أرشيف الوسم: ضحايا الحضارة الغربية

مقالة مطوّلة تستعرض قصة الإنسان والغرابة

Westworld 1

في مجلة Philosophy Now الشهيرة، نشر ليو كوكمان Leo Cookman مقالة مطوّلة، يقوم فيها بمناورة غريبة من أجل استعراض قصة الإنسان الآلي الطويلة. نعرضها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


عالم الغرب Westworld:

“الغرابة” uncanny هي الكلمة التي نألفها جميعا، لكن لربما نسيء فهمها قليلا. كثيرا ما نقول حين يكون شيء/شخص ما مشابها لشيء/شخص آخر أن الشبه بينهما “غريب”، خاصة عندما يقوم شخص ما بتقليد شخص آخر. وهذا صحيح في كثير من النواحي، لكنه يستخدم عادة بشكل إيجابي في هذا المثال. قد نقول في دهشة: “إنه غريب!”. ومع ذلك عندما يكون شيء غريبا حقا فهناك بضعة أمور أكثر إثارة للقلق.
بُحث مفهوم “الغرابة” لقرون، ولكنه راج عن طريق (إرنست ينش) Ernst Jentsch في مقاله “في سايكولوجية الغرابة” 1906 و(سيجموند فرويد) Sigmund Freud في “الغرابة” Das Unheimliche 1919. إنها فكرة الشيء الذي يبدو مألوفا ولكنه ما يزال بعيدا عن كونه نفس الشيء. تعود جذور كلمة “الغرابة” uncanny إلى كلمة “خارج نطاق المعرفة” ken الأنجلوسكسونية – وما زالت تستخدم في اللهجة الأسكتلندية – والتي تعني الفهم أو المعرفة، وهكذا فإن “الغريب” يعد خارج حدود الفهم، وبشكل أساسي هو شيء لا نفهمه تماما.
نعرف جميعا ماهية الشعور بـ“الغرابة”؛ أي عندما يكون شيء/شخص ما ليس صحيحا تماما. وقد أخبر الناس عن الشعور بهذا في حضور المرضى النفسيين الذين يتصرفون تبعا للسلوك المقبول اجتماعيا ولكن الناس يعرفون بغريزتهم أنهم إنما يتظاهرون بذلك. التفكك مقلق. هذا بجانب الفكرة القائلة بأن غريزة “الغرابة” لدينا قد تطورت لمساعدتنا على تجنب الأخطار التي قد تنتج عن الشيء الذي ليس صحيحا تماما، بالإضافة إلى اختيار شركاء أفضل. كما يفترض أن هذا مرتبط أيضا بنفورنا من رؤية الجثث، التي تبدو بشرية ولكن بلا حياة في داخلها.
ومع ذلك – أو بسبب ذلك – تطورت هذه الغريزة، إنه الشعور الذي نعرفه جميعا: الشعور بالانبهار والاحتراس المزعج في الوقت نفسه. هذا النفور من كل ما هو “غريب” هو جزء من وعينا بالعالم وجزء من إدراكنا، هو الشيء الذي يجعلنا ما نحن عليه. وباستخدام لغة الفيلسوف (هيجل) Hegel، فإن الغرابة هي:

انهيار أو ضبابية في الحدود التي بيننا وبين الآخر، وهي أيضا ما نفهمه وما لا نفهمه.

على الرغم من إمكانية كونها ذات منفعة تطورية، ما زالت “الغرابة” حتى اليوم تطرح أسئلة صعبة. يعرض الموضوع جانبا مزعجا ومخجلا بشدة من السلوك الإنساني: كيف نتجنب في كثير من الأحيان هؤلاء الذين يقعون ضمن فئة  “الغرابة” بالنسبة لنا. هكذا يتعرض البشر ذووا الإعاقات الجسدية أو الذهنية إلى النبذ أو الشفقة أو التحديق فيهم بتعجب وقح، وخذ على سبيل المثال : كيف يجعل استخدام المصاب بالتوحد لأنماط من التفاعل في الوقت غير المناسب إلى إشعار الناس بالانزعاج وهو ما يُرى وكأنه ليس صحيحا تماما. أنا أرى هذا في ابن أخي المصاب باضطراب طيف التوحد والذي يفضل بشكل عجيب أن يحتضن كل شخص يقابله. قد يُعزى الشعور بالغرابة إلى بعض التفسيرات ذات الامتداد العنصري: نرى شخصا آخر لكن بإيقاع مختلف في حديثه أو بقدر غير مألوف من تعابير الوجه والملامح الأخرى، فنشعر حالا وبانزعاج بمسافة تبعدنا عنه والتي يحتمل كثيرا أن تتحول بسرعة إلى شعور بالارتياب والنفور.


ثقافة الغرابة:

يعد ما يعرف بـوادي الغرابة uncanny valley أشهر وصف للظاهرة في التاريخ الحديث. يأتي المصطلح من مخطط رسمه في الأصل أستاذ الروبوتات (ماساهيرو موري) Masahiro Mori في السبعينيات ليفسر الإحساس الغريب، المعروف تقنيا بـ“النبذ” abjection، والذي يشعر به الناس – في حدود معينة – وهو يعني أنه كلما أصبح الروبوت سهل التمييز أو نابضا بالحياة، أصبحنا مُبعَدين من قبله. ومعنى هذا، أننا سنتقبل روبوتا أو شخصية متحركة animated character ما دام يسهل تمييز أنهم ليسوا بشرا، أو إذا كان يستحيل تمييز أنهم ليسوا بشرا، أما إذا كانوا “مقاربين” للواقع، فإن تقبلنا، كما هو تقبل الآلة، يتدهور بشكل حاد. في المخطط تبدو هذه العلاقة البيانية بين الشبه البشري والتقبل كوادٍ في هذه المنطقة من “الغرابة”.
يُستخدم مفهوم “الغرابة” بكثرة في الأدب الخيالي والأفلام الخيالية، وبشكل أكبر وأكثر تأثيرا في أفلام الرعب، بخاصة تلك التي نصفها بـ“العجيبة” أو “المروعة”. فكّر بكل القتلة ذوي الأقنعة أو ذوي الوجوه المخفية بالشعر، الأطفال الذين يتصرفون بشكل غريب قليلا، النساء اللواتي ينحنين إلى الخلف أو يتحركن بطريقة تثير الذعر، التحديقات الطويلة وغير المريحة… إلخ. هذه كلها أمثلة قوية على الغرابة – شي ء يشبه الطبيعة البشرية أو حتى يتم تمثيله بواسطة بشري ولكن يبدو بوضوح أنه ليس طبيعيا تماما.
نُشاهد هذا بشكل خاص في أفلام الرعب اليابانية. إنه لمن المثير للاهتمام كيف أن “الغرابة” منتشرة جدا في الثقافة اليابانية وأن استعمالها يعتبر تقليدا هناك. يعتبر استخدامهم للأقنعة في رقصات شعائرية دينية معينة وفي المسارح، بلا ريب، شاذا بالنسبة للأعين الغربية، كما هو مكياج الغايشا geisha -راقصات يابانيات بمساحيق تجميل كثيرة على وجوههن-. ومما يثير الاهتمام أيضا أنه عندما يعاد صنع أفلام الرعب اليابانية من أجل الجماهير الغربية فهي غالبا تثير رعبا أقل بكثير، عادة لأن إعادة الصناعة تُفقد الإحساس بالغرابة الذي يحتويه الفيلم الأصلي. وبإحساس أكثر عمقا بالغرابة يتمكن صناع الأفلام اليابانيين من الوصول إلى درجة عميقة جدا من التواصل عن طريق فنهم: إن استخدامهم للانعزال والنبذ يجعل تعلقنا وقربنا من العالم الحقيقي كله أكثر وضوحا. إذا أردت أن ترى ردود فعل الناس عند رؤية شيء غريب، فقط ارتدِ قناعا يشبه الوجه البشري ومن ثم تعامل معهم في إطار التعامل اليومي. سوف تدهش بردود الفعل العميقة التي ستظهر للعيان، وبالأخص إذا كنت ترتدي قناع كاجورا الياباني Japanese Kagura mask، الذي يبدو غريبا كفاية بحد ذاته.


هل تعتقد؟

أحد الأمثلة المعاصرة الجيدة لظاهرة “الغرابة”، والذي ينحاز بشكل واعٍ غالبا إلى معناها السيكولوجي الدقيق، هو المسلسل المتقن الذي تنتجه شبكة HBO التلفزيونية المسمى بـ(عالم الغرب Westworld). 

 

(Westworld) كان في الأصل كتابا وفيلما كتبه ومن ثم أخرجه الراحل (مايكل كرايتون) Michael Crichton في العام 1973. يحكي عن حديقة للتسلية مليئة بالروبوتات androids التي تصبح ميّالة إلى القتل. أظهر الفيلم (يول برينر) Yul Brynner كإنسان آلي قاتل، والذي يسقط وجهه في النهاية كاشفا بشكل مقلق عمل الآلات خلاله. وبالتأكيد فإنه ليس من باب المصادفة أن بحث “وادي الغرابة” لـ(ياشا غايكارت) و(موري) Jasia Reichardt , Mori يعود إلى العقد نفسه. يختار المسلسل التلفزيوني الجديد سيناريو للروبوتات القاتلة كنقطة الانطلاق، لكنه يستخدمها لتبدو أكثر تعمقا في الأسئلة الكبرى: ما الذي يعنيه كونك إنسانا؟ إنه سؤال فلسفي تجريدي مقبول، ولكنه يبدو أكثر واقعية وأكثر قابلية للإجابة عند مقارنة البشر بالروبوتات التي تُدعى بـ “المضيفين” Hosts. تعتبر كيفية تفريقنا بين البشر والمضيفين عاملا مُحدِّدا للطبيعة البشرية. ومن خلال السؤال نقوم بالتأمل والبحث في الغرابة أيضا.
التمثيل في (Westworld) ممتاز، وبالأخص أداء الممثلين الذين يلعبون دور الروبوتات. إنها الدقة في تمثيل، الفارق الطفيف الذي يثير وعينا المرتبك باختلافهم عن البشر، ومع ذلك إنه لأمر صادم أن يُهدم وعينا، تاركا إيانا غير متأكدين من هو البشري ومن هو الروبوت. إن أكثر المَشاهد رعبا وإقلاقا لي كمُشاهد لم تكن تلك العنيفة والدموية، بل مشَاهد تعطيل “المضيف”، ارتعاشة المتروك، التحديق، تجمد كل المشاعر فجأة، أو الصراخ بلا أي تعبير وجهي.. هذه القائمة من الارتاعاشات لا نهاية لها على مدار المسلسل.
في حالة الرعب، فإن ما يقلقنا أكثر هي إمكانية أن يكون المعروض متواجدا في عالمنا الخاص. لا يبدو هذا وثيق الصلة بأي شيء آخر أكثر من صلته بالتقدم في مجال الذكاء الصناعي وصناعة الروبوتات. هذا هو سبب كون (Westworld) ماهرا في عرض انشقاقِنا إلى نصفين، نكون نحن النصفين كلاهما بشكل متزامن – أي نكون أنفسنا ونكون الآخرين في الوقت ذاته – مانحا إيانا وقفة للتفكر فيما الذي نتقبله كشيء حقيقي أو حتى كإنسان. يوبخ مالك الحديقة (أنتوني هوبكنز) Anthony Hopkins الطاقم القائم على بناء وإصلاح “المضيفين” في (Westworld) لتغطيتهم المضيفين بملاءات، ربما قاموا بذلك لتغطية عوراتهم، ولكن هل يعتبر هذا احتشاما للروبوتات أم احتشاما لنا، وهل يُستعمل الاحتشام كما نستعمله نحن في مشهد عري؟
يستخدم (Westworld) اقتباسا من (روميو وجولييت) Romeo & Juliet بشكل متكرر:

