أرشيف الوسم: ضحايا الحضارة الغربية

جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت

جيمس كانون
جيمس باتريك كانون (1890-1974)، كان أمريكيًا تروتسكيًا، كما كان زعيمًا لحزب العمال الاشتراكي في الولايات المتحدة.
في عام 1951 نشر (جيمس كانون) مقالة، إثر حادثة وقعت في حلبة الملاكمة. حيث حُمل الملاكم (نيك بلاكويل) من الحلبة إلى الإسعاف، بعدما أقر طبيب الحلبة في الجولة العاشرة بعدم قدرة (بلاكويل) على الرؤية، للتورم الشديد حول عينيه. مما جعل (كانون) ينشر مقالته التي حملت عنوان “جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت”. نقدمها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.

سنبدأ مباشرة بهذا الخير، متى ستصبح هذه الحقائق في الواجهة، لماذا تظهر متأخرا بعد أن تصبح هذه الحقائق اقل أهميةً ؟!
هذه الشخصية في هذه القصة أو بالأحرى التي كانت تدور حولها القصة هو (جورجي فلوريس). يبلغ من العمر 20 عاما مصارع متوسط الوزن من بروكلين.
في التاسع والعشرون من أغسطس، (جورجي) أطيح به من قبل خصمه (روجر دونوغو) بالضربة القاضية في مباراة نصف النهائي بحلبة ماديسون.
سقط مغشياً عليه في غرفة الملابس بعد دقائق من خروجه كمغلوب في هذه المواجهة. وتوفي بعد ذلك بخمسة أيام في المستشفى دون أن يستعيد وعيه.
بموت (جورجي)، ترك ورائه زوجته (الين) ذات الثمانية عشر عاما ورضيع في شهره الأول لن يعرف (جورجي) أبداُ .
معلومة فنية ذكرها خبراء الصف الأول بالقرب من الحلبة “كانت ضربة قاضية وخاطفة وحادة والتي أسقطت الملاكم الشاب أرضاً بعد 46 ثانية من بداية الشوط الثامن والأخير من المباراة. ضرب رأسه بعد ذلك بشدة في أحدى الألواح المسطحة بحسب كلام الحكم والتي كانت سبباٌ في وفاته”.
ذكر الأطباء بعد ذلك في تقريرهم عن سبب الوفاة أن دماغ (جورجي) نزف نتيجة للأوعية الدموية الممزقة بفعل الضربة، ولم تنجح العمليات الجراحية التي تم إجرائها لإنقاذه، وقد قضى ساعاته الأخيرة على أجهزة التنفس الصناعية.
(جورجي فلوريس) لم يمت بالشيخوخة أو إحدى الأمراض المستعصية أو بمحاولة الانتحار، لقد قُتل .. نعم قُتل.
إذا كنت تريد أن تعرف الحقيقة كما هي، (جورجي) ليس أول من يموت بهذه الطريقة، الموت المفاجئ هو أحد المخاطر المهنية لرياضة الملاكمة التجارية، ستة ملاكمين قُتلوا في الولايات المتحدة و في نفس العام، هذا إذا كنت تحصي فقط أولئك الذين لقوا حتفهم في حينها أو بعد ذلك بعد فترة قصيرة جداً نتيجة للضربات الحادة في الحلبة.
وهذا الرقم سيكون أكبر من ذلك بكثير إذا ما شمل أولئك الذين تلقوا ضربات موجعة والتي كانت سبباً في انخفاض حاد بمتوسط أعمارهم نتيجةٌ لهذا العمل المروع، والتي يصفها الحمقى أو الساخرين باسم “الرياضة” أو “اللعبة” وأن هذا يحدث في كل الأوقات.
وكقاعدة عامة، حوادث القتل في مبارزات الملاكمة لا يسلط عليها الضوء ولا يأتي ذكرها إلا بفقرات إخبارية قليلة، وباقة زهور من الغوغائيين القتلة مع مبلغ صغير يصل لأرملة القتيل.
القتلى لا يقولون الحكايات، لكن أحياناً كما هو معروف، ذكرى ما فعلوه أو الطريقة التي ماتوا بها تمارس سلطة على الأحياء مما يؤثر على قراراتهم وأفعالهم.
استمرار تأثير الرجال العظماء لا جدال فيه ولو لوهلة، و في لحظة استثنائية يتحدث (جورجي فلوريس) من القبر، الملاكم الشاب الذي قُتل في حلبة حديقة ماديسون حديثاً، ألقى بظلاله الطويلة على نزال (توربين) و(روبينسون) لبطولة الوزن المتوسط في حلبة حديقة بولو الأربعاء المنصرم والتي على الأرجح يكون فيها نصيب المنتصر منهما مليون دولار.
(تروبين) كان في وضع حرج، لكنه لم يخرج عندما أوقف الحكم المباراة قبل نهاية الجولة العاشرة بثمانية ثواني من النزال المقرر له أن يكون من خمسة عشر جولة، الحكم في الوقت نفسه أعطى قراره لصالح (روبنسون) بفوزه باللكمة القاضية.
