقط مجرد ألة عالقة في آلية الطبيعة الضخمة، لماذا لا نعامله على هذا الأساس؟” وهكذا بدأ المتلاعبون في العمل واستخدموا الناس كمجرد أغراض من الطبيعة. ومن ثم أتى نظام فعّال للغاية يُدعى يوتوبيا، وسُميَّ شاغلو هذا النظام بـ”النيكروفيليس” [1]. بالطبع لم يكن الأمر جديداً حقاً، حيث أن المتلاعبين أخذوا نموذجهم من “النمل”، جماعة من الكائنات الحية التي عاشت في سنوات ماضية في حالة نظامية مثالية. مجموعة آخرى من الناس قاوموا اليوتوبيا. قالوا، “بالرغم من كل ما أثبتته ذلك المنطق، نحن سنظل نؤمن أن توقنا وطموحنا لهما معنى.” لذا حاولوا نسيان يأسهم (وهو شعور يشعر به الإنسان عندما يريد أن يتحلى بالأمل وكان يتحلى بالأمل رغم معرفته أن الأمر بلا جدوي) عن طريق أخذ المواد الكيمائية والتصرف مثل الحيوانات، والعيش فقط للحظات متعاقبة والمحاولة بكل جهد يملكون جعل هذه اللحظات مليئة باللذة.

معظمهم اُنهكوا بعد فترة وهم يلعبون هذه الألعاب  وبدؤوا يتخلصون من أنفسهم بطرق مختلفة. بعضهم ذهب للموت، بعضهم إلى سايكيدليا [2] (بلد جميل بمناظر طبيعية مُشبعة بالسينستيسيا) [3]، وبعضهم إلى النيرفانا [4]. وبعضهم ذهب حتى إلى اليوتوبيا. وهكذا إذاً تم تقديس الهراء على حساب المعنى (سموا ذلك العبث). هُجِرَ المنطق – لأنه كما ترى، لم يكن باستطاعته إعطاء أجوبة على الأسئلة الكبيرة جداً بعد كل شيء. فحلَّ في مكانه اللامنطق (سموا ذلك اللاعقلانية). والأخلاق هُجِرَت  – لأنهم اعتبروا أن تلك القدرة على التمييز بين الشيء الجيد والشيء السيء مجرد مسألة ذوق أو هوى. الشيء الجيد والشيء السيء كانا في يوم ما ذائعيّ الصيت، لكن ذلك كان في الوقت التي كانت فيه إشاعات وجود الرب ذائعة الصيت أيضاً. الشيء الجيد كان شخصية الرب المقدسة وكان يجب اطاعتها. الشيء السيء كان عدم الاطاعة أو الثورة على الشيء الجيد. لكن الشيء الجيد والشيء السيء رحلا مع المنطق والرب. والآن لم تعد توجد أية مأساة –  فقط البؤس.

الفصل الثاني عشر

وهكذا توقف الإنسان عن كونه إنسان – عقلاني، مخلوق أخلاقي، كائن حي تفوّق ذات مرة على سببيّة الطبيعة. بدلاً من ذلك أصبح بلا معنى،مبهم كألة ما مصنوعة من المادة. حتى من المتلاعبين الذي تحكموا في اليوتوبيا توقفوا عن كونهم رجالاً بالمعنى القديم للكلمة.  وبعد أن أنكروا رجوليتهم لمدة طويلة، فقدوها في النهاية، وهكذا أصبحوا أكثر الحيوانات ترعيباً على سطح الأرض.

ملحق

الإشاعات القديمة ما تزال مستمرة – موجودة في المناطق النائية وفي جيوب المعارضة في اليوتوبيا – أن الحب حقيقة. البعض مازال يقول أن الإنسان حقيقة. لكن هؤلاء هم ذاتم الذين يقولون أن الإنسان لم يمت أبداً في الحقيقة، وحتى أن الإنسان القديم مازال على قيد الحياة (بعضٌ منهم، والبعض الأخر لا) وأنه يعيش في العالم الآخر. يتم قمع هذه الإشاعات أينما توجد.

Continue Reading →