هذه المسرات العنيفة لها نهايات عنيفة.

من المثير للاهتمام أنه وفي الخطاب نفسه يمضي (فرايل لورنس) Friar Laurence قدما ليغلف بعناية هذه الفكرة بالغرابة قائلا:

وكذلك أحلى ألوان الشهد
نكرهه من فرط حلاوته
وتموت شهيتنا بمذاقه.


انعكاسات الغرابة:

تستخدم الغرابة خطوطا خارجية، تحدد وترسم واقعنا وإدراكنا للعالم، والذي لا يتناسب على نحو تام مع هذا القالب، يبدو غريبا ومزعجا بالنسبة لنا، فنستجيب بالـ“النبذ” Abjection. علمنا التاريخ الطبيعي أن نخاف من الذي لا نفهمه؛ ولكني أود أن أقول أنه لكي نحسّن فهمنا لأنفسنا، علينا أن نتقبل وندرس العالم الخارجي بشكل أفضل. خذ على سبيل المثال ما يقوله العلماء النفسيون، من أن أفضل طريقة لدراسة وفهم العقل البشري العادي هي دراسة علم النفس غير العادي. تنهمك الروبوتات في المسلسل التلفزيوني في رحلة باتجاه الوعي consciousness، ولكن حتى البشر لم  يفهموا بعد ما هو الوعي. إن جزءا من البحث عن فهم الوعي هو ما يسميه (دايفيد تشالميرز) David Chalmers بـ“المسألة الصعبة” the hard problem، أي كيف يمكن أن تكون هناك تجربة ذاتية. لكن الخطوة الأولى في فهم أنفسنا يجب أن تكون في مواجهة خوفنا الداخلي ورفضنا لما لا نفهمه – أي للغرابة. قد تكون هذه أصعب مسألة على الإطلاق.

حتى الآن، لا نعرف تماما من نكون، ولكننا نعرف بالتأكيد ما لا نكونه.


[المصدر]

لغة العمال والمهاجرين في سبيل الحفاظ على الحياة

man-writing-wall-hobo-code-symbols-migrant

البقاء على قيد الحياة لا يتطلب القدرة الجسدية فحسب، بل أيضاً يتطلب قدرة ً ذهنية للتواصل بشكلٍ جيد مع الآخرين، ففي آواخر القرن التاسع عشر وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، وازدياد اعداد الفقراء والمهاجرين والمشردين، من المحاربين القدامى، الذين غدوا دون مأوى، يجوبون البلاد سعياً للعمل والملجأ، معرضين لشتى المخاطر، فهم يجتازون السواحل من أجل مأوى يأويهم ولو كان ذلك لأيام ٍمعدودة .

ولهذه الحاجة ابتكر هؤلاء المهاجرون والمشردين، وسيلة للتواصل لتبقيهم على قيد الحياة، عرفت بلغة او رمز (الهوبو).

ولكن كيف كان المهاجرون يجوبون البلاد دون المال في تلك الأيام ؟

لجأ هؤلاء للقفز على القطار، كتذكرة عبور وتنقل من البلاد، وتحديداً كان المهاجر يقفز على أعلى سيارات الشحن من منطقة لأخرى، وقد يكون سعيد الحظ ويحالفه الحظ بأن يعمل بعدها لدى إحدى الشركات بدوامٍ جزئي، مما جعل من هذه المسالك مكاناً مشتركاً للعمال المهاجرين لتلبية احتياجتهم.

وبطبيعة الحال، فإن محاذاة رحلةٍ مجانية على ظهر قطار، يسير في الريف لم يكن مسعى سهل، حيث كان يعد هذا عملاً غير قانوني منذ ذلك الوقت، مما اجبر العمال على الاختباء في الأماكن الضيقة، خوفاً من الوقوع او القبض عليهم ونقلهم للسجن.

واعتماداً على الجزء الأكثر خطراً وتهديداً لحياة المهاجرين، الظروف الجوية القاسية في أشهر الشتاء، حيث يموت الكثير من التجمد لأجل البحث عن عملٍ في الْيَوْمَ التالي.

ومابين التنقل والبحث عن الوظائف، كان المهاجرون يقصدون المبيت في المباني المهجورة و المباني الأخرى الغير عادية، مما كان يعرقل على المسؤولين في الحكومة وسكان المناطق من مواصلة ملاحقتهم، لأنهم كانوا يعتبرونهم خطراً عليهم . 

مما دفع ذلك ، الى ابتكار و تطوير هذه الرموز (الهوبو) وهي تتمثل بسلسلة من الرموز والأحرف والاشكال التي استخدمها المهاجرون للتواصل مع بعضهم البعض لضمان بقاءهم على قيد الحياة. 

وساهمت هذه اللغة او الرموز بتعزيز أهمية روح التضامن والتكافل بين المهاجرين وأقرانهم.

hobo-code-symbols-museum

فاستُخدمت رموزاً باطنية تحذيرية لتفادي بعض المخاطر كـ : الكلاب الضالة، مُلاك البيوت الغير ودودين، القضاة، رجال الشرطة وأي شيء قد يعترض طريقهم ليتجنبوا هذه المخاطر.

بالإضافة الى تبادلهم بواسطة هذه الرموز لمعلوماتِ هامة وقيّمة، تكفل لهم ضيافة كريمة في احد البيوت أو رعاية صحية للمرضى منهم ومؤونةً وغيرها.

وقد ساهمت هذه الرموز بتعلم اكثر اسهل الطرق الاستغلالية، كالإشارة لبعض الكنائس التي من شأنها ان توفر لهم وجبة مجانية مقابل “حديث ديني”.

وقد كان يتم استغلال لطف الراهبة من خلال سرد أحد المهاجرين لقصته بأسلوب يرثى له، ليؤثر على مشاعرها بسهولة.

code-hobo-symbols-warnings-communicate-signs

وعلى الرغم من ان ثقافة الهوبو ممارسة تقليدية للمهاجرين، فقد بدأت تختفي في القرن العشرين، إلا انها مازالت إلى الْيَوْمَ تستخدم رموزها، فيظهر بعضها في المناطق التي عادة ما تقوم بتشغيل العمال المهاجرين، أو العمال النهاريين في الأرصفة ونقاط العبور، كما هو مبين أعلاه في الصورة لأحد الرموز في شارع بميناء لويزيانا بولاية نيو أورليانز.

والجدير بالذكر، ان مصطلح الـ(هوبو) اصبح يُعد نوعاً من الإساءة التي تُطلق على المهاجرين.


[المصدر]

مسؤولية المثقفين، نعوم تشومسكي في مقالة مطوّلة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. أما “مسؤوليّة المثقفين” فهي مقالة للأكاديمي الأمريكي (تشومسكي)، والتي نُشِرت مؤخرًا كملحق خاص للمقالة الأساسيّة والتي نُشرت خلال حرب فيتنام وقد حظِيت المقالة باهتمام كبير باعتبار (تشومسكي) ناقد بارز في الحرب الفيتنامية.

يقول (تشومسكي) في مقالته:

منذ أنْ لم يعُد في وسعنا رؤية ما يحدث قبالة أعيننا، لا يفاجئنا كثيراً، ما لا نراه في لحظة هادئة ومغايرة. لقد شهدنا للتو مثالاً توجيهياً: على نحوٍ خُطّط له بوضوح، يرسل الرئيس (أوباما) تسعة وسبعين من الجنود المغاوير إلى باكستان في الأول من مايو لاغتيال المشتبه به الأول في الفظائع الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر (أسامة بن لادن). وعلى الرغم من أن المستهدف بالعملية أعزلاً بلا حماية ومن الممكن اعتقاله، فقد كان قاتلاً ببساطة، فأُغرقَ جسدُه في البحر بلا تشريحٍ للجثة. نُظِر إلى هذا الفعل على أنه “فقط وللضرورة” في الصحافة الليبرالية يكون هناك أثر، مثلما كانت تفعل الإجرامية النازية ـ فالحقيقة التي لم يجرِ إغفالها كانت خارج حدود السلطات الشرعية التي صادقت على العملية غير أنها رفضت الإجراء. وكما نبَّهَنا (إيلين سكاري)، فحظر الاغتيال في القانون الدولي يعود إلى الإدانة الفعّالة لممارسته من قِبَل (إبراهام لينكولن)، الذي ندَّد بالمناداة بأن يكون الاغتيال “محرّما دوليا” في العام 1863، وذلك بوصفه ـ أي الاغتيال ـ “انتهاكا لحُرمة” مشهد “الأمم المتحضرة” بالترويع وبما تجدر به من “العلاقة الأشد صرامة”.