ولكن فوز (روبنسون) في هذا النزال بجدارة هو محل شك كبير، النزال كان مستمراً حتى الجولة العاشرة و(روبنسون) كان ينزف كخنزير من جرح على عينه، و(تروبين) كانت لديه قدرة تحمل بسبب صغر سنه والذي كان يزيد من فرصه، وأستطاع أن يسترد جزء من عافيته خلال الاستراحة بين الجولات والأخذ بزمام الأمور من هناك.
أحتج (توربين) ومدير أعماله على إجراء الحكم بناءً على ما سبق، والأدلة اللاحقة على ما يبدو أنها تدعم حجتهم، (تروبين) ووفقاٌ لكل التقارير كان أكثر نشاطاً و قوة من (روبنسون) بعد نهاية النزال.
كانت مقتل (جورجي فلوريس) الوفاة الأكثر مفاجئةً ومأساوية والأكثر تأثيرا لمجرد تسعة أيام فقط، هذا كل شيء، لكن هذا التأثير أستمر بما يكفي للتأثير على القرار في مباراة (تروبين) و(روبنسون)، وقد أثمر هذا التوتر إلى هدوء أو توقف مؤقت – لم يأخذ وقتاً طويلاً – وعدد من المقترحات المتعلقة بإمكانية تحسين وضع المراقبة في جولات الملاكمة في المستقبل وبعض القواعد والأنظمة الأكثر تفصيلاً التي أطلق عليها حاكم ديوي في كلمته بـ“الاحتياطات” والتي قد تبقي الملاكمين بعيداً عن الإصابة عندما يتعرضون للضرب، بعدها أصداء هذه الضجة التي أثيرت تضاءلت بعيدا و عادت الملاكمة إلى وضعها الطبيعي والى طريقتها المعتادة.
ومما يقال تعليقاً على هذا الوقت و البيئة الاجتماعية ومن بينها أعمال الملاكمة أنها تنبت وترتفع كزهرة سامة من بين الروث، لأنه لا أحد خرج للعلن وطالب بتجريم أعمال الملاكمة أو حضرها، كما تم في معظم الدول مطلع القرن الحالي.
مصارعة الديكة أمر غير قانوني؛ من غير الإنساني وضع اثنين من الديكة في حفرة وحثهم على مصارعة بعضهم حتى مقتل أحدهم في الأخر، ومن المخالف للقانون وضع اثنين من الكلاب في حفرة للقتال من أجل الرهانات، لكن حضارتنا و منذ أن بدأت لم تصل بعد للنقطة التي يمنع فيها القانون الرجال الذين لا يحمل احدهم ضغينة للاخر من القتال لأجل المال والتسلية، هذا المشهد هو جزء من أسلوبنا او ثقافتنا في الحياة.
“الاحتياطات” التي تم الدعوة لها خلال ما كانت الأجواء ملتهبة بعد مقتل (جورجي فلوريس)، خفت وتيرتها إلى بعض الاقتراحات العبثية أن الملاكمة ليست مجرد نزال بين المتصارعين، لأنهم سيحتاجون للتدريب ودخول الحلبة في حالة جيدة، وأن قفازات الملاكمين وألواح الحلبة يجب أن تكون مبطنة قليلاٌ، وأن على كل ملاكم فحص رأسه بالأشعة السينية قبيل كل مباراة لمعرفة إذا ما كان يعاني من إصابات مسبقة في الدماغ.
يقول الدكتور (فرانك فيرليانو) لـ(ميلتون غروس) الكاتب الرياضي في نيويورك بوست: “الملاكمة ستكون رياضة أمنة، إذا تم الالتزام بهذه اللوائح أو الاحتياطات”. الدكتور بالطبع يتحدث عبر قبعته!
“الاحتياطات” التي من المفترض أن تعتني بكل شيء، في الواقع هي لا تعتني باي شيء، لأنه عندما تكون داخل حبال الحلبة، رأسك سيكون الهدف لكل اللكمات، وليس هناك من طريقة كي تكون في مأمن منها، كما قال الجندي عندما سُئل لماذا هرب من الخطوط الأمامية: “قد تُصاب هناك، بضربات على الرأس لا يخرج منها أي شخص بخير، و إذا كان هناك أي شخص وجد خيراً في ذلك، فنحن لم نسمع عنه حتى الآن”. جوائز رياضة الملاكمة تذهب حصراً للمتفرجين و المدراء ومروجي هذه الرياضة.
يشهد على ذلك (جو لويس) عندما سأله أحد المراسلين في المؤتمر الصحفي الذي تخلى فيه عن لقبه الرياضي في المصارعة كي يتحول لمقدم.
الصحفي يسأل قائلا: “جو ما الذي تظنه الأفضل لك؟ جو المصارع أو جو المقدم؟!”
يجيب (جو) بكلمات قليلة قائلا: “أنا أفضل التقديم”.
يسأل الصحفي مرة أخرى: “لماذا، هل بالإمكان شرح ذلك؟”
بالطبع يجيب جو: “لأنه لا يمكن ضربك عندما تصبح مقدماٌ”.
هذه الكلمات تنتمي إلى سفر الأمثال .

