أرشيف الوسم: ضحايا الحضارة الغربية

د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.

جون كرايتون، والكتاب الغربي للموتى

نشر (جون و. كرايتون) الكتاب الغربي للموتى على جريدة سريّة أمريكية في ستينات القرن الماضي. في السبعينات قامت مطبعة (انتر فارسيتي) بنشر هذا الكتاب مرات عدة. أعيد طبع هذا الكتاب في نسخته الثانية في عام 2002 من قبل المطبعة ذاتها. ظهر اسم الكتاب كعنوان للحلقة الأولى من الموسم الثاني للمسلسل الأمريكي (True Detective) من كتابة الروائي والسيناريست الأمريكي (نك بيزولاتو).

التالي هو نص الكتاب مترجماً بالكامل، وبشكل حصري، إلى اللغة العربية :

الفصل الأول

في البداية – ، قبل البداية يمكن القول– لم يكون يوجد شيء. والمادة أتت من لاشيء. والمادة كانت فوضى.

الفصل الثاني

بشكل غريب، وبلا سبب أي كان، الفوضى بدأت في التحول. البساطة ولّدت التعقيد، العشوائية ولّدت النظام، والأكثر غرابة من كل شيء، المادة الجامدة أصبحت مادةً عضوية.

الفصل الثالث

العديد، العديد، العديد من السنوات مرت وكان ذلك بالصدفة تماماً، المادة العضوية تطورت في إتجاه غريب. أصبحت أكثر وأكثر تعقيداً، وثم بلا سبب ظاهر مطلقاً، أصبحت واعية بذاتها. سُميت بالعقل الواعي وأعطت لنفسها اسماً وذاك الاسم كان (إنسان).

الفصل الرابع

الآن الإنسان المجهّز بالعقل وجدَ أن العقل يلعب ألعاب غريبة عليه. وجدَ أنه بدلاً من تقبل نفسه كجزءٍ من المادة، كان لديه هذا الإشتياق بأن يكون ذا أهمية، رغبةً في أن يعيش لهدف. وبدلاً من أن تُحكمَ حياته بالفرصة العمياء، أراد أن يوجه شؤونه الخاصة بنفسه. وجدَ أيضاً أن هنالك حالة وجودٍ مُرضيّة كلياً وقام بتسميتها باسم (الحب).

الفصل الخامس

استمر الإنسان في البحث عن سبب ومعنى، وبعد فترة إشاعات غريبة بدأت في الانتشار – إشاعات تتحدث عن خالق – الرب الذي كان هو الحب، الذي خلق الإنسان على صورته. الكثير من الناس صدقوا هذه الإشاعات. لقد أعطت معنى لحياتهم. أخبرتهم هذه الإشاعات أن العالم لم يكن بلا معنى في نهاية الأمر. ومُلَهمين بالأمل بدأ هؤلاء المؤمنون بالكتابة، الرسم، والنحت. بعضٌ من هؤلاء الحرفيين كانوا موهوبين للغاية. بدوا كأنهم يُجسدون توق وطموحات كل البشر. اُعطيّ اسم لكل هذه القطع الحرفية المميزة، وهذا الاسم كان الفن. والناس الذين كتبوها، رسموها، أو نحتوها سَمُّوهم الفنانين. وكل فنهم كان يقول: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السادس

اُشيع أيضاً أن ابن الحب أصبح رجلاً، وعلّم الناس كيفية العيش، ثم مات. أسطورة تقول أن ابن الحب عاد من الموت ثم اختفى في غيمة. في بعض أنحاء العالم الغربي، المؤمنون بهذه الأسطورة يقومون بنشر صورة  مؤثرة جداً من الرسالة: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السابع

وُجدت هذه الحالة لعدة سنوات، لكن الإنسان أصبح قلقاً مع الوقت. هل كان ذلك حقاً؟ هل خُلق الإنسان من الحب؟ لماذا علينا أن نُؤمن بإشاعة؟ هل استعمل أي أحد منا منطقه – وهي حالة نشاط مميزة جداً للعقل أتبتت أنها ناجحة في فهم المادة – ليعرف إن كانت هذه الإشاعة حقيقية؟ هل تطابقت الإشاعة مع ما كان حقيقياً حقاً؟  ثم بدأ تحقيق شامل واستمر لعدة سنوات.