في العام 1976، كُتب الكثير عن غشٍّ وتحريفٍ أحاطا بالغزو الأميركي لفيتنام. ناقَشْتُ مسؤولية المثقفين، مستعيرا العبارة من مقالة هامة لدوايت ماكدونالد بعد الحرب العالمية الثانية. ومع حلول الذكرى السنوية العاشرة للحادي عشر من سبتمبر، والاستحسان الشائع أو الشعبي في الولايات المتحدة لاغتيال (ابن لادن)، يبدو الوقت ملائما للعودة ثانية إلى تلك المسألة. إنما قبل التفكير في مسؤولية المثقفين، هناك ما يجدر بنا شرحه عن الذين أشرنا إليهم.

نال مفهوم المثقفين أهمية في الوعي الأخلاقي الحديث مع “بيان المثقفين” 1898 الذي تسبب به (درايفوس)، المُلهم برسالة الاحتجاج المفتوحة لـ(إميل زولا) إلى الرئيس الفرنسي، التي استنكر فيها تلفيق تهمة الخيانة بحق ضابط المدفعية الفرنسي (ألفريد درايفوس) والتستُّر اللاحق للجيش. نقل وضْعُ (درايفوس) صورةَ المثقفين بوصفهم مناصرين للعدالة، ومواجهة السلطة بجرأة ونزاهة. إنما بمشقةٍ رأوا طريقهم في ذلك الوقت. والقلّةُ من بين الفئات المتعلمة في التيار الأساسي للأنشطة المثقفة، أدانت الدرايفوسيين على نحو لاذع، وبخاصة من قِبَل شخصيات أساسية من بين “أعضاء الأكاديمية الفرنسية الأربعين” المناهضين بشدة للدرايفوسية يكتب (ستيفن لوكي). وبالنسبة لـ(موريس باري)، الروائي والسياسي والقيادي المناهض للدرايفوسية، فقد كان الدرايفوسيين “فوضويي منصة الدرس”.

وبالنسبة لآخر من بين أعضاء الأكاديمية المعمّرين هؤلاء، (فيرناند بروتنيير) فإن كلمة “مثقف” بالذات تدلّ على “أقصى الأطوار غرابةً وراديكاليةً في زماننا قصدْتُ غرورَ” الكتّاب التنويريين والعلماء والأساتذة الجامعيين والفلاسفة إلى سلسلة من الرجال ذوي القدرات الاستثنائية الذين تجرأوا على “التعامل مع أفكارنا العامة بوصفها حماقة ومؤسساتنا الاجتماعية بوصفها منافية للعقل وتقاليدنا بوصفها ضارّة بالصحة“.

ثم يتساءل (تشومسكي) بعد ذلك، “من هم المثقفين؟”

إذن، مَنْ هم أولئك المثقفون؟

القلّة التي ألهمها (زولا) -حُوكم بالسجن بسبب القذف والتشهير- أم أعضاء الأكاديمية؟

تردد صدى هذا السؤال عبر العصور، بشكلٍ أو بآخر، واليوم يقدّم إطاراً لتحديد: “مسؤولية المثقفين”.

العبارة غامضة، فهل تُحيل إلى المسؤولية الأخلاقية للمثقفين بوصفهم بشراً محترمين في وضْعٍ يمكِّنهم من الاستفادة من امتيازهم وحالتهم لتحسين أسباب الحرية والعدالة والرحمة والسلام وسائر الاهتمامات الوجدانية الأخرى؟ أم تُحيل إلى الدور المتوقع منهم لَعِبَه، فيخدم المؤسسات ولا يحطّ من قَدْرِها ويقودها ويبرهن أنها المؤسسات الرسمية؟

جاءت إحدى الإجابات خلال الحرب العالمية الأولى، عندما اصطفّ مثقفون بارزون على كل الجوانب في دعم دولهم.

في “بيان الثلاثة وتسعين مثقفا” ألمانيا، الصادر عن شخصيات رئيسية في أكثر دول العالم تنويريةً، طالبوا الغرب أنْ: “ثقوا بنا! آمنوا، أننا سنواصل هذه الحرب بوصفنا أمة متحضرة، على شرف مَنْ هم يعتبرون ميراث (غوته) و(بيتهوفن) و(كانْط). ذلك الميراث هو المقدس مثلما هي مقدسة مواقدها ـ أي الأمة المتحضرة ـ ومنازلها”.

نظراؤهم على الجانب الآخر من الخنادق المثقفة ماثَلوهم الحماسة تجاه القضية النبيلة، لكنهم مضوا أبعد في تملُّق الذات لقد أعلنوا في الـ“نيو ريببلك” أن “العمل الفعّال والحاسم لمصلحة الحرب قد أُنْجِزَ من قِبَل… تلك الفئة التي ينبغي، بشمولية إنما بتساهل، وصفها على أنها فئةُ (مثقفين)”.

فلقد آمن هؤلاء التقدميّون أنهم كانوا تلك الضمانة التي أدخلت الولايات المتحدة إلى الحرب “تحت تأثير رأي أخلاقي أخذ في الاتساع بعد تداول  ماراثوني من خلال أكثر أعضاء المجتمع رصانة”. كان هؤلاء، في الحقيقة، ضحايا تدابير وزارة الإعلام البريطانية التي “حاولت سرّا فرض هذه الفكرة في أغلب العالم” إلا أن تفكير المثقفين الأميركيين، أساسا، هو الذي ساعد على انعطاف بلد مسالم إلى حمى الحرب .

كان (جون ديوي) قد دُمغَ بـ”الدرس النفسي والتربوي العظيم للحرب”، الذي أثبت أن البشر، وبدقة أكثر “الرجال الأذكياء في المجتمع” بوسعهم تولّي الشؤون الإنسانية وإدارتها… على نحو مقصود وذكي، لتحقيق النهايات المقصودة والباهرة من خلال تحديد هذه الشؤون.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

لم يتْبع كل شخص المجرى بإذعانٍ كبيرٍ، بالطبع. إن شخصيات فذّة من مثل (برتراند راسل) و(يوجين دبس) و(روزا لوكسمبورغ) و(كارل ليبكنخت) كانوا، مثل (زولا)، قد حوكموا بالسجن. عوقِب (دبس) بقسوة استثنائية، مدة عشرة أعوام، بسبب قضية رفعها على “الحرب من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” للرئيس (ويلسون).

لقد رفض (ويلسون) العفو عنه بعد انتهاء الحرب ، مع ذلك رضخ (هاردينغ)، الرئيس التاسع والعشرون للولايات المتحدة، جمهوري من أوهايو- في آخر الأمر.

وعوقب البعض مثل (ثورشتاين فيلبن)، لكنهم عوملوا بصرامة أقلّ؛ فقد فُصِل (فيبلن) من موقعه في إدارة الأغذية بعد أنْ أعدّ تقريرا تعرّض فيه للنقص في عدد العمّال المزارعين الذي أمكن التغلّب عليه ـ أي النقص ـ بإنهاء الاضطهاد الوحشي الذي مارسه (ويلسون) على هؤلاء العمّال، وعلى وجه التحديد، عمال الاتحاد الدولي. وأُبعدَ (رادولف بورن) من الصحف التقدمية لنقده ”عصبة الأمم الامبريالية المطبوعة على حبّ الخير” ومساعيها الرفيعة .

إن نمطَ الترغيب والترهيب مألوفٌ طوال التاريخ: فأولئك الذين اصطفوا في خدمة الحكومة قد هللّوا لها في العادة عبر المجتمع المثقف، وهؤلاء الذين رفضوا الاصطفاف في خدمة الدولة قد عوقبوا. وهكذا، ففي الماضي، كان (ويلسون) والمثقفون التقدميون، الذين عرضوا عليه خدماته، قد شُرّفوا على نحو عظيم، إنما ليس (ديبس). و(لوكسمبورغ) و(ليبكنخت) اللذين قتِلا، باتا بطليْ التيّار المثقف بشقِّ الأنفُس، فيما واصل (راسل) إداناته اللاذعة حتى بعد موته، ولا يزال كذلك في سِيَرِه الراهنة .

ثم ينتقل إلى إيضاح أسباب هذه الخصومة، والتهديد الذي يجده المثقفين، فيقول:

 

منذ أنْ اتجهت السُلطة إلى أن تسود، اعتُبر المثقفون الذين خدموا حكوماتهم مسؤولون. في السبعينات، ميّز علماء بارزون بين صنفين أكثر صراحةً. في درس العام 1975، أزمة الديمقراطية، صُنِّفتْ أطوارُ الغرابة الراديكالية لبروتنيير على أنها “مثقفو القيمة ـ الموجَّهة” الذين طرحوا “تحديا لـلحكومات الديمقراطية هو، بشكلٍ مُحتملٍ على الأقلّ، تحدٍّ جادّ يُشبه ذلك الذي طرحوه في الماضي من خلال زُمرة الأرستقراطيين والحركات الفاشية والأحزاب الشيوعية”. ومن بين آثامٍ أخرى، ثمة كائناتٌ أخرى، منها أولئك “الذين كرّسوا أنفسهم للانتقاص من القيادة وتحدي السلطة” والذين تحدوا مسؤولية المؤسسات من أجل “تلقين الشباب” حتى أنّ البعض منهم قد غاص إلى أعماق التساؤل عن نُبْل أهداف الحرب، مثلما فعل (رادولف بورن). هذا الانتقاد بقسوة من قِبَل المهرطقين الذين ساءلوا السلطة والنظام القائم تنازل عنه علماء اللجنة الثلاثية الدولية الليبرالية؛ أولئك الذين اجتذبتهم إدارة (كارتر) على نحو واسع من طبقاتهم الاجتماعية .

وكما هو الحال مع جماعة “نيو ريببلك” المتزايدين أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد وسّع كُتاب “أزمة الديموقراطية” مفهوم العقلانية إلى معنى أفضل من معنى “بريتينير” السخيف، وكان أفضل منه أيضاً من ناحية النوع، حيث أنه: يُعد المفكرين التكنوقراطيين والمُوجّهين للسياسات مفكرين جادين ومسؤولين، يُكرسون أنفسهم للعمل البنّاء وذلك لصياغة سياسات المؤسسات القائمة وضمان ثبات العائدات.

لم يتطلب الأمر من (ديوي) سوى بضع سنوات للتحول من مفكر تكنوقراطي ومُوجَّه للسياسات في الحرب العالمية الأولى إلى محاضر ثائر، كما أنه انتقد شجب “الصحافة غير الحرة” وتساءل عن مدى “إمكانية تحقيق الحرية الفكرية والمسؤولية الاجتماعية على نطاق واسع في ظل وجود النظام الاقتصادي السائد”.

