أرشيف الوسم: طه حسين

اقتراح (بهاء طاهر) لتجديد الخطاب الثقافي

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي أورد فيها فصلًا عن الثقافة العربية وكيفية تجديد الخطاب الثقافي.

كانت آرائي صادمة.

أقول أنه لا يوجد خطاب ثقافي من الأساس، الخطاب يحتاج لمُرسل ومستقبِل؛ المرسل أصابه العطب، والمستقبل لم يعد موجودًا.

يتابع بعد ذلك:

كثيرًا ما أذكرهم بقصة (جان فالجان) لـ(فيكتور هوغو)، وأقول لو أن الثقافة في العموم مهتمة بأن تتحول المواقف الثقافية الكبرى لجزء من مناهج التعليم لتبدّل الحال، ولكانت الثقافة العربية تغيرت كثيرًا، لو تعلمنا منذ الصغر بشكل ملموس معاني العدالة والخير والمساواة، كان العالم بأسره سيتغير، فمن غير المؤثر أن نكتب عن هذه المعاني فقط، دون تطبيق حقيقي ومخلص، بل الأهم والمؤثر أكثر أن يعيش الصغار -الذين لهم حقّ علينا نحن الكبار- هذه القصص والمواقف الملهمة، ليس بالتلقين فحسب، وإنما بالمحاكاة.

علينا أن ننبذ الأفكار الجامدة من قبيل: “كل شيء على ما يرام .. نتعامل كأننا مثقفون .. كأننا ديموقراطيون .. كأننا لسنا لا متعصبين ولا عنصريين!”

أي آسف!

على الإعلام الحقيقي ووزارة التربية والتعليم والمختصين والنخبة التحرك حثيثًا لوضع مناهج وأطر جديدة فكرية، وإنقاذ الهوية الثقافية.

لا بدّ من البعد عن الإنساء، كفانا إنشاءً .. وأن نسعى لتطبيق جوهر الوعي الخالص في حياتنا الثقافية بشكل فاعل.

من حوالي ربع قرن تقريبًا، كتبت في جريدة (الليموند) الفرنسية جملة لا تُنسى: “الحكومة المصرية تتظاهر بأنها تمنح الموظفين مرتبات، وفي المقابل الموظفون يتظاهرون أنهم يعملون”. 

ينتقل بعد ذلك، (بهاء طاهر) إلى حالة التعليم والقراءة الحرة، فيقول:

بالطبع، أبسط الأحلام التي أتمنى تحقيقها، تغيير الخطاب الثقافي برمّته، هذا الخطاب المتكلّس، فما زلنا نتعامل مع الثقافة كأنها أمر شرفي، جوائز ومهرجانات واحتفالات ليس أكثر ولا أقل.

لكننا لم نفكر أبدًا كيف تتحول الثقافة إلى جزء من حياة المجتمع؟

أتذكر وأنا تلميذ في ثانوي أن د. (طه حسين) كان وزيرًا للمعارف، وكان من رأيه -وهذا ما كتبه في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) سنة 1937- أن القراءة الحرة ينبغي أن تكون بمثابة ثلث المناهج التعليمية على الأقل. 

تم بالفعل تطبيق هذا في العام والنصف الذي كان فيه وزيرًا، وقد وُزّعت علينا في المدارس كتب مجانية للقراءة فقط، وبفضل هذه التجربة بدأ أناس كثيرون جدًا الاهتمام بالقراءة والثقافة.

لا أذكر أن هذا الأمر تكرر إلا مرة واحدة، عندما قرروا تدريس أحد كتب العبقريات لـ(عباس محمود العقاد) ورواية (كفاح طيبة) لـ(نجيب محفوظ). ولم يتكرر الأمر منذ سنوات بعيدة.

في الغرب يعلمون التلاميذ اللغة من خلال كلمات لكبار الكتّاب، مثلًا يشرحون جملة للطلبة استعملها (ألبير كامو) أو (تشيخوف) أو (دوماس) أو (دوستويفسكي) في إحدى رواياته، وهنا يبقى جزء من الوعي الكامن لثقافة التلميذ أن هذه اللغة صنعها كبار الأدباء والمثقفين، لكن الآن للأسف يتم فرض نصوص على التلاميذ عفا عليها الدهر، نصوص مرهقة، غير فعالة على الإطلاق.