[المصدر]

 

أناييس نن، ومعنى الفرح المراوغ

 

أناييس نن

أناييس نن (1903 – 1977). مؤلفة أمريكية بأصول إسبانية-كوبية. وقد قضت بعض من عمرها في إسبانيا وكوبا ولكنها عاشت معظم حياتها في الولايات المتحدة حيث أصبحت هناك مؤلفة معترف بها. ولقد ألفت يوميات استمرت لاكثر من ستين بدءا من أن كان عمرها أحد عشر عاما، وانتهائا قبل مماتها بفترة وجيزة. وقد نشرت أيضا روايات و دراسات نقدية و مقالات و قصص قصيرة.


من أولى وأشهر كتب يومياتها، بين عام (1939-1947) تلك النسخة المبكرة، من الكاتبة التي بدأت في الكتابة بعمر الحادية عشرة فقط، من تلك المذكرة التي طال انتظارها، من المجلدين؛ (الثالث، والرابع)، والتي  تتحرر فيها وتجيب عن غرابتها القديمة، رغباتها وحياتها مع الأصدقاء الحميمين، وقصة انتهاء علاقتها مع الكاتب (هنري ميللر) وما دور الأدباء الشباب في حياتها وقتها. من كل ذلك أخترت لكم ذلك المقطع الصغير، والمتأمل بخصوص، “طبيعة الفرح، والبهجة المراوغة”، والتي كانت كتبتها في ديسمبر من عام 1939، وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أثرت بعمق، في حياة” نن” النفسية، وتخللت عاطفتها:

مراراً، وتكراراً، ما زلتُ أبحر نحو البهجة والفرح. ذلك الشعور الذي لم يكن أبداً في غرفة ما، ومعي وحدي، ولكنه دائماً بالقرب مني، عبر الطرقات في الخارج، مثل تلك الغرف المليئة بالفرح عنما أراها من الشارع، أو ذلك الفرح في الشارع عندما أراه من النافذة.