لقد كان موضوع “الديموقراطية المفرطة” هو الشغل الشاغل لعلماء “الثلاثية” وذلك خلال اضطرابات في الستينيات عندما انخرطت أحزاب سكانية سلبية ولا مبالية في الساحة السياسية معربين عن قلقهم تجاه: الأقليات والنساء والأطفال وكبار السن والعمال…الخ. وباختصار،

يجب التفريق بين سكان، والذين يُدعون أحياناً “أصحاب المصالح الخاصة” وبين من أطلق عليهم (آدم سميث) “سادة البشرية” حيث أنهم “المُخططين الحقيقيين” للسياسة الحكومية والذين يتبعون نظام “ماكسيم الدنيء” الذي يقول كُلنا لأنفسنا لا للآخرين. لا يُستنكر أو يُناقش دور أولئك أولئك السادة في الساحة السياسية، وذلك لأنها، كما يقول الموروث الثلاثي،: “أن السادة يمثلون الصالح الوطني” كأولئك الذين يمجّدون أنفسهم بسبب إدخال البلاد في حالة حرب، بعد بذل أقصى جهد في التشاور مع أكثر أعضاء المجتمع فكراً، حيث أنهم وصلوا إلى “القرار الأخلاقي”.

وللتغلب على الأعباء التي يضعها “أصحاب المصالح الخاصة” على عاتق الدولة، فقد دعت “الثلاثية” إلى مزيد من “الاعتدال في الديموقراطية”، وذلك بأن يصبح الجانب المُهمل جانباً سلبياً، الأمر الذي قد يعيد البلاد إلى الأيام السعيدة كأيام حكم (ترومان) الذي تعاون مع قلة من محامي وول ستريت وصرافيها، مما أدى إلى انتعاش الديموقراطية.

وادعت “الثلاثية” بأنها متمسّكة بهدف الدستور القائل: “أنّه وثيقة أرستقراطية جوهرية تهدف إلى الميول الديموقراطية في فترة الحكم” وذلك من خلال إعطاء السلطة “لنوعٍ أفضل” من البشر وقصرها على الأغنياء وذوي النسب المرتفع والبارزين، وذلك حسب المؤرخ البريطاني (جوردون وود). ودفاعاً عن (ماديسون)، يجب علينا أن ندرك أن عقليته كانت عقلية ما قبل الرأسمالية. لقد كان يعتقد أن السلطة يجب أن تكون في يد “ثروة الأمة” و“العصبة من الرجال” وتصوّرهم بأنهم “رجال الدولة الراشدين” و“فلاسفة الخير” للعالم الروماني الخيالي. يراهم بأنهم “نبلاء وصادقين” و“رجال مخابرات وطنيين ثوريين بظروف خاصة” يميزون مصالح بلادهم الحقيقية، والذين من غير المحتمل أن يضحوا بوطنيتهم وحبهم للعدالة لدواعي مؤقتة أو جزئية. وبهذا، فإنه يمكن لأولئك الرجال أن “ينقحوا الرأي العام” مما يضمن حماية المصالح العامة ضد “المفسدين” من الغالبية الديموقراطية.

وعلى غرار ذلك، فقد وجد المفكرون الويلسونيون ضالتهم في العلوم السلوكية، الأمر الذي وضّحه عالم النفس والمُنظّر التعليمي (إدوارد ثورنديك) عام 1939 حيث قال: “إنه لمن حسن حظ البشرية أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الذكاء والأخلاق، الأمر الذي يتخلله حسن النية تجاه الزملاء، وبهذا فإنه غالباً ما يكون رؤساؤنا من محبي الخير، ولذا فإنه من الآمن أن نثق في مصالحنا بين أيديهم عوضاً عن أن تكون بين أيدينا”.

إن هذا الاعتقاد مريح، بالرغم من أن البعض قد يرى بأن (آدم سميث) كان أكثر وضوحاً.

ويتابع حديثه قائلًا:

يعتبر المفكرين الذين يخدمون حكوماتهم مسؤولين بينما يُرفض أو تُشوه سمعة أولئك الذين يتطلعون إلى القيم، وسبب ذلك كله هو أن السلطة بيد الغلبة.

أما بخصوص الأعداء، فإن لديهم نفس الفرق بين هذين النوعين من المفكرين، إلا أنهم يعكسون القيم.

كان يُعتبر المفكرين المنشقين في الاتحاد السوفييتي القديم بمثابة أصحاب الشرف، بينما  نكنّ الازدراء للبيروقراطيين والمفوّضين والمفكرين التكنوقراطيين والسياسيين. ويبقى الحال ذاته في إيران، فقد كنا نحترم المنشقين الشجعان وندين من يدافع عن المؤسسة الدينية، وكذلك هو الحال في أي مكان آخر.

لقد كان يُستخدم مصطلح التشريف “منشقّ” استخداماً انتقائياً. بالطبع فإنه لا ينطبق انطباقاً ملائماً على المفكّرين الذين ينحون منحى القيم من منازلهم أو أولئك الذين كافحوا الاستبداد الأمريكي من الخارج. وانظر على سبيل المثال لحالة (نيلسون مانديلا) الذي أُزيل اسمه من قائمة الإرهابيين عام 2008 ليتمكن من القدوم إلى الولايات المتحدة دون الحاجة إلى تصريح خاص.

لقد كان (مانديلا) زعيماً إجرامياً لأحد أكبر “الجماعات الإرهابية سيّئة الصيت” في العالم قبل عشرين عاماً وذلك بحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية.

وهذا هو السبب الذي دفع الرئيس (ريغان) إلى دعم نظام التمييز العنصري، إضافة إلى انتهاك جنوب افريقيا لعقوبات الكونغرس ودعمها لعمليات سلب البلدان المجاورة، لينتهي الأمر إلى وفاة مليون حسب دراسة للأمم المتحدة.

لم يكن هذا إلا إحدى حلقات الحرب على الإرهاب التي أعلنها ريغان لمكافحة “آفة العصر الحديث” أو ما أشار إليه وزير الخارجية (جورج شولتز) “العودة إلى الهمجية في العصر الحديث”. وقد نضيف إلى هذا كله مئات الآلاف من الجثث في أمريكا اللاتينية وعشرات الآلاف في الشرق الأوسط، وغير ذلك من الإنجازات. ومن غير المستغرب أن يبجّل علماء معهد هوفر المتحدثَ العظيم حيث أنهم يعتبرونه العملاق صاحب “الروح التي تنهض بالبلاد والشبح الصديق والحميم الذي يراقبنا” وكانوا قد كرّموه مؤخراً بتمثال يشوّه السفارة الأمريكية في لندن.

الأمر الذي أربك علماء الثلاثية هو “نهضة الديموقراطية” في الستينيات .

ويقول بعد ذلك:

تُعتبر حالة أمريكا اللاتينية حالة بيّنة. لا يقبل المعارضين المُشرّفين بأولئك الذين ينادون بالحرية والعدالة. فعلى سبيل المثال، قُتل ستة رهبان مُفكّرين في أمريكا اللاتينية وذلك بناءً على أوامر مباشرة من القيادة السلفادورية العليا وذلك بعد أسبوع من سقوط جدار برلين. لقد كانوا من كتيبة النخبة التي سلّحتها ودربتها واشنطن والذين قد جرّبوا أبشع أنواع الدم والإرهاب، وكانوا أيضاً قد عادوا للتو من تدريب في مركز جون كينيدي الحربي الخاص ومدرسة فورت براغ في كارولينا الشمالية. ولم تُحيَ ذكرى القساوسة باعتبارهم منشقين شرفاء ولم تُحيا ذكرى من هم على شاكلتهم في العالم. إن المنشقين الشرفاء هم أولئك الذين يدعون إلى الحرية في أوروبا الشرقية والذين بالطبع عانوا ولكن لم تكن معاناتهم عن بعد كما هو الحال مع أمثالهم في أمريكا اللاتينية.

إن موضوع التمييز جدير بالدراسة، كما أنه يخبرنا الكثير عن عبارة “مسؤولية المفكّرين” وعن أنفسنا.

يقول (جون كوست ورث) في ورقته المنشورة مؤخراً في جامعة كامبريدج “تاريخ الحرب الباردة” بأنه “تجاوز عدد السجناء السياسيين وضحايا التعذيب وحالات إعدام المعارضين السياسيين غير العنيفين في أمريكا اللاتينية الحد مقارنةً بالتجاوزات التي حدثت في الإتحاد السوفييتي منذ الستينيات حتى انهياره في التسعينيات وتوابعه من دول شرق أوروبا”.

لقد كان هناك العديد من الشهداء المتدينين بين المعدومين، كما أنه كانت هناك مجازر جماعية دعمتها أو قامت بها واشنطن.

فلماذا إذاً يكون هناك تمييزٌ؟ قد يقال بأن ما حصل في شرق أوروبا أمرٌ أكثر خطورة من مصير جنوبها الذي يقع بين أيدينا. إنه من المثير للاهتمام أن تكون الحجة واضحةً لا غبار عليها، وأن نراها تشرح السبب الذي يجب أن نتخلى عن أخلاقنا الأولية لأجله ومنها مدى جديتنا في موضوع المعاناة والأعمال الشنيعة والعدالة والحقوق، فإذاً سنركز جهودنا في مواضع قوتنا، وذلك بتقاسم المسؤولية فيما بيننا للأحداث الراهنة. لا نحظى بمصاعب تتطلب من أعدائنا أن يتحلوا بهذه المبادئ.

ولم يتبقَ لدينا سوى القليل للقلق بشأنه أو ما يجب علينا أن نقلق بشأنه، وهو ما يقوله (أندري ساخروف) أو (شيرين عبيدي) بخصوص جرائم الولايات المتحدة أو إسرائيل. إننا معجبون بهم لما يقولونه ويفعلونه بدولهم والنتائج التي يتوصلون إليها لمن يعيش في مجتمعاتهم الحرة والديموقراطية، الأمر الذي يحفّز للإنتاج الفعال. نجد أن الممارسة في المجتمعات المحترمة تكاد تكون نقيض القيم الأخلاقية.

ولكن، لنتفق ونستعرض الموروث التاريخي هنا.