وأخيرًآ، يتحدث (بهاء طاهر) عن اقتراحه لتجديد الخطاب الثقافي، فيقول:

كيف يمكن أن نجعلهم على صلة بثقافتهم المعاصرة؟

اقترحت من قبل أن يقرأ المسؤولون كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لـ(طه حسين)، وأن ينفذوا أفكاره بحذافيرها، لأنه -للأسف- لا يوجد برنامج لتغيير ثقافة مصر إلا برنامج (طه حسين) الذي كُتب عام 1937.

اقترحت الاهتمام بالمعلم، بطريقة التعليم، فالتعليم لا يعتمد على أسلوب التلقين قدر أن يكون نوعًا من التدريب على الديموقراطية، ألا ننادي جميعًا بالديموقراطية؟

[…] ليتنا طبقنا أفكار (طه حسين) منذ هذا الوقت!

لو كانت طُبّقت لكنا أنقذنا الوطن من براثن التطرف الديني، هذا الكتب كان سيعلّم المصريين احترام الاختلاف، أي الرأي العام يتم الرد عليه بالرأي وليس بالهمجية والقنبلة والتطرف والتمرد.

يتحدث (طه حسين) في هذا الكتاب عن كيفية تحويل الديموقراطية إلى أسلوب حياة فاعل، وليس مجرد مفاهيم راكدة جامدة مكتوبة داخل الكتب ولا يتم تطبيقها أو الاستفادة منها، فبدون تطبيق الديموقراطية، تختنق المجتمعات، ووجهة نظري أنه لن لتم القضاء على الفقر ولا على الأمية إلا بتطبيق الديموقراطية.

والديموقراطية في أساسها أن يكون كل الناس جزءًا من عملية التغيير. كم عامًا أمامنا لنصبح هكذا؟

ذاكرة الكتابة عند أمير تاج السر

1_1029203_1_34

أمير تاج السر طبيب وروائي سوداني يمت بصلة قرابة وثيقة للأديب السوداني المشهور (الطيب صالح). نالت أعماله اهتماماً كبيراً في الأوساط الأدبية والنقدية، كما حققت شهرة عالمية، بعد ترجمة معظمها إلى الكثير من اللغات الحية منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية. في كتابه (ضغط الكتابة وسكّرها) كتب مقالاً عن دور الذاكرة في عمليّة الكتابة فقال:

أعتقد أن من أهم الأشياء التي ينبغي على الكاتب أن يمتلكها، وهو يمضي في سكة الكتابة، خاصة من احترف كتابة الأعمال الواقعية، أو الرواية الممزوجة بالسيرة الذاتية بشكل أو بآخر: ذاكرته. تلك العصا السّحرية التي تمكنه من نبش الماضي بسهولة واستخراج ما يصلح لكتابته ومالا يصلح أيضاً من أجل تعديله وتنقيته وإدراجه في النصوص التي ينتجها. ولطالما كانت الذاكرة المدربة جيداً، مفتاحاً لا يُمكن الاستغناء عنه في كل كتابة ناجحة.

الذاكرة هنا لا تقتصر على حياة الكاتب فقط، أي ماعاشه من أيام مضت بخيرها أو بشرّها، ولكن أيضاً في استدعاء الخبرات التي اكتسبها بعد أن كبر، مثل روس اللغة والعلوم المتشعّبة التي تعلمها في المدارس، و قراءاته لمن سبقوه، و أثّروا في كتابته، و من انتقدوا أعماله واستفاد من نقدهم، وأيضاً من قرؤوا أعماله من القرّاء العاديين، و أدلوا برأي فيها، سلباً أو إيجاباً.

و يطرح هنا سؤالاً بقوله: هل بالضرورة تولَد الذاكرة القويّة مع كل مبدع، مثل موهبته؟

يجيب عن ذلك:

لا أعتقد ذلك، فالموهبة ثبت أنها تولد مع المبدع مع أول نفَس في الحياة، وترسم له الطريق بعد ذلك، هناك من يولد شاعراً ومن يولد رسّاماً ومن يولد كاتباً، و ماعليه سوى اتّباع المسار الذي رُسِم له، وتقوية خطواته بعد ذلك باكتساب المعارف التي تخصّ ذلك الطريق بعكس الذاكرة التي قد تكون شحيحة بعض الشيء، و لكن بكثير من التدريب، يُمكن تقوية حبالها لانتشال ماهو بعيد في الماضي، ويستحق عناء انتشاله، وقد ساهم عشق الشعر وحفظه وتداوله في الماضي لدى أجيال سابقة من المبدعين، في تقوية ذاكرتهم بشدة، كذلك أولئك الذين عاصروا زمن الكاتب أو الخلاوي بلغة أهل السودان، حيث يدرس القرآن ويحفظ بواسطة الشيوخ، اكتسبوا ذاكرات مدربة سترتهم كثيراً فيما بعد، وسدّت فقرات النسيان التي ربما كانت تتحاوم في ذاكرتهم وأعتقد أن كتاباً مثل (الأيام) لـ(طه حسين)، من تلك النماذج التي كتبت بذاكرة خصبة للغاية لم تنسَ أي تفاصيل كان من شأنها أن تُثري الكتابة …