حسناً. هل يمكنني أن أصل لتلك الفَرحة؟ إنها تتخفى خلف سفر، وتجوال ألعاب السيرك المتنقل. ولكن سرعان مأ أقترب منهم، فإنها لا تعود.

هل يكون الفرح هو الرغوة المتطايرة، والإضاءة من بعيد؟

كم أنا في حاجة، وجوع للنيل منه؛ كنتُ عندما أرقص؛ يكون هو وكأنه في حديقة عصية الوصول. وعندما أكون في الحديقة العامة؛ كنتُ أسمع تفجره من المنازل. وعندما أسافر؛ كنتُ أراه مثل الشفق القطبي، مستقراً في الأرض التي غادرتها للتو.

أين هو؟ عندما أقف على الشاطئ؛ كنتُ أراه يرفرف ويزهر على رايات السفن المغادرة.

ما هو الفَرح؟

آلم أشعر به أبداً؟

أريد فرحة الألوان البسيطة، أريد فرحة مرافق الشارع العامة، أريد لافتاته، وإعلاناته.

لا أريد ذلك الفرح، الذي يأخذ أنفاسي جانباً، ويلقيني نحو فضاء وحدتي، حيث لا أحد سيتشارك هواء رئتي.

لا أريد تلك الفَرحة التي تأتي من ممارسة شربي وحيدة.

لا أريدها.

هناك الكثير من الفَرح. ولكني لا أعرف إلا تلك الفّرحة، تلك التي ربما ستأتي كمعجزة، وتضيئ كل ما حولها.

وتِلك بالذات كانت هي الفَرحة التي تخيلتها (نن) كمعجزة، وعاشتها أخيراً، عندما وصلت  أنباء عن انتهاء الحرب.


[المصدر

د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.

جون كرايتون، والكتاب الغربي للموتى

نشر (جون و. كرايتون) الكتاب الغربي للموتى على جريدة سريّة أمريكية في ستينات القرن الماضي. في السبعينات قامت مطبعة (انتر فارسيتي) بنشر هذا الكتاب مرات عدة. أعيد طبع هذا الكتاب في نسخته الثانية في عام 2002 من قبل المطبعة ذاتها. ظهر اسم الكتاب كعنوان للحلقة الأولى من الموسم الثاني للمسلسل الأمريكي (True Detective) من كتابة الروائي والسيناريست الأمريكي (نك بيزولاتو).

التالي هو نص الكتاب مترجماً بالكامل، وبشكل حصري، إلى اللغة العربية :

الفصل الأول

في البداية – ، قبل البداية يمكن القول– لم يكون يوجد شيء. والمادة أتت من لاشيء. والمادة كانت فوضى.

الفصل الثاني

بشكل غريب، وبلا سبب أي كان، الفوضى بدأت في التحول. البساطة ولّدت التعقيد، العشوائية ولّدت النظام، والأكثر غرابة من كل شيء، المادة الجامدة أصبحت مادةً عضوية.

الفصل الثالث

العديد، العديد، العديد من السنوات مرت وكان ذلك بالصدفة تماماً، المادة العضوية تطورت في إتجاه غريب. أصبحت أكثر وأكثر تعقيداً، وثم بلا سبب ظاهر مطلقاً، أصبحت واعية بذاتها. سُميت بالعقل الواعي وأعطت لنفسها اسماً وذاك الاسم كان (إنسان).