تحظى حروب الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية في الفترة ما بين 1960 إلى 1990 (بصرف النظر عن أهوالها) بأهمية تاريخية على المدى الطويل. هناك جانب مهم يجب أن نضعه في الحسبان وهو أنه كانت هناك حروب كبيرة ضد الكنيسة والتي اعتبرها مجمع الفاتيكان الثاني في عام 1962 زندقة. يقول البابا الثالث والعشرون عن هذه الحروب أنها “بداية حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية”، كما يصفها العالم الديني (هانس كونغ) بأنها تستعيد تعاليم الإنجيل التي تُخُلي عنها في القرن الرابع عندما أنشأ الإمبراطور قسطنطين المسيحية باعتبارها ديناً للإمبراطورية الرومانية، مما أدى إلى “ثورة” تحوّل “الكنيسة المضطهَدة” إلى “كنيسة مُضطهِدة”. واعتبر أساقفة أمريكا اللاتينية الذين اختاروا “تفضيل الفقراء” أن المجمع الفاتيكاني الثاني يمارس الزندقة. ثم جاء بعد ذلك القساوسة والراهبات والعلمانيون برسالة سلمية راديكالية من الأناجيل للفقراء تساعدهم في تحسين مصيرهم التعيس في ميادين السلطة الأمريكية.

أصدر الرئيس (كينيدي) في العام ذاته (1962) عدة قرارات مصيرية. كان أحد تلك القرارات أن يتحول جيش أمريكا اللاتينية من “جيش عالمي” (وهذه إحدى مفارقات الحرب العالمية الثانية) إلى “أمن داخلي”، ويمثل هذا الأمر في الحقيقة حرباً ضد السكان المحليين، وذلك إذا ما حاولوا رفع رؤوسهم. ويصف (شارلز ماتشلينج) (المتمرد والمخطط الدفاعي للولايات المتحدة الأمريكية 1961-1966) العواقب المُتوقعة لقرار سنة 1962 وأنه انتقال من التسامح “في ضراوة الجيش الأمريكي اللاتيني وضراوته” إلى “تواطؤ مباشر” في الجرائم بغية دعم الولايات المتحدة الأمريكية “في كتائب الإبادة بأساليب هينرش هيلمر”. وتتمثّل إحدى المبادرات في الانقلاب العسكري في البرازيل والذي خُطط له في واشنطن بعد اغتيال (كينيدي) وذلك لتأسيس دولة ذات أمن قومي قائمة على القتل والوحشية. لقد بدأ طاعون القمع بالانتشار في العالم ومن ذلك انقلاب سنة 1973 لإثبات ديكتاتورية (بينوتشيت)، بل والأسوأ من ذلك كالديكتاتورية الأرجنتينية التي يُفضلها (ريغان). وأتى دور أمريكا الوسطى (كما جاء مسبقاً) في الثمانينات تحت ظل “الشبح الصديق الحميم” الذي يُبجّل لإنجازاته.

لقد كان مقتل أولئك القساوسة الذي تزامن مع سقوط جدار برلين بمثابة الضربة القاضية للزندقة والتي بلغت أشُدها في العِقد السلفادوري الذي كان بدايةً لحقبة الاغتيالات كاغتيال رئيس الأساقفة (أوسكار روميرو) “صوت من لا صوت له”. لقد تبنى المنتصرون في الحرب ضد الكنيسة تلك العمليات بكل فخر. تشتهر مدرسة الأمريكيتين (باسمها الجديد) بتدريبها للقتلة اللاتينيين وصرّحت أن اللاهوت التحريري الذي كان في مجمع الفاتيكان الثاني تم بمساعدة من “الجيش الأمريكي”.

لقد كانت اغتيالات نوفمبر 1989 أشبه ما تكون بالضربة القاضية، لكن كانت هناك حاجة إلى المزيد.

أُجريت بعد ذلك بعام أول انتخابات نزيهة في هايتي، وكانت هنا الصدمة والمفاجئة لواشنطن التي توقعت فوز مرشحها. انتخب الجمهور من الفقراء وقاطني الجبال (جيان بيرتراند أريستايد) القسيس التابع للاهوت التحريري، فتحركت واشنطن فوراً لإسقاط لتدمير الحكومة المنتخبة، ثم قدمت بعد ذلك دعماً عسكرياً للمجلس العسكري الحاكم ولمؤيديها الذين تولوا الحكم بعد الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة خلال أشهر. انتعشت التجارة هناك في ظل انتهاكها للعقوبات الدولية، وازدادت انتعاشاً في عهد (كلينتون) الذي سمح لشركة النفط “تكساكو” بتمويل الحكام السفّاحين رغماً عن توجهاته.

سأتجاوز العقبات المُهينة لهذا الأمر وسأسهب في أمورٍ أخرى، إلا أنه يجب أن نشير إلى حركتي التعذيب في عام 2004 والتي شارك فيها كل من هايتي وفرنسا والولايات المتحدة وكندا في خطف الرئيس (أريستايد) (الذي اُنتخب مرةً أخرى) وإرساله إلى وسط افريقيا. لقد تم منعه وحزبه من الدخول في انتخابات 2010 – 2011 التي كانت تُعتبر مهزلة، والتي تعتبر أيضاً من الأمور التاريخية المُريعة التي تُرجعنا إلى مئات السنين والتي لا يكاد يُعرف مرتكب جرائمها والذين يُحبون القصص التي تدل على جهودهم المتفانية في إنقاذ الناس.

أما إذا كنا جادين في موضوع العدالة فإنه يجب علينا أن نتحمل المسؤولية جميعاً في الأمور التي تحدث.

يعتبر قرار (كينيدي) عام 1962 بإرسال بعثة للقوات الخاصة إلى كولومبيا بمثابة آخر القرارات المصيرية والتي قادها الجنرال (ويليام ياربوف) الذي أشار لقوات الأمن الكولومبية بأن يقوموا بأعمال “شبه عسكرية وتخريبية و/أو أنشطة إرهابية” ضد مؤيدي أحد الشيوعيين المعروفين، وهي أنشطة يجب أن تدعمها الولايات المتحدة. فسّر رئيس اللجنة الكولومبية لحقوق الانسان ووزير الخارجية السابق (ألفريدو فاسكيز كاريزوسا) معنى عبارة “مؤيدي الشيوعية”، وكتب إلى إدارة (كينيدي) “لقد بذلت قصارى جهدي في تحويل جيوشنا النظامية إلى ألوية مكافحة تمرد، وقبولها لاستراتيجيات فرق الإعدام الجديدة”، ويقول: “لا تدافع عقيدة الأمن القومي المعروفة لدينا في أمريكا اللاتينية ضد الأعداء الخارجيين، إنما ترتكز مهمتها في الحفاظ على الحكام، مع بقاء الحق لها في مكافحة الأعداء الخارجيين، كما هو منصوص عليه في البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وكولومبيا: نملك الحق في قمع وإبادة الأخصائيين الاجتماعيين والأعضاء والرجال والنساء الذين لا يدعمون المؤسسة الحكومية، والذين نفترض أنهم متطرفون شيوعيون. وهذا بدوره يعني أي شخص بما فيهم الحقوقيين مثلي”.

يقول (شارلز شولتز) في دراسة له في عام 1980 أن الأكاديميين الأمريكيين المتخصصين  في حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية وجدوا أن المساعدات الأمريكية “تتدفق تدفقاً غير متكافئ لحكومات أمريكا اللاتينية التي تعذب مواطنيها مقارنةً مع حقوق الإنسان الأساسية لمنتهكي الجرائم في العالم”، وأن ذلك شمل المساعدات العسكرية أيضاً (التي لم تكن هناك حاجة لها)، الأمر الذي استمر حتى حكم (كارتر). لقد كان من اللازم أن تكون هناك دراسة مماثلة منذ عهد ريغان. كانت السلفادور إحدى أكبر الدول منتهكة الجرائم في الثمانينات، وبذلك فقد أصبحت المُستقبِل الرئيسي للمساعدات العسكرية الأمريكية، ثم بعد ذلك حلت كولومبيا محلها باعتبارها أسوأ منتهكة للجرائم في نصف الكرة الأرضية. لقد كان (فاسكيز كاريزوسا) يعيش تحت حراسة مشددة في مقر اقامته في بوجوتا عندما زرته عام 2002 باعتباري طرف من بعثة منظمة العفو الدولية، التي قامت بحملة لمدة سنة تتمثل في حماية المدافعين عن حقوق الإنسان في كولومبيا وذلك بسبب سجل الهجمات المرعبة التي كانت ضد نشطاء حقوق الإنسان والعمال، والتي كانت معظم ضحاياها من الفقراء والعُزّل. ويستمر الإرهاب والعذيب في كولومبيا باستخدام الأسلحة الكيميائية (التطهير) وذلك بحجة الحرب على المخدرات، ليُجبر سكان الأحياء الفقيرة على الهروب، ولم يلقَ الناجون منهم إلا البؤس. تشير تقديرات مكتب المدعي العام الكولومبي إلى مقتل أكثر من 140 ألف شخص على يد الميليشات أو القوات غير النظامية، التي تعمل مع الجيش وتمولها الولايات المتحدة.

أصبحت ترى علامات المجازر في كل مكان. مررت أنا ورفاقي على طريق زراعي قبل عام وكنا نريد الوصول إلى قرية نائية في كولومبيا، لقد مررنا في طريقنا على عدة قبور لضحايا الهجوم شبه العسكري على الحافلات. وتعتبر تقارير القتل الرسومية أمراً كافياً، كما أن من شأن مقابلة بعض الناجين الذين يعتبرون من ألطف الناس وأكثرهم عطفاً أن توضّح الصورة وألمها.

إن هذا الأمر لهو أكثر رسومات هذه الجرائم الفظيعة اختصاراً، والتي يتحمل ذنبها الأمريكيون، والتي يمكننا (على أقل تقدير أن نخفف من حدتها).

إلا أن أكثر ما يثلج الصدر هو أننا نثني على الشجعان الذين يحتجون على انتهاكات العدو، إنه أمر جيّد لكنه لا يحظى بأولوية لدى المفكّرين الذين يأخذون مسؤوليات هذا الموقف على محمل الجد.

إنّا لا نتجاهل وننسى الضحايا في مياديننا (الأمر الذي يحدث عكسه في دول معادية) إلا أن هذا يعتبر إهانةً لنا أيضاً. ضرب أحدهم مثالاً لافتاً بعد اغتيال المفكرين الأمريكيين اللاتينيين في السلفادور بأسابيع قليلة.