الفصل الثامن

بعد عصر من التحقيق توصل الإنسان إلى عدة استنتاجات:

(1) الإشاعات كانت بالتأكيد خاطئة. وجد المنطق أنه لا يوجد أي دليل لتأكيد فرضية وجود الرب. الرب، كما قالوا، كان نتيجة أحلام يقظة توّاقة، من تلفيق الخيال – الذي كان انحرافاً مبكراً لعقل الإنسان البدائي، الذي هو الآن في سعادة كبيرة  كونه محكوم بالمنطق. ولو كانت إشاعة وجود الرب خاطئة، إذاً بالتأكيد الإشاعة المعقدة عن ابنه خاطئة أيضاً.

(2) الإنسان لم يكن كائناً سامياً هاماً. لقد كان على العكس من ذلك، لا أهمية له على الاطلاق – مجرد ناتج معقد من السبب والثأثير. قطعة لا معنى لها من المادة على قطعة أكبر من المادة لكن ذا أهمية تُدعى الأرض. لقد بزغَ الرجل من وحل بدائي ولم يكن لا أكثر ولا أقل من ذلك.

الفصل التاسع

في البداية لم يتغير أي شيء. لكن بعد مرور بعض السنوات لاحظ بعض الرجال الحكماء الفرق. الموسيقى لم تعد كما هي، الرسم لم يعد يبدو كما هو عليه، والكتب لم تعد تُقرأ بذات الطريقة. بعض الناس بدؤوا يشتكون، لكن الفنانين – الذين كانوا دائمين ناس صادقين شفافّين – قالوا ببساطة : “نحن نُؤول الواقع لكم. يجب عليكم ألا تُعطوا لأنفسكم أي أهوآء. أنتم لاشيء. أنتم مجرد بروتوبلازم واعي بعض الشيء ومحكوم عليه بالموت على هذا الكوكب.”

بعد هذا، توقفت الجماعة النقدية عن الانتقاد وبدؤوا يقولون كيف أن هذا الفن الجديد جميلٌ حقاً. لم يريدوا أن يستعملوا كلمة “جمال” لأن الجميع كان يعلم أنها لا تعني أي شيء، لكنها كانت موجودة منذ مدة طويلة، لماذا لا يتم استعمالها إذاً على أية حال؟

الفصل العاشر

بعدها أيضاً، لاحظَ بعض الرجال الحكماء تغيرات في تصرفات بعض الرجال والنساء. في مرة كانوا يحبون بعضهم البعض. وكان يُعتقد أن حبهم انعكاس للحب الذي كان هو الرب. لكن الآن لم يوجد إلا الجنس –  مجرد ارتباط لحظي. والعائلات بدأن  في الاندثار والأطفال بقوا لوحدهم تحت نزوات المحاكم. والناس سموا تلك الارتباطات بالحب بالرغم من أنهم كانوا يعرفون أن الكلمة لا تعني أي شيء.

الفصل الحادي عشر

كل أنواع العواقب المروعة حلت بعد ذلك. بعض الناس قالوا، “لو كان الإنسان فقط مجرد ألة عالقة في آلية الطبيعة الضخمة، لماذا لا نعامله على هذا الأساس؟” وهكذا بدأ المتلاعبون في العمل واستخدموا الناس كمجرد أغراض من الطبيعة. ومن ثم أتى نظام فعّال للغاية يُدعى يوتوبيا، وسُميَّ شاغلو هذا النظام بـ”النيكروفيليس” [1]. بالطبع لم يكن الأمر جديداً حقاً، حيث أن المتلاعبين أخذوا نموذجهم من “النمل”، جماعة من الكائنات الحية التي عاشت في سنوات ماضية في حالة نظامية مثالية. مجموعة آخرى من الناس قاوموا اليوتوبيا. قالوا، “بالرغم من كل ما أثبتته ذلك المنطق، نحن سنظل نؤمن أن توقنا وطموحنا لهما معنى.” لذا حاولوا نسيان يأسهم (وهو شعور يشعر به الإنسان عندما يريد أن يتحلى بالأمل وكان يتحلى بالأمل رغم معرفته أن الأمر بلا جدوي) عن طريق أخذ المواد الكيمائية والتصرف مثل الحيوانات، والعيش فقط للحظات متعاقبة والمحاولة بكل جهد يملكون جعل هذه اللحظات مليئة باللذة.