الفصل الرابع

الآن الإنسان المجهّز بالعقل وجدَ أن العقل يلعب ألعاب غريبة عليه. وجدَ أنه بدلاً من تقبل نفسه كجزءٍ من المادة، كان لديه هذا الإشتياق بأن يكون ذا أهمية، رغبةً في أن يعيش لهدف. وبدلاً من أن تُحكمَ حياته بالفرصة العمياء، أراد أن يوجه شؤونه الخاصة بنفسه. وجدَ أيضاً أن هنالك حالة وجودٍ مُرضيّة كلياً وقام بتسميتها باسم (الحب).

الفصل الخامس

استمر الإنسان في البحث عن سبب ومعنى، وبعد فترة إشاعات غريبة بدأت في الانتشار – إشاعات تتحدث عن خالق – الرب الذي كان هو الحب، الذي خلق الإنسان على صورته. الكثير من الناس صدقوا هذه الإشاعات. لقد أعطت معنى لحياتهم. أخبرتهم هذه الإشاعات أن العالم لم يكن بلا معنى في نهاية الأمر. ومُلَهمين بالأمل بدأ هؤلاء المؤمنون بالكتابة، الرسم، والنحت. بعضٌ من هؤلاء الحرفيين كانوا موهوبين للغاية. بدوا كأنهم يُجسدون توق وطموحات كل البشر. اُعطيّ اسم لكل هذه القطع الحرفية المميزة، وهذا الاسم كان الفن. والناس الذين كتبوها، رسموها، أو نحتوها سَمُّوهم الفنانين. وكل فنهم كان يقول: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السادس

اُشيع أيضاً أن ابن الحب أصبح رجلاً، وعلّم الناس كيفية العيش، ثم مات. أسطورة تقول أن ابن الحب عاد من الموت ثم اختفى في غيمة. في بعض أنحاء العالم الغربي، المؤمنون بهذه الأسطورة يقومون بنشر صورة  مؤثرة جداً من الرسالة: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السابع

وُجدت هذه الحالة لعدة سنوات، لكن الإنسان أصبح قلقاً مع الوقت. هل كان ذلك حقاً؟ هل خُلق الإنسان من الحب؟ لماذا علينا أن نُؤمن بإشاعة؟ هل استعمل أي أحد منا منطقه – وهي حالة نشاط مميزة جداً للعقل أتبتت أنها ناجحة في فهم المادة – ليعرف إن كانت هذه الإشاعة حقيقية؟ هل تطابقت الإشاعة مع ما كان حقيقياً حقاً؟  ثم بدأ تحقيق شامل واستمر لعدة سنوات.

الفصل الثامن

بعد عصر من التحقيق توصل الإنسان إلى عدة استنتاجات:

(1) الإشاعات كانت بالتأكيد خاطئة. وجد المنطق أنه لا يوجد أي دليل لتأكيد فرضية وجود الرب. الرب، كما قالوا، كان نتيجة أحلام يقظة توّاقة، من تلفيق الخيال – الذي كان انحرافاً مبكراً لعقل الإنسان البدائي، الذي هو الآن في سعادة كبيرة  كونه محكوم بالمنطق. ولو كانت إشاعة وجود الرب خاطئة، إذاً بالتأكيد الإشاعة المعقدة عن ابنه خاطئة أيضاً.

(2) الإنسان لم يكن كائناً سامياً هاماً. لقد كان على العكس من ذلك، لا أهمية له على الاطلاق – مجرد ناتج معقد من السبب والثأثير. قطعة لا معنى لها من المادة على قطعة أكبر من المادة لكن ذا أهمية تُدعى الأرض. لقد بزغَ الرجل من وحل بدائي ولم يكن لا أكثر ولا أقل من ذلك.

الفصل التاسع

في البداية لم يتغير أي شيء. لكن بعد مرور بعض السنوات لاحظ بعض الرجال الحكماء الفرق. الموسيقى لم تعد كما هي، الرسم لم يعد يبدو كما هو عليه، والكتب لم تعد تُقرأ بذات الطريقة. بعض الناس بدؤوا يشتكون، لكن الفنانين – الذين كانوا دائمين ناس صادقين شفافّين – قالوا ببساطة : “نحن نُؤول الواقع لكم. يجب عليكم ألا تُعطوا لأنفسكم أي أهوآء. أنتم لاشيء. أنتم مجرد بروتوبلازم واعي بعض الشيء ومحكوم عليه بالموت على هذا الكوكب.”