زار (فاكلاف هيفيل) واشنطن وحضر جلسة كونغرس مشتركة. أُعجب به الجمهور عندما نادى “المدافعين عن الحرية” في واشنطن حيث أنه فهم أنه “تدفق منها المسؤولية” وأنها “أقوى دولة على وجه الأرض” وأعلن بصراحة عن مسؤوليتها عن الاغتيالات الوحشية لأقرانه السلفادوريين قبل فترة وجيزة.

سَحرَ بعرضه هذا الطبقة الليبرالية المثقفة. إن (هيفيل) يذكرنا بأننا نعيش “في عصر الرومانسية” كما قال (أنتوني لويس). لقد فرِح المحللون الليبراليون بمثالية وسخرية وإنسانية (هيفيل) وأنه “بشّر بعقيدة صعبة لمسؤولية الأفراد”، بينما تألم الكونغرس “باحترام” من عبقريته ونزاهته، كما أنه تساءل عن سبب افتقار أمريكا لمثل هؤلاء المفكرين والذين ينادون بترقية الأخلاق على المصلحة الشخصية ويدعون إلى النظر في الجثث المعذبة والمشوهة في أنحاء البلدان التي تركناها في مأساتها. لا داعي لأن نقلق هنا حيال ردة فعل البابا إلاروكيا (أبرز المفكرين المسيحيين المُغتالين) الذي قال مثل هذا الكلام في مجلس الدوما وذلك بعد أن قامت قوات الصفوة التي سلحها ودربها الاتحاد السوفييتي باغتيال (هيفيل) وستة من مساعديه، الأمر الذي لا يمكن تصوره.

يجعلنا اغتيال (ابن لادن) ننتبه أيضاً إلى ضحايا الذل. هناك الكثير لنقوله حيال هذه العملية، ويتضمن ذلك استعداد واشنطن لمواجهة خطر حرب كبرى محتملة أو حتى وصول المواد الانشطارية إلى أيدي الجهاديين، كما أسلفت سابقاً. لكن دعونا نبقي على سبب تسمية عملية غيرونيمو بهذا الاسم. تسبب هذا الاسم بغضب في المكسيك، كما احتج عليه السكان الأصليون في الولايات المتحدة، ولكن يبدو أنه لم يُلاحظ أن (أوباما) حدد (ابن لادن) مع رئيس الأباتشي الهندي. لقد قام غيرونيمو بمقاومة شجاعة لأولئك المعتدين الذين هددوا شعبه بمصير “إبادة هذا العرق التعيس من الهنود الحمر بطريقة غادرة لا رحمة فيها بسبب خطاياها الشنيعة التي سيحاسبكم عليها الله” وذلك على حد تعبير الاستراتيجي العظيم (جون كوينسي آدمز) المهندس الفكري وذلك بعد فترة طويلة من إسهاماته في تلك الخطايا. يعيد لأذهاننا هذا الاسم سهولة تسمية أسلحة القتل لدينا بناءً على ضحايا جرائمنا مثل: أباتشي وبلاكهوك وشيين. قد ننظر للأمر نظرة مختلفة إذا استدعت اللوفتوافا طائراتها باسم “يهودي” أو “غجري”.

ويتابع بعد ذلك:

يقول (كسينجر): “لم تغير أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأولى العالمَ كما غيرته الثانية، كانت لا شيء بالنسبة لعواقبها الوخيمة”.

لا يعد إنكار هذه “الخطايا البشعة” أمراً واضحاً أحياناً. وهناك حالات أخيرة -على سبيل المثال لا الحصر- منها حالة حدثت قبل عامين في أبرز المجالات الفكرية الليبرالية اليسارية حول العالم، حيث بيّن (راسل بيكر) ما تعلمه من عمل “المؤرخ البطل” (إديموند مورغان)، فيحكي أنه عندما وصل كولومبوس والمستكشفون الأوائل وجدوا مساحة قارية ذات كثافة سكانية منخفضة يعيشون على الزراعة ومطاردة البشر، وأنه قد يكون هناك مليون نسمة في عالم لا حدود له وغير ملوث يمتد من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد.

ثم تطور الأمر لتشمل تلك المناطق عشرات الملايين وشهدت “تمددا” حضارياً  في أرجاء القارة.

لم تكن هناك ردة فعل على هذا الكلام، إلا أن المحررين عدلوا على المقال فأضافوا أنه كان هناك ما يزيد عن 18 مليون نسمة، كما أنهم حذفوا جزئية (من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد). كان كل هذا معروفاً قبل عدة عقود (بما في ذلك الحضارات المتقدمة والوحشية الغادرة والإبادة) ولكنه أمر ليس بالمهم حتى أن يُكتب في جملة اعتراضية. وأشار المؤرخ (مارك مازور) في مراجعة الكتب اللندنية بعد ذلك بعام إلى أنه لا يوجد أي تعليق على “إساءة معاملة الأمريكيين للسكان الأصليين”. هل الأمر أننا نقبل بكلمة مثل كلمة “إساءة معاملة” لجرائم مماثلة يرتكبها الأعداء؟

ويكمل (تشوميسكي) مقالته:

إذا كانت مسؤولية المثقفين تشير إلى مسؤوليتهم الأخلاقية كبشر مهذّبين في موقعٍ يمكِّنهم من استخدام امتيازهم ووضعهم لتحسين شروط الحرية والعدالة والرحمة كذلك للتحدث دون خوف ليس عن انتهاكات الأعداء، إنما، أكثر بكثير وبشكل ملحوظ، عن الجرائم التي نحن متورّطون بها وبالإمكان تحسينها أو الانتهاء منها إذا نحن اخترنا الإجابة عن سؤال: كيف سوف نفكر في الحادي عشر من سبتمبر؟

إنّ نظرية: هجمات الحادي عشر من سبتمبر “قد غيّرت العالم” هي نظرية مستمرة إلى حدٍّ بعيد وعلى نحو من الممكن تفهّمه. لأحداث ذلك النهار النتائج الأخطر بالتأكيد، محليا ودوليا. كان أحدهُم قد قاد الرئيس (جورج دبليو بوش) إلى إعلان حرب (رونالد ريغان) على الإرهاب. الأول منهما قد “اختفى” فعليا، باستعارته للعبارة من قتلة أميركا اللاتينية ومعذِّبيها المفضّلين لدينا. وذلك بصورة مُحتملة، لأن تلك النتائج لم تتلاءم جيدا مع صورنا الذاتية الممتازة. كانت النتيجة الأخرى غزو أفغانستان ومن ثم العراق؛ فالكثير من التدخلات العسكرية الراهنة في بلدان أخرى عديدة في المنطقة والتهديدات المنتظمة بالهجوم على إيران (“الخيارات كلها مفتوحة” وفقا للعبارة القياسية). كانت الأكلاف، بكل أبعادها، باهظةً. وكانت الاقتراحات على العكس من السؤال البديهي الذي لم يُسأل طوال المرة الأولى: هل ثمة بديل هناك؟ .

لاحظ عدد من المحللين أن (ابن لادن) قد حقق نجاحات ضخمة في حربه ضد الولايات المتحدة. “لقد أثبت على نحوٍ متكررٍ، أنّ الطريقة الوحيدة لإكراه الولايات المتحدة على الخروج من العالم الإسلامي وإيقاع الهزيمة بأحذيتها العسكرية كانت بجرّ الأميركان إلى سلسلة من الحروب الصغيرة لكنْ غالية الثمن، تلك التي في النهاية تؤدي إلى إفلاسهم” يكتب الصحفي إيريك مارغوليس .

باغتت الولايات المتحدة جيدا، تحت حكم (جورج دبليو بوش) ومن ثم (باراك أوباما)، مكيدةَ (ابن لادن)… الإنفاق والولع الشديد بالديْن العسكريين المتضخميْن على نحو غريب… هما ميراث أعظم ضررا بكثير من الرجل نفسه الذي اعتقد أنّ بوسعه أن يوقع الهزيمة بالولايات المتحدة .

قدّر تقرير “أكلاف مشروع الحرب” الصادر عن معهد واتسون في جامعة براون أن المحصلة النهائية سوف تكون 3,2 تريليون ولغاية 4 تريليونات مليون دولار أميركي. تماما، هذا الإنجاز المؤثر (تحقق) عن طريق (ابن لادن).

كانت واشنطن منكبّة على مباغتة مكيدة (ابن لادن) الذي كان واضحا أكثر من أي وقت. يكتب (مايكل سكوير)، المحلل المتقاعد في (السي آي إيه) والذي كان مسؤولا عن تعقُّب (ابن لادن) خلال الأعوام من 1996 ولغاية 1999: “تحرّى (ابن لادن) الدقّة في إخبار أميركا بأسباب شنّ الحرب علينا”. إن “قائد القاعدة”، يتابع (سكوير) “قد خرج كي يبدّل بتطرُّف سياسات أميركا والغرب تجاه العالم الإسلامي”.

ومثلما يشرح (سكوير) فقد نجح (ابن لادن) إلى حدّ كبير: “أكملت جيوش الولايات المتحدة وسياساتها راديكالية العالم الإسلامي، لقد حاول (أسامة بن لادن) بعض الشيء أن يُنجز ما هو أساسي وجوهري، لكن النجاح لم يكتمل منذ فترة مبكّرة من التسعينات، وكنتيجة لذلك، أعتقد أنه كان من الإنصاف الإبقاء على (ابن لادن) حليفا لا غنى عنه” وإبقاؤه ما يزال قابلا للجدل كثيرا حتى بعد موته .

وثمة سبب للاعتقاد بأن الحركة الجهادية كان من الممكن أنْ تتجزأ وتضعف مكانتها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، هي ـ أي الهجمات ـ التي انتُقِدتْ بقسوة داخل الحركة، علاوة على أنها “جريمة ضد الإنسانية” مثلما سُمِّيَتْ على نحو يطابق الحقيقة، حيث كان ممكنا مقاربتها كجريمة، من خلال عملية دولية كي يُلقى القبض على المشتبه بهم الرئيسيين مثلما كان متوقَّعا. وكان هذا ما قد تمَّ إدراكه من خلال النتائج المباشرة التي تلت الهجمات، لكن حتى هذه الفكرة لم تُؤخذ بعين الاعتبار من قِبَل صانعي القرار في الحكومة. (هناك خلل في الترتيب) بدا أنه لم يكن هناك اهتمام قد مُنح لعرض طالبان غير النهائي ـ كم كان العرض جادّا، لا نستطيع أن نعرف – لتقديم قادة القاعدة في مقابل صفقة قضائية.