و يمضي بقوله:

في قراءة متأنّية لما تصطاده الذاكرة الإنسانية عادةً، وتحتفظ به لاستدعائه عند الضرورة، استوقفتني السير الموجعة أكثر من تلك المفرحة، بمعنى أن ما يبقى طويلاً في الذاكرة هو ما آلَم صاحبها أو أحدَث صدمة بداخله، مثل معاصرته لحرب أهليّة أو مجاعة أو كارثة مّا، أو تعرّضه شخصياً لحادث طارئ، ويوجد في الطب النفسي ما يُسمى أعراض ما بعد الحادث، تلك التي تستعيدها الذاكرة مراراً ولاتملّ من استعادتها و غالباً في شكل كوابيس ليليّة، لذلك تجد مادة خصبة عند الكتّاب والشعراء الذين عاصروا الحروب العالميّة وتشرّدوا أو فقدوا أحبّاءهم بسببها، ومن عاشوا حروب أفريقيا الأهلية، والذين عاصروا نكبة فلسطين في بدايتها، وحرب العراق الحديثة وكل ذلك أنتج أدباً رفيع المسوى ليس في فنّياته بالضرورة، وإنما في غِنى الذاكرة التي دلَقته بعد ذلك. وكلنا يعرف ما كتبه شعراء مثل معين بسيسو وكتّاباً مثل إميل حبيبي عن الأزمة الفلسطينيّة.

ومن العوامل الأخرى في تدريب الذاكرة كما أعتقد مسألة الاغتراب، أي أن يُفارِق المبدع وطنه لفترة طويلة، هنا تأتي مسألة الحنين القويّ للوطن، مما يُوقِد الذاكرة بشدة، يجعلها تستدعي كل لحظة عاشها المبدع في الوطن، حتى لو كانت بلا معنى، مثل أن يتذكر طفولته في الحواري والأزقة، وسط أصدقاء يستدعي ملامحهم أيضًا، يتذكر حبه الأول لفتاة الجيران، ويتذكر أي سلوى عابرة يمكن أن تطفئ الحنين، هنا يعمل الكاتب بلا وعي منه، في تدريب ذاكرته باستمرار، وبالتالي يحتفظ بمفتاحه السرّي، جديداً ولامعاً، وجيداً لاستخدامه في أي كتابة يكتبها.

لقد تعرّض (ماركيز) لمسألة الحنين هذه في روايته: (الحب في زمن الكوليرا) ووصفها بأنها تملك أحاييل شرسة ومتنوّعة، لجرّ المغترب إلى وطنه، أضيف إلى (ماركيز) أنها تملك أيضاً مزيلاً للصّدأ عن الذاكرة، ورواية مثل (موسم الهجرة للشمال) لـ(الطيب صالح)، التي كتبها أثناء اغترابه في لندن، الذي استمر حتى وفاته، أعتقد جازماً أن الحنين أثّر فيها بشكل أو بآخر، وأوقد ذاكرة مبدعها لتخرج هكذا رواية خالدة وروايته (عرس الزين) أيضاً كانت عن شخصية عاصرها صغيراً’ وكتب تفاصيها كلها في مغتربه البعيد.

و من الوسائل الأخرى لتدريب الذاكرة التي ذكرها العزلة حيث قالها فيها:

العزلة أيضاً من وسائل التعليم الكبرى التي تدرّب ذاكرة المبدعين. العزلة بمعناها الجسدي والنفسي، أن ينعزل المبدع عن الخارج المحيط به، ويبدأ في تشييد عالم داخلي خاص به وليس ثمة صلة وصل بينه وبين الخارج، سوى الذاكرة التي تحصل على تدريب جيد بلا شك وتعتبر السجون من الأماكن التي تتيج العزلة بجدارة. و من قرأ أدب السجون بقرأ بجانب معاناة السجين اليومية، حصاد ذاكرته التي كانت تحلق في الماضي باستمرار، وتلتقط أنفاساً من الحرية تنفّس بها المبدع ذات يوم.

وأظن أن (صنع الله إبراهيم) من الذين كتبوا عزلة السجون بذاكرة مضيئة. وكذا أدباء آخرون من تونس و المغرب و سوريا.