بعد هذا، توقفت الجماعة النقدية عن الانتقاد وبدؤوا يقولون كيف أن هذا الفن الجديد جميلٌ حقاً. لم يريدوا أن يستعملوا كلمة “جمال” لأن الجميع كان يعلم أنها لا تعني أي شيء، لكنها كانت موجودة منذ مدة طويلة، لماذا لا يتم استعمالها إذاً على أية حال؟

الفصل العاشر

بعدها أيضاً، لاحظَ بعض الرجال الحكماء تغيرات في تصرفات بعض الرجال والنساء. في مرة كانوا يحبون بعضهم البعض. وكان يُعتقد أن حبهم انعكاس للحب الذي كان هو الرب. لكن الآن لم يوجد إلا الجنس –  مجرد ارتباط لحظي. والعائلات بدأن  في الاندثار والأطفال بقوا لوحدهم تحت نزوات المحاكم. والناس سموا تلك الارتباطات بالحب بالرغم من أنهم كانوا يعرفون أن الكلمة لا تعني أي شيء.

الفصل الحادي عشر

كل أنواع العواقب المروعة حلت بعد ذلك. بعض الناس قالوا، “لو كان الإنسان فقط مجرد ألة عالقة في آلية الطبيعة الضخمة، لماذا لا نعامله على هذا الأساس؟” وهكذا بدأ المتلاعبون في العمل واستخدموا الناس كمجرد أغراض من الطبيعة. ومن ثم أتى نظام فعّال للغاية يُدعى يوتوبيا، وسُميَّ شاغلو هذا النظام بـ”النيكروفيليس” [1]. بالطبع لم يكن الأمر جديداً حقاً، حيث أن المتلاعبين أخذوا نموذجهم من “النمل”، جماعة من الكائنات الحية التي عاشت في سنوات ماضية في حالة نظامية مثالية. مجموعة آخرى من الناس قاوموا اليوتوبيا. قالوا، “بالرغم من كل ما أثبتته ذلك المنطق، نحن سنظل نؤمن أن توقنا وطموحنا لهما معنى.” لذا حاولوا نسيان يأسهم (وهو شعور يشعر به الإنسان عندما يريد أن يتحلى بالأمل وكان يتحلى بالأمل رغم معرفته أن الأمر بلا جدوي) عن طريق أخذ المواد الكيمائية والتصرف مثل الحيوانات، والعيش فقط للحظات متعاقبة والمحاولة بكل جهد يملكون جعل هذه اللحظات مليئة باللذة.

معظمهم اُنهكوا بعد فترة وهم يلعبون هذه الألعاب  وبدؤوا يتخلصون من أنفسهم بطرق مختلفة. بعضهم ذهب للموت، بعضهم إلى سايكيدليا [2] (بلد جميل بمناظر طبيعية مُشبعة بالسينستيسيا) [3]، وبعضهم إلى النيرفانا [4]. وبعضهم ذهب حتى إلى اليوتوبيا. وهكذا إذاً تم تقديس الهراء على حساب المعنى (سموا ذلك العبث). هُجِرَ المنطق – لأنه كما ترى، لم يكن باستطاعته إعطاء أجوبة على الأسئلة الكبيرة جداً بعد كل شيء. فحلَّ في مكانه اللامنطق (سموا ذلك اللاعقلانية). والأخلاق هُجِرَت  – لأنهم اعتبروا أن تلك القدرة على التمييز بين الشيء الجيد والشيء السيء مجرد مسألة ذوق أو هوى. الشيء الجيد والشيء السيء كانا في يوم ما ذائعيّ الصيت، لكن ذلك كان في الوقت التي كانت فيه إشاعات وجود الرب ذائعة الصيت أيضاً. الشيء الجيد كان شخصية الرب المقدسة وكان يجب اطاعتها. الشيء السيء كان عدم الاطاعة أو الثورة على الشيء الجيد. لكن الشيء الجيد والشيء السيء رحلا مع المنطق والرب. والآن لم تعد توجد أية مأساة –  فقط البؤس.