ويتابع:

في كل مرة أستشهد بما خلُص إليه (روبرت فيسكمن) أن الجريمة الفظيعة للحادي عشر من سبتمبر التي ارتكِبتْ “بوحشية مولعة بالأذى والترويع” هي إصدار حُكمٍ دقيق. حتى أن الجرائم كان من الممكن أنْ تكون أسوأ. أفترض أنّ الرحلة 93، التي أُسقِطت طائرتها من قِبَل ركّاب شجعان في بنسلفانيا، قد فجَّرت البيت الأبيض، وقتلت الرئيس. أفترض أنّ القَتَلة في الجريمة الذين خططوا ونفّذوا قد استغلوا طاغيةً عسكريا قتل الآلاف وعذّب عشرات الآلاف. أفترض أن طاغيةً جديدا أعترف به قانونيا بدعم من القتلة ومركز الإرهاب الدولي قد ساعد، في أمكنة أخرى من العالم، على استغلال دول تعذيبٍ وإرهابٍ شبيهةٍ، ومثل غطاء جليدي ، قد أقنعوا فريقا من الاقتصاديين ـ لنسَّمِهم “فتية قندهار” ـ الذين قادوا الاقتصاد على نحو سريع إلى أسوأ انخفاض له في تاريخه. ذلك من غير تعقيد، سوف يكون أكثر سوءا من الحادي عشر من سبتمبر .

ومثلما نعلم جميعا، هذا ليس اختبارٌ لفكرة، فقد حدث. وأنا، هنا، أشير بالطبع إلى ما يُعرف في أميركا اللاتينية غالبا بـ”الحادي عشر من سبتمبر الأول”، الحادي عشر من سبتمبر العام 1973، حين نجحت الولايات المتحدة بمساعيها المكثّفة في إسقاط الحكومة الديمقراطية لسلفادور اللينديفي تشيلي بانقلاب عسكري أدّى إلى تعيين النظام المخزي للجنرال (بينوشيه) في الحكم. حيث نصّب الطاغية بالتالي “فتية شيكاغو” (هناك خلل في الترتيب) أولئك الاقتصاديين الذين تدرّبوا في جامعة شيكاغو على إعادة هيكلة اقتصاد تشيلي. تأمّلْ التخريب الاقتصادي والتعذيب والمُختطفين وتضاعُف أعداد القتلى، وسوف ترى كم كان مخرِّبا الحادي عشر من سبتمبر الأول .

امتيازٌ يُثمرُ فُرَصا، وفرصةٌ تهَبُ المسؤوليات .

كان الهدف من الانقلاب، بكلمات إدارة (نيكسون)، هو قتْل “الفيروس” الذي يمكنه أنْ يشجِّع كل هؤلاء الغرباء (الذين هم) بعيدون عن إكراهاتنا من خلال تولي أمر السلطة على مواردهم وأكثر من ذلك بهدف ملاحقة التطوّر المستقل بموازاة الخطوط التي لا رغبة فيها من قِبَل واشنطن. كانت نتيجة مجلس الأمن الوطني الخاص بـ(نيكسون) التي في خلفية هذا القرار أنه إنْ لم تستطع الولايات المتحدة إخضاع أميركا اللاتينية للرقابة، فإنه ليس من المتوقع أنْ تحقق نجاح النظام في أي مكان آخر في العالم. ومصداقية واشنطن، كما وضعها (هنري كيسنجر)، سوف تتقوّض .

ليس الحادي عشر من سبتمبر الأول شبيهاً بالثاني، فهو لم يغيّر العالم. فهو لم يكن “شيئا -يُذكر قياساً- بنتيجته العظيمة جدا” بهذا طمأن (كيسنجر) قائده بعد عدد من الأيام التالية. والحكم من خلال الكيفية التي يبدو عليها الأمر في التاريخ المألوف هي بكلمات يمكن أن تكون مغلوطة بصعوبة، مع أنّ الناجين يمكن لهم أن يروا المسألة على نحو مختلف .

أحداث النتيجة الفقيرة هذه لم تقتصر على الفريق العسكري الذي قضى على الديمقراطية التشيلية وكذلك على توجيه حركة الترويع التي تلت، فمثلما ناقشنا قُبيْل الآن، كان الحادي عشر من سبتمبر الأول دورا واحدا فقط في الدراما التي بدأت العام 1962 عندما غيَّر (كينيدي) من مهمة الجيوش الأميركية اللاتينية إلى “الأمن الداخلي”، والعاقبة المدمرّة هي أيضا لنتيجة فقيرة، فالنموذج المألوف هو حين يكون التاريخ قد تمّ إخضاعه للرقابة بواسطة مثقفين ذوي مسؤولية .

ويختتم مقالته قائلًا:

يبدو من خلال التاريخ العالمي أن المفكرين التقليديين -الذين يدعمون الأهداف الرسمية ويتجاهلون أو يبررون الجرائم الرسمية- مُكرّمون ويحظون بامتيازات في مجتمعاتهم، بينما أولئك الذين ينظرون إلى القيم مُعاقبون بطريقةٍ أو بأخرى. وهذا النموذج من المعاملة يعود بنا إلى السجلات القديمة. كان قد اُتهم رجلٌ فيما مضى بإفساد شباب أثينا الذين يتعاطون الشوكران السام، بنفس الاتهامات التي اُتهم بها (دريفوساردس) “بإفساد النفوس والمجتمع ككل” واُتهم كذلك المفكرين الذين ينظرون إلى القيم في الستينيات بالتأثير على الشباب.

تجد في التوراة أن هناك شخصيات وفق المعايير المعاصرة للمفكرين المُنشقين، وبحسب الترجمة الإنجليزية للتوراة فإن هؤلاء المُفكرين كانوا يُدعون “بالأنبياء”. لقد أحرج أولئك الأنبياء الجيوسياسية التي كانت تعيش أوقاتاً حرجة وذلك من خلال إدانتهم لجرائم الأقوياء ودعوتهم للعدالة والاهتمام بالفقراء ونبذ المعاناة. استنكر الملك آهاب (أكثر الملوك شراً) النبيَّ إيليا بوصفه عدواً لإسرائيل، كما هو الحال مع “كاره اليهود” أو “معادي أمريكا” في العصر الحديث. عومل الأنبياء معاملةً قاسية، وذلك على عكس المُتزلفين في المحاكم الذين أُدينوا فيما بعد بأنهم دجالون. يعد هذا النمط نمطاً غير مفهوماً، بل سيكون غريباً لو كان مفهوماً.

أما بخصوص مسؤوليّة المفكرين، فلا يبدو لي الأمر أن هناك أمراً وراء الحقائق البسيطة. عادةً ما تكون هناك امتيازات للمفكرين -وثمّة ملاحظة بسيطة بخصوص إطلاق هذا اللقب عليهم-.

تُعطي هذه الامتيازات فُرصاً، وتُنتج الفرصُ مسؤوليات. والفرد حينها يُصبح مسؤولاً.

جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت

جيمس كانون
جيمس باتريك كانون (1890-1974)، كان أمريكيًا تروتسكيًا، كما كان زعيمًا لحزب العمال الاشتراكي في الولايات المتحدة.
في عام 1951 نشر (جيمس كانون) مقالة، إثر حادثة وقعت في حلبة الملاكمة. حيث حُمل الملاكم (نيك بلاكويل) من الحلبة إلى الإسعاف، بعدما أقر طبيب الحلبة في الجولة العاشرة بعدم قدرة (بلاكويل) على الرؤية، للتورم الشديد حول عينيه. مما جعل (كانون) ينشر مقالته التي حملت عنوان “جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت”. نقدمها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.