معظمهم اُنهكوا بعد فترة وهم يلعبون هذه الألعاب  وبدؤوا يتخلصون من أنفسهم بطرق مختلفة. بعضهم ذهب للموت، بعضهم إلى سايكيدليا [2] (بلد جميل بمناظر طبيعية مُشبعة بالسينستيسيا) [3]، وبعضهم إلى النيرفانا [4]. وبعضهم ذهب حتى إلى اليوتوبيا. وهكذا إذاً تم تقديس الهراء على حساب المعنى (سموا ذلك العبث). هُجِرَ المنطق – لأنه كما ترى، لم يكن باستطاعته إعطاء أجوبة على الأسئلة الكبيرة جداً بعد كل شيء. فحلَّ في مكانه اللامنطق (سموا ذلك اللاعقلانية). والأخلاق هُجِرَت  – لأنهم اعتبروا أن تلك القدرة على التمييز بين الشيء الجيد والشيء السيء مجرد مسألة ذوق أو هوى. الشيء الجيد والشيء السيء كانا في يوم ما ذائعيّ الصيت، لكن ذلك كان في الوقت التي كانت فيه إشاعات وجود الرب ذائعة الصيت أيضاً. الشيء الجيد كان شخصية الرب المقدسة وكان يجب اطاعتها. الشيء السيء كان عدم الاطاعة أو الثورة على الشيء الجيد. لكن الشيء الجيد والشيء السيء رحلا مع المنطق والرب. والآن لم تعد توجد أية مأساة –  فقط البؤس.

الفصل الثاني عشر

وهكذا توقف الإنسان عن كونه إنسان – عقلاني، مخلوق أخلاقي، كائن حي تفوّق ذات مرة على سببيّة الطبيعة. بدلاً من ذلك أصبح بلا معنى،مبهم كألة ما مصنوعة من المادة. حتى من المتلاعبين الذي تحكموا في اليوتوبيا توقفوا عن كونهم رجالاً بالمعنى القديم للكلمة.  وبعد أن أنكروا رجوليتهم لمدة طويلة، فقدوها في النهاية، وهكذا أصبحوا أكثر الحيوانات ترعيباً على سطح الأرض.

ملحق

الإشاعات القديمة ما تزال مستمرة – موجودة في المناطق النائية وفي جيوب المعارضة في اليوتوبيا – أن الحب حقيقة. البعض مازال يقول أن الإنسان حقيقة. لكن هؤلاء هم ذاتم الذين يقولون أن الإنسان لم يمت أبداً في الحقيقة، وحتى أن الإنسان القديم مازال على قيد الحياة (بعضٌ منهم، والبعض الأخر لا) وأنه يعيش في العالم الآخر. يتم قمع هذه الإشاعات أينما توجد.

Continue Reading →

الجابري، عن صراع الحضارة الغربية مع نتاجها

محمد عابد الجابري

محمد عابد الجابري: مفكر وفيلسوف عربي من المغرب، له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها (نقد العقل العربي) الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار”.

في كتاب (الإسلام و الغرب)، و الذي ضم محموعة مختارة من مقالات نشرت في مجلة فكر و نقد، المجلة الثقافية التي تصدر في المغرب ، يرأس تحريرها د.محمد عابد الجابري، بمشاركة نخبة من المفكرين. تم إيراد هذه المقالة التي نُشرت في السنة 5, العدد 43 ( تشرين الثاني/ نوفمبر 2001 ) لمحمد الجابري عن الحضارة الغربية و نتاجها فقال:

ليس هناك صراع حضارات، هناك صراع بين الحضارة الغربية مع نتاجها.

و الظاهرة التي نشاهدها اليوم كظاهرة عالمية ليست عالمية إسلامية، بل هي عالمية بمعنى أنها تابعة لعالمية العولمة أو الإمبريالية، و بعبارة أعم تابعة للتاريخ العالمي للحضارة الغربية. و ماسيحدث في هذا الإطار، هو من مخلفات الحرب الباردة.

ماحصل هو أنهم عمّقوا الـ(لا عدل)، الذي هو الظلم، فكان لابد أن ينقلب هذا إلى ما انقلب إليه. و القضية ليست قضية دين أو ذاك، بل هي قية وضعية تجعل الإنسان ينظر إلى العقيدة أو الدين من وجهة نظر خاصة. ليست العقيدة هي التي تصنع الناس (فتجعل من هذا “إرهابياً” و من ذاك “مسالماً“) بل إن وضعية الإنسان هي التي تدفعه إلى اختيار نمط معين من الفهم للعقيدة و للتاريخ.

–    العنف و الإرهاب في قنوات التلفزة، ولو أنه غير مباشر فهو مؤثر و متواصل! الحضارة الغربية الآن هي حضارة تحدَّ، لايهمها إلا الاستهلاك!

ووسائل الاعلام أصبحت وسائل لنشر الاستهلاك، هي لاتنتج المعرفة و إنما توزع و تنشر نوعاً خاصاً من المعرفة، و في هذا كله علاقة قوى غير متكافئة.

من أين تأتي العدميّة؟ نانسي هيوستن تجيب

Subjet: HUSTON Nancy - Credit: John FOLEY/Opale - Date: 20060524 - Ref: HUSTONn_OpalJF_23142_04 - Agence Opale - 8, rue Charlot - 75003 Paris - France - Tel:+331.40.29.93.33 - Fax: +331.42.74.20.25 - contact@agence-opale.com - www.agence-opale.com

في كتابها (أساتذة اليأس) كتبت (نانسي هيوستن)، الكاتبة الفرنسية الكندية، عن النزعة العدميّة في الأدب الأوروبي. تقول (هيوستن) في ذلك:

تطوّر الفكر الأوروبي منذ قرنين من الزمان في اتجاهين متضادّين ظاهرياً:

  • الطوباية l’utopism
  • و العدميّة le nihlisme ؛ الموقف الثوري و الموقف الكلبيّ cynique

تيّار “الخيار هو” و تيّار “ما من خيار“.
و يرى الطوباويّون أنه إذا قيّض للمرء أن يكون مثقفاً فإن عليه أن يضع ذكاءه في خدمة الثورة من أجل عالم أفضل. أما العدميّون فيرون أنه نظراً لأن كل أفعال الإنسان عبثية و أن كلّ الآمال محكومة بالفشل فقد يكون من الأجدر الانتحار على الفور، و إلا فالحل هو اللجوء إلى الكتابة. الجماعة الأولى تتشبّث ببناء المستقبل المشرق، فيما تُصر الجماعة الثانية على أن تقذف بنا مباشرة إلى الظلمات. أولئك يقولون: لابد من تكسير البيض كي نصنع العجّة و هؤلاء يُؤكدون ألا شيء يستحق العناء، لا البيض و لا العجّة، إذ لا أحد يشعر بالجوع أصلاً. نحن، هنا أمام بنية واحدة و الحقيقة أن ثمّة تواطؤاً وتكاملاً بين الموقفين، و سواءً تأسّسا على ” الكلّ” أم على ” اللاشيء“، فإن السبب المهمّ و الأكبر في نجاحها لدى الجمهور هو طبيعتهما “المطلقة”

إن المعاني المتخلفة لكلمة ” العدميّة ” ذاتها توضّح الصلة بين هذين الضدّين، ففي روسيا القرن التاسع عشر لم تكن الكلمة تشير إلى اليائسين الذين ماعادوا يكترثون لشيء، بل إلى الراديكاليّين الذين كانت عقيدتهم تتمثّل في سؤال (تشيرنيشفسكي): “مالعمل؟”
و كان خصمهم العنيد هو (فيدور دوستويفسكي). كان صاحب “يوميات في منزل الأموات” ثورياً في شبابه و لم يكن بوسعه كما يقول كاتب سيرته (جوزيف فرانك)، إلا أن يرتجف و هو يرى “الشباب المثاليّين، أصحاب القلوب البريئة، يسلكون الطريق الخطير الذي كان قد قاده إلى سيبيريا. لم يكن ليستطيع أن يشاهد، بلا ردّة فعل، تسابق كلّ أولئك الشباب نحو الكارثة و هم يرقصون بكلّ مافيهم من حماس و إخلاص على أنغام ناي العدميّة الساحر“.

و لهذا تُفضّل هيوستن – في معظم الأحيان – استبدال كلمة “عدميّ” بالكلمات:

سلبيّ negativiste، تدميري neantiste ، melanomane ، لوصف مذهب أساتذة اليأس الحديثين.

هيوستن لا ترى أن الأدب ينبغي له أن يكون مرِحاً، بهيجاً، و مفعماً بالأمل بالطّبع و في ذلك تقول:

إنّ الفن في حدّ ذاته، و ربما الأدب بوجه خاص، رفضُ للعالم القائم، و تعبيرُ عن النقصان و عن قلق الوجود. إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم و يعشقون الحياة عموماً و يرضون عن حياتهم خصوصاً لا يحتاجون أبداً لاختراع عالم وازٍ عن طريق الكلمات. كما يُمكن وصف الكثير من الروايات المعاصِرة – و من بينها روايات، كثيراً ماقيل لي ذلك – بأنها قاتمة و متشائمة و سوداء أو مثبّطة للعزيمة، دون أن تكون قد ارتكزَت على مسلّمات العدميّة.

و هذه المسلّمات هي باختصار:

1. النخبويّة و الأنانَة solipsisme.

2. الاشمئزاز من الأنثويّ الذي يمثل الوجود الجسدي و الحسيّ.

3. احتقار الحياة الأرضية.

و من ثمّ جاء عصر الأنوار les Lumieres وانقلبت البنى السياسية و الدينيّة التي كانت قد طمأنت، في المجتمعات التقليدية، كل فرد على موقعه في هذا العالم … و لكن لسوء الحظ، ساءت الأمور عوض أن تتحسّن، وانهار ذلك الأمل بدوره مع فضل ثورة 1848. عندها، شهدنا مع فلوبير و بودلير ( كلاهما ولد في العام 1821 و بلغ سنّ النضج مع منتصف القرن )، ولادة العدميّة الحديثة. و لعل قصيدة بودلير ” الهاوية” تلخّص أروع تلخيص الأطروحات الأساسية لتلك الفلسفة و مطْلعها:

كان لباسكال هاويته التي تتنقّل معه.
– ياللأسف! كل شيء هاوية، الفعل والرغبة و الحلم
و الكلمات! و على شعر جسدي الذي يقف تماماً
أحسّ ريح الخوف تسري مرَات و مرَات
……

ثم سارت الأمور جميعها على نحو بدا فيه أن الحاجة إلى الاستقلالية السياسية التي كانت تبشر بها الحداثة قد انعكست على بنية الإنسان النفسية و الاجتماعية.

أقام الفلاسفة الأوروبيون كمثال للكائن البشري إنساناً مستوحداً، عقلانياً و مكتفياً بذاته autosuffisant.
و بدءًا من العام 1880 و مع النجاح المذهل لفلسفة (آرثر شوبنهاور)، استقرّت العدمية في الموقع الذي لم تغادره منذ ذلك الحين: موقع أقوى مدرسة فكريّة في أوروبا الغربيّة.
و في القرن العشرين، تسارع ” زوال سحر العالم” فلقد كشفت العلوم الحديثة – نظرية التطور، وعلم الجينات، وعلم الاجتماع و التحليل النفسي عن الدور الذي تلعبه قوىً لا سيطرة لنا عليها في التكوين النفسي لذواتنا الفردية العزيزة…

أمّا عن الحداثة فقالت:

لقد قلبت الحداثة المعطيات التي دامت لآلاف السنين. فوُلد المواطن و ماصحب ذلك من حقوق، و توسّع مفهوم الفرد تدريجياً و لكن على نحو حتميّ إلى أن شمل النسا و لعبيد و المستعمرين السابقين، وجاءت الثورة الصناعية، و المدرسة المجانيّة و الإلزاميّة و تطوّرت العلوم وتحسّنت أدوات البناء و طبعاً ( أدوات التدمير في الوقت نفسه ) …

و علاوةً على نزعة التحديث و تحرّر النساء، هنالك عامل ثالث حسَم ظهور التيار العدميّ في أوروبا الفرن العشرين، ألا وهو صدمة الحرب العالميّة الثانية.

لقد أدت المجازر؛ ذلك الإنتاج الصناعي للموت، بالضرورة إلى فكرة أن الحياة عبثية فمن المستحيل تأمل تلال من الجثث و مواصلة الشعور بالحماية من خلال فكرة وجود إله أو الإيمان بمصير فردي، أو معنى متعالٍ transcendante.
كان قد سبق لمذبحة الحرب العالمية الأولى المجنونة أن قادت في مجال الأدب إلى عدمية الدادائيين الساخطة، و إلى شتائم كاتب مثل سيلين و لكنها كانت حرباً؛ على الأقل إذ كان الأمر يتعلّق بمعارك، و إن كانت واسعة النطاق و طاحنة على نحو مأساوي مطلق.
أما في الحرب العالمية الثانية، فمع وصول الأنظمة التوتاليتارية و ماقامت به من مذابح لا سابق لها في التاريخ، و مع التدمير الجنوني لأرواح البشر، بالملايين لا بالآلاف و مع غرف الغاز و القنبلة الذرية و كوليما و أوشيفتز و هيروشيما و ناغازاكي، كفّ معظم الكتاب الأوروبيين عن الاعتقاد أن الأدي يمكن أن يساعد على فهم العالم و العيش فيه، و باتوا متشكّكين إزاء كل شيء، بدءاً من اللغة والسرد.
لقد أضرمت النازيّة ناراً في قلب أوروبا نفسها. وكانت نتيجة الثقافة الرفيعة – الكتب الجميلة، والإفكار الجميلة، والفنون الجميلة و المبادئ الرائعة- التي صيغت بكل أناة، عبر قرون طويلة، ذلك الرّعب.
وبدَت العدميّة التي كان من الممكن أن تبقى مجرّد موضة أدبيّة وفلسفيّة، للكثيرين، فجأة و كأنها حقيقة الشّرط الإنساني.

آلان باديو، بين الفلسفة والواقع

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه المشترك مع (سلافوي جيجك)، والذي حمل اسم (الفلسفة في الحاضر)، والذي كان عبارة عن محاضرة ألقاها في فيينا 2004، تحدث عن الفلسفة ومعانيها.

تساءل بداية، ملخصًا الأسئلة التي تدور حولها محاضرته: إلى أي حدٍّ تتدخل الفلسفة في الحاضر، في المسائل التاريخية والسياسية؟ وفي نهاية الأمر، ما هي طبيعة هذا التدخل؟ لمَ يجب استدعاء الفيلسوف للتدخل في مسائل تخصّ الحاضر؟

يقول بعد ذلك مبتدئًا حديثه عن فكرة الفيلسوف:

ثمة فكرة ابتدائية زائفة تحتاج الإلغاء، وهي أن بمقدرة الفيلسوف التحدث في كل شيء. تتمثل هذه الفكرة بفيلسوف التلفزيون؛ فهو يتحدث عن مشاكل المجتمع، ومشاكل الحاضر، وما إلى ذلك. لم هذه الفكرة زائفة؟ لأن الفيلسوف يُنشئ مشكلاته، هو مبتكر مشاكل، ولذلك فإنه ليس الشخص الذي يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلةً إثر أخرى، عن رأيه بما يجري. والفيلسوف الأصيل هو من يحدد بنفسه المشكلات الهامة، هو شخصٌ يطرح مشكلات جديدة أمام الجميع. فالفلسفة تعني أولًا وقبل كل شيء: ابتكار مشكلاتٍ جديدة. ويلي ذلك تدخل الفيلسوف في لحظةٍ ما في الوضع – سواء كان تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا، أو عشقيًا، أو علميًا .. – ثمة أشياء تتبدى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تحتم ابتكار مشكلة جديدة.

عند هذه النقطة يتساءل مرة أخرى: “ضمن أية شروط يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الإشارات لمشكلة جديدة، لفكرٍ جديد؟” ثم يتساءل مرة أخرى عن فكرة (الوضع الفلسفي)، فبين كل الأحداث بالعالم، فبعض الأمور قد يُطلق عليها هذا المسمى، وبعضها لا، فيسأل ثانية: “أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليًا، وضعًا فلسفيًا؟“.

يتشكل الوضع الفلسفي في اللحظة التي يتم فيها تفسير الخيار. خيار الوجود أو خيار الفكر.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى واجبات الفلسفة فيما يخص الأوضاع، فيقول:

بإمكاننا الآن تلخيص واجبات الفلسفة بما يخص الأوضاع.

أولًا، أن تلقي ضوءًا على الخيارات الجوهرية للفكر. وفي المرحلة الأخيرة، مثل هذه الخيارات تكون دومًا بين ما هو متأثر وما هو غير متأثر.

ثانيًا، أن تلقي ضوءًا على المسافة بين التفكير والسُلطة، بين حقائق الفكر والدولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا.

ثالثًا، أن تلقي ضوءًا على قيمة الاستثناء. قيمة الحدث. قيمة الانقطاع. وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفظ الاجتماعي.

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة؛ التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء. على الأقل إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، يجب أن تكون أكثر من مجرد فرع معرفي أكاديمي.

يقول بعد ذلك:

تخبرنا أعمق المفاهيم الفلسفية شيئًا كالآتي: “لو إردت لحياتك أن يكون لها معنى، عليك تقبل الحدث، عليك البقاء على مسافة من السلطة، وعليك أن تكون حازمًا في قرارك

ويتطرق بعد ذلك إلى دور الفلسفة وعلاقتها بالأحداث والوقائع، فيقول:

إذًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، التي هي الفكر، لا تترافق مع الموجود، بل مع ما هو ليس موجود، مهتمة بالعلاقات التي ليست علاقات.

قال (أفلاطون) مرةً إن الفلسفة إيقاظ. وكان يعلم يقينًا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعًا صعبًا مع النوم. بالنسبة لـ(أفلاطون) الآن، وفي أي وقت، الفلسفة هي الفهم من خلال الفكر عما سينقطع مع نوم الفكر. إذًا يحق لنا التفكير بأن الفلسفة يمكن أن تحدث في كل مرة توجد فيها علاقة قائمة على المفارقة، أي، علاقة هي ليست علاقة، وضعٌ يتضمن تمزقًا ما.

أنا أصر على هذه النقطة، ليس بسبب وجود “شيء” توجد الفلسفة. فالفلسفة ليست انعكاسًا لأي شيء مطلقًا. هناك فلسفة، ويمكن أن تكون هناك فلسفة، لأن ثمة علاقات مبنية على المفارقة، لأن ثمة انقطاعات، قرارات، مسافات، وأحداث.

ويختتم محاضرته بالحديث عن حالة الغربة التي تصاحب الفيلسوف، أو حالة الأجنَبَة، كما اختار تسميتها:

أعتقد بأن من المهم أن نفهم الآتي: يقوم الالتزام الفلسفي الأصيل، في أوضاع ما، بخلق أَجْنَبَة. في الحالة العامة، هي تكون أجنبية. وحين تكون عمومية ببساطة، حينما لا تمتلك تلك الأجنبة، حينما لا تكون مغمورة بهذه المفارقة، ستكون حينئذ التزامًا سياسيًا، التزامًا أيدلوجيًا، التزام مواطن، ولكنه ليس التزامًا فلسفيًا بالضرورة. فالالتزام الفلسفي يتحدد بأجنبته الداخلية.

فالفيلسوف غريبٌ دومًا، يرتدي أفكاره الجديدة. وهذا يعني بأن يطرح أفكارًا جديدة ومشاكل جديدة. وهو يكتسب المزيد من الحراب، في طرق الصمت. هذا يعني بأنه قادرٌ على جذب عدد كبير من الناس إلى هذه المشكلات الجديدة، لأنه أقنعهم بأن هذه المشكلات كونية. والأمر المهم هو أن أولئك الذين يخاطبون الفيلسوف مقتنعون، بداية، من خلال صمت الاقتناع وليس عبر بلاغة الخطاب.