الفصل الثاني عشر

وهكذا توقف الإنسان عن كونه إنسان – عقلاني، مخلوق أخلاقي، كائن حي تفوّق ذات مرة على سببيّة الطبيعة. بدلاً من ذلك أصبح بلا معنى،مبهم كألة ما مصنوعة من المادة. حتى من المتلاعبين الذي تحكموا في اليوتوبيا توقفوا عن كونهم رجالاً بالمعنى القديم للكلمة.  وبعد أن أنكروا رجوليتهم لمدة طويلة، فقدوها في النهاية، وهكذا أصبحوا أكثر الحيوانات ترعيباً على سطح الأرض.

ملحق

الإشاعات القديمة ما تزال مستمرة – موجودة في المناطق النائية وفي جيوب المعارضة في اليوتوبيا – أن الحب حقيقة. البعض مازال يقول أن الإنسان حقيقة. لكن هؤلاء هم ذاتم الذين يقولون أن الإنسان لم يمت أبداً في الحقيقة، وحتى أن الإنسان القديم مازال على قيد الحياة (بعضٌ منهم، والبعض الأخر لا) وأنه يعيش في العالم الآخر. يتم قمع هذه الإشاعات أينما توجد.

Continue Reading →

الجابري، عن صراع الحضارة الغربية مع نتاجها

محمد عابد الجابري

محمد عابد الجابري: مفكر وفيلسوف عربي من المغرب، له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها (نقد العقل العربي) الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار”.

في كتاب (الإسلام و الغرب)، و الذي ضم محموعة مختارة من مقالات نشرت في مجلة فكر و نقد، المجلة الثقافية التي تصدر في المغرب ، يرأس تحريرها د.محمد عابد الجابري، بمشاركة نخبة من المفكرين. تم إيراد هذه المقالة التي نُشرت في السنة 5, العدد 43 ( تشرين الثاني/ نوفمبر 2001 ) لمحمد الجابري عن الحضارة الغربية و نتاجها فقال:

ليس هناك صراع حضارات، هناك صراع بين الحضارة الغربية مع نتاجها.

و الظاهرة التي نشاهدها اليوم كظاهرة عالمية ليست عالمية إسلامية، بل هي عالمية بمعنى أنها تابعة لعالمية العولمة أو الإمبريالية، و بعبارة أعم تابعة للتاريخ العالمي للحضارة الغربية. و ماسيحدث في هذا الإطار، هو من مخلفات الحرب الباردة.

ماحصل هو أنهم عمّقوا الـ(لا عدل)، الذي هو الظلم، فكان لابد أن ينقلب هذا إلى ما انقلب إليه. و القضية ليست قضية دين أو ذاك، بل هي قية وضعية تجعل الإنسان ينظر إلى العقيدة أو الدين من وجهة نظر خاصة. ليست العقيدة هي التي تصنع الناس (فتجعل من هذا “إرهابياً” و من ذاك “مسالماً“) بل إن وضعية الإنسان هي التي تدفعه إلى اختيار نمط معين من الفهم للعقيدة و للتاريخ.

–    العنف و الإرهاب في قنوات التلفزة، ولو أنه غير مباشر فهو مؤثر و متواصل! الحضارة الغربية الآن هي حضارة تحدَّ، لايهمها إلا الاستهلاك!

ووسائل الاعلام أصبحت وسائل لنشر الاستهلاك، هي لاتنتج المعرفة و إنما توزع و تنشر نوعاً خاصاً من المعرفة، و في هذا كله علاقة قوى غير متكافئة.