سنبدأ مباشرة بهذا الخير، متى ستصبح هذه الحقائق في الواجهة، لماذا تظهر متأخرا بعد أن تصبح هذه الحقائق اقل أهميةً ؟!
هذه الشخصية في هذه القصة أو بالأحرى التي كانت تدور حولها القصة هو (جورجي فلوريس). يبلغ من العمر 20 عاما مصارع متوسط الوزن من بروكلين.
في التاسع والعشرون من أغسطس، (جورجي) أطيح به من قبل خصمه (روجر دونوغو) بالضربة القاضية في مباراة نصف النهائي بحلبة ماديسون.
سقط مغشياً عليه في غرفة الملابس بعد دقائق من خروجه كمغلوب في هذه المواجهة. وتوفي بعد ذلك بخمسة أيام في المستشفى دون أن يستعيد وعيه.
بموت (جورجي)، ترك ورائه زوجته (الين) ذات الثمانية عشر عاما ورضيع في شهره الأول لن يعرف (جورجي) أبداُ .
معلومة فنية ذكرها خبراء الصف الأول بالقرب من الحلبة “كانت ضربة قاضية وخاطفة وحادة والتي أسقطت الملاكم الشاب أرضاً بعد 46 ثانية من بداية الشوط الثامن والأخير من المباراة. ضرب رأسه بعد ذلك بشدة في أحدى الألواح المسطحة بحسب كلام الحكم والتي كانت سبباٌ في وفاته”.
ذكر الأطباء بعد ذلك في تقريرهم عن سبب الوفاة أن دماغ (جورجي) نزف نتيجة للأوعية الدموية الممزقة بفعل الضربة، ولم تنجح العمليات الجراحية التي تم إجرائها لإنقاذه، وقد قضى ساعاته الأخيرة على أجهزة التنفس الصناعية.
(جورجي فلوريس) لم يمت بالشيخوخة أو إحدى الأمراض المستعصية أو بمحاولة الانتحار، لقد قُتل .. نعم قُتل.
إذا كنت تريد أن تعرف الحقيقة كما هي، (جورجي) ليس أول من يموت بهذه الطريقة، الموت المفاجئ هو أحد المخاطر المهنية لرياضة الملاكمة التجارية، ستة ملاكمين قُتلوا في الولايات المتحدة و في نفس العام، هذا إذا كنت تحصي فقط أولئك الذين لقوا حتفهم في حينها أو بعد ذلك بعد فترة قصيرة جداً نتيجة للضربات الحادة في الحلبة.
وهذا الرقم سيكون أكبر من ذلك بكثير إذا ما شمل أولئك الذين تلقوا ضربات موجعة والتي كانت سبباً في انخفاض حاد بمتوسط أعمارهم نتيجةٌ لهذا العمل المروع، والتي يصفها الحمقى أو الساخرين باسم “الرياضة” أو “اللعبة” وأن هذا يحدث في كل الأوقات.
وكقاعدة عامة، حوادث القتل في مبارزات الملاكمة لا يسلط عليها الضوء ولا يأتي ذكرها إلا بفقرات إخبارية قليلة، وباقة زهور من الغوغائيين القتلة مع مبلغ صغير يصل لأرملة القتيل.
القتلى لا يقولون الحكايات، لكن أحياناً كما هو معروف، ذكرى ما فعلوه أو الطريقة التي ماتوا بها تمارس سلطة على الأحياء مما يؤثر على قراراتهم وأفعالهم.
استمرار تأثير الرجال العظماء لا جدال فيه ولو لوهلة، و في لحظة استثنائية يتحدث (جورجي فلوريس) من القبر، الملاكم الشاب الذي قُتل في حلبة حديقة ماديسون حديثاً، ألقى بظلاله الطويلة على نزال (توربين) و(روبينسون) لبطولة الوزن المتوسط في حلبة حديقة بولو الأربعاء المنصرم والتي على الأرجح يكون فيها نصيب المنتصر منهما مليون دولار.
(تروبين) كان في وضع حرج، لكنه لم يخرج عندما أوقف الحكم المباراة قبل نهاية الجولة العاشرة بثمانية ثواني من النزال المقرر له أن يكون من خمسة عشر جولة، الحكم في الوقت نفسه أعطى قراره لصالح (روبنسون) بفوزه باللكمة القاضية.
ولكن فوز (روبنسون) في هذا النزال بجدارة هو محل شك كبير، النزال كان مستمراً حتى الجولة العاشرة و(روبنسون) كان ينزف كخنزير من جرح على عينه، و(تروبين) كانت لديه قدرة تحمل بسبب صغر سنه والذي كان يزيد من فرصه، وأستطاع أن يسترد جزء من عافيته خلال الاستراحة بين الجولات والأخذ بزمام الأمور من هناك.
أحتج (توربين) ومدير أعماله على إجراء الحكم بناءً على ما سبق، والأدلة اللاحقة على ما يبدو أنها تدعم حجتهم، (تروبين) ووفقاٌ لكل التقارير كان أكثر نشاطاً و قوة من (روبنسون) بعد نهاية النزال.
كانت مقتل (جورجي فلوريس) الوفاة الأكثر مفاجئةً ومأساوية والأكثر تأثيرا لمجرد تسعة أيام فقط، هذا كل شيء، لكن هذا التأثير أستمر بما يكفي للتأثير على القرار في مباراة (تروبين) و(روبنسون)، وقد أثمر هذا التوتر إلى هدوء أو توقف مؤقت – لم يأخذ وقتاً طويلاً – وعدد من المقترحات المتعلقة بإمكانية تحسين وضع المراقبة في جولات الملاكمة في المستقبل وبعض القواعد والأنظمة الأكثر تفصيلاً التي أطلق عليها حاكم ديوي في كلمته بـ“الاحتياطات” والتي قد تبقي الملاكمين بعيداً عن الإصابة عندما يتعرضون للضرب، بعدها أصداء هذه الضجة التي أثيرت تضاءلت بعيدا و عادت الملاكمة إلى وضعها الطبيعي والى طريقتها المعتادة.
ومما يقال تعليقاً على هذا الوقت و البيئة الاجتماعية ومن بينها أعمال الملاكمة أنها تنبت وترتفع كزهرة سامة من بين الروث، لأنه لا أحد خرج للعلن وطالب بتجريم أعمال الملاكمة أو حضرها، كما تم في معظم الدول مطلع القرن الحالي.
مصارعة الديكة أمر غير قانوني؛ من غير الإنساني وضع اثنين من الديكة في حفرة وحثهم على مصارعة بعضهم حتى مقتل أحدهم في الأخر، ومن المخالف للقانون وضع اثنين من الكلاب في حفرة للقتال من أجل الرهانات، لكن حضارتنا و منذ أن بدأت لم تصل بعد للنقطة التي يمنع فيها القانون الرجال الذين لا يحمل احدهم ضغينة للاخر من القتال لأجل المال والتسلية، هذا المشهد هو جزء من أسلوبنا او ثقافتنا في الحياة.
“الاحتياطات” التي تم الدعوة لها خلال ما كانت الأجواء ملتهبة بعد مقتل (جورجي فلوريس)، خفت وتيرتها إلى بعض الاقتراحات العبثية أن الملاكمة ليست مجرد نزال بين المتصارعين، لأنهم سيحتاجون للتدريب ودخول الحلبة في حالة جيدة، وأن قفازات الملاكمين وألواح الحلبة يجب أن تكون مبطنة قليلاٌ، وأن على كل ملاكم فحص رأسه بالأشعة السينية قبيل كل مباراة لمعرفة إذا ما كان يعاني من إصابات مسبقة في الدماغ.
يقول الدكتور (فرانك فيرليانو) لـ(ميلتون غروس) الكاتب الرياضي في نيويورك بوست: “الملاكمة ستكون رياضة أمنة، إذا تم الالتزام بهذه اللوائح أو الاحتياطات”. الدكتور بالطبع يتحدث عبر قبعته!
“الاحتياطات” التي من المفترض أن تعتني بكل شيء، في الواقع هي لا تعتني باي شيء، لأنه عندما تكون داخل حبال الحلبة، رأسك سيكون الهدف لكل اللكمات، وليس هناك من طريقة كي تكون في مأمن منها، كما قال الجندي عندما سُئل لماذا هرب من الخطوط الأمامية: “قد تُصاب هناك، بضربات على الرأس لا يخرج منها أي شخص بخير، و إذا كان هناك أي شخص وجد خيراً في ذلك، فنحن لم نسمع عنه حتى الآن”. جوائز رياضة الملاكمة تذهب حصراً للمتفرجين و المدراء ومروجي هذه الرياضة.
يشهد على ذلك (جو لويس) عندما سأله أحد المراسلين في المؤتمر الصحفي الذي تخلى فيه عن لقبه الرياضي في المصارعة كي يتحول لمقدم.
الصحفي يسأل قائلا: “جو ما الذي تظنه الأفضل لك؟ جو المصارع أو جو المقدم؟!”
يجيب (جو) بكلمات قليلة قائلا: “أنا أفضل التقديم”.
يسأل الصحفي مرة أخرى: “لماذا، هل بالإمكان شرح ذلك؟”
بالطبع يجيب جو: “لأنه لا يمكن ضربك عندما تصبح مقدماٌ”.
هذه الكلمات تنتمي إلى سفر الأمثال .

[المصدر]

 

أناييس نن، ومعنى الفرح المراوغ

 

أناييس نن

أناييس نن (1903 – 1977). مؤلفة أمريكية بأصول إسبانية-كوبية. وقد قضت بعض من عمرها في إسبانيا وكوبا ولكنها عاشت معظم حياتها في الولايات المتحدة حيث أصبحت هناك مؤلفة معترف بها. ولقد ألفت يوميات استمرت لاكثر من ستين بدءا من أن كان عمرها أحد عشر عاما، وانتهائا قبل مماتها بفترة وجيزة. وقد نشرت أيضا روايات و دراسات نقدية و مقالات و قصص قصيرة.


من أولى وأشهر كتب يومياتها، بين عام (1939-1947) تلك النسخة المبكرة، من الكاتبة التي بدأت في الكتابة بعمر الحادية عشرة فقط، من تلك المذكرة التي طال انتظارها، من المجلدين؛ (الثالث، والرابع)، والتي  تتحرر فيها وتجيب عن غرابتها القديمة، رغباتها وحياتها مع الأصدقاء الحميمين، وقصة انتهاء علاقتها مع الكاتب (هنري ميللر) وما دور الأدباء الشباب في حياتها وقتها. من كل ذلك أخترت لكم ذلك المقطع الصغير، والمتأمل بخصوص، “طبيعة الفرح، والبهجة المراوغة”، والتي كانت كتبتها في ديسمبر من عام 1939، وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أثرت بعمق، في حياة” نن” النفسية، وتخللت عاطفتها:

مراراً، وتكراراً، ما زلتُ أبحر نحو البهجة والفرح. ذلك الشعور الذي لم يكن أبداً في غرفة ما، ومعي وحدي، ولكنه دائماً بالقرب مني، عبر الطرقات في الخارج، مثل تلك الغرف المليئة بالفرح عنما أراها من الشارع، أو ذلك الفرح في الشارع عندما أراه من النافذة.

حسناً. هل يمكنني أن أصل لتلك الفَرحة؟ إنها تتخفى خلف سفر، وتجوال ألعاب السيرك المتنقل. ولكن سرعان مأ أقترب منهم، فإنها لا تعود.

هل يكون الفرح هو الرغوة المتطايرة، والإضاءة من بعيد؟

كم أنا في حاجة، وجوع للنيل منه؛ كنتُ عندما أرقص؛ يكون هو وكأنه في حديقة عصية الوصول. وعندما أكون في الحديقة العامة؛ كنتُ أسمع تفجره من المنازل. وعندما أسافر؛ كنتُ أراه مثل الشفق القطبي، مستقراً في الأرض التي غادرتها للتو.

أين هو؟ عندما أقف على الشاطئ؛ كنتُ أراه يرفرف ويزهر على رايات السفن المغادرة.

ما هو الفَرح؟

آلم أشعر به أبداً؟

أريد فرحة الألوان البسيطة، أريد فرحة مرافق الشارع العامة، أريد لافتاته، وإعلاناته.

لا أريد ذلك الفرح، الذي يأخذ أنفاسي جانباً، ويلقيني نحو فضاء وحدتي، حيث لا أحد سيتشارك هواء رئتي.

لا أريد تلك الفَرحة التي تأتي من ممارسة شربي وحيدة.

لا أريدها.

هناك الكثير من الفَرح. ولكني لا أعرف إلا تلك الفّرحة، تلك التي ربما ستأتي كمعجزة، وتضيئ كل ما حولها.

وتِلك بالذات كانت هي الفَرحة التي تخيلتها (نن) كمعجزة، وعاشتها أخيراً، عندما وصلت  أنباء عن انتهاء الحرب.


[